أسواق «حلوى المولد» في مصر تسعى إلى التوفيق بين الأصالة والابتكار

الشوادر الموسمية تزيّن الشوارع والميادين

شراء «حلوى المولد» عادة اجتماعية سنوية تحرص عليها الأسر المصرية (الشرق الأوسط)
شراء «حلوى المولد» عادة اجتماعية سنوية تحرص عليها الأسر المصرية (الشرق الأوسط)
TT

أسواق «حلوى المولد» في مصر تسعى إلى التوفيق بين الأصالة والابتكار

شراء «حلوى المولد» عادة اجتماعية سنوية تحرص عليها الأسر المصرية (الشرق الأوسط)
شراء «حلوى المولد» عادة اجتماعية سنوية تحرص عليها الأسر المصرية (الشرق الأوسط)

بين مذاقات تراثية شهيرة صُنعت بحرفية، ولمسات عصرية تجمع بين الفخامة والجاذبية، تأتي تشكيلة حلوى المولد النبوي في مصر لهذا العام، التي تتحول معها القاهرة والمدن المصرية إلى لوحة نابضة بالألوان والبهجة، أما تفاصيلها فتتنوع بين الفولية، والسمسمية، والحمصية، واللوزية، والملبن، والدومية، والنوغا، وأقراص حلوى الحمص والسوداني والسمسم المقرمشة.

وفي تكرار سنوي، تشهد أرقى محلات الحلوانية الشهيرة زحاماً استثنائياً لشراء حلوى المولد، في طقس اجتماعي معروف، بينما تعكس الواجهات الزجاجية عشرات الأصناف من الحلوى، التي تجتذب الصغار بألوانها وتنوع أشكالها، والكبار بروائح السمسم والسكر، التي يستعيدون معها ذكريات الطفولة.

وكعادتها، تشهد محلات الحلوانية محاولات متجددة للابتكار، وهذا العام حاول كثير من الأسماء اللامعة في عالم الحلوى تجديد شباب ما تعرضه من أصناف، عبر دمج النكهات الحديثة بالمذاق التقليدي المتوارث، واتجه البعض لابتكار حلوى غير معتادة، مثل «ماكارون جوز الهند» و«سويسرول قمر الدين»، مع دمج حلوى المولد مع مكونات أخرى لإنشاء أطباق مبتكرة مثل «آيس كريم حلاوة المولد»، فيما يتألق «الملبن» بنكهات لافتة مثل الكولا، كما توسعت المحال في إدخال المكسرات الفاخرة إلى الأصناف المعروفة، فيما توسعت أخرى في تغطيتها بطبقات من الشوكولاته والمارشملو.

أحد الشوادر التقليدية في ميدان السيدة زينب بالقاهرة لبيع «حلوى المولد» (الشرق الأوسط)

وفي تطوير لأحجام الأصناف الشهيرة، تم تقديم الملبن والنوغا وأقراص المكسرات بأحجام مصغرة (سواريه - ميني)، لتسهيل تناولها. ومع تفضيل بعض المصريين اتباع أنظمة غذائية، ظهرت الحلوى الصحية، التي تصنع من الحبوب الكاملة وبذور اليقطين والشيا والشوفان، أو أصناف مُحضّرة بكمية سكر أقل.

وكان أكثر ما حرصت عليه العلامات التجارية هذا العام فخامة التغليف والتصميم الخارجي لعلب وصناديق الحلوى، إذ حرصت المحلات الكبرى على ابتكار مفاهيم جديدة في الإهداء، والتوسع في تقديمها بأشكال فاخرة بما يناسب أن تكون هدايا راقية، حيث استوحت تصاميم العلب من تاريخ مصر وتراثها، أو بأشكال هندسية وقوالب غير معتادة، كما صنعت من الخشب أو المعادن المزخرفة لجعلها أكثر جاذبية، مع إمكانية تصميم صناديق بصورة من ستُهدى إليه، كما صممت صناديق صغيرة الحجم مخصصة للأطفال بأشكال جذابة.

