في وقت تميل فيه معظم الأعمال المستوحاة من الأساطير إلى إعادة سرد الحكايات المعروفة، اختار المخرج السنغافوري نيلسون يو طريقاً مغايراً. ففي فيلمه الجديد «بيت على القمر» (The House on the Moon) لم يشغله إعادة تقديم أسطورة «تشانغ إر» كما تناقلتها الأجيال، بقدر ما شغله سؤال آخر: ماذا لو لم تنتهِ الحكاية عند النقطة التي حفظها الجميع؟ وماذا لو بدأت القصة الحقيقية بعد نهاية الأسطورة؟
من هذا السؤال انطلقت تجربة يو الجديدة، التي تُعيده إلى «مهرجان لوكارنو السينمائي» في سويسرا، بعد النجاح الذي حقّقه فيلمه السابق «الحلم والموت»، الفائز بجائزة «الفهد الذهبي» في مسابقة «صناع الحاضر» بالمهرجان نفسه قبل 3 أعوام. لكنه يعود هذه المرة بفيلم أكثر اتساعاً في عالمه البصري، وانشغالاً بالأسئلة الإنسانية الكامنة خلف الأسطورة.
ويقول نيلسون يو، في مقابلة عبر تطبيق «زووم» مع «الشرق الأوسط»، إن الابتعاد عن المألوف كان قراراً اتخذه منذ اللحظة الأولى. فأراد إدخال المُشاهد مباشرة إلى عالم لا يكشف عن نفسه بسهولة، ليتولّى اكتشاف الشخصيات وطبيعة العلاقات التي تربط بينها. ويشير إلى أنّ هذا الغموض لم يكن مجرّد أسلوب سردي، وإنما جزء من فكرة الفيلم، لأن استكشاف المجهول كان بالنسبة إليه أكثر إثارة من إعادة رواية أحداث يعرفها الجمهور مسبقاً.
وتدور الأحداث حول «تشانغ إر» التي تنطلق برفقة رائد فضاء من الأرض في رحلة إلى الجانب المظلم من القمر، بحثاً عن زوجها «هو يي»، بعد اختفائه خلال مهمّة لإنقاذ الشمس المحتضرة. وبينما تبدأ الرحلة على أنها مهمة إنقاذ، تتحوّل تدريجياً إلى رحلة لاكتشاف الذات ومواجهة أسئلة الهوية والقدر والاختيار.

ويؤكد المخرج السنغافوري أنّ الفيلم، رغم استناده إلى أسطورة صينية شهيرة، لا يتعامل مع شخصياتها على أنها آلهة أو رموز مقدّسة، وإنما شخصيات تعيش صراعات يمكن لأي إنسان التعاطف معها. ويلفت إلى أنّ أكثر ما شغله خلال الكتابة كان البحث عن الجانب الإنساني في تلك الشخصيات، لا الأسطوري.
ويشير يو إلى أن هذه الفكرة جعلته ينظر إلى الفيلم على هيئة رحلة لاكتشاف الذات أكثر من كونه مغامرة فانتازية، موضحاً أنّ البُعد العاطفي كان بالنسبة إليه أهم من أي بناء أسطوري أو حدث درامي. فالشخصيات كانت دائماً في مقدّمة اهتمامه، لذلك حاول منحها مشاعر متناقضة ونقاط ضعف وأسئلة وجودية، لتبدو أقرب إلى البشر منها إلى الشخصيات الخارقة التي اعتاد الجمهور رؤيتها في الحكايات القديمة.
ومن هنا جاءت فلسفته في كتابة الفيلم، التي يختصرها بعبارة «العاطفة تتفوّق على الحبكة»، لافتاً إلى أن هذا المبدأ لم يكن مجرّد شعار، وإنما قاعدة حكمت مراحل صناعة العمل. فالحبكة موجودة بطبيعة الحال، لكنها لا تقود الشخصيات، بل الشخصيات هي التي تقودها. لذلك حرص فريق العمل على الاقتراب منها طوال الوقت، حتى إنّ المشاهد يسمع أحياناً أفكارها الداخلية، لأنّ الهدف كان أن يشعُر بما تعيشه قبل أن ينشغل بما سيحدث لها.
ويعترف يو بأنّ الحفاظ على هذا التوازن لم يكن سهلاً، خصوصاً في فيلم يعتمد على عالم بصري واسع يجمع بين الخيال العلمي والفانتازيا، مؤكداً أن التحدّي الحقيقي كان ألا تتحوّل المشاهد الضخمة أو المؤثرات البصرية إلى عنصر يطغى على المشاعر. لذلك كان على كلّ قرار بصري في الفيلم أن يخدم الحالة النفسية للشخصيات.

