الجيش السوداني يعلن إسقاط مسّيرة قادمة من إثيوبيا

تشاد تتهمه بقصف رتل عسكري داخل أراضيها

عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)
عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)
TT

الجيش السوداني يعلن إسقاط مسّيرة قادمة من إثيوبيا

عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)
عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الجيش السوداني، يوم الأحد، إسقاط طائرة مسيّرة في منطقة دندرو جنوب شرقي البلاد، قائلاً إنها الثانية التي يسقطها الجيش في تلك المنطقة، وفقاً لمكتب الناطق الرسمي باسم الجيش.

وقالت وزارة الدفاع، في بيان على منصة «فيسبوك» إن «الدفاعات الجوية تمكنت من إسقاط طائرة مسيّرة استراتيجية معادية قادمة من الأراضي الإثيوبية في محور سماء مدينة الكرمك بإقليم النيل الأزرق». ولم يصدر بعد تعليق رسمي من «قوات الدعم السريع» التي تسيطر على مدينة الكرمك الاستراتيجية مع الحدود الإثيوبية منذ منتصف أغسطس (آب) الحالي.

وفي وقت سابق، قالت السلطات المحلية، إن الكرمك تعرضت قبل سقوطها في يد «قوات الدعم السريع» لهجمات مكثفة بالطائرات المسيّرة الاستراتيجية والانتحارية، إلى جانب قصف مدفعي قالت إنه جاء من «الجوار الإقليمي».

وتتهم الحكومة السودانية إثيوبيا بالسماح لـ«قوات الدعم السريع» باستخدام أراضيها منطلقاً للهجمات بالمسّيرات والعمليات البرية، وهو اتهام سبق أن نفته أديس أبابا، ما أدى إلى توتر في العلاقات بين البلدين.

وتشهد حدود السودان وإثيوبيا توتراً متصاعداً منذ أشهر طويلة، بعدما نقل تحالف «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» المعارك العسكرية إلى ولاية النيل الأزرق الحدودية بين البلدين.

جبهة النيل الأزرق

صورة متداولة لعناصر من الجيش السوداني عند دخولهم في وقت سابق منطقة الكيلي بولاية النيل الأزرق

والأسبوع الماضي، سيطرت «قوات الدعم السريع» وحلفاؤها في قوات «تأسيس» على مدينة قيسان، وهي ثاني منطقة مهمة على الحدود الإثيوبية، وتقع على بعد نحو 170 كيلومتراً من الدمازين، عاصمة النيل الأزرق.

وظلت جبهة النيل الأزرق تشهد تصعيداً عسكرياً مستمراً، وذلك في أعقاب شنِّ «قوات الدعم السريع» وقوات «الحركة الشعبية» المتحالفة معها، عمليات عسكرية مشتركة ضد مواقع كثيرة للجيش في الإقليم.

وتغيَّرت خريطة السيطرة في جنوب الإقليم أكثر من مرة خلال الأشهر الماضية، إذ سيطر خلالها تحالف «تأسيس» على مدينة الكرمك الحدودية في مارس (آذار) الماضي، قبل أن يشنَّ الجيش في يوليو (تموز) من العام ذاته عمليات مضادة استعاد بموجبها مدينتي الكرمك وقيسان ومواقع أخرى، ووسَّع نطاق سيطرته في المناطق القريبة من الحدود الإثيوبية في شرق السودان.

الحدود مع تشاد

نازحون من دارفور بمخيم للاجئين السودانيين شرق تشاد في 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

أما في حدود السودان الغربية مع دولة تشاد، فقد اتهم الجيش التشادي نظيره السوداني بقصف رتل عسكري داخل الأراضي التشادية، عبر طائرات مسيّرة. ونقلت «وكالة الأنباء الألمانية» عن موقع «سودان تربيون»، يوم الأحد، قوله إن طائرات مسيّرة يرجح تبعيتها للجيش السوداني شنت يومي الخميس والجمعة الماضيين غارات جوية عنيفة استهدفت تعزيزات عسكرية لـ«قوات الدعم السريع» قادمة من العمق التشادي، وذلك ضمن جهود ترمي إلى تجفيف منابع إمداد «قوات الدعم السريع». وتتهم الحكومة السودانية نظيرتها التشادية بالتورط في تغذية الصراع المسلح في السودان عبر توفير الإسناد العسكري لـ«الدعم السريع». وقالت هيئة الأركان العامة للجيش التشادي، في وقت متأخر من مساء السبت، إن طائرات نفذت هجوماً استهدف رتلاً من المركبات داخل الأراضي التشادية، وتحديداً في ولاية إيندي الشرقية التي تقع على مسافة تتجاوز 100 كيلومتر من الحدود.

