«بيت على القمر»... أسطورة قديمة تبحث عن إنسانها

مخرج الفيلم السنغافوري نيلسون يو تحدَّث لـ«الشرق الأوسط» عن تفاصيل العمل

استغرق المخرج السنغافوري وقتاً في تجربته الجديدة (الشركة المنتجة)
استغرق المخرج السنغافوري وقتاً في تجربته الجديدة (الشركة المنتجة)
TT

«بيت على القمر»... أسطورة قديمة تبحث عن إنسانها

استغرق المخرج السنغافوري وقتاً في تجربته الجديدة (الشركة المنتجة)
استغرق المخرج السنغافوري وقتاً في تجربته الجديدة (الشركة المنتجة)

في وقت تميل فيه معظم الأعمال المستوحاة من الأساطير إلى إعادة سرد الحكايات المعروفة، اختار المخرج السنغافوري نيلسون يو طريقاً مغايراً. ففي فيلمه الجديد «بيت على القمر» (The House on the Moon) لم يشغله إعادة تقديم أسطورة «تشانغ إر» كما تناقلتها الأجيال، بقدر ما شغله سؤال آخر: ماذا لو لم تنتهِ الحكاية عند النقطة التي حفظها الجميع؟ وماذا لو بدأت القصة الحقيقية بعد نهاية الأسطورة؟

من هذا السؤال انطلقت تجربة يو الجديدة، التي تُعيده إلى «مهرجان لوكارنو السينمائي» في سويسرا، بعد النجاح الذي حقّقه فيلمه السابق «الحلم والموت»، الفائز بجائزة «الفهد الذهبي» في مسابقة «صناع الحاضر» بالمهرجان نفسه قبل 3 أعوام. لكنه يعود هذه المرة بفيلم أكثر اتساعاً في عالمه البصري، وانشغالاً بالأسئلة الإنسانية الكامنة خلف الأسطورة.

ويقول نيلسون يو، في مقابلة عبر تطبيق «زووم» مع «الشرق الأوسط»، إن الابتعاد عن المألوف كان قراراً اتخذه منذ اللحظة الأولى. فأراد إدخال المُشاهد مباشرة إلى عالم لا يكشف عن نفسه بسهولة، ليتولّى اكتشاف الشخصيات وطبيعة العلاقات التي تربط بينها. ويشير إلى أنّ هذا الغموض لم يكن مجرّد أسلوب سردي، وإنما جزء من فكرة الفيلم، لأن استكشاف المجهول كان بالنسبة إليه أكثر إثارة من إعادة رواية أحداث يعرفها الجمهور مسبقاً.

وتدور الأحداث حول «تشانغ إر» التي تنطلق برفقة رائد فضاء من الأرض في رحلة إلى الجانب المظلم من القمر، بحثاً عن زوجها «هو يي»، بعد اختفائه خلال مهمّة لإنقاذ الشمس المحتضرة. وبينما تبدأ الرحلة على أنها مهمة إنقاذ، تتحوّل تدريجياً إلى رحلة لاكتشاف الذات ومواجهة أسئلة الهوية والقدر والاختيار.

مخرج الفيلم نيلسون يو يرى القمر مرآة لوحدة الإنسان (الشركة المنتجة)

ويؤكد المخرج السنغافوري أنّ الفيلم، رغم استناده إلى أسطورة صينية شهيرة، لا يتعامل مع شخصياتها على أنها آلهة أو رموز مقدّسة، وإنما شخصيات تعيش صراعات يمكن لأي إنسان التعاطف معها. ويلفت إلى أنّ أكثر ما شغله خلال الكتابة كان البحث عن الجانب الإنساني في تلك الشخصيات، لا الأسطوري.

ويشير يو إلى أن هذه الفكرة جعلته ينظر إلى الفيلم على هيئة رحلة لاكتشاف الذات أكثر من كونه مغامرة فانتازية، موضحاً أنّ البُعد العاطفي كان بالنسبة إليه أهم من أي بناء أسطوري أو حدث درامي. فالشخصيات كانت دائماً في مقدّمة اهتمامه، لذلك حاول منحها مشاعر متناقضة ونقاط ضعف وأسئلة وجودية، لتبدو أقرب إلى البشر منها إلى الشخصيات الخارقة التي اعتاد الجمهور رؤيتها في الحكايات القديمة.