ويفسّر المخرج المزج بين الأنواع السينمائية بتأثّره الكبير بأفلام هونغ كونغ في تسعينات القرن الماضي، التي نشأ على مشاهدتها، موضحاً أنها كانت تنتقل بسلاسة بين أكثر من نوع سينمائي، من دون أن يشعر المُشاهد بالحاجة إلى وضعها في قالب محدّد.
ويضيف أنه لا يسعى إلى استعادة تلك المرحلة بدافع الحنين، وإنما إلى الحفاظ على روحها الحرّة التي تسمح للفيلم بالتحرّك بين أكثر من عالم، من دون أن يفقد هويته أو صدقه الإنساني. ويلفت إلى أنّ استلهام سينما هونغ كونغ لم يقتصر على المزج بين الأنواع السينمائية، بل امتد أيضاً إلى طريقة صناعة الفيلم نفسها.
ويقول إنه وفريقه تمسكوا بالأسلوب العملي في تنفيذ كثير من التفاصيل والمؤثّرات، حفاظاً على السحر الذي ميَّز تلك المرحلة، من دون أن يمنعهم ذلك من الاستفادة من التقنيات الحديثة. ويؤكد أنّ الهدف لم يكن إعادة إنتاج أفلام التسعينات، وإنما تقديم حكاية تبدو معاصرة وقريبة من جمهور اليوم، مع استخدام تقنيات الإنتاج الافتراضي لتوسيع العالم الذي تدور فيه الأحداث، خصوصاً أنّ رغبته كانت تصوير أكبر جزء ممكن من الفيلم داخل سنغافورة، وهو ما لم يكن ممكناً لولا هذه التكنولوجيا.

ومن الشخصيات التي شهدت أكبر تحوّل خلال الكتابة شخصية «بنغ منغ»، التي يصفها يو بأنها أصبحت، بشكل غير متوقَّع، الأكثر هشاشة على المستوى العاطفي. ويؤكد أنها ظهرت في المسودات الأولى بوصفها شريراً تقليدياً، لكنه وكاتبة السيناريو فيكي وجدا نفسيهما ينجذبان إليها تدريجياً، حتى أصبحت شخصية أكثر تعقيداً وإنسانية.
وعن صورة القمر، يوضح أنه لم ينظر إليه بوصفه وجهةً فضائيةً أو بيئةً علميةً، وإنما مساحة للمشاعر، لافتاً إلى أنّ أول صورة تخيّلها كانت «تشانغ إر» وهي تجلس وحيدة على سطحه، قبل أن يصل إليها رائد فضاء من الأرض.
ويرى أنّ الفراغ الهائل الذي يحيط بها يعكس وحدتها الداخلية؛ فالرحلة في الفيلم ليست رحلة في المكان بقدر ما هي رحلة داخل النفس. حتى إنه فكر في البداية في أن تدور البطلة حول القمر ثم تعود إلى النقطة نفسها، لتكتشف في النهاية أنّ المكان الذي غادرته لم يعد كما كان، في إشارة إلى أنّ التغيير الحقيقي حدث داخلها.