وأوضح مدير الإعلام في الجيش التشادي، الجنرال الشأنان إسحاق الشيخ، أن الهجوم نُفذ بواسطة مسيّرات «تُشير المعطيات المتوافرة إلى أنها تعود للقوات السودانية أو الجهات المساندة لها»، مؤكداً أن القصف وقع في عمق الأراضي التشادية واستهدف قافلة من المركبات.

وأضاف أن القوات المسلحة التشادية وضعت جميع وحداتها في حالة تأهب قصوى، تحسباً لأي تطورات ميدانية جديدة، مشيراً إلى أن الجيش يحتفظ بحقه في اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن السيادة الوطنية والتصدي لأي تهديد محتمل.

أوضاع أمنية معقدة على الحدود

وفي السياق ذاته، جددت المؤسسة العسكرية التشادية تحذيرها للأطراف المنخرطة في النزاع السوداني من أي محاولة لنقل المواجهات أو توسيع نطاق العمليات العسكرية إلى داخل الأراضي التشادية، مؤكدة تمسكها بحماية حدود البلاد وأمنها الوطني. ويأتي هذا الإعلان في وقت تشهد فيه المناطق الحدودية بين تشاد والسودان أوضاعاً أمنية وإنسانية معقدة نتيجة استمرار النزاع في السودان، الذي دفع مئات الآلاف من اللاجئين إلى عبور الحدود نحو الأراضي التشادية خلال الأشهر الماضية.

وكانت وسائل إعلام تحدثت عن مقترح أميركي بفرض حظر جوي على مناطق سيطرة الجيش و«قوات الدعم السريع» لوقف الحرب في السودان، وأن مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، طلب عقد جلسة لمجلس الأمن الدولي بشأن السودان، يوم الاثنين، لا سيما وهناك قرار مسبق وسارٍ صادر عن مجلس الأمن بفرض حظر الأسلحة بما فيها الطيران على إقليم دارفور في غرب السودان، وذلك ضمن الجهود الدولية الرامية إلى الحد من التصعيد العسكري وحماية المدنيين.

وأشارت مصادر دبلوماسية إلى أن عملية المراقبة والخطوات الفنية لتنفيذ الحظر ليست فيها صعوبة، بقدر ما تكمن الصعوبات في تمرير القرار الذي يعتبر هو التحدي الحقيقي في ظل التباين في وجهات النظر بين بعض أعضاء المجلس حول ملف السودان. ويشهد السودان حرباً بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ 15 أبريل (نيسان) 2023، وأودى الصراع بحياة 59 ألف شخص على الأقل وتسبب في نزوح نحو 13 مليون آخرين ودفع أجزاء كثيرة من السودان إلى المجاعة، حيث يحتاج أكثر من 30 مليون شخص لمساعدات إنسانية.

تحقيق في إعدام مواطن

قائد «كتيبة البراء بن مالك» الإسلامية المصباح طلحة (وسط) يقف على يمين رئيس أركان الجيش ياسر العطا (متداولة)

من جهة ثانية، طالبت منظمة حقوقية سودانية بفتح تحقيق بشأن قيام قوات من كتيبة «البراء بن مالك»، التي تصنفها الولايات المتحدة كياناً «إرهابياً»، بإعدام وتصفية مواطن أعزل في مدينة أم درمان بولاية الخرطوم، محملة الجيش المسؤولية الكاملة عن هذه الجرائم التي قالت إنها متكررة. وقالت منظمة «مناصرة ضحايا دارفور»، في بيان صحافي، إنها وثقت قيام مجموعة من قوات «كتيبة البراء بن مالك» المساندة للجيش، والتي يقودها المدعو المصباح طلحة، باعتقال مواطن أعزل في أم درمان وربط يديه وتغطية وجهه وإرهابه وإطلاق النار عليه. وأضافت المنظمة: «هكذا يتم إعدام المدنيين وتصفيتهم داخل المنازل»، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي فرض العام الماضي عقوبات على «كتيبة البراء بن مالك».

