ما معنى التلويح المصري باستخدام «حق الدفاع الشرعي» في أزمة السد الإثيوبي؟

عبد العاطي جدّد رفض بلاده بناء سدود جديدة على نهر النيل

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

ما معنى التلويح المصري باستخدام «حق الدفاع الشرعي» في أزمة السد الإثيوبي؟

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

كررت مصر، خلال أسبوعين، الحديث عن حقها في منع أي تحركات لأديس أبابا على نهر النيل، مؤكدة أنها تمتلك «حق الدفاع الشرعي» في مواجهة تداعيات «سد النهضة» الإثيوبي أو أي سدود أخرى محتملة.

ذلك التلويح المصري يعني، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر «لن تتوانى عن استخدام كافة الوسائل المشروعة لحفظ أمنها المائي»، موضحين أنه «يحمل رسالة شديدة اللهجة لإثيوبيا التي تستمر في تصعيدها ضد مصر، ويشي بأن القاهرة تحاول الانتقال من سياسة الاحتجاج على الإجراءات الإثيوبية بعد وقوعها إلى سياسة الردع الوقائي، ومنع تكريس واقع مائي جديد».

تحذير مصري جديد

وأكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أن «مصر لن تسمح بإقامة سدود إضافية أو اتخاذ إجراءات أحادية تمس مصالحها المائية»، مشدداً على تمسك القاهرة باتفاق ملزم قانونياً يضمن حقوقها المائية.

وفي مقابلة تلفزيونية مساء الأربعاء، قال إن مصر لا تعارض حق الدول الأفريقية في التنمية، مستشهداً بمشاركة القاهرة في تنفيذ مشروعات وسدود بعدد من دول حوض النيل، لكنه شدد على «ضرورة تحقيق التوازن بين حق التنمية وحقوق دول المصبّ».

وشدد على «تمسك مصر بحقها في حماية مصالحها المائية»، قائلاً: «لنا حق الدفاع الشرعي عن مصالحنا وأمننا المائي»، مؤكداً في الوقت ذاته: «لن نقبل بأي اتفاق بشأن نهر النيل لا يكون ملزماً قانونياً».

«سد النهضة» (رويترز)

ويرى عضو «المجلس المصري» مساعد وزير الخارجية الأسبق محمد حجازي، أن تصريحات الوزير بدر عبد العاطي «تمثل رفعاً لسقف الردع المصري أكثر منها إعلاناً عن التخلي عن المسار الدبلوماسي. وحق الدفاع الشرعي يحميه القانون الدولي بعد استنفاد كل الوسائل»، مشيراً إلى أن «الرسالة الأساسية هي أن القاهرة لا تزال تفضل الاتفاق والتفاوض، لكنها لم تعد تقبل أن تصبح المفاوضات غطاءً لاستمرار فرض الأمر الواقع».

وأكثر عبارة دلالةً في تصريحات الوزير المصري هي «الجمع بين ثلاث رسائل في وقت واحد: رفض الإجراءات الأحادية، ورفض السدود الإضافية، والتمسك بحق الدفاع الشرعي عن الأمن المائي»، وفق تقدير حجازي الذي أوضح أن هذا يعني أن مصر «تحاول الانتقال من سياسة الاحتجاج على الإجراءات الإثيوبية بعد وقوعها إلى سياسة الردع الوقائي، ومنع تكريس واقع مائي جديد».

ويعتقد خبير الشؤون الأفريقية بـ«المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط» حسين البحيري، أن التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية المصري «تؤكد حق مصر في الدفاع عن حقوقها المائية والتاريخية في مياه نهر النيل بشتى الطرق التي تراها الدولة المصرية مناسبة للحفاظ على حق الشعب المصري في مياه نهر النيل الذي يعد مسألة حياة أو موت بالنسبة لشعبها».