ومن هنا جاءت فلسفته في كتابة الفيلم، التي يختصرها بعبارة «العاطفة تتفوّق على الحبكة»، لافتاً إلى أن هذا المبدأ لم يكن مجرّد شعار، وإنما قاعدة حكمت مراحل صناعة العمل. فالحبكة موجودة بطبيعة الحال، لكنها لا تقود الشخصيات، بل الشخصيات هي التي تقودها. لذلك حرص فريق العمل على الاقتراب منها طوال الوقت، حتى إنّ المشاهد يسمع أحياناً أفكارها الداخلية، لأنّ الهدف كان أن يشعُر بما تعيشه قبل أن ينشغل بما سيحدث لها.

ويعترف يو بأنّ الحفاظ على هذا التوازن لم يكن سهلاً، خصوصاً في فيلم يعتمد على عالم بصري واسع يجمع بين الخيال العلمي والفانتازيا، مؤكداً أن التحدّي الحقيقي كان ألا تتحوّل المشاهد الضخمة أو المؤثرات البصرية إلى عنصر يطغى على المشاعر. لذلك كان على كلّ قرار بصري في الفيلم أن يخدم الحالة النفسية للشخصيات.

راهن المخرج على استخدام تقنيات عدّة في العمل (الشركة المنتجة)

ويفسّر المخرج المزج بين الأنواع السينمائية بتأثّره الكبير بأفلام هونغ كونغ في تسعينات القرن الماضي، التي نشأ على مشاهدتها، موضحاً أنها كانت تنتقل بسلاسة بين أكثر من نوع سينمائي، من دون أن يشعر المُشاهد بالحاجة إلى وضعها في قالب محدّد.

ويضيف أنه لا يسعى إلى استعادة تلك المرحلة بدافع الحنين، وإنما إلى الحفاظ على روحها الحرّة التي تسمح للفيلم بالتحرّك بين أكثر من عالم، من دون أن يفقد هويته أو صدقه الإنساني. ويلفت إلى أنّ استلهام سينما هونغ كونغ لم يقتصر على المزج بين الأنواع السينمائية، بل امتد أيضاً إلى طريقة صناعة الفيلم نفسها.

ويقول إنه وفريقه تمسكوا بالأسلوب العملي في تنفيذ كثير من التفاصيل والمؤثّرات، حفاظاً على السحر الذي ميَّز تلك المرحلة، من دون أن يمنعهم ذلك من الاستفادة من التقنيات الحديثة. ويؤكد أنّ الهدف لم يكن إعادة إنتاج أفلام التسعينات، وإنما تقديم حكاية تبدو معاصرة وقريبة من جمهور اليوم، مع استخدام تقنيات الإنتاج الافتراضي لتوسيع العالم الذي تدور فيه الأحداث، خصوصاً أنّ رغبته كانت تصوير أكبر جزء ممكن من الفيلم داخل سنغافورة، وهو ما لم يكن ممكناً لولا هذه التكنولوجيا.

عاد المخرج بفيلمه الجديد إلى «مهرجان لوكارنو السينمائي» (الشركة المنتجة)

ومن الشخصيات التي شهدت أكبر تحوّل خلال الكتابة شخصية «بنغ منغ»، التي يصفها يو بأنها أصبحت، بشكل غير متوقَّع، الأكثر هشاشة على المستوى العاطفي. ويؤكد أنها ظهرت في المسودات الأولى بوصفها شريراً تقليدياً، لكنه وكاتبة السيناريو فيكي وجدا نفسيهما ينجذبان إليها تدريجياً، حتى أصبحت شخصية أكثر تعقيداً وإنسانية.

وعن صورة القمر، يوضح أنه لم ينظر إليه بوصفه وجهةً فضائيةً أو بيئةً علميةً، وإنما مساحة للمشاعر، لافتاً إلى أنّ أول صورة تخيّلها كانت «تشانغ إر» وهي تجلس وحيدة على سطحه، قبل أن يصل إليها رائد فضاء من الأرض.

ويرى أنّ الفراغ الهائل الذي يحيط بها يعكس وحدتها الداخلية؛ فالرحلة في الفيلم ليست رحلة في المكان بقدر ما هي رحلة داخل النفس. حتى إنه فكر في البداية في أن تدور البطلة حول القمر ثم تعود إلى النقطة نفسها، لتكتشف في النهاية أنّ المكان الذي غادرته لم يعد كما كان، في إشارة إلى أنّ التغيير الحقيقي حدث داخلها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

سينما «الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)

هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

في 30 أغسطس (آب) الحالي، تكون قد مضت 20 سنة على وفاة نجيب محفوظ. عاش اسماً كبيراً ورحل محتفظاً بمكانته الرفيعة.