يشار إلى أن هذه الكتيبة هي قوات تابعة لتنظيم الإخوان المسلمين، تدعم الجيش في معاركه المستمرة ضد «قوات الدعم السريع». وصنّفت الولايات المتحدة في مارس الماضي، جماعة الإخوان المسلمين وجناحها العسكري «كتيبة البراء بن مالك» كياناً «إرهابياً»، وأدرجتها وزارة الخارجية الأميركية ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية.

كما فرضت واشنطن، في سبتمبر (أيلول) الماضي، عقوبات على الكتيبة، متهمة إياها بـ«المساهمة في تأجيج الصراع القائم وبارتباطات مع إيران».


مقالات ذات صلة

رغيف الخبز يثقل كاهل السودانيين مع تفاقم تكاليف الإنتاج

خاص عامل في مخبز بأم درمان يشرف على إنتاج الخبز (الشرق الأوسط)

رغيف الخبز يثقل كاهل السودانيين مع تفاقم تكاليف الإنتاج

عمّت حالة من السخط الشعبي في الشارع السوداني بعد رفع سعر الرغيف إلى 500 جنيه بزيادة 35 % عن السعر السابق

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا آثار الدمار الذي تعرضت له المحطة التحويلية للكهرباء في الخرطوم (إعلام ولاية الخرطوم)

المسيّرات توسّع دائرة الظلام في السودان وتحصد قتلى في نيالا

شهدت العاصمة السودانية الخرطوم، فجر الثلاثاء، انقطاعاً واسعاً للكهرباء بعد هجوم جوي استهدف محطة تحويلية للكهرباء في منطقة المرخيات غرب مدينة أم درمان

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا وزير الخارجية السوداني في أثناء استقباله أمين عام الجامعة العربية في مطار الخرطوم الاثنين (الخارجية السودانية)

خبراء: زيارة أمين عام الجامعة العربية للخرطوم تُمهد لحوار سوداني - سوداني

قال دبلوماسيون سابقون وخبراء إن زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي إلى الخرطوم «تمهد لحوار سوداني - سوداني».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا سودانية هاربة من مدينة الفاشر متأثرة خلال مقابلة مع وكالة «رويترز» بمعسكر للاجئين شرق تشاد 27 نوفمبر 2025 (رويترز) p-circle

بريطانيا تعاقب 15 قائداً سودانياً ضالعاً في «اغتصابات الفاشر»

أعلنت المملكة المتحدة فرض عقوبات ضد 15 قائداً عسكرياً من طرفَي النزاع في السودان يشتبه بـ«ارتكابهم فظائع، من بينها عنف جنسي مرتبط بالنزاع»، في وقت سقوط الفاشر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عربية احتفالية لاعبي المغرب الفاسي بالفوز الثمين على أسيك ميموزا العاجي (نادي المغرب الفاسي)

«أبطال أفريقيا»: المغرب الفاسي والهلال السوداني إلى دور المجموعات

حجز فريق المغرب الفاسي مقعده في دور المجموعات لأمجد الكؤوس الأفريقية، دوري أبطال أفريقيا، بعد تجاوزه لخصمه أسيك ميموزا العاجي.