ويبيّن محمد يسري، مدير التسويق الإلكتروني لـ«حلواني الحلمية»، أحد أقدم محال الحلويات في القاهرة، أن الأفكار الجديدة في هذا الموسم لا تعرف سقفاً محدداً، والمنافسة تدفع كل محل إلى ابتكار أساليب مختلفة كل عام، مشيراً إلى أن الابتكار لا يقتصر على الشكل والتغليف، بل يمتد إلى المذاق والمكونات أيضاً، حيث تحاول المحلات تقديم منتجات جديدة تلائم الأذواق الحديثة، إلى جانب الحفاظ على الطابع التقليدي الذي يرتبط به المستهلك.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن هذه التوجهات تعكس فهماً لطبيعة السوق، فموسم المولد النبوي يتطلب الجمع بين الأصالة والابتكار، واحترام العادات القديمة وتلبية تطلعات الأجيال الجديدة، مبيناً أن التجديد في الشكل والتغليف لحلوى المولد أصبح ضرورة لمواكبة تطلعات المستهلكين، فهناك أجيال جديدة تبحث عن منتجات تُقدم في تغليف عصري يليق بالمناسبة، وفي المقابل هناك شريحة من العملاء ما زالت ترتبط بما هو تقليدي، مثل العلب الكرتونية القديمة التي تحمل لهم شعوراً بالحنين للماضي، وبالتالي المحال باتت مطالَبة بمواكبة الاتجاهين معاً.

«حلوى المولد» تجتذب الصغار بألوانها وتنوع أشكالها (الشرق الأوسط)

إلا أن هذه الابتكارات تسببت في ارتفاع أسعار الحلوى، حسب حسن الفندي، رئيس شعبة السكر والحلوى باتحاد الصناعات المصرية، قائلاً في تصريحات صحافية، إن «تكاليف التعبئة والتغليف تضاعفت أكثر من مرة خلال الفترة الماضية، وهي السبب الرئيسي وراء ارتفاع أسعار حلوى المولد هذا العام»، موضحاً أن متوسط الزيادة لا يتجاوز الـ15 في المائة عن العام الماضي، مبيناً أنها ارتفاعات منطقية وتتلاءم مع تكلفة الإنتاج الحالية.

وإذا كان المشهد داخل العلامات التجارية الراقية يعكس عناية فائقة بالتفاصيل؛ فإن الأسواق الشعبية لبيع حلوى المولد تبرز فيها أصناف الحلوى التقليدية، مع تقديم «العروسة والحصان» اللذين تتم صناعتهما عبر صهر السكر الخام، وكذلك عروسة المولد البلاستيكية. في ميدان السيدة زينب، اصطفت الشوادر والخيام التقليدية على جنبات الميدان، بينما تعرض عشرات الأصناف التي تتمسك بمذاقها وشكلها التقليدي مع بعض التطوير، كما تحافظ على أسعارها المناسبة التي تربط المستهلك بالمكان، من خلال العلب الاقتصادية التي تناسب مختلف الفئات، والعلب الفاخرة التي تضم تشكيلة كبيرة من الأصناف.

داخل أحد الشوادر، قال محمد زكي، أحد الباعة، وهو يشير إلى عدد من الزبائن من خلفه انشغلوا في اختيار محتويات العلب الخاصة بهم: «لدينا الأصناف الشعبية التي تلقى رواجاً، وأبرزها العلف (السوداني والسمسم)، والفواخر وهي الأنواع الفاخرة التي تضم الملبن واللديدة وغيرهما، ويبدأ السعر من 120 جنيهاً (الدولار يساوي 50.23 جنيه)، وهذا سر الإقبال علينا».

عروسة المولد أحد الطقوس المرتبطة بالمولد النبوي في مصر (الشرق الأوسط)

ويضيف زكي لـ«الشرق الأوسط»: «الجديد هذا الموسم يتمثل في التوسع في استخدام قمر الدين، بإدخاله في عدد من الأصناف التقليدية، إلى جانب بعض الإضافات للملبن مثل الملبس، كما يظهر الفوندام ببعض الإضافات وبألوان مختلفة، التي توسعت فيها المصانع لإضفاء نوع من البهجة والفرحة على الحلوى لجذب الزبائن خصوصاً الأطفال».