موقف مصري متصاعد

وهذه المرة الثالثة التي تلوّح فيها مصر باستخدام «حق الدفاع» ومنع إقامة سدود على النيل؛ ففي 16 أغسطس (آب) الحالي نقلت وكالة الأنباء المصرية عن مصدر مصري مسؤول لم تذكر هويته قوله إن بلاده «لن تقبل ولن تسمح بسيطرة أي أطراف على تدفقات مياه نهر النيل لدول المصبّ»، مشدداً على أن «أدوات الدولة المصرية متعددة ومتشعبة وقادرة على النفاذ والدفاع عن مصالح الشعب المصري في نهر النيل».

وأفادت الوكالة وقتها بأن ذلك جاء تعليقاً على «تصريحات منسوبة لوزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا بشأن بناء سدود إضافية على نهر النيل والسيطرة على تدفقات المياه إلى دولتَي المصبّ (مصر والسودان)».

وفي 4 أغسطس الحالي شدد وزير الري المصري هاني سويلم، في مؤتمر صحافي، على أن بلاده «لن تسمح ببناء سدود إثيوبية جديدة على مجرى نهر النيل»، قائلاً: «وجود خطط لدى إثيوبيا لبناء سدود جديدة شيء معروف، لكن هل الدولة المصرية ستسمح بذلك؟ لا».

ويشير حجازي إلى أن «الكرة الآن في ملعب إثيوبيا، فإذا قبلت بالعودة إلى تفاوض جاد يفضي إلى اتفاق قانوني ملزم، يمكن احتواء الأزمة، أما إذا استمرت في بناء وقائع جديدة على النيل، فإن مساحة الحل الدبلوماسي ستضيق، وستصبح إدارة المخاطر والردع جزءاً أكثر وضوحاً من الاستراتيجية المصرية».

ولا يرجح البحيري أن يكون التصعيد باباً لمفاوضات جديدة بشأن سد النهضة «إلا إذا قبلت الحكومة الإثيوبية تقديم تنازلات فيما يتعلق بالاستجابة للمطالب المصرية الخاصة بالتوصل لاتفاق قانوني ملزم يضمن الحقوق المائية لمصر في مرحلتَي الجفاف والجفاف الشديد، ويسمح لها بالاطلاع على المعلومات الخاصة بكيفية إدارة إثيوبيا للسد الإثيوبي، بما لا يلحق الضرر بالحقوق المائية لمصر».


مقالات ذات صلة

مصر تؤكد قدرة اقتصادها على الصمود في وجه أزمات المنطقة

شمال افريقيا وزير التخطيط المصري خلال مشاركته في قمة «قطاع ريادة الأعمال المصري» الجمعة (وزارة التخطيط)

مصر تؤكد قدرة اقتصادها على الصمود في وجه أزمات المنطقة

أكدت مصر قدرة اقتصادها على الصمود في وجه الأزمات التي تمر بها المنطقة «مع زيادة معدلات النمو خلال العام المالي المنتهي في 30 يونيو الماضي».

أحمد عدلي (القاهرة)
شمال افريقيا مباحثات سابقة بين آبي أحمد والرئيس الإسرائيلي في أديس أبابا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

الدعم الإسرائيلي لـ«المنفذ البحري» الإثيوبي يزيد التوتر مع مصر

دعم إسرائيلي لتحركات إثيوبيا، في الحصول على منفذ على البحر الأحمر، يأتي تزامناً مع رفض مصري يتوالى ضد تحركات أديس أبابا.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من أعمال تطوير شارع جامعة الدول العربية في الجيزة (الشرق الأوسط)

قطع الأشجار في مصر... تحقيقات موسعة وتكهنات بالمحاسبة

أمرت النيابة العامة في مصر ببدء تحقيقات موسَّعة بشأن وقائع قطع الأشجار بعدما تلقَّت بلاغات بوقائع جديدة

عصام فضل (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في قمة «بريكس» التي استضافتها روسيا عام 2024 (الرئاسة المصرية)

وسط اضطرابات الإقليم... ماذا تحقق المشاركة الثالثة لمصر في «بريكس»؟

يشارك الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في أعمال القمة الـ18 لتجمع «بريكس» التي تستضيفها العاصمة الهندية نيودلهي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
العالم العربي لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