محمد رُضا (بالم سبرينغز)
سينما لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)

شاشة الناقد: لقاءات قريبة مع الذكريات والطبيعة ووحوش الأمس

«بعيداً عن الأشجار» فيلم مهرجانات على نحو مؤكد. نعم، سيُعرض في صالات منتقاة في أوروبا، وربما في بعض دول أميركا اللاتينية، غير أن هذا لن يعني انتشاره

محمد رُضا (بالم سبرينغز)
يوميات الشرق عُرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)

ماري - إلسا سغوالدو: «الثورة الصامتة» يبرز بطولات نسائية خلال الحرب العالمية

ترى سغوالدو أن قوة الفيلم تكمن في التفاصيل الصغيرة والحياة اليومية، وفي ما يبدو عادياً لأول وهلة، لكنه يكشف عن حجم القيود التي كانت تواجهها النساء...

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق يسرا تتوسط البطلات دُرة وياسمين رئيس ودنيا سامي في لقطة من الفيلم (الشركة المنتجة)

«الست لما»... مغامرة سينمائية جديدة ليسرا تجلب انتقادات بمصر

تعرض فيلم «الست لما» للفنانة المصرية يُسرا إلى انتقادات لاذعة بعد عرضه للمرة الأولى مساء الأربعاء في القاهرة.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق صور الفيلم في وقت قصير بسبب مشكلات التمويل (مهرجان لوكارنو)

محمد شيخ: عرض «بارني» في قريتي بالصومال لحظة استثنائية

قال المخرج الصومالي، محمد شيخ، إن فكرة فيلمه الروائي الأول «بارني» (Barni) انطلقت من رغبته في تقديم حكاية عن الشباب الذين ينتقلون من القرية إلى المدينة.

أحمد عدلي (القاهرة)

موجة دعم نفسي لأحمد الفيشاوي في مصر بسبب تأثره برحيل والدته

أحمد الفيشاوي كان يعتبر والدته الراحلة سنده الحقيقي (حسابه على فيسبوك)
أحمد الفيشاوي كان يعتبر والدته الراحلة سنده الحقيقي (حسابه على فيسبوك)
TT

موجة دعم نفسي لأحمد الفيشاوي في مصر بسبب تأثره برحيل والدته

أحمد الفيشاوي كان يعتبر والدته الراحلة سنده الحقيقي (حسابه على فيسبوك)
أحمد الفيشاوي كان يعتبر والدته الراحلة سنده الحقيقي (حسابه على فيسبوك)

أثار أحدث ظهور إعلامي للفنان المصري أحمد الفيشاوي بعد فترة غياب، تعاطف كثيرين معه بعد إعلانه تأثره نفسياً برحيل والدته الفنانة سمية الألفي، وأنه يعاني من فقد الشغف تجاه التمثيل، إلى جانب مقاومته لفكرة التخلص من حياته.

وقال أحمد الفيشاوي، الذي تحدث بشجن عبر بودكاست «unwritten stories»: «والدتي علمتني الالتزام وكانت صارمة في تربيتي، وفقدت الشغف بعد رحيلها»، كما عبّر الفيشاوي عن امتنانه لدعم شقيقه المونتير عمر الفيشاوي، وخاله وغيرهم، مشدداً على أنه يواصل ويتعامل مع الحياة رغم تشابه الألوان أمامه.

وكشف الفيشاوي أنه يعمل في الفن بنصائح والديه، فبينما شدد والده على ضرورة صدقه في التمثيل، دعته والدته إلى الالتزام بالمواعيد.

ووصف الفيشاوي نفسه بأنه «متمرد بطبعه»، وأن والدته التي توفيت قبل نحو 9 أشهر، كانت تؤثر عليه بطريقة عاطفية، وقال إنه لو كانت عاملته بقسوة لتمرد أكثر، لافتاً إلى أنه «يحاول احترام مرحلته العمرية الحالية والميل إلى الهدوء، كما أنه يفكر في التوبة، ويتمنى أن يدعو الناس له بذلك».

ويُعد الفيشاوي أحد أكثر الممثلين المصريين إثارة للجدل عبر تصريحاته الجدلية وحياته الشخصية غير المستقرة.