«الشرق الأوسط» (أبيدجان (ساحل العاج))

إثيوبيا تعزز قدراتها العسكرية وسط توترات بالقرن الأفريقي

آبي أحمد في موسكو خلال تسليم طائرات مقاتلة من طراز سو - 35 من الجيل الرابع (صفحته على إكس)
آبي أحمد في موسكو خلال تسليم طائرات مقاتلة من طراز سو - 35 من الجيل الرابع (صفحته على إكس)
TT

إثيوبيا تعزز قدراتها العسكرية وسط توترات بالقرن الأفريقي

آبي أحمد في موسكو خلال تسليم طائرات مقاتلة من طراز سو - 35 من الجيل الرابع (صفحته على إكس)
آبي أحمد في موسكو خلال تسليم طائرات مقاتلة من طراز سو - 35 من الجيل الرابع (صفحته على إكس)

عززت إثيوبيا قدراتها العسكرية عبر صفقة غير مسبوقة مع موسكو، في توقيت حرج يتزامن مع تصاعد التوتر مع الجارة إريتريا، منذ قطع علاقات البلدين مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، ومخاوف من تجدد حرب بينهما وتفاقم الاضطرابات بالقرن الأفريقي.

الصفقة التي تشمل 12 مقاتلة روسية تم تسلمها، و4 بطاريات دفاع جوي تستعد أديس أبابا لتسلمها، بحسب حديث رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، ستبدو وكأنها «رسالة ردع في المنطقة»، وفق خبير إثيوبي في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، مؤكداً أن «هذا التطور لا يعني استعداد إثيوبيا لخوض مواجهة عسكرية، بل سعيها إلى رفع كلفة أي تهديد محتمل».

ويأتي هذا الإعلان بالتزامن مع وصول آبي أحمد إلى موسكو للمشاركة في القمة الروسية - الأفريقية الثالثة، التي تعقد الأربعاء والخميس، والتي يشارك فيها رئيسا مصر وإريتريا.

وأعلن آبي أحمد عبر حسابه بمنصة «إكس»، الأربعاء، أن بلاده تسلمت الدفعة الأولى المكونة من 12 مقاتلة من طراز «سو - 35» من الجيل 4++، وأنها تستعد لتسلم أربع بطاريات من منظومات «إس - 400» للدفاع الجوي.

وأعرب عن امتنانه للرئيس الروسي فلاديمير بوتين «لتسهيل تسليم المقاتلات قبل الموعد المتفق عليه بعام كامل»، واصفاً تلك الخطوة بأنها «محطة مهمة في جهود إثيوبيا الرامية إلى تعزيز قدراتها في مجالَي الدفاع الوطني والأمن».

ويعدُّ هذا المسار، بحسب حديث الخبير الإثيوبي في الشؤون الأفريقية موسى شيخو، «تحولاً مهماً في أولويات إثيوبيا الأمنية، ويتجاوز تحديث الترسانة العسكرية، إلى إعادة بناء معادلة الردع في القرن الأفريقي».

وأضاف شيخو: «نحن أمام تحول نوعي في العقيدة الدفاعية الإثيوبية، وليس مجرد إضافة عدد من الطائرات إلى سلاح الجو، فمقاتلات Su - 35 تمنح إثيوبيا عند اكتمال تشغيلها وتدريب أطقمها، قدرات متقدمة في الاعتراض الجوي والقتال بعيد المدى، أما منظومات S - 400 إذا تسلمتها وأدمجتها بنجاح في شبكة دفاعها الجوي، فستعزز قدرتها على حماية مجالها الجوي والمنشآت الاستراتيجية».

رئيس الوزراء الإثيوبي يتسلم طائرات مقاتلة من طراز سو - 35 من الجيل الرابع (صفحته على إكس)

واعتبر آبي أحمد أن «هذه الصفقة تضع إثيوبيا في طليعة دول أفريقيا جنوب الصحراء من حيث امتلاك المقاتلات المتطورة»، مؤكداً أن «تنامي الجاهزية لدى القوات الدفاعية الإثيوبية يعزز قدرة البلاد على ردع أي عدوان محتمل»، وفق قوله.

ولم يذكر أحمد طبيعة ذلك «العدوان المحتمل»، غير أنه يأتي في سياق تصاعد التوترات مع إريتريا منذ مطلع أكتوبر الحالي، بعد اتهامات إثيوبية لأسمرة بدعم «تمرد» «جبهة تحرير تيغراي» المعارضة.