مصر وليبيريا تتفقان على تنسيق الأولويات الأفريقية في «مجلس الأمن»

بحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع وزيرة خارجية جمهورية ليبيريا سارة نيانتي خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مستجدات الأوضاع الإقليمية في القارة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

مجلس الأمن يمدد عقوبات دارفور لشهر بعد خلافات على توسيعها

جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن السودان في نيويورك (الأمم المتحدة)
جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن السودان في نيويورك (الأمم المتحدة)
TT

مجلس الأمن يمدد عقوبات دارفور لشهر بعد خلافات على توسيعها

جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن السودان في نيويورك (الأمم المتحدة)
جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن السودان في نيويورك (الأمم المتحدة)

أرجأت خلافات داخل مجلس الأمن حسم مقترح أميركي لتوسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل السودان بأكمله وكل الأطراف المتحاربة، واكتفى المجلس بتمديد نظام العقوبات القائم لمدة شهر واحد، في خطوة «فنية» تتيح مزيداً من الوقت للتفاوض على تعديلات أثارت انقساماً بين أعضائه.

واعتمد المجلس القرار 2828، الذي صاغته الولايات المتحدة، لتمديد العقوبات حتى 9 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، بعد مفاوضات «طويلة وشاقة» تركزت على مقترحات أميركية لتوسيع الحظر، وإخضاع المسيّرات ومكوناتها والتقنيات المرتبطة بها لقيوده، وتشديد الإجراءات الرامية إلى وقف تدفق الأسلحة والدعم العسكري الخارجي إلى أطراف الحرب.

وكشفت المفاوضات انقساماً واضحاً داخل المجلس؛ ففيما أيدت دول غربية توسيع نطاق العقوبات في ضوء اتساع رقعة الحرب من دارفور إلى كردفان والنيل الأزرق وتصاعد استخدام المسيّرات، عارضت روسيا والصين وباكستان ودول أفريقية توسيع الحظر خارج دارفور، مفضلة إبقاء نظام العقوبات بصورته الحالية.

ممثل السودان خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك (الأمم المتحدة)

ويأتي اعتماد القرار بعد أسابيع من مفاوضات وصفت بأنها «طويلة وشاقة» حول مسودة سابقة لتوسيع حظر الأسلحة. ولكن وجهات النظر المتباينة بين أعضاء المجلس بشأن فائدة نظام الجزاءات الحالي، فضلاً عن مدى وطريقة تعديله تعكس الحقائق المتطورة على أرض الواقع.

وكانت الولايات المتحدة وزعت مسودة أولية على جميع أعضاء المجلس في 13 أغسطس (آب) الماضي، بعد مناقشة النص أولاً مع الأعضاء الدائمين الآخرين. وأعقب ذلك ثلاث مسودات منقحة، وجولتان من المفاوضات.

ووفقاً لعدد من الدبلوماسيين المطلعين على المفاوضات، أدت الخلافات بين الأعضاء إلى مقترح معدل من المفاوضين الأميركيين لتمديد «فني» يتيح المزيد من الوقت للمفاوضات.

وأجريت مفاوضات هذا العام وسط تدهور حاد في الوضع الأمني ​​عبر العديد من الخطوط الأمامية، بما في ذلك في دارفور وكردفان والنيل الأزرق. كما كان هناك قلق متزايد بشأن الاستخدام المتزايد للمسيّرات وغيرها من الأسلحة المتقدمة، ما أدى إلى تفاقم معاناة المدنيين حيث تؤثر الهجمات بشكل متزايد على المناطق المأهولة بالسكان والبنية التحتية الحيوية.

مكافحة تدفق الأسلحة

وهناك أيضاً تقارير مستمرة عن الأبعاد الإقليمية للصراع، بما في ذلك الدعم العسكري الخارجي للأطراف، وتدفقات الأسلحة والمقاتلين عبر الحدود إلى السودان، وامتداد الصراع إلى البلدان المجاورة.