وفي شادر آخر، يعرض عشرات القطع من عرائس المولد، قال التاجر محمد صالح، لـ«الشرق الأوسط»، إن «أسعار العرائس تبدأ من 250 جنيهاً وتتدرج وفق الحجم حتى 600 جنيه»، مشيراً إلى أن الأسر المصرية تحرص على شراء صغيرة الحجم لبناتهن الصغيرات، فيما يقبل الشباب في فترة الخِطبة على عرائس كبيرة الحجم لتقديمها هدية لخطيباتهم خلال موسم المولد.


مقالات ذات صلة

احتفالات المولد النبوي في مصر... طقوس روحانية مُفعمة بالبهجة

يوميات الشرق مواطنون من مختلف الأعمار في احتفال ليلة المولد بالأقصر (حساب الأقصر اليوم على «فيسبوك»)

احتفالات المولد النبوي في مصر... طقوس روحانية مُفعمة بالبهجة

بمزيج من الروحانية والبهجة الشعبية، احتفل مصريون بحلول ذكرى المولد النبوي الشريف، عبر الفعاليات الدينية، والمواكب الجماهيرية، وإحياء المظاهر الفلكلورية المرتبطة

محمد عجم (القاهرة )
يوميات الشرق ثروت يحيي الجمهور الذي شاركه الغناء بالحفل - (وزارة الثقافة المصرية)

محمد ثروت لـ«الشرق الأوسط»: الغناء الديني في مقدمة أولوياتي

أكد المطرب المصري محمد ثروت أنه تعلق بالمدائح النبوية والإنشاد الديني منذ سنوات نشأته الأولى بمدينة طنطا (دلتا مصر).

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق جلسات ذكر ومدح في المولد النبوي (حساب بوابة الأقصر على «فيسبوك»)

المولد النبوي في مصر... احتفالات شعبية وفلكلورية تقاوم الزمن

ترتبط الكثير من المظاهر الاحتفالية التي يقيمها مصريون في ذكرى المولد النبوي بالمتعة، والبحث عن سبل للفرح والسعادة.

حمدي عابدين (القاهرة)
يوميات الشرق حلوى المولد تجتذب المصريين بمختلف فئاتهم العمرية ومستوياتهم الاجتماعية (الشرق الأوسط)

 «حلوى المولد»... عادة مصرية تقاوم الغلاء وتداعب «النوستالجيا»

«سمسمية، لوزية، فستقية، حمصية، فولية»... هكذا عدّدت المصرية، نجوى رزق، أصناف «حلوى المولد النبوي»، التي اختارتها ضمن عُلبة تقوم بتجميع مكوناتها بنفسها.

محمد عجم (القاهرة )
يوميات الشرق شخصيات «الليلة الكبيرة» من أعمال الفنانين أسامة عمر ومحمد مسعود (الشرق الأوسط)

مهندسون مصريون يحتفلون بـ«المولد النبوي» بمجسّمات تراثية من الخشب

في «المولد النبوي الشريف»، وهو أحد أهم الاحتفالات الإسلامية في مصر، تبرز المجسمات الخشبية والمنسوجات اليدوية لرموز وأمكنة لطالما ارتبطت بهذه المناسبة.

نادية عبد الحليم (القاهرة)

«المحنّك» و«المستحنك»... من قاموس عشاق السينما في السعودية

أصبحت نقاشات الأفلام جزءاً من التجربة السينمائية السعودية (مولدة بالذكاء الاصطناعي)
أصبحت نقاشات الأفلام جزءاً من التجربة السينمائية السعودية (مولدة بالذكاء الاصطناعي)
TT

«المحنّك» و«المستحنك»... من قاموس عشاق السينما في السعودية

أصبحت نقاشات الأفلام جزءاً من التجربة السينمائية السعودية (مولدة بالذكاء الاصطناعي)
أصبحت نقاشات الأفلام جزءاً من التجربة السينمائية السعودية (مولدة بالذكاء الاصطناعي)

