يُعيدنا المخرج دان حدّاد في كليباته المصوّرة إلى زمن العمل البصري الذي يحمل فكرة وقصّة وهويّة خاصة. لا يخضع لرغبة الفنان، ولا يستخفّ بالمشاهد، بل يعمّق الفكرة، ويدخل في تفاصيلها، كما يزوّدها بحبكة بسيطة وذكية، فيخرج إلى النور كليب متكامل. لا يكتفي بمرافقة الأغنية، بل يضيف إليها بُعداً بصرياً ودرامياً يجعلها أكثر حضوراً في ذاكرة المشاهد.
أخيراً، قدّم دان حدّاد رؤيته في عمل فني بأسلوبه السهل الممتنع؛ أغنية «طمّني عالحبايب» لـ«سلطان الطرب» جورج وسوف. اعتمد حداد على المشاعر والأحاسيس لتحفيز المشاهد على المتابعة بصورة لا شعورية، فحرّك كاميرته على نفس إيقاع الأفلام السينمائية الإيطالية، جامعاً بين الواقعية والعمق الإنساني والجمال البصري. جعل من جورج وسوف رمزاً استثنائياً لزمن العمالقة، فأحاطه بعطر الستينات وعبق السبعينات، ووضعه في قطار الزمن ليسير على سكّته الفنية واثق الخطوة دائماً.

يستطرد المخرج اللبناني في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «عادةً ما أتعمّق في نظرتي إلى الآخر. وهو أمر أملكه بالفطرة، لذلك أحاول دائماً أن أستولد من هذه النظرة ما يناسب العمل والفنان على السواء. غالباً ما يلعب الوقت والزمان اللذان أصوّر فيهما العمل دوراً. وحالياً، بتُّ ألحق أكثر بالمشاعر في زمن الذكاء الاصطناعي؛ إذ نشهد تراجعاً في الأعمال الفنية المصوّرة. من ناحيتي، أحاول أن أرفع من شأنها لأحدث نوعاً من التوازن في هذه الصناعة». ويستدرك: «نملك تاريخاً مزدهراً في الأعمال المصوّرة التي جالت العالم العربي، وكانت نتاج تعاون نجوم عرب ومحليين مع مخرجين لبنانيين».

في كليب أغنية جورج وسوف «طمّني عالحبايب»، القصة مختلفة... تمنى دان حدّاد التعاون معه دائماً، وكانت الفكرة تشغل حيّزاً من لا وعيه. وعندما تلقّى الاتصال لتولّي هذه المهمة، أدرك أنه أمام امتحان صعب. يقول في سياق حديثه: «جورج وسوف ليس مجرّد مطرب، بل حالة فنية استطاعت أن تبلغ الشرق والغرب. ترك أثره في أجيال متتالية، وهو ينتمي إلى فناني زمن العمالقة. لذلك كنت أرغب في أن أصنع كليباً يليق بمكانته الفنية، لا سيما أن أحداً لم يتناول كليباته المصورة من هذا المنظار سابقاً. كانت المسؤولية كبيرة، خصوصاً أنني اخترت تصوير أغنية خارجة عن نطاق المشروع الغنائي المزمع تنفيذ كليب له».
ويشير إلى أن ما صعّب المهمة هو رغبته في تكريم وسوف وملحن الأغنية صلاح الشرنوبي بعد غياب طويل للأخير عن الساحة.

ويؤكّد حدّاد أن جورج وسوف لم يشأ أن يعرف تفاصيل فكرة الكليب. ويقول: «هو شخص متطلّب جداً، ولا يستخفّ بأي عنصر يتعلّق بأغنيته المصوّرة. لذلك كنت قلقاً من ردّة فعله، لكنها جاءت إيجابية تماماً».
ويشير حدّاد إلى أنه اختار تصوير وسوف داخل القطار، في إشارة إلى مسيرة فنية طويلة خاضها، حافلة بالمحطات المهمة والذكريات. وسرعان ما يدرك المشاهد أن القطار ليس مجرّد مكان تدور فيه أحداث الكليب، بل استعارة لمسيرة وسوف. في حين يستعيد الفنان قصة الحب التي جمعته بفنّه على امتداد سنوات طويلة.
من يشاهد الكليب يلاحظ البصمة السينمائية الواضحة التي تعمّد حدّاد إضفاءها عليه. وهي سمة استحضرها حداد لأنها لم توجد في أعماله المصوّرة السابقة. يقول: «أحبّ الفن السينمائي، مع أنني لا أشاهد كثيراً من الأفلام، لكنني أحبّ أن ألوّن أعمالي بهذا الفن، وأكتشف أحياناً تأثّري بأفلام معيّنة من خلال توجّهات أتّبعها وأترجمها بكاميرتي».
لا أشاهد كثيراً من الأفلام... لكنني أحبّ أن ألوّن أعمالي بالفن السينمائي
دان حداد
تطلّبت المهمة من دان حدّاد تفكيراً طويلاً في الأدوات والصورة اللتين أراد اعتمادهما في العمل. ويقول: «كنت لا أنام من شدّة قلقي، وحرصي أن ينال وسوف ما يستحقّه من تقدير. فهو، برأيي، فنان استثنائي لن يتكرّر، ويتمتّع بشخصية متواضعة جداً وقريبة من الناس حتى إنني بتّ أشتاق إلى رؤيته والتحدّث معه بعد انتهاء التصوير. ولم ألجأ إلى الذكاء الاصطناعي في تنفيذ العمل، بل اعتمدت على (الغرافيك ديزاين)، وتفاجأت بتعليقات تشكرني لأنني لم أستخدم الـ(AI). فأنا لا أحارب الذكاء الاصطناعي، ولكنني أفضّل الابتعاد عنه على أن ينحصر استعماله كأداة يمكنها تسهيل العمل واختصار الوقت. وتأثّرت عندما هنّأني على الكليب بعد مشاهدته. فأنا أحبّ زمن العمالقة والحقبة التي بنوها بجهد وثقة وتعب».
وعن جديده في الأيام المقبلة يخبر «الشرق الأوسط» أنه بصدد التحضير لكليب غنائي للفنان آدم الذي يصفه بالفنان القريب إلى قلبه كثيراً.
ويختم حدّاد حديثه مؤكداً أن زمن العمالقة لا بدّ أن يتجدّد، وأن الساحة الفنية ستشهد في المستقبل ولادة أسماء قادرة على ترك أثرها في الذاكرة الفنية. ويقول: «سيأتي الوقت ونشهد ولادة فنانين عمالقة جدد، ولكن ليس الآن. فكل شيء يحدث في وقته المناسب، ولديّ ثقة تامة بهذا الموضوع».