الفيشاوي مع والديه الراحلين خلال العرض الخاص لفيلم «القرد بيتكلم» (حسابه على فيسبوك)

وتعليقاً على تصريحات أحمد الفيشاوي عن فقدان الشغف بالتمثيل بعد رحيل والدته وتفكيره في التخلص من حياته، أكد الكاتب المصري فتحي المزين، مؤلف كتاب «التعافي من الفقد»، «أن الفقد له تأثيرات مختلفة ومتنوعة حسب كل حالة، موضحاً أن حالة الفيشاوي هي (حالة البحث عن الذات) وعن الطريق الذي يساعده على التخطي، خصوصاً أن علاقته بوالدته كانت قوية للغاية».

وأضاف فتحي المزين لـ«الشرق الأوسط»: «على المقربين من الفيشاوي مساعدته في تبني الطريق الذي يروق له لعله يجد نفسه وروحه، ويجب ألا يضغط عليه أحد؛ فهو يحتاج إلى الدعم في قراراته حتى يصل إلى محطة السلام، ويصبح أكثر طمأنينة وأقل معاناة».

وتفاعل كثيرون عبر «السوشيال ميديا» مع حديث الفيشاوي، وتضامنوا معه وقدموا له الدعم عبر تعليقات ومشاركات لمقاطع من لقائه، مؤكدين أنه فنان متمكن، ويشعرون وكأنه فرد من عائلتهم، كما توالت الدعوات له؛ إذ طالب الشيخ محمد أبو بكر بالدعاء له بالتوبة والعمل النافع، فيما كتب أمين الفتوى الدكتور هشام ربيع أن «التوبة هي انتصار للروح».

وبدورها كشفت الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن العلاقات الإنسانية مطبوعة في القلب والنفس والروح ولا يمكن محوها، خصوصاً علاقة الأب أو الأم، مشيرة إلى أن العلاقات الشخصية القوية مثل علاقة الفيشاوي بوالدته الراحلة كانت مهمة جداً ومؤثرة.

وأضافت سامية خضر لـ«الشرق الأوسط»: «ضغوط الحياة الحالية والأنشطة الكثيرة قد تجعلنا لا نسمع كثيراً عن بعض المشاعر الإنسانية كما في السابق، لافتة إلى أن الحل ليس في النسيان ولكن في تعافي الشخص من اليأس و(السوداوية المزعجة) التي يشعر بها بعد الفقد، وهذا الأمر يأتي مع مرور الوقت».

أحمد الفيشاوي (حسابه على موقع إنستغرام)

وعن أفضل نصيحة للتعامل مع الحزن والفقد، رفضت أستاذة علم الاجتماع «فكرة العزلة والابتعاد عن الناس، وطالبت بالسفر والانغماس في العمل الذي تعده الأساس والعلاج، إلى جانب الانشغال بالأنشطة المختلفة التي تساعد على امتصاص بعض الحزن والزهد والشعور بالوحدة».

ويُعد الفنان أحمد الفيشاوي من أبرز نجوم جيله في السينما والدراما المصرية، وقد قدم العديد من الأعمال المهمة على غرار «حديث الصباح والمساء»، و«عفاريت السيالة»، و«تامر وشوقية»، وأفلام «الحاسة السابعة»، و«ولاد رزق»، و«القرد بيتكلم».


«جذور وأجنحة»... تحليق دائم مستلهم من صفحات الحياة

يتضح تأثر الفنانة بالمدرسة المستقبلية في المعرض (الشرق الأوسط)
يتضح تأثر الفنانة بالمدرسة المستقبلية في المعرض (الشرق الأوسط)
TT

«جذور وأجنحة»... تحليق دائم مستلهم من صفحات الحياة

يتضح تأثر الفنانة بالمدرسة المستقبلية في المعرض (الشرق الأوسط)
يتضح تأثر الفنانة بالمدرسة المستقبلية في المعرض (الشرق الأوسط)

في أعمال التشكيلية المصرية ماجي الشاويش تبدو الشخوص في طريقها إلى شيء آخر، وانفعالات مغايرة؛ فهي لا تلتقط المشهد بقدر ما تستعيد ما سبقه وما سيأتي بعده.

إذ تلتقي على مسطح لوحاتها بطفلة تجري، وأخرى تلتفت، وطفل يراقب ما حوله، وأجساد تتحرك في أكثر من اتجاه، فتبدو الشخصيات وكأنها ترفض الاستقرار في لحظة واحدة أمام عين المتلقي.