تصنع المجتمعات السينمائية عادةً مفرداتها الخاصة، فتُعرِّف بها أفرادها وتسخر من بعض ظواهرها. وفي العالم الغربي، تبدو كلمة «سينيفيل» أشهر الأوصاف المرتبطة بعاشق السينما؛ إذ تطلَق على الشخص شديد الاهتمام بالأفلام والمرتبط بعالمها عاطفياً وثقافياً. أما في السعودية، فقد اكتسبت كلمتا «مُحَنَّك» و«مُسْتَحَنَّك» حضوراً لافتاً في النقاشات السينمائية على منصات التواصل الاجتماعي.

يُوصف المتابع واسع المعرفة بأنه «محنّك سينمائياً»؛ تعبيراً عن كثرة ما شاهده من أفلام، ومعرفته بكبار المخرجين، وقدرته على الربط بين الأعمال وفهم أدوات الصورة والمونتاج. ويستطيع «المحنَّك» التقاط الإشارات التي قد تفوت المشاهد العادي، كما يمتلك مخزوناً يتيح له ربط الفيلم بمدرسة فنية أو مرحلة تاريخية أو أعمال سابقة.

وقد تمتد اهتماماته من السينما الصامتة وأفلام الأربعينات والخمسينات إلى أحدث إنتاجات المنصات وصالات العرض. ويَعرف الفارق بين الواقعية الإيطالية الجديدة والموجة الفرنسية الجديدة، وينتقل بسهولة من أفلام ألفريد هيتشكوك، وأكيرا كوروساوا، وياسوجيرو أوزو، إلى الأعمال السينمائية المعاصرة.

بين الخبرة والاستعراض

تحمل كلمة «محنَّك» في أصلها معنى الخبرة التي تصنعها التجربة، ثم انتقلت إلى قاموس السينما، مثلما تُستخدم في وصف المتمرِّس في السياسة أو الرياضة أو شؤون الحياة. بيد أنها اكتسبت، مع شيوع استخدامها، نبرة ساخرة أيضاً؛ فقد يكتب أحدهم: «وصل المحنّك السينمائي»، عندما يدخل شخص يحوّل حديثاً بسيطاً عن فيلم إلى محاضرة طويلة، أو يحيط رأيه بسياج من المصطلحات.

ومن هذه المساحة خرجت كلمة «مُسْتَحَنَّك»، وهي أوضح في دلالتها الساخرة. فالمُسْتَحَنَّك شخص يسعى إلى الظهور بمظهر الخبير، ويتخذ من السينما وسيلة للاستعراض الثقافي. وقد تمنحه الأفلام الغامضة شعوراً بالتفوُّق، فيما تصبح أسماء المخرجين الكبار جزءاً من الصورة التي يرسمها لنفسه أمام الآخرين. وفي كثير من الأحيان يميل إلى رؤية البطء عمقاً، والغموض عبقرية.

الجماهيري والنخبوي

ترتبط بعض صور «الاستحناك» بالعزوف المعلن عن الأفلام الجماهيرية؛ فالإعجاب بأفلام كريستوفر نولان، أو ستيفن سبيلبرغ، أو إنتاجات «مارفل» يحتاج، في نظر صاحب هذه الشخصية، إلى تبرير، فيما قد يكفي انتماء الفيلم إلى مهرجان أوروبي أو امتداده أكثر من 3 ساعات ليستحق الإعجاب المسبق.

وربما يزداد حماس «المستحنك» للعمل كلما قلَّ عدد مشاهديه، حتى تصبح ندرةُ الفيلم جزءاً من قيمته، والوصولُ إليه إنجازاً يوازي مشاهدته. وهو بهذا المعنى قريب من «المدَّعِي» أو «المتفذلك»، الذي قد يعلن إعجابه بفيلم شديد التعقيد؛ لأن الاعتراف بالملل يبدو في نظره أقل هيبة، أو يقلِّل من قيمة أفلام ناجحة وكلاسيكية، مثل «العرَّاب»، و«نادي القتال»، لمجرد شيوعها بين الجمهور.