وأثارت معارك اندلعت في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي بين «الجبهة» والحكومة الإثيوبية، مخاوف من اندلاع حرب إقليمية، حيث اتهمت أديس أبابا أسمرة بدعم المتمردين ونشر آلاف الجنود داخل الأراضي الإثيوبية، قبل أن تقول إنها أجبرتها على التراجع بعد نحو أسبوعين غداة ضربات مكثفة، وهو ما نفته إريتريا مراراً.

ونالت إريتريا استقلالها عن إثيوبيا عام 1993، وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامَي 1998 و2000، وشهدت العلاقات بين البلدين تحسناً لفترة وجيزة بعد وصول آبي أحمد إلى السلطة في 2018، لكنها تدهورت مجدداً، وصولاً إلى قطع العلاقات كلياً مطلع هذا الشهر بسبب النزاع في تيغراي.

ووفق الخبير الإثيوبي في الشؤون الأفريقية، تبرز ثلاثة دوافع رئيسية للتوجه الإثيوبي العسكري الجديد؛ «أولها، استعادة الجاهزية العسكرية وتعزيز الردع بعد سنوات من النزاعات الداخلية التي استنزفت الموارد العسكرية والأمنية، وثانيها مواجهة المخاطر الإقليمية المتصاعدة ولا سيما التوتر مع إريتريا، وثالثها حماية الأصول الاستراتيجية، وفي مقدمتها سد النهضة والبنية التحتية الحيوية».

ويتابع: «لا يعني هذا التطور استعداد إثيوبيا لخوض مواجهة عسكرية، بل سعيها إلى رفع كلفة أي تهديد محتمل، وتعزيز قدرتها على حماية سيادتها واستقلال قرارها الوطني». ويؤكد أن رسالة أديس أبابا تتمثل في أنها «لا تسعى إلى فرض نفوذها بالحرب، بل إلى امتلاك قوة ردع تحمي مصالحها، وتمنح دبلوماسيتها وزناً أكبر».


جدل مصري حول تعديل الدستور لتمديد حكم السيسي

السيسي وسط قيادات الدولة في «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)
السيسي وسط قيادات الدولة في «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)
TT

جدل مصري حول تعديل الدستور لتمديد حكم السيسي

السيسي وسط قيادات الدولة في «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)
السيسي وسط قيادات الدولة في «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)

لا تزال فكرة تعديل الدستور المصري بما يُمكًن الرئيس عبد الفتاح السيسي من الترشح لمدد رئاسية جديدة، محل جدل على الساحة السياسية، إذ لم تمنع رغبة الرئيس تسليم الحكم عام 2030 مؤيديه من دعوته للبقاء، في وقت يرفض سياسيون ومعارضون المساس بالدستور ويحذرون من محاولات تعديله.

كان الرئيس المصري قد صرح في 17 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، بأن «الدستور لن يُمسّ»، في إشارة إلى رفضه تعديل الدستور لتمديد حكمه، وفي اليوم التالي، أكد المعنى نفسه، مؤكداً أنه سيسلّم السلطة في 2030، مقترحاً أن تتولى الأكاديمية العسكرية تدريب المرشحين المقبلين للرئاسة.

وظهرت حملات على مواقع التواصل الاجتماعي، تدعو الرئيس إلى التراجع عن قراره، وتطالب بتعديل الدستور وترشيحه لمدد تالية، وهو ما تبناه أيضاً عدد من الإعلاميين، من ضمنهم أحمد موسى ومحمد الباز. في المقابل، رحبت أحزاب وشخصيات عامة بإعلان الرئيس التداول السلمي للسلطة.

وبينما كان المرحبون بتصريح الرئيس يدعون إلى بدء نقاش فعال حول مقترحه لشروط وآلية إيجاد بديل بعد انتهاء حكمه، أعاد المؤيدون النقاشات إلى الخلف، بتكرار دعاوى تعديل الدستور.

