ترمب يفتح حرباً جديدة مع سوق السندات... معركة قد يصعب عليه الفوز بها

ترمب يتحدّث خلال تجمّع انتخابي لدعم دارلين غراهام في ميرتل بيتش بساوث كارولاينا يوم 21 أغسطس الحالي (أ.ب)
ترمب يتحدّث خلال تجمّع انتخابي لدعم دارلين غراهام في ميرتل بيتش بساوث كارولاينا يوم 21 أغسطس الحالي (أ.ب)
TT

ترمب يفتح حرباً جديدة مع سوق السندات... معركة قد يصعب عليه الفوز بها

ترمب يتحدّث خلال تجمّع انتخابي لدعم دارلين غراهام في ميرتل بيتش بساوث كارولاينا يوم 21 أغسطس الحالي (أ.ب)
ترمب يتحدّث خلال تجمّع انتخابي لدعم دارلين غراهام في ميرتل بيتش بساوث كارولاينا يوم 21 أغسطس الحالي (أ.ب)

يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب جبهة مالية جديدة، وهذه المرة في سوق السندات، بعدما أدَّى ارتفاع عوائد الديون الحكومية طويلة الأجل إلى زيادة تكلفة الاقتراض على الحكومة والشركات والمستهلكين، في وقت تجاوز فيه الدين الأميركي 40 تريليون دولار.

وتحاول إدارة ترمب كبح صعود العوائد من خلال وزارة الخزانة، التي أعلنت مضاعفة عمليات إعادة شراء سندات الخزانة طويلة الأجل، في خطوة دفعت العوائد إلى الانخفاض مؤقتاً قبل أن تعود للارتفاع.

وبالنسبة إلى ترمب، لا يتعلق الأمر بسوق مالية فحسب؛ فارتفاع تكلفة الاقتراض يهدد بتقويض أحد الوعود الاقتصادية الرئيسية للإدارة، وهو توفير تمويل أرخص للأميركيين.

ترمب ينفي... لكنه يترك باب التدخل مفتوحاً

سارع ترمب إلى نفي أنه وجَّه وزير الخزانة سكوت بيسنت للتدخل في سوق السندات، قائلاً إن بيسنت اتخذ القرار من تلقاء نفسه. وقال ترمب إن بيسنت «رجل يتمتع بقدرات كبيرة»، وإنه «أراد القيام بذلك»، مشيداً بقدرته على التعامل مع سوق السندات وأسعار الفائدة.

لكن اللافت أن ترمب لم يغلق الباب أمام مزيد من التدخلات، إذ قال، رداً على سؤال عما إذا كانت الإدارة ستتدخل مجدداً بعد عودة العوائد إلى الارتفاع: «لدينا أنواع كثيرة من التدخل».

ثم أضاف عبارة أثارت الانتباه: «التدخل النهائي هو جيشنا، وإذا اضطررنا إلى استخدامه، فسنفعل».

وظهرت تصريحات ترمب في الوقت الذي كانت فيه الأسواق تعيد تقييم أثر خطوة الخزانة، بعدما تراجعت عوائد السندات إثر الإعلان ثم عادت إلى الصعود.

الخزانة تحاول فرض اتجاه على السوق

أعلنت وزارة الخزانة أنها ستزيد عمليات إعادة شراء سندات الخزانة طويلة الأجل «بما لا يقل عن الضعف»، وهو ما قد يرفع المشتريات إلى نحو 32 مليار دولار في الربع الواحد، مقارنة بنحو 16 مليار دولار سابقاً.

وأدَّى الإعلان في البداية إلى خفض عائد السندات لأجل 30 عاماً بما يصل إلى 0.10 نقطة مئوية.

لكن المشكلة بالنسبة إلى الإدارة هي أن حجم هذه العمليات يظل صغيراً مقارنة بحجم سوق سندات الخزانة البالغ نحو 31.5 تريليون دولار، فضلاً عن القوى العالمية التي تحدد اتجاه العوائد.