وفي معرضها الجديد المقام في مركز «كرمة بن هانئ» الثقافي بمتحف أحمد شوقي؛ تواصل الشاويش تقديم تجربتها الفنية المختلفة عبر عنوان يختصر جانباً من رؤيتها، وهو «جذور وأجنحة».

يتحرك المتلقي بين جذور تجربة تشكلت عبر سنوات من العمل، وأجنحة تفتح للخيال والحركة والتحليق، يزيدها تنوعاً وثراءً ما يضمه المعرض أيضاً من لوحات مجموعة من الأطفال الذين تُشرف الفنانة على تدريبهم.

كما يبرز في تجربة الشاويش تأثرها بالمدرسة المستقبلية التي ظهرت في إيطاليا مطلع القرن العشرين، واحتفت بالحركة والديناميكية وطاقة العالم الحديث.

جانب من أعمال الأطفال المشاركين في المعرض (الشرق الأوسط)

تشعر في أعمال الشاويش أنك لست أمام مشاهد ساكنة، أو رصد للحظة آنية، إذ ستجد نفسك أكثر قرباً من اللحظة التي تتغير فيها الأشياء، وتتصاعد خلالها الانفعالات.

كما أن الحركة تتجاوز كونها تفصيلاً جمالياً يمكن أن يضاف إلى أعمال الشاويش، إلى لغة أساسية في تجربتها، تستعين بها لالتقاط المشاعر وهي في طريقها إلى التكون.

تقول الفنانة لـ«الشرق الأوسط»: «بدأ تأثري بالمدرسة المستقبلية منذ سنوات الدراسة في كلية التربية الفنية، ثم تحول مع الوقت إلى اختيار فني أرى أنه الأقرب إلى شخصيتي».

وتوضح: «كنت في البداية أميل إلى الطبيعة الصامتة، لكن بعد أن تعمقت في المدرسة المستقبلية، وقرأت عنها وشاهدت أعمالاً عالمية في مجالها، قررت أن أتبعها، وأرسم كل أعمالي بتقنياتها».

وتقوم الفكرة بالنسبة إليها على أن المشهد الواحد لا يرى في لحظة واحدة، وإنما يتكرر داخل اللوحة، بحيث تصبح الحركة نفسها موضوعاً بصرياً؛ لهذا يمكن أن تتحول حركة طائر إلى سلسلة من الأجنحة المتتابعة، أو تتحول التفاتة امرأة إلى أكثر من وضع جسدي واحد، فتظهر الشخصية وكأنها تتحرك عبر مسطح اللوحة.

تقول: «حتى لو رسمت طيوراً أرسمها بحركاتها، أجعل الجناح يتحرك، ويتطور كأنها مشاهد متتابعة في عمل درامي».

الفنانة المصرية ماجي الشاويش (الشرق الأوسط)

تبحث الشاويش في الحركة عما يتجاوز تسجيل الجسد؛ فهي تريد أن تترك للمتلقي مساحة للتخمين والتأمل، وأن تجعله يسأل عن اللحظة التي لا تظهر في اللوحة.

تقول: «يتفاعل المتلقي المصري مع هذا النوع من الأعمال؛ لأن الحركة تثير فضوله، فعلى سبيل المثال في حالة تجسيدي لفتاة تتحرك على مسطح اللوحة، فإن ذلك يدفعه للتساؤل: من تكون؟ وماذا هي بصدد أن تفعل؟ هل تجري هرباً من شخص ما، أم أنها تجري في حالة من الانطلاق والسعادة؟! وهكذا تكتسب الشخصية شيئاً من الدراما؛ وتساهم في تقديم حكاية مستمرة لا تقدم إجابة واحدة».

وهي ترى أن المتلقين يعيشون داخل اللوحة وينفعلون بشخصيتها، معتبرة أن هذا التفاعل هو ما يجعلهم يتوقفون أمام أعمالها، ويتذوقونها بدلاً من الاكتفاء بمرورهم البصري السريع.

ورغم أن الحركة هي أحد المفاتيح الأساسية في تجربتها، فإنها ليست حركة قلقة أو صاخبة بالضرورة؛ ففي لوحات الشاويش مساحة واضحة للمرح والبهجة، خصوصاً عندما تختار الأطفال موضوعاً لمشاهدها.

تقول إن أعمالها المعروضة حتى 29 أغسطس (آب) الحالي تستند إلى مشاهد التقطتها من الحياة، ثم أعادت صياغتها من خلال لغتها الخاصة، بحيث تصبح الحركة وسيلة للوصول إلى الشعور.