وعلى هذه الخلفية، واصل مجلس الأمن السعي لتنفيذ نظام الجزاءات والعقوبات، وسط تقارير عن أن العديد من الجهات الخارجية تقوم بتزويد الأطراف المتحاربة بالأسلحة وانتشار العنف في كل أنحاء البلاد.

ودعت العديد من الدول الأعضاء ومنظمات المجتمع المدني إلى توسيع النطاق الجغرافي لنظام العقوبات إلى ما هو أبعد من دارفور ليشمل البلاد بأكملها، بدل أن يقتصر على دارفور. وعادت هذه القضية إلى الظهور على نحو متكرر في المجلس في السنوات الأخيرة، وكان آخرها في أثناء المفاوضات حول القرار رقم 2791. غير أن دولاً أفريقية والصين وباكستان وروسيا عارضت توسيع النطاق الجغرافي لتدابير العقوبات إلى ما هو أبعد من دارفور.

وبدا أن هذه الدول تؤيد الحكومة بقيادة قائد القوات المسلحة السودانية الفريق أول عبد الفتاح البرهان. بينما اعتبر بعض أعضاء المجلس، وخاصة فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، أن «قوات الدعم السريع» والقوات المسلحة السودانية «مسؤولة عن الفظائع المستمرة في السودان وغير صالحة لحكم البلاد».

عناصر من الجيش السوداني في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)

وكانت المسودة الأولى التي أعدتها الولايات المتحدة سعت إلى توسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل أراضي السودان وينطبق على كل الأطراف العاملة في البلاد. وتضمنت أيضاً أحكاماً تؤكد من جديد أن المسيّرات، بما في ذلك المكونات ذات الاستخدام المزدوج والتقنيات المرتبطة بها، تقع ضمن نطاق حظر الأسلحة. وطلب كذلك من الأمين العام أنطونيو غوتيريش زيادة عدد الخبراء العاملين في فريق الخبراء الذي يدعم لجنة عقوبات السودان المنشأة بموجب القرار 1591 وتعزيز التعاون بين الفريق ومجموعات الخبراء التي تدعم أنظمة العقوبات الأخرى في المنطقة.

مقاتلون من «قوات الدعم السريع» (أرشيفية - أ.ب)

وبينما أيد عدد من أعضاء المجلس المقترح الأميركي، رفضه البعض الآخر، ومنعهم ممثلو جمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيريا والصومال، بالإضافة إلى الصين وباكستان وروسيا، الذين أكدوا تفضيلهم لتجديد نظام العقوبات لمدة عام آخر من دون توسيعه ليشمل مناطق أخرى غير دارفور.

كما ظهرت اختلافات بين أعضاء مجموعة الدول الأفريقية الثلاث حول جدوى مناقشة البنود الجوهرية للنص وكيفية ذلك. وأُثيرت مخاوف أيضاً في شأن بنود جوهرية أخرى في المسودة الأميركية، تتجاوز النطاق الجغرافي للعقوبات. فعلى سبيل المثال، رأى بعض الأعضاء، كالصين وروسيا، أن هناك تركيزاً مفرطاً على استخدام المسيّرات وأنظمتها في النزاع وتأثيرها على المدنيين، مما أثار مخاوف في شأن إدراج بنود تتعلق بالمكونات ذات الاستخدام المزدوج والتقنيات المرتبطة بها.

معايير جديدة

وأدرجت الولايات المتحدة مقترحات قدمتها بعض الدول الأعضاء، ومنها الدنمارك وفرنسا ولاتفيا وبنما والمملكة المتحدة، في مسودات لاحقة منقحة، بغية توسيع معايير إدراج العقوبات الموجهة، التي كانت تركز سابقاً على الأفعال التي تعرقل عملية السلام أو تهدد الاستقرار في دارفور، لتشمل الأفعال التي تشكل تهديداً لاستقرار السودان بشكل أوسع. كما تضمنت المعايير المنقحة، من بين أمور أخرى، انتهاكات القانون الدولي المعمول به في السودان، التي تشمل استهداف المدنيين؛ والاختطاف مقابل فدية بهدف توليد إيرادات أو تقديم دعم آخر للجماعات المسلحة، وعرقلة إيصال المساعدات الإنسانية أو الوصول إليها أو توزيعها، أو مهاجمة العاملين في المجال الإنساني أو الطبي أو المرافق أو الإمدادات أو وسائل النقل.