جمهور يتسع وقاموس يتشكَّل

يرتبط انتشار الكلمتين باتساع المجتمع السينمائي السعودي خلال السنوات الأخيرة، في ظل ما أتاحته صالات السينما والمهرجانات والمنصات الرقمية وتطبيقات التقييم والحسابات المختصة. وأسهمت هذه المساحات مجتمعة في تكوين جمهور يتحدث عن الأفلام يومياً، ويتجادل بشأنها، ويضع القوائم، ويمنح التقييمات، ويتابع الجوائز والإيرادات.

نقاشات الأفلام تتجاوز التقييم إلى محاولة إثبات الذات (مولدة بالذكاء الاصطناعي)

وتكشف الأرقام عن حجم هذا الاتساع؛ إذ سجل شباك التذاكر السعودي خلال عام 2025 إيرادات بلغت 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، وعرض 538 فيلماً، وفقاً للتقرير السنوي الصادر عن «هيئة الأفلام». وتمنح هذه الأرقام فكرة عن حجم الجمهور الذي تشكَّل حول السينما، ثم صنع تدريجياً نقاشاته وتصنيفاته ومفرداته الخاصة.

ومع نمو هذا المجتمع، ظهرت داخله تيارات وصور نمطية، فبرزت الحاجة إلى كلمات تختصرها. وأدت منصات التواصل دوراً أساسياً في صناعة هذه اللغة؛ فكلمة واحدة مثل «مستحنك» تختصر وصفاً كاملاً لشخصية مألوفة لدى المتابعين. ومع كثرة الاستخدام، تتحول الكلمة نكتةً مشتركةً، ومن ثَم صفةً قد يتبناها بعضهم طوعاً، فيكتب أحدهم عن نفسه ساخراً: «بدأت أستحنك»، بعد مشاهدة فيلم أوروبي طويل، أو يصف قائمته بأنها «اختيارات المحنَّكين»؛ استباقاً لسخرية الآخرين منه.

وامتدت هذه التصنيفات إلى تفاصيل أطرف، من بينها تاريخ الانضمام إلى منصة «ليتربوكسد»، الذي تحوَّل لدى بعض المستخدمين شارةَ أقدمية ودليلاً على سبق صاحبه إلى متابعة الأفلام وتقييمها. ونشأت عبر منصات التواصل مماحكات ساخرة بين أصحاب الحسابات القديمة والملتحقين حديثاً؛ إذ يمنح بعض الأوائل تاريخ انضمامهم قيمة ثقافية إضافية

المعرفة أم التعالي؟

رغم التقارب الظاهري بين «المحنَّك» و«المستحنك»، فإن الفارق بينهما يبقى متعلقاً بالسلوك أكبر من ارتباطه بنوعية الأفلام. فقد يحب المحنَّك فيلماً تجارياً ضخماً وعملاً مستقلاً محدود الجمهور في الوقت نفسه؛ إذ تمنحه معرفته مساحة أوسع للاختيار والاستمتاع. أما المستحنك، فيستخدم هذه المعرفة لإقامة مسافة بينه وبين بقية الجمهور، ويحوّل ذائقته الشخصية معياراً للذكاء والثقافة.

ولا شك في أن مشاهدة أفلام آندريه تاركوفسكي، وإنغمار بيرغمان، والعودة إلى كلاسيكيات الأربعينات والخمسينات، والاهتمام بأعمال المهرجانات، كلها علامات على فضول سينمائي ثري. غير أن «الاستحناك» يبدأ حين تتحول هذه المشاهدات شاراتِ تَفوُّق، ويصبح اسم المخرج وسيلة لإحراج الآخرين، أو تُقاس قيمة الفيلم بمدى صعوبة الوصول إليه ومشقَّة إكمال مشاهدته.