في لوحة «البوستر» على سبيل المثال، تتحول لحظة عائلية عابرة إلى مشهد من البهجة والحركة؛ إذ تظهر شقيقة الفنانة وهي تجري مرتدية ملابس السباحة، وتتصاعد خلال ذلك فرحتها.

لم تكن الشاويش تبحث عن هيئة مثالية، وإنما عن ذلك الشعور الصادق الذي رأته أمامها، كما تقول: «كنت سعيدة بمشاعرها في السباحة، فقررت أن أرسمها وأجسد أحاسيسها الصادقة والضحك من القلب».

البوستر... مشاعر صادقة تتحول إلى حركة على سطح اللوحة (الشرق الأوسط)

أما في لوحة «الاحتياج» فتتوقف أمام طفل رضيع جالس على كرسي، ترصد نظراته وحركاته ورغبته في تناول الطعام، بينما تستعيد لوحة «اللعب» عالماً أكثر تلقائية لطفلتين داخل غرفتهما.

وفي «شخبطة على الحيطة» يصبح فعل الرسم نفسه جزءاً من الحكاية؛ حيث أطفال يلونون على الجدار، في مشهد يجمع الفوضى البريئة بالفرح، ويمنح اللون دوراً لا يقل أهمية عن الشخصيات.

ربما لهذا السبب تبدو علاقة الشاويش بالأطفال أكثر من مجرد اختيار لموضوع متكرر في أعمالها؛ فهي ترى في الطفل حالة فنية غنية؛ جسد لا يعرف السكون طويلاً، ووجه تتغير ملامحه بسرعة، ومشاعر تظهر من دون حسابات مسبقة.

وتقول: «أحب الحركة والتلقائية والانطلاق، وهي صفات تجمع بين رؤيتي الفنية وعالم الأطفال؛ ولذلك يبرز حضورهم في أعمالي بصورة متكررة».

وتستخدم الفنانة ألوان الزيت على التوال، وهي الخامة التي تقول إنها تشعر براحة خاصة في التعامل معها، لأنها «لا تجف سريعاً، بما يسمح لي ببناء طبقات اللون، والعودة إلى اللوحة في اليوم التالي».

لوحة «اللعب»... طفلتان تنغمسان في اللعب بعفوية (الشرق الأوسط)

وفي أعمالها تتحول الألوان إلى جزء من الإيقاع العام للعمل، خصوصاً مع المشاهد التي تحمل مشاعر الفرح واللعب.

ومثلما يمكن أن تُقرأ الكلمة الأولى من عنوان معرضها «الجذور» باعتبارها ما راكمته الفنانة من تجربة وتكوين ورؤية، فإن كلمة «الأجنحة» تتيح مساحة أوسع للخيال والحركة، وهو ما يلتقي مع اهتمامها بالأطفال وتجاربهم البصرية.

ومن هنا جاء قرارها بأن تدمج في تجربتها جانباً من أعمال الأطفال الذين تُشرف على تدريبهم من خلال ورش عمل تنظمها في مرسمها بالقاهرة، في محاولة لخلق حوار بين تجربتها الفنية وبين البدايات الأولى لمواهب صغيرة.

يضم المعرض كذلك 60 لوحة لنحو 20 طفلاً، تتراوح أعمارهم بين 5 و13 عاماً، واللافت أن هذه اللوحات أيضاً لا تعرف أو تعترف بالسكون.


في جدة... أمسية تستعيد إرث فوزي محسون وحكاياته الإنسانية والفنية

الفنان محمد السلطان خلال أدائه أغاني من إرث الراحل الفني خلال الأمسية (الشرق الأوسط)
الفنان محمد السلطان خلال أدائه أغاني من إرث الراحل الفني خلال الأمسية (الشرق الأوسط)
TT

في جدة... أمسية تستعيد إرث فوزي محسون وحكاياته الإنسانية والفنية

الفنان محمد السلطان خلال أدائه أغاني من إرث الراحل الفني خلال الأمسية (الشرق الأوسط)
الفنان محمد السلطان خلال أدائه أغاني من إرث الراحل الفني خلال الأمسية (الشرق الأوسط)

في ليلة موسيقية استثنائية لـ«سيد الشجن» الراحل فوزي محسون، كانت المدينة الساحلية جدة (غرب السعودية) حاضرة بكل تفاصيلها؛ إذ إن الفنان الراحل يُعدّ من رواد الأغنية السعودية الأصيلة، وعبر ألحانه نقل جمالها إلى مساحات أرحب من التجديد.