ولهذا فإن الخزانة تستطيع التأثير في السوق، لكنها لا تستطيع ببساطة إصدار أمر للسوق بأن يخفض العوائد.

بيسنت يتحدث إلى الصحافيين في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)

لماذا يخوض ترمب هذه المعركة؟

وصل عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً هذا الأسبوع إلى أعلى مستوى له منذ 2007، مما يعني ارتفاع تكلفة التمويل للحكومة الأميركية، وكذلك للشركات والأسر.

كما عادت معدلات الرهن العقاري إلى نحو 7 في المائة، في ضربة مباشرة للمستهلكين الذين كانوا ينتظرون ظروف تمويل أكثر سهولة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تجاوز فيه الدين الأميركي 40 تريليون دولار، بعدما ارتفع بنحو الثلث خلال أقل من خمس سنوات.

وهنا تكمن المعضلة: كلما ارتفع الدين، احتاجت الحكومة إلى الاقتراض أكثر؛ وكلما طالب المستثمرون بعوائد أعلى، ارتفعت تكلفة خدمة هذا الدين، مما يزيد الضغط على المالية العامة.

بيسنت يحاول كسب الوقت

يمكن النظر إلى استراتيجية بيسنت باعتبارها محاولة لكسب الوقت. فإعادة شراء السندات طويلة الأجل، بالتزامن مع زيادة الاعتماد على الإصدارات قصيرة الأجل، تعني أن الخزانة تراهن على انخفاض العوائد طويلة الأجل في المستقبل.

لكن هذا الرهان يفترض أن عوامل عدة تضغط على السندات حالياً ستتراجع، من التضخم إلى ارتفاع الاقتراض المرتبط بالذكاء الاصطناعي، إلى ارتفاع عوائد السندات اليابانية.

وحتى الآن، لا يوجد ما يضمن ذلك.

متداولان في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

السوق لا تستمع إلى البيت الأبيض

المشكلة الأعمق أن العوائد لا ترتفع لأن المستثمرين قرروا ببساطة معاقبة إدارة ترمب، بل لأنهم يعيدون تسعير مجموعة من المخاطر. فالعجز المالي الأميركي لا يزال مرتفعاً، والدين يتجاوز 40 تريليون دولار، والتضخم لا يزال أعلى من مستهدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة.

كما أن الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترمب وارتفاع أسعار النفط المرتبط بالحرب مع إيران يضيفان ضغوطاً تضخمية، في حين تؤدي طفرة الذكاء الاصطناعي إلى موجة جديدة من اقتراض الشركات.

وفي الخارج، أصبحت السندات اليابانية أكثر جاذبية للمستثمرين العالميين مع ارتفاع عوائدها، مما يزيد المنافسة على الأموال التي كانت تتجه تقليدياً إلى سندات الخزانة الأميركية.

معركة قد لا يستطيع ترمب الفوز بها

لهذا تبدو محاولة إدارة ترمب كبح عوائد السندات أشبه بمحاولة مقاومة تيارات أكبر بكثير من قدرة الخزانة.

قد تنجح إعادة الشراء في دفع العوائد إلى الانخفاض لفترة قصيرة، وقد تمنح الإدارة بعض الوقت، لكنها لا تستطيع معالجة العجز أو التضخم أو حجم الدين أو التحولات في تدفقات رؤوس الأموال العالمية.

وهذه هي المفارقة التي تجعل سوق السندات تحدياً مختلفاً لترمب: يمكن للرئيس الأميركي الضغط على الحكومات الأجنبية، وتهديد الشركات، وفرض الرسوم الجمركية، وحتى المطالبة بخفض أسعار الفائدة، لكن سوق السندات لا يعمل بأوامر البيت الأبيض.

ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، تزداد تكلفة الفشل. فارتفاع العوائد لا يبقى محصوراً في «وول ستريت»؛ بل ينتقل إلى الرهن العقاري وقروض الشركات وتكلفة تمويل الحكومة، ليصل في النهاية إلى الناخب الأميركي.