ودعت مقترحات إضافية في المسودات المنقحة إلى أن يشمل حظر الأسلحة أفراد المرتزقة المسلحين، سواء أكانوا من داخل أراضي الدول الأعضاء أم لا، وطالبت الدول الأعضاء بوقف أي دعم مباشر أو غير مباشر للأطراف المتحاربة، سواء أكان لوجستياً أو مالياً أو عسكرياً، مما يسمح باستمرار النزاع، بما في ذلك اتخاذ تدابير لمنع إطلاق وتشغيل المسيّرات من أراضيها.


عَودة صالح وتكالة للحوار... خلط جديد لأوراق الأزمة الليبية

رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن في تركيا مع رئيسي مجلسي «النواب» و«الدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة أمس الخميس (المركز الإعلامي لصالح)
رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن في تركيا مع رئيسي مجلسي «النواب» و«الدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة أمس الخميس (المركز الإعلامي لصالح)
TT

عَودة صالح وتكالة للحوار... خلط جديد لأوراق الأزمة الليبية

رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن في تركيا مع رئيسي مجلسي «النواب» و«الدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة أمس الخميس (المركز الإعلامي لصالح)
رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن في تركيا مع رئيسي مجلسي «النواب» و«الدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة أمس الخميس (المركز الإعلامي لصالح)

فاجأ رئيسا مجلسي «النواب» و«الأعلى للدولة» في ليبيا، عقيلة صالح ومحمد تكالة، الشارع السياسي بإعلان اتفاقهما من أنقرة على إحياء اجتماعات لجنة «6+6»، في خطوة عُدّت إعادة لخلط أوراق الأزمة وتعميقاً لتعقيداتها.

فأمام الاختراق، الذي أحدثه اتفاق لجنة «4+4» برعاية البعثة الأممية، ولاقى ترحيباً من مجلس الأمن بشأن تحريك العملية السياسية المتكلّسة، وتجاوز خلافات صالح وتكالة، أسرع الأخيران إلى عقد اجتماع في تركيا انتهيا فيه إلى أن «6+6» ستعود قريباً إلى «استكمال مهامها المتعلقة بالقوانين الانتخابية».

خلال توقيع ممثلي لجنة «4+4» الليبية على الاتفاق - 30 أغسطس (البعثة الأممية)

وكانت «4+4» قد وقّعت في 30 أغسطس (آب) الماضي، بمقر البعثة على الاتفاق، الذي أنهى نقاط الخلاف بشأن قانوني الانتخابات. وفي أعقاب ذلك، أرسلت البعثة الاتفاق إلى المجلسين ومنحتهما مهلة شهر للموافقة عليه، غير أن رئيسيهما لم يبديا أي تجاوب معه، «تخوفاً من إخراجهما من المشهد».

ويرى رئيس حزب «صوت الشعب» الليبي، فتحي الشبلي، أن لقاء صالح وتكالة بالعاصمة التركية «جاء في الوقت الضائع؛ لكونه يأتي بعد سنوات من استمرار تعطيل الانتخابات والعملية السياسية، مما يحول دون تقييمه بوصفه لقاء سياسياً مجرداً».

وبحسب تقدير الشبلي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، فإن اجتماع صالح وتكالة «محاولة لإعادة خلط الأوراق، وإرباك مخرجات (4+4)؛ لكون تطبيقها يهدد بإنهاء وجود الأجسام والقيادات المتسببة في تعطيل الانتخابات طيلة السنوات الماضية، وإبعادها نهائياً عن المشهد».

وخلص اجتماع صالح وتكالة في أنقرة إلى تأكيد المجلسين «على أن العملية السياسية في ليبيا يجب أن تكون ضمن إطار الإعلان الدستوري والقانوني، والاتفاق السياسي المنظم لعمل المجلسين، وبما يضمن احترام الاختصاصات المقررة لكل منهما».