ولم تكتفِ أمسية «سيد الشجن» التي أقامتها جمعية الثقافة والفنون بجدة، باستعادة أصداء أغنياته وألحانه التي بقيت خالدة في ذاكرة الجمهور وترددها الأجيال، ومنها: «من بعد مزح ولعب»، و«يا ناس حظي تعبان»، و«روح أحمد الله وبس»، و«جاني والله جاني»، بل اقتربت أكثر من حياة الإنسان خلف الفنان، وحكايات البدايات التي صنعت مسيرته، وذلك من خلال جلسة حوارية مع ابنه المهندس خالد فوزي محسون.

المهندس خالد فوزي محسون يتحدث عن جوانب من حياة والده خلال الأمسية (الشرق الأوسط)

البدايات ودفء الأسرة

يقول المهندس خالد إن والده عاش حياة اجتماعية بسيطة ومستقرة محاطاً بعائلته وأبنائه، مشيراً إلى أن صالون منزل الأسرة في حي الكندرة آنذاك، لم يكن مجرد سكن للعائلة، بل كان أشبه بـ«صالون ثقافي»؛ إذ كان مشرعاً دوماً لكل الأصدقاء والفنانين والموهوبين من داخل المملكة وخارجها.

ويضيف: «أحبَّ والدي البساطة، ورغم شهرته الواسعة، فإنه ظل وفياً لوظيفته في (مصلحة البريد والبرق) حتى تقاعده، وكان يرى في خدمة الناس والالتزام اليومي معهم والوقوف إلى جانبهم ودعمهم واجباً عليه».

وتحدث نجل الفنان الراحل عن البدايات، حيث قال: «كان والدي شغوفاً بالموسيقى منذ مرحلة الطفولة، درس الابتدائية في مدرسة الرشدية، ثم انتقل إلى مدرسة الفلاح حيث درس المرحلة الثانوية... ومن القصص التي أذكرها تعرفه على أحد زملائه واشتراكهما في تعلم العزف معاً، وفي تلك الأيام اشترى والدي أول عود له، لتبدأ من هنا رحلته الفنية».

وأشار المهندس خالد إلى أسماء فنية لامعة كانت حاضرة في صالون والده الفني؛ منهم الموسيقار المصري الراحل محمد الموجي، ومحمد عبده، وعبادي الجوهر، وسامي إحسان، وعمر كدرس، ومحمد السراج، ومحمد عمر، مضيفاً: «كانوا يجتمعون للنقاش وتبادل الأفكار والألحان في أجواء من الصداقة والمحبة».

ويضيف خالد أن والده كان يرى الفن هواية شخصية فقط، وهو ما جعله يتمسك بوظيفته ولم يتركها حتى وفاته، وأضاف: «كان والدي يردد دائماً أنه مجرد هاوٍ، يغني متى شاء وكيفما أراد».

أنباء الخلاف مع أم كلثوم

كشف المهندس خالد في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن أول أغنية سجلها والده للإذاعة هي «نور الصباح»، وكان عمره آنذاك 18 عاماً، نافياً الأنباء التي تداولت رفض الإذاعة إجازة صوت والده عقب رسوبه في الاختبار أمام لجنة فنية صارمة. وتحدث عن الثلاثي الفني الذي كونه والده مع الشاعرة الحجازية ثريا قابل ورفيق دربه الشاعر صالح جلال، والذي شكل حالة فريدة من التناغم الفني.

كما تحدث المهندس خالد عن سوء الفهم الذي فسره البعض بأنه خلاف مع كوكب الشرق أم كلثوم حول أغنيتها «الحب كله»: «لم يكن للفنانة القديرة أم كلثوم أي علاقة بالأمر، بل كان مرتبطاً باجتزاء الموسيقار بليغ حمدي لـ30 ثانية من لحن المجرور الحجازي الذي وضعه والدي في أغنيته الشهيرة (عشقته ولا لي بالمقادير حيلة)». وأضاف أن أم كلثوم، بحسب ما كان يرويه والده، سافرت إلى جدة والتقته في فندق الكندرة، وقدمت له اعتذارها عن الواقعة.

وتابع: «استقبل والدي اعتذار كوكب الشرق بكل ود ولطف، بل أعرب كذلك عن سعادته بغنائها لحناً من ألحانه، ليتحول هذا الموقف إلى صداقة جمعته بكوكب الشرق والموسيقار بليغ حمدي».