وتحمل الكلمتان في النهاية دلالة تتجاوز المزاح، بوصفهما شاهدتين على تشكُّل ثقافة سينمائية محلية، وعلى رغبة جمهورها في صياغة لغته الخاصة. فمثلما تصف كلمة «سينيفيل» عاشق السينما في أنحاء العالم، تمنح كلمتا «مُحَنَّك» و«مُسْتَحَنَّك» التجربةَ نكهتها المحلية؛ الأولى تحتفي بالخبرة حيناً وتغمزها حيناً آخر، والثانية تختصر التصنُّع السينمائي في كلمة خفيفة وسهلة التداول.


متحف بجامعة أكسفورد يعتزم إعادة رفات بشري إلى شعب «الناغا»

جانب من جامعة أكسفورد البريطانية (أ.ف.ب)
جانب من جامعة أكسفورد البريطانية (أ.ف.ب)
TT

متحف بجامعة أكسفورد يعتزم إعادة رفات بشري إلى شعب «الناغا»

جانب من جامعة أكسفورد البريطانية (أ.ف.ب)
جانب من جامعة أكسفورد البريطانية (أ.ف.ب)

قال متحف «بيت ريفرز» في جامعة أكسفورد، الاثنين، إنه سيعيد رفات 39 شخصاً جُمع ونُقل خلال الحقبة الاستعمارية البريطانية، إلى مجتمع شعب «الناغا» في شمال شرقي الهند.

وأكد المتحف الذي يضم أكبر مجموعة في العالم من قطع الآثار الخاصة بـ«الناغا»، أنه يستعد لعملية الإعادة، بعدما وافقت الجامعة على طلب استرداد تقدَّم به «منتدى المصالحة بين قبائل (الناغا)».

وتضم «الناغا» عشرات القبائل التي لكل منها لغتها الخاصَّة وتعيش معزولة في جبال بورما، على مقربة من الحدود مع الهند في أقصى شمال البلاد.

وينقسم شعب «الناغا» بين الهند وبورما، بعدما أدى الاستعمار البريطاني إلى ترسيم الحدود بين البلدين عبر قمة جبلية، ما أدى إلى وجود نحو 400 ألف من أبناء «الناغا» في بورما وثلاثة ملايين في الجانب الهندي.

وقالت مديرة المتحف لورا فان برويكوفن، في بيان، إن الرفات «بعيد من وطنه منذ وقت طويل».

وجمع مسؤولون بريطانيون هذا الرفات في أوائل القرن العشرين خلال الحقبة الاستعمارية، وظل بعضه معروضاً أمام الجمهور حتى عام 2020.

ورحَّب «منتدى المصالحة بين قبائل (الناغا)» ومنظمات أخرى تمثل شعب «الناغا» بالاتفاق، وقال في بيان تلقته «وكالة الصحافة الفرنسية» إن «إعادة الرفات إلى الوطن، بالنسبة لشعب (الناغا) لا تقتصر على عودة العظام ورفات الأسلاف إلى أرضها فقط؛ بل تعني أيضاً -بالقدر نفسه من الأهمية- عودة الذاكرة إلى مكانها الطبيعي».

وقال متحف «بيت ريفرز» إن طلب الاسترداد شمل 40 مجموعة من الرفات البشري.

ووافقت جامعة أكسفورد على إعادة 39 مجموعة من هذا الرفات في 13 يوليو (تموز)، بعدما خلصت إلى أن إحدى العينات «لا دليلَ واضحاً على أنها تعود إلى شعب (الناغا)».

ويأتي الاتفاق في إطار حركة دولية أوسع، لإعادة القطع الأثرية والرفات البشري التي حصلت عليها مؤسسات غربية خلال الحقبة الاستعمارية.

وعام 2022، أعاد متحف هورنيمان في لندن 72 قطعة أثرية إلى نيجيريا، من بينها 12 لوحة نحاسية تُعرف باسم «برونز بنين»، بينما أعادت جامعة إدنبره في وقت سابق من هذا العام جماجم 6 أشخاص إلى إحدى مجموعات السكان الأصليين في أميركا الشمالية.