جانب من حفل توقيع ممثلي لجنة «4+4» الليبية على الاتفاق في 30 أغسطس الماضي (البعثة الأممية)

وقال صالح وتكالة في بيان مشترك أصدراه مساء الخميس، إن المجلسين «يثمنان جهود تركيا، واستعدادها لاستضافة لجنة (6+6) خلال الأيام المقبلة؛ بما يمكّن اللجنة من استكمال وإنجاز مهامها المتعلقة بالقوانين الانتخابية، تمهيداً للمضي نحو إجراء الاستحقاقات الانتخابية».

وأضاف البيان أن «المجلسين يشددان على ضرورة توحيد المناصب السيادية والسلطة التنفيذية، وإنهاء حالة الانقسام المؤسسي بما يعزز وحدة مؤسسات الدولة، ويمهد للوصول إلى سلطة تنفيذية موحدة، وصولاً إلى العملية الانتخابية المنتظرة».

وأثار لقاء صالح وتكالة المفاجئ تساؤلات ليبيين عديدين، من بينهم الدبلوماسي فرج الزرق، الذي قال: «هل يشير اجتماع أنقرة إلى رفض ضمني لـ(4+4)، والعودة إلى مسار لجنة (6+6) لإنجاز القوانين الانتخابية؟».

واستكمالاً لهذه الحالة التي أحدثها لقاء صالح وتكالة، تحدث الشبلي عن إضاعة الوقت، وقال إن «أي تفاهم خارج مسار الانتخابات قد لا يكون حلاً للأزمة؛ بل محاولة جديدة لتعطيل الاستحقاق الانتخابي، وإطالة عمر المرحلة الانتقالية»، مبرزاً أن المطلوب اليوم «ليس تسوية جديدة بين الأجسام السياسية، بل الذهاب مباشرة إلى الانتخابات».

وتظل الخلافات بين مجلسي «النواب» و«الأعلى للدولة» أكبر حجماً وأعمق أثراً من نقاط الاتفاق بينهما، ما يعدّه سياسيون ومتابعون سبباً لتعطيل العملية وتعقيدها منذ توقيع اتفاق الصخيرات في المغرب نهاية عام 2015.

جانب من جلسة مجلس الأمن الدولي الماضية (البعثة الأممية)

وهنا يلفت علام الفلاح، الأكاديمي وعضو لجنة الحوار الليبي السابق، إلى أن «المجلسين أبرما خلال 10 سنوات أكثر من 12 اتفاقاً، برعاية عدد من الدول والمؤسسات الدولية، لكن لم يسجل تنفيذ اتفاق واحد منها؛ بل على العكس ظلا يتبادلان الاتهامات».

ويرى الفلاح في تصريح صحافي، أن «التجارب والأحداث تشير إلى أن توقيع صالح وتكالة في تركيا يذهب في هذا الاتجاه، في ظل عدم موافقة أعضاء المجلسين على خلق مسار جديد دون تفاهمات جذرية».

وبالنظر إلى التوقيت ومستجدات الأوضاع في ليبيا، يؤكد الفلاح أن هذا الاجتماع «لن يفضي إلى أي نتيجة، بل هو مجرد محاولة للبقاء في السلطة، ورسالة للقوى الدولية والإقليمية ومجلس الأمن مفادها: نحن حاضرون في أي تفاهمات دولية لحل الأزمة؛ وذلك لضمان الاستمرار في الحكم ومحاولة القفز إلى الأمام».

كما لاقى اجتماع صالح وتكالة انتقادات واسعة، لا سيما من المقربين من سلطات شرق ليبيا؛ إذ أشار رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، محمد عمر بعيو، إلى أن «المجلسين، أو رئاستيهما على الأقل، مختلفان في كل شيء إلا في البقاء بالسلطة، ومنذ ما يزيد على 12 عاماً لم تشهد خلالها البلاد أي تحولات إيجابية حقيقية»، مضيفاً أنه «كان أمام رئيسي المجلسين الوقت الكافي لكنهما لم يفعلا شيئاً».

