بعد نصف قرن من تأسيس «اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي»، يرى رئيسه الدكتور عمرو الليثي أن التحدّي لم يعد في استمرار مؤسسة إعلامية تجمع هيئات البث في 57 دولة، إنما في إعادة صياغة دورها بما يتناسب مع التحولات المتسارعة في صناعة الإعلام. بالنسبة للّيثي، الذي ينتمي في الأساس إلى الإعلام المؤسسي والتلفزيون التقليدي، فإن التحوّل الرقمي لم يعد خياراً؛ بل بات ضرورة للبقاء. وهو يقول في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «عصر التلفزيون التقليدي الذي يفرض محتواه على الجمهور انتهى»، معتبراً أن «مستقبل الصناعة سيكون للمحتوى القادر على الوصول إلى الجمهور أينما كان، وعلى المنصة التي يفضلها».
ملفات عمل عليها «الاتحاد»
يضع الليثي في كلامه عن حصيلة فترة رئاسته لـ«الاتحاد» الاستقرار المالي، والتحوّل الرقمي، والتدريب، وبناء القدرات، وتطوير التبادل الإخباري، في مقدمة الملفات التي عمل عليها «الاتحاد». ويشير إلى نجاحه في استعادة نحو1.77 مليون دولار من مُستحقّات قديمة كان بعضها يُعد «شبه معدوم»، إلى جانب إدارة فوائض مالية تصل إلى 5 ملايين دولار. واليوم يطمح الليثي إلى أن يقود مشروع «الكلاود الإخباري»، المنتظر التوسّع في تشغيله إبّان عام 2027، إلى إنشاء «شبكة إعلامية متكاملة» تستفيد من الانتشار الجغرافي لمؤسسات «الاتحاد»، بحيث تصبح قادرة على تقديم روايتها ومحتواها، بدلاً من الاعتماد الدائم على ما تنتجه الشبكات الدولية عن المنطقة.

الاستقرار مالي
عمرو الليثي يؤمن بأن «التحول الأهم هو انتقال الاتحاد من مؤسسة تقليدية إلى منظومة إعلامية أكثر فاعلية وحداثة واستدامة، لها حضور فاعل بين مؤسسات الإعلام في دول منظمة التعاون الإسلامي». ويذكر أن هدفه الأول كان «التطوير المؤسّسي والحوكمة، والاستقرار المالي، والتحول الرقمي، وتطوير التبادل الإخباري، إضافة إلى التدريب وبناء القدرات»، لافتاً في هذا الصدد إلى تأسيسه «أكاديمية الاتحاد».
الواقع أن الطريق لم يكن سهلاً، وكان الوضع المالي لـ«الاتحاد» من أهم التحديات التي واجهت رئيسه، الذي يفصح أن «تحقيق الاستدامة المالية كان رهناً بقدرة الاتحاد على الاستمرار والتطوير»، قبل التطرق إلى «تعامله مع الملف المالي بمنهجية مؤسسية تقوم على ترشيد الإنفاق، وتعظيم الموارد، وتحصيل المستحقات المتأخرة بهدف استحداث قاعدة مالية صلبة تسمح للاتحاد بتنفيذ مشاريعه وتقديم خدماته لمنسوبيه».
بحسب الليثي، مكّنت هذه المنهجية «الاتحاد» من تحصيل نحو 1.77 مليون دولار من ديون وُصفت بأنها «شبه معدومة»، ويضيف رئيس «الاتحاد» موضحاً أنه عندما تولى رئاسة «الاتحاد» كانت هناك مستحقات متراكمة لدى عدد من الأعضاء، وبعضها يعود إلى سنوات طويلة. ويتابع: «لقد ساهم التواصل المباشر المستمر مع المؤسسات الأعضاء، إلى جانب تطوير وتوسيع نطاق الخدمات التي يقدمها الاتحاد، في تحصيل هذه المستحقات... هذا ليس نجاحاً مالياً فقط، بل هو مؤشِّر مرجعي مُهم على استعادة الثقة في اتحاد إعلامي يُعد من الأكبر مهنياً في العالم».
من ثم، ومع تفعيل الإدارة والرقابة والحوكمة لكل أنظمة «الاتحاد» في إطار مؤسسي، تمكّن «الاتحاد»، وفق الليثي، من إدارة فائض مالي يقدر بنحو5 ملايين دولار، وفق أطر مالية واضحة، ما حافظ أولاً على رأس المال، مع تحقيق عائد مناسب يتراوح في المتوسط بين 3.8 و4.2 في المائة.
لن نحارب المنصات
من جهة أخرى، منذ تولّي عمرو الليثي مسؤولياته، شرع في التبادل البرامجي والإخباري وفق «خطة زمنية محكمة»، ما حقّق تدفّقاً مضطرداً للمواد المتبادلة. بيد أنه يؤكد: «لم نصل بعد إلى نهاية الطريق، فطموحنا أكبر من مجرد منصة للتبادل. إننا نطمح إلى بناء شبكة إعلامية متكاملة تستفيد من وجود مؤسسات الاتحاد في 57 دولة بحيث تصبح سرعة تبادل المحتوى وجودته وتنوعه منافساً حقيقياً مع الشبكات العالمية».
في سياق ثانٍ ومهم، يرى الليثي، الذي عمل لسنوات في التلفزيون، إن «عصر التلفزيون التقليدي الذي يفرض محتواه على جمهور يأتي إليه انتهى. فالمحتوى يجب أن يذهب الآن إلى الجمهور أينما كان، وعلى المنصّة التي يفضلها، وبالشكل الذي يوافق عاداته في المشاهدة».