وقد تتمكن إدارة ترمب من تهدئة السوق مؤقتاً، لكن إذا استمرت القوى التي تدفع العوائد إلى الارتفاع، فإن محاولة الخزانة كبحها قد تتحول إلى معركة طويلة مع سوق لا يمكن للرئيس الأميركي ببساطة أن يأمرها بالاستسلام.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي مستعد للقاء بوتين خلال قمة «العشرين»

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب) p-circle

زيلينسكي مستعد للقاء بوتين خلال قمة «العشرين»

روسيا تضرب أوديسا مجدداً فيما تضطرب حركة الشحن في البحر الأسود.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب في دبلن يوم 12 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

ترمب: حرب إيران ستنتهي بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجدداً، السبت، إنه يعتقد أن الحرب مع إيران ستنتهي بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
تحليل إخباري (غوغل مابس)

تحليل إخباري غرينلاند وساعة الحقيقة: هل تستقل أوروبا استراتيجياً عن واشنطن؟

تبدو غرينلاند، للوهلة الأولى، مجرد جزيرة جليدية نائية في أقصى شمال العالم، لكنها تتحول تدريجياً إلى اختبار لقدرة أوروبا على الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية.

أنطوان الحاج
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال مؤتمر صحافي مشترك مع جاريد كوشنر وستيف ويتكوف في كييف 6 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يطالب ترمب بفرض «عقوبات فورية مشددة» على روسيا

دعا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نظيره الأميركي دونالد ترمب إلى فرض عقوبات «صارمة» على روسيا بشكل فوري، للحدّ من قدرتها على إنتاج الصواريخ.

«الشرق الأوسط» (كييف)
آسيا نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) مايكل إليس في مقر الوكالة في لانغلي (حسابه عبر منصة «إكس»)

الصين تنتقد نائب مدير وكالة الاستخبارات الأميركية بعد تلميحه إلى التجسس عليها

ندّدت الصين بـ«منطق اللصوصية» لدى نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) مايكل إليس، بعدما ألمح إلى أن الوكالة تتجسس عليها.

«الشرق الأوسط» (بكين)

العراق يوقّع اتفاقاً مدته 25 عاماً لتطوير حقل عجيل النفطي

رئيس الوزراء العراقي خلال توقيع اتفاقية تطوير وتشغيل حقل عجيل النفطي مع شركة «كيبت» الخاصة (إكس)
رئيس الوزراء العراقي خلال توقيع اتفاقية تطوير وتشغيل حقل عجيل النفطي مع شركة «كيبت» الخاصة (إكس)
TT

العراق يوقّع اتفاقاً مدته 25 عاماً لتطوير حقل عجيل النفطي

رئيس الوزراء العراقي خلال توقيع اتفاقية تطوير وتشغيل حقل عجيل النفطي مع شركة «كيبت» الخاصة (إكس)
رئيس الوزراء العراقي خلال توقيع اتفاقية تطوير وتشغيل حقل عجيل النفطي مع شركة «كيبت» الخاصة (إكس)

قال مكتب رئيس الوزراء العراقي، السبت، إن شركة نفط الشمال وقّعت عقداً مدته 25 عاماً مع شركة «كيبت» الخاصة لتطوير المشروعات بهدف تطوير وتشغيل حقل عجيل النفطي.

وأضاف المكتب، في بيان، أن الاتفاق يهدف إلى رفع إنتاج الغاز في الحقل تدريجياً إلى 300 مليون قدم مكعبة قياسية يومياً، مقارنة مع نحو 135 مليوناً حالياً، وزيادة إنتاج النفط إلى 40 ألف برميل يومياً من 30 ألف برميل.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان، يأتي هذا «في إطار توجه وزارة النفط نحو تعظيم استثمار الموارد الهيدروكربونية، ورفع معدلات إنتاج النفط والغاز والاستفادة المثلى من موارد الحقول النفطية والغازية، بما يعزز أمن الطاقة، ويدعم منظومة توليد الطاقة الكهربائية في البلاد».