المشاركون في حفل توقيع لجنة «4+4» الليبية على الاتفاق في 30 أغسطس الماضي (البعثة الأممية)

ورحب مجلس الأمن الدولي في 9 سبتمبر (أيلول) الحالي باتفاق «4+4»، الذي يمهد لإجراء انتخابات وطنية في غضون عامين. وعدّ مندوب فرنسا الدائم لدى الأمم المتحدة جيروم بونافون، الذي تتولى بلاده رئاسة مجلس الأمن، الاتفاق «خطوة مهمة نحو إجراء انتخابات وطنية حرة ونزيهة وشفافة».

وبشأن عدم اجتماع صالح وتكالة في ليبيا، ذهب بشير زعبيه، رئيس تحرير صحيفة «الوسط» الليبية، إلى أن «ممثلي السلطة التشريعية لا يملكان الإرادة ليجتمعا في بلادهما»؛ وقال موضحاً: «سنقول إن المكان ليس مهماً، وكانت له سوابق مماثلة، لكن السؤال: هل سيكون هذا الاجتماع للشعب أم عليه؟».

ولفت زعبيه إلى أن «كل ما نتج عن لقاء صالح وتكالة في أنقرة هو العودة إلى اجتماعات (6+6)، وذلك رداً فيما يبدو على اتفاق (4+4)، وهو ما قد يعيد لجنة (13+13) إلى المشهد؛ لتستمر لعبة الأرقام»، متابعاً: «إذا حدث ذلك فسيكون العنوان الأبرز: رحلة السلطة التشريعية من العاصمة التركية إلى بوزنيقة المغربية، وخطة الالتفاف على الخطة الأممية».

وينص اتفاق «4+4» على تعديلات في الإطار الانتخابي، من بينها إجراء الاستحقاق الرئاسي والنيابي في ظل سلطة تنفيذية موحدة، والتزام الأطراف بالعمل على إجراء الانتخابات خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً. كما ينص على عرض الاتفاق على مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لاعتماده خلال شهر، وإنشاء آلية متابعة لدعم تنفيذ بنوده.


مصر تؤكد قدرة اقتصادها على الصمود في وجه أزمات المنطقة

وزير التخطيط المصري خلال مشاركته في قمة «قطاع ريادة الأعمال المصري» الجمعة (وزارة التخطيط)
وزير التخطيط المصري خلال مشاركته في قمة «قطاع ريادة الأعمال المصري» الجمعة (وزارة التخطيط)
TT

مصر تؤكد قدرة اقتصادها على الصمود في وجه أزمات المنطقة

وزير التخطيط المصري خلال مشاركته في قمة «قطاع ريادة الأعمال المصري» الجمعة (وزارة التخطيط)
وزير التخطيط المصري خلال مشاركته في قمة «قطاع ريادة الأعمال المصري» الجمعة (وزارة التخطيط)

أكدت مصر قدرة اقتصادها على الصمود في وجه الأزمات التي تمر بها المنطقة، مع زيادة معدلات النمو خلال العام المالي المنتهي في 30 يونيو (حزيران) الماضي، مسجلاً 5.1 في المائة، واستمرار تراجع التضخم الشهري.

وخلال مشاركته في جلسة وزارية بقمة «قطاع ريادة الأعمال المصري» بمدينة الغردقة، الجمعة، أكد وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية أحمد رستم أن «قطاعات الصناعة والتجارة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ساهمت مجتمعة بنحو 48 في المائة من إجمالي النمو المحقق، بما يعكس تنوع القطاعات التي تقود النمو بين الصناعة والقطاعات الخدمية، وهو أمر يمثل ميزة حقيقية بخلاف الرقم الإجمالي الذي تجاوز توقعات المؤسسات الدولية».

وأشار إلى أن «مصر استفادت من الصدمات السابقة التي تعرضت لها خلال السنوات الماضية، وتعاملت معها بمنتهى الاحترافية»، موضحاً أن «الحكومة تستهدف زيادة مساهمة الاستثمار الخاص من 59 إلى 64 في المائة بحلول 2030، وأن يكون الاستثمار من خلال قطاعات متنوعة».