وتستند دعوات هذا الفريق إلى أن مصر في «أزمة» ولا يوجد «بديل»، ومن ثم «يُفترض على الرئيس النزول على رغبة الجماهير والبقاء»، معتبرين أن تعديل الدستور «أمر لا ضرر منه في هذه الحالة»، وفق ما طرحه الإعلامي موسى في برنامجه «على مسؤوليتي» مساء الثلاثاء، بينما رد عليه المفكر السياسي حسام بدراوي، في البرنامج نفسه، بالرفض، مؤكداً أن «العودة للدستور هو ما يجب أن يحدث وقت الأزمة وليس تعديله».

السيسي يُصوت في انتخابات «مجلس الشيوخ» 2025 (المتحدث باسم الرئاسة المصرية)

وأرجع الخبير في «مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية»، عمرو هاشم ربيع، دعوات تعديل الدستور إلى عدة أسباب، منها «عدم ثقة البعض في إيجاد بديل للرئيس الحالي، أو مؤيدين للرئيس من منطلق المثل الشعبي: من نعرفه أحسن ممن لا نعرفه»، فضلاً عن وجود «منتفعين»، على حد قوله، معتبراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن حالة الجدل الموجودة وظهور الآراء الرافضة لبقاء الرئيس أو الداعية لتسليم السلطة، مؤشر على أن هذه الدعوات «اجتهادات لا يتبناها الرئيس، وحالة يجب أن تستفيد منها الأحزاب والمعارضة لطرح البدائل».

واتفق معه المحلل السياسي كمال زايد، وهو من رافضي تعديل الدستور، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن ما يستند إليه المؤيدون لبقاء الرئيس، «هي نفسها الأسباب التي تدفعنا للمطالبة بتسليم السلطة في موعدها، لأنه عندما تكون الدولة في أزمة، يجب ألا يُعدل الدستور».

وسجل عدد من المواطنين مقاطع فيديو عبر موقع «تيك توك»، يرفضون فيها تصريحات السيسي حول عدم تعديل الدستور، أحدها لمواطنة تبكي وتطالبه بالبقاء، وآخر يقول: «أنا ضد قرارك بعدم الترشح مرة أخرى»...

وعبَّر الإعلامي محمد الباز، الأسبوع الماضي، في لقاء تلفزيوني، عن أمنيته «أن يتراجع الرئيس» عن عدم ترشحه للرئاسة بعد 2030، قائلاً: «الدستور ليس قرآناً، ويمكن تعديله وفق مقتضيات معينة».

ولم يستبعد ربيع أن تنجح هذه الحملات في تغيير موقف السيسي، «وإعادة التفكير في الترشح خصوصاً لو تم بثها بصورة كثيفة، وانتشرت أكثر الفترة المقبلة».

وتنتهي فترة رئاسة السيسي عام 2030، وفق التعديلات الدستورية التي وافق عليها المصريون في تصويت عام 2019، ومُدت بموجبها الفترة الرئاسية إلى 6 سنوات بدلاً من 4 سنوات، وحُددت مدة الرئاسة بدورتين متتاليتين.

واشار أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق، إلى حالة الجدل الموجودة على الساحة، والتي تتجاوز ما عبَّر الرئيس السيسي عنه، إلى مفاجأة بعض الدوائر القريبة منه بتصريحاته حول تسليم السلطة، والتي يبدو أنه لم يكن قد شاركها إلا على نطاق ضيق حوله، ومن ثم جاءت حالة الجدل التي تحمل في جزء منها إرباكاً وارتباكاً في دوائر المؤيدين.

وتخوف صادق، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، من «أن ننتقل من جدل تعديل الدستور، إلى جدل آخر إذا ما ترجم البرلمان مقترحات السيسي حول من يترشحون للرئاسة في تعديلات بقانون الانتخابات، لتواجه أي عملية سياسية خاصة بالرئاسة، شبح عدم الدستورية».

كان الرئيس قد اقترح أن يتولى البرلمان وضع شروط للترشح تتمثل في أن يكون عمر المترشح بين 40 و50 عاماً، وأن يخضع لفترة تدريب وإعداد داخل «الأكاديمية العسكرية».