ثم يوضح أن «التحدّي ليس تلفزيوناً في مواجهة وسائل التواصل الاجتماعي؛ إنما محتوى جيد متنوع في مواجهة محتوى تقليدي، وإذا استطاع التلفزيون أن يواكب هذا التحوّل فسيبقى». ويستدرك من ثم، فيقول إن «التلفزيون لا يموت، لكن طريقة مشاهدته هي التي تتغير، والخطأ أن نحاول إجبار الجيل الجديد على استهلاك الإعلام بالطريقة التي استهلكناه بها نحن... الشباب يريد السرعة والتفاعل والمحتوى المختصر والوصول إليه في أي وقت ومن أي مكان، لذلك يجب أن يتحول التلفزيون من مجرد شاشة إلى منتج محتوى متعدد المنصات». وهنا يشدد على أنه «لا ينبغي أن نحارب المنصات، مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(يوتيوب)، بل علينا أن نكون موجودين عليها بمحتوى مهني وجذّاب وموثوق».
الذكاء الاصطناعي فرصة ذهبية
بالتوازي، يرى عمرو الليثي في الذكاء الاصطناعي «فرصة ذهبية للإعلام والصحافة» لو أحسن استخدامه، ولا سيما أنه «يوفّر للصحافي أدوات متطوّرة في البحث والتحليل والترجمة وإدارة البيانات الضخمة وإنتاج المحتوى».
لكن يظل هناك «خط أحمر»، يتمثل بحسب الليثي في «ألا يحل الذكاء الاصطناعي محل المسؤولية المهنية والإنسانية للصحافي»، منوّهاً بـ«اهتمام الاتحاد بأخلاقيات العمل الإعلامي، وإصداره ميثاق الشرف الإعلامي كإطار مهني وأخلاقي يسترشد به الإعلاميون في ظل التحولات الرقمية المتسارعة وما تفرضه تقنيات الذكاء الاصطناعي من تحديات».
وضمن هذا الإطار، يشدد على أن «الصحافي يحتاج إلى التكنولوجيا واستعادة الثقة والمصداقية معاً، لكن تبقى المصداقية أولاً... إذ ما قيمة أن يمتلك الصحافي أحدث الأدوات إذا فقد الجمهور ثقته فيه؟».
ولأن فلسطين قضية العرب الرئيسة لم يغفلها «الاتحاد»، إذ يقول رئيس «اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي» إن «فلسطين لبّ قضيتنا، وهي رسالة حاضرة بصورة مستمرة في عملنا الإعلامي». ثم يؤكد أن دور «الاتحاد» لا يقتصر على «بيانات التضامن، بل يشمل دعم وصول الرواية الفلسطينية الأصلية إلى المؤسسات الإعلامية في الدول الأعضاء، وتبادل الأخبار والمواد التي توثق ما يجري، وإبراز الانتهاكات التي يتعرّض لها الصحافيون، والدعم من خلال شبكة الاتحاد الواسعة في إيصال صوتهم إلى العالم بأسره».
في الذكاء الاصطناعي فرصة ذهبية للإعلام والصحافة لو أحسن استخدامه
الليثي
فضاء إعلامي مشترك
الليثي، حقاً، يعتز بأنه تمكّن إبان فترة رئاسته لـ«الاتحاد» من «تغيير شكل ومفهوم الاتحاد ليصبح أكثر قوة وتأثيراً وإنسانية، وأكثر قرباً وتلامساً من مؤسساته الأعضاء واحتياجاتها... مرسخاً بذلك ثقافة الإدارة المستدامة المؤسسية وروح الفريق، ليصبح النجاح مسؤولية جماعية، وليس مرتبطاً بشخص». غير أنه بالرغم من هذه النجاحات لا يزال يطمح إلى المزيد، آملاً أن ترتبط فترة ولايته للاتحاد بجعله أكثر قوة وإنسانية وتأثيراً ووجوداً على الخريطة العالمية.
وهنا يشدد الليثي على أن «ما تحقق من إنجاز هو نتاج عمل جماعي ومنظومة متكاملة، وأنا لا أريد أن يُقال إن عمرو الليثي تولى رئاسة الاتحاد لعدة سنوات؛ بل أريد أن يُقال إنه عندما تولّت مصر رئاسة الاتحاد تركت الاتحاد أقوى مما تسلمه».
ويردف الليثي أنه «يقبل أن يُحاسَب بالأرقام، بما تم استرداده من مستحقّات، وبما تحقّق من وفر وفائض مالي، وبعدد الصحافيين الذين أمكن تدريبهم، وبعدد المشاريع التي أطلقت، وبمدى التحول الرقمي الذي تحقق، وبحجم التعاون الحقيقي بين الدول الأعضاء». وهذا، قبل أن يقول: «الإنجاز الأكبر هو أن يتحول الاتحاد بعد 50 سنة من تأسيسه إلى مؤسسة إعلامية حديثة ومؤثّرة، يشعر كل عضو فيها أن الاتحاد يقدم له قيمة حقيقية. مؤسسة مستقرة مالياً، متطورة تكنولوجياً، قوية مهنياً، ولديها جيل جديد قادر على استكمال الطريق».
ختاماً، يتهيأ رئيس «اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول التعاون الإسلامي» لدخول عام 2027 «بخطة مليئة بالمشاريع الكبرى، مثل تشغيل وحدة الكلاود الإخباري، والتوسّع في نشاط الأكاديمية، وتدعيم مزيد من المكاتب الخارجية». ويوضح: «قطعنا شوطاً مهماً، لكن لم نصل لنهاية الطريق. هدفنا أكبر من مجرد منصة تقنية، نريد فضاءً إعلامياً مشتركاً يسمح للدول الأعضاء بتبادل الأخبار والصور والتقارير والمحتوى بسرعة وكفاءة».