كوريا الجنوبية قد تلجأ إلى مقايضة احتياطي النفط الاستراتيجي بعد ارتفاع الأسعار

صهاريج تخزين النفط في منشآت تكرير بمجمع دايسان للبتروكيماويات في كوريا الجنوبية (رويترز)
صهاريج تخزين النفط في منشآت تكرير بمجمع دايسان للبتروكيماويات في كوريا الجنوبية (رويترز)
TT

كوريا الجنوبية قد تلجأ إلى مقايضة احتياطي النفط الاستراتيجي بعد ارتفاع الأسعار

صهاريج تخزين النفط في منشآت تكرير بمجمع دايسان للبتروكيماويات في كوريا الجنوبية (رويترز)
صهاريج تخزين النفط في منشآت تكرير بمجمع دايسان للبتروكيماويات في كوريا الجنوبية (رويترز)

طمأن الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، السبت، مواطني بلاده بأن الحكومة تتخذ جميع التدابير اللازمة لاستقرار أسعار النفط، وسط ارتفاع حاد في أسعار الخام العالمية جراء الاضطرابات الأخيرة في الشرق الأوسط، حسبما أفادت وكالة «يونهاب» الكورية الجنوبية للأنباء.

وأبرز لي، في منشور على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»، جهود الحكومة لتنويع واردات النفط الخام لتقليل اعتماد البلاد على الشرق الأوسط، حيث تراجعت حصة المنطقة من الواردات من نحو 70 في المائة إلى 50 في المائة.

كما أشار إلى تدابير تشمل وضع سقوف لأسعار النفط، وضوابط التصدير، ونظام مقايضة احتياطي النفط الاستراتيجي.

وأعاد لي، تأكيد التزام الحكومة بملاحقة عمليات تخزين النفط والتحايل على الأسعار، مع تعويض المصافي المحلية عن الخسائر الناجمة عن تدابير الحكومة لاستقرار الأسعار.

وكتب لي في منشوره: «لا داعي للقلق بشأن أسعار النفط على الإطلاق».

وجاءت هذه التصريحات في وقت أثارت فيه الاضطرابات في البحر الأحمر ومضيق «هرمز» المخاوف بشأن إمدادات الطاقة العالمية؛ مما دفع أسعار النفط إلى الارتفاع مجدداً لتتجاوز 100 دولار للبرميل.


الصين تحث الشركات المملوكة للدولة على تحسين استثماراتها الخارجية

صورة لأفق العاصمة الصينية بكين (رويترز)
صورة لأفق العاصمة الصينية بكين (رويترز)
TT

الصين تحث الشركات المملوكة للدولة على تحسين استثماراتها الخارجية

صورة لأفق العاصمة الصينية بكين (رويترز)
صورة لأفق العاصمة الصينية بكين (رويترز)

دعت الصين الشركات المملوكة للحكومة إلى تطوير استراتيجيات استثماراتها الخارجية وتعزيز الضمانات الأمنية، وذلك في إطار سعي بكين إلى توسيع الانتشار العالمي لشركاتها الحكومية، حسبما أفادت وكالة «بلومبرغ».

ونقلت «بلومبرغ»، عن بيان للجنة الإشراف وإدارة الأصول المملوكة للدولة، نُشِرَ على موقعها الإلكتروني السبت، إنه يتعين على الشركات تعميق التعاون الدولي في مجالات تشمل التكنولوجيا والمعدات والمعايير.

وأوضحت اللجنة أنه يتعيّن على الشركات المركزية المملوكة للدولة مواءمة توسعها الخارجي، مع إطار الانفتاح الأوسع للصين، وأن تستخدم الأسواق المحلية والدولية بشكل منسق.

ودعت إلى تعاون يُحقق منافع للصين وشركائها في الخارج، ويُعزز التنمية السلمية.