وتطرَّق المفكر السياسي حسام بدراوي إلى هذه الشروط في لقائه مع أحمد موسى، قائلاً إن «الدستور المصري الحالي تضمَّن شروطاً دقيقة وكافية لاختيار رئيس الجمهورية»، مؤكداً «أن جماهير الشعب تظل هي صاحبة الكلمة العليا وحق الفصل في تحديد هوية القائد الأنسب للبلاد».


الإدارة الجديدة لـ«المركزي الليبي» أمام مهمة عاجلة لـ«إنقاذ الدينار»

مقر المصرف المركزي في العاصمة الليبية طرابلس (رويترز)
مقر المصرف المركزي في العاصمة الليبية طرابلس (رويترز)
TT

الإدارة الجديدة لـ«المركزي الليبي» أمام مهمة عاجلة لـ«إنقاذ الدينار»

مقر المصرف المركزي في العاصمة الليبية طرابلس (رويترز)
مقر المصرف المركزي في العاصمة الليبية طرابلس (رويترز)

سارع محافظ مصرف ليبيا المركزي المكلف، فوزي بوخزام، خلال الأيام الأولى من توليه منصبه، إلى تكثيف مشاوراته مع مؤسسات اقتصادية وسياسية ليبية، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً اقتصادية متزايدة، وسط شكاوى من ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية للدينار.

وتأتي هذه التحركات في ظل انقسام سياسي ومؤسسي ممتد منذ عام 2011، يضع الإدارة الجديدة أمام اختبار مبكر لاحتواء تراجع العملة المحلية، بعدما تجاوز سعر الدولار الأميركي مستوى 10 دنانير في السوق الموازية خلال الشهرين الأخيرين.

فوزي بوخزام يتوسط رئيس مؤسسة النفط ووزير المالية بحكومة الوحدة الاثنين (المصرف المركزي)

دعوات للتظاهر

وانعكست هذه الضغوط على الشارع الليبي، حيث دعا نشطاء، الأربعاء، إلى التظاهر احتجاجاً على تردي الأوضاع المعيشية، مطالبين بإعادة النظر في سياسات سعر صرف الدينار، وفق ما أعلنت عنه صفحة «رابطة حراك 28 أكتوبر» على موقع «فيسبوك».

ويصف عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي الأسبق، أمراجع غيث، تحركات المحافظ الجديد بأنها تعكس إدراكاً لضرورة تجاوز المراسم التقليدية لتولي المنصب، والانخراط سريعاً في «مهمة عاجلة لإنقاذ الدينار الليبي»، الذي فقد جانباً من قوته الشرائية أمام الدولار الأميركي خلال الفترة الأخيرة.

ويرى غيث في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن أولوية المحافظ الجديد تتمثل في احتواء تراجع قيمة الدينار، والحد من انعكاساته على الأوضاع المعيشية، مشيراً إلى أن استقرار سعر الصرف يرتبط بمعالجة الاختلالات المالية والاقتصادية، التي تضغط على العملة المحلية.

بسبب الغلاء وتردي الأوضاع المعيشية ظهرت دعوات للتظاهر للمطالبة بإعادة النظر في سياسات سعر صرف الدينار (أ.ف.ب)

وبدا هذا التوجه حاضراً في لقاء بوخزام، الثلاثاء، مع رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، حيث تصدرت المباحثات سبل دعم الدينار الليبي، وتعزيز قيمته وتحسين سعر صرفه، في خطوة عكست أهمية التنسيق بين المؤسسات الوطنية المعنية بالاستقرار النقدي.

كما أثار اجتماع المحافظ الجديد، منتصف الأسبوع، مع وزير المالية بحكومة الوحدة الوطنية، راشد أبو غفة، ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان، اهتماماً في الأوساط الاقتصادية، نظراً إلى ارتباط الملفات المطروحة بمصادر الإيرادات العامة، وآليات إدارة الإنفاق الحكومي.

ويرى غيث أن أهمية هذه اللقاءات تنبع من تكامل الأدوار بين المؤسسات المعنية؛ فالمؤسسة الوطنية للنفط تتولى إدارة القطاع النفطي وإيراداته، فيما تضطلع وزارة المالية بإدارة الإنفاق العام، بينما يتولى المصرف المركزي إدارة السياسة النقدية والاحتياطيات الأجنبية، موضحاً أن التنسيق بين هذه الجهات ضروري لضمان انعكاس الإيرادات النفطية على استقرار الدينار، في حين يحمل التواصل مع المجلس الأعلى للدولة بُعداً سياسياً يساعد على توفير الدعم المؤسسي للسياسات المطلوبة، في ظل الانقسام الذي تشهده البلاد.