كما أكد رستم أهمية العمل على «استمرار استهداف التضخم وإتاحة المزيد من فرص العمل، مع الإشارة إلى استمرار تسجيل التضخم الشهري تراجعاً مع تسجيل 12.7 في المائة في أغسطس (آب) الماضي، مقارنة بـ13 في المائة لنفس الشهر من العام الماضي.

وشدد على أن مستهدفات الحكومة «تتجاوز مجرد تحقيق معدلات نمو مرتفعة، لتشمل تنفيذ برنامج تحول اقتصادي شامل يعتمد على التنافسية وتوسيع الاستثمار الخاص في 5 قطاعات محورية هي الصناعة، والزراعة والتصنيع الغذائي، والسياحة، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وأمن الطاقة، لتحويل الاستقرار الكلي إلى نمو مستدام يولد الصادرات، ويرتقي بمستويات المعيشة في كافة المحافظات».

وكيل «لجنة الشؤون الاقتصادية» بمجلس النواب أيمن محسب أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «الدولة المصرية أصبح لديها قدرة أكبر في الحفاظ على استقرار مؤشرات الاقتصاد الكلي، مع تجاوز عديد من الأزمات المتتالية التي فُرضت على الاقتصاد العالمي منذ جائحة (كورونا)، مروراً بتداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية، وصولاً إلى الاضطرابات في المنطقة».

تسعى الحكومة المصرية لمواجهة التضخم (وزارة التموين)

كما أكد محسب أن «زيادة معدلات النمو وتحسن النشاط الاقتصادي يعدان من أهم المؤشرات التي تشير إلى استعادة النشاط الاقتصادي بالبلاد، وهو أمر بات محل تقدير من المؤسسات المالية العالمية، وانعكس في زيادة الاحتياطي النقدي»، لافتاً إلى ضرورة تسريع وتيرة بناء ما سمّاه «المناعة الاقتصادية» عبر تسريع الإصلاحات الهيكلية وتحسين بيئة الاستثمار. لكن عضو «اللجنة الاقتصادية» بمجلس النواب محمد فؤاد يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المشكلة الأساسية في التعامل مع الوضع الاقتصادي تكمن في النموذج المطبق راهناً، والذي تزاحم فيه الدولة داخل السوق كممول ومنظم ومنتج منافس، مع الاقتراض لتمويل احتياجاتها، واعتماد نموذج اقتصادي قائم بالأساس على الإنفاق وليس الإنتاج»، وفق رأيه.

ويضيف: «الأمر يتطلب تغييراً للاهتمام بمؤشرات تهم المواطن بالفعل من خلال توفير فرص عمل، وتحسين حقيقي للدخول، وجذب استثمارات منتجة».

ويشير فؤاد إلى أن وجود الدولة في الأسواق «يجب أن يكون بشكل أقل، بحيث يكون منظماً وليس مزاحماً للاستثمارات التي يضخها القطاع الخاص، بما يجعل الاقتصاد المصري يتحول من الاستهلاك والاقتراض إلى الإنتاج والاستثمار، ومن ثم القدرة على التصدير والتنافسية».

الحكومة المصرية تؤكد تحقيق استقرار نسبي في سعر الصرف (بنك مصر)

ويلفت عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد التشريعي» محمد أنيس إلى «ضرورة الالتفات إلى دوافع زيادة النمو وتقسيمها، مع التركيز على الاستثمارات الخاصة وليست الاستثمارات العامة التي تكون عبر الاقتراض من أجل تحقيق نمو مستدام». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «العمل على تبسيط الإجراءات في التعامل مع الشركات سيجعل القاهرة موقع جذب للمستثمرين».

من جهته، يشير الخبير بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو هاشم ربيع لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «مستهدفات الحكومة الرقمية في النمو وغيرها من الأرقام التي يراها المسؤولون إيجابية، يجب السؤال عن أثرها على المواطنين الذين لا يزالون يواجهون تداعيات زيادة الأسعار، بالإضافة إلى سياسة الاقتراض».