وفي الوقت الذي عُرف فيه محسون بطيبته وعفويته ونقاء سريرته، كشف المهندس خالد أن والده كان يصرّ على إحياء حفلات زفاف أهل جدة بالمجان ودون أي مقابل، فضلاً عن مواقفه الإنسانية المتعددة في مساعدة الناس، والوقوف إلى جانبهم، والشفاعة لهم لقضاء حوائجهم. وأعلن المهندس خالد خلال الأمسية، عزمه تدوين كتاب خاص يوثّق مسيرة والده الراحل.

الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بجدة خلال تكريم المهندس خالد نجل الراحل فوزي محسون (الشرق الأوسط)

مدرسة فنية متفردة

من جهته، قال الشاعر ضياء خوجة لـ«الشرق الأوسط»، إن الراحل فوزي محسون كان يتميز بمدرسته الفنية التي لا تشبه أحداً، ليس داخل المملكة فقط وإنما خليجياً وعربياً، مشيراً إلى أن «المستمع كان يستطيع أن يتعرف على لحنه بمجرد سماعه»، مؤكداً أن ما ميز تجربة «سيد الشجن» حسن اختياراته للكلمة من البيئة المحلية، وتقديمها بأسلوب «السهل الممتنع»؛ بكلمات بسيطة وقريبة من الناس، لكنها تحمل قيمة شعرية وجمالية وتصل إلى كل مستمع.

وأضاف: «أنا شخصياً بصفتي شاعراً استفدت كثيراً من تجربته، خصوصاً أنه كان يهتم بالمفردة الحجازية، ويختار الألوان التي تعبر عن البيئة المحلية، ولذلك كنت أحرص على متابعة أعماله والاستماع إلى ما يلحنه، وكذلك إلى الشعراء الذين كان يقدم أعمالهم، ومنهم يوسف راجح وغيره من الذين ارتبطت أسماؤهم بتجربته».

وأكد خوجة أن أثر فوزي محسون الحقيقي لم يكن في ألحانه فقط، بل في لفتاته الإنسانية العفوية التي نبعت من قلبه تجاه زملائه والجيل الجديد؛ حيث جعلت حكايات قلبه الأبيض، ونقاء سريرته، ومواقفه التي جمعت بين نبل الأخلاق الحجازية وعظمة الفن، من سيرته قصة إنسانية تُروى قبل أن تكون مسيرة فنية تُعزف وهو المقياس الحقيقي للفنان؛ أن تنتهي حياته، لكن لا تنتهي أعماله، وأن تظل ألحانه تعيش في ذاكرة الناس جيلاً بعد جيل.

تكريم المصورة سوزان إسكندر بمناسبة اليوم العالمي للتصوير الفوتوغرافي (الشرق الأوسط)

احتفاء بتجربة الراحل

من جهته، أكد محمد آل صبيح، مدير فرع جمعية الثقافة والفنون بجدة، أن هذه الأمسية تأتي امتداداً لمبادرة الجمعية التي أُطلِقت عام 2018، لتكريم أصحاب التجارب التي أسهمت في صناعة إرث فني وثقافي كبير، وقال: «نحتفي اليوم بتجربة فوزي محسون الفنية المتكاملة؛ على مستوى الموسيقى واللحن والكلمة والأداء... فقد كان واحداً من أهم صناع الأغنية السعودية، ومن المهم بالنسبة لنا ألا يكون الاحتفاء بالرواد مجرد استعادة للماضي، بل أن يكون جسراً يصل هذا الإرث بالأجيال الجديدة، ولذلك استضفنا اليوم الفنان الشاب محمد السلطان، الذي تفاعل معه الجمهور عند تقديمه أغاني فوزي محسون بصوته وأسلوبه الخاص».

وأشار آل صبيح إلى أن تكريم الرواد هو جزء من مسيرة طويلة للجمعية تمتد منذ تأسيسها، وتتمثل في تقديم التكريم لمن يستحقه، وحفظ ذاكرة المبدعين، وجعل إرثهم حاضراً أمام الأجيال الجديدة.

يُشار إلى أن الأمسية التي أقامتها الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بجدة، لاستحضار سيرة الفنان الراحل فوزي محسون، شهدت مشاركة الفنان محمد السلطان وتأديته لأغانٍ من إرث الراحل الفني، بالإضافة إلى تكريم المصورة سوزان إسكندر بمناسبة اليوم العالمي للتصوير الفوتوغرافي.