ضرورة ضبط الإنفاق الحكومي

يشدد عضو مجلس إدارة المصرف المركزي الأسبق على أن تعزيز القوة الشرائية للدينار يتطلب ضبط الإنفاق الحكومي، ومعالجة الاختلالات المرتبطة بالاعتمادات المستندية الممولة بالنقد الأجنبي، إلى جانب مكافحة تهريب النفط والسلع، باعتبارها ملفات مترابطة تؤثر في سوق الصرف، وشروطاً أساسية لنجاح مهمته في إنقاذ الدينار.

فوزي بوخزام خلال لقاء مع رئيس المجلس الأعلى للدولة في طرابلس محمد تكالة (المصرف المركزي)

وعلى خلاف أزمات رافقت انتقال قيادة بعض المؤسسات السيادية في ليبيا، لم يواجه تولي بوخزام اعتراضاً مؤسسياً معلناً مماثلاً، عقب تكليفه من مجلس النواب خلفاً لناجي عيسى، الذي سبق أن تقدم باستقالته وقُبلت، وسط ترحيب من المجلس الأعلى للدولة.

وسارع المحافظ المكلف إلى عقد اجتماعات مع إدارات المصرف، وإعادة تشكيل لجنة السياسة النقدية، إلى جانب استحداث لجان تُعنى بالحوكمة والمراجعة والمخاطر والتعيينات، في إطار إعادة تنظيم العمل الداخلي وتعزيز آليات الرقابة والإدارة المؤسسية.

لكن فاعلية هذه الخطوات ستظل مرتبطة بقدرة الإدارة الجديدة على ترجمة التغييرات التنظيمية إلى إجراءات ملموسة، تعالج الاختلالات النقدية والمالية، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط على سعر الصرف وتزايد الأعباء المعيشية على المواطنين.

وفي هذا السياق، يرى الدكتور عمر زرموح، أستاذ الاقتصاد بالأكاديمية الليبية، أن من الأخطاء التي ينبغي للمحافظ المكلف تجنبها التماهي مع واقع إدارة المالية العامة، عبر ترتيبات مالية مؤقتة مستمرة منذ سنوات، دون موازنة عامة معتمدة من السلطة التشريعية.

ويؤكد زرموح لـ«الشرق الأوسط» ضرورة العمل على إنهاء هذا الوضع، وتحديد سقف واضح للتمويل بالعجز وضوابطه، بما يعزز الانضباط المالي، ويحد من الضغوط على السياسة النقدية، ويضع إدارة الموارد العامة ضمن إطار قانوني واضح يخضع للرقابة التشريعية.

لكن قدرة المصرف المركزي على إحداث تغيير ملموس تظل موضع تساؤل في ظل الاختلالات الهيكلية، التي تعاني منها المؤسسات الاقتصادية الليبية؛ إذ لا تقتصر التحديات على نقص الأدوات النقدية، بل تمتد إلى محدودية استجابة الاقتصاد لها.

وهنا ينظر الدكتور عطية الفيتوري، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، إلى أدوات السياسة النقدية المتاحة في ليبيا باعتبارها «غير كافية وحدها لإحداث التغيير المطلوب، وإنعاش الدينار الليبي»، كما أن استجابة الاقتصاد لهذه الأدوات تظل محدودة بفعل التشوهات الاقتصادية والسياسية القائمة.

وينتهي الفيتوري إلى أن المعالجة تتطلب تطوير المؤسسات الاقتصادية، وتفعيل أدوات السياسات النقدية والمالية والتجارية، بالتوازي مع مكافحة الفساد، وتعزيز الانضباط في التوظيف والإنفاق العام، محذراً من استمرار إهدار الجهود، دون تحقيق التحسن الاقتصادي المنشود.