«حديقة الهيسبيريديس» تقرّب بين الثقافتين الإسبانية والمغربية

العمل على تجهيز العرض استمر فترة طويلة (إدارة المهرجان)
العمل على تجهيز العرض استمر فترة طويلة (إدارة المهرجان)
TT

«حديقة الهيسبيريديس» تقرّب بين الثقافتين الإسبانية والمغربية

العمل على تجهيز العرض استمر فترة طويلة (إدارة المهرجان)
العمل على تجهيز العرض استمر فترة طويلة (إدارة المهرجان)

ينافس العرض المسرحي الإسباني «حديقة الهيسبيريديس» على جوائز المسابقة الرسمية في الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، من خلال معالجة معاصرة لأسطورة الحوريات اللواتي كنّ يعتنين بحديقة أشجار التفاح الذهبي، تلك الثمار التي ارتبطت في الميثولوجيا اليونانية بفكرة الخلود. ويقدم العرض تجربة تجمع بين الرقص والمسرح والنص والموسيقى والإضاءة والصورة والملابس والديكور؛ في محاولة لإعادة تقديم الأسطورة القديمة من خلال لغة مسرحية متعددة العناصر.

وتقدم المخرجة الإسبانية أليثيا سوتو قراءة نسائية للأسطورة؛ إذ لا تتعامل مع «حديقة الهيسبيريديس» بصفتها مكاناً أسطورياً فحسب، وإنما تحولها استعارةً للعالم الداخلي للمرأة، والمساحة الخاصة التي تنسحب إليها بعيداً عن ضغوط العالم الخارجي للحلم والراحة والتنفس واستعادة طاقتها. ومن هذا المنظور، تصبح «التفاحات الذهبية» رمزاً لما تبحث عنه المرأة داخل عالمها الحميمي من قوة وقدرة على الاستمرار، وأحياناً على البقاء.

ويجمع العرض بين فنانين من إسبانيا والمغرب، في محاولة لخلق حوار بين ثقافتين تتقاطعان في كثير من التفاصيل الإنسانية، ويضم فريق الأداء لورينثا دي كالوجيرو، وبالوما كالديرون، وسناء عاصف، وإستر لوزانو وأليثيا سوتو، في حين تولت سوتو الإخراج، بمشاركة فنية من عبد الله الشكيري، وموسيقى أصلية لعبد الله م. حسّاك.

وقالت أليثيا سوتو لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة «حديقة الهيسبيريديس» بدأت أثناء إقامتها في المغرب، حيث عاشت لمدة خمس سنوات، موضحة أنها كانت تفكر في البداية في تقديم عمل يتحدث عن النساء المغربيات، لكنها مع تطور عملية الإبداع اكتشفت أنها تتحدث عن «المرأة العالمية»، وأن الموضوع أصبح أكبر من ثقافة أو بلد محدد.

وأضافت سوتو أن ما أردته من البداية هو إدخال الخيال والتصوير والهوية الثقافية في العمل، إلى جانب الألوان والروائح المرتبطة بالمغرب، مشيرة إلى أن عملية إنتاج أعمالها عادة ما تكون طويلة وتستغرق نحو عام، تبدأ بالدراماتورجيا والبحث وجمع المواد، ثم تنتقل إلى مرحلة خلق العمل على خشبة المسرح.

وأوضحت سوتو أن الجمع بين الثقافتين المغربية والإسبانية لم يكن صعباً بالنسبة إليها؛ لأنها عاشت في المغرب خمس سنوات وتعرفت بصورة عميقة إلى ثقافته وشخصيته، لافتة إلى أنها أرادت بناء موضوع مشترك بين الثقافتين؛ وهو ما جعل عملية التعاون بين الفنانين أكثر سهولة.

أما اختيار المشاركات في العرض، فلم يكن بالنسبة إلى سوتو عملية بحث تقليدية عن ممثلات أو راقصات بقدر ما كان بحثاً عن نساء قادرات على الدخول إلى العالم الداخلي للعمل، مشيرة إلى أنها دعت عدداً من الفنانات اللواتي سبق أن عملت معهن، خصوصاً أن المشروع ارتبط بالذكرى الخامسة والعشرين لشركتها، وكانت تريد أن تضم إلى التجربة نساء يعرفن لغتها الفنية ويفهمن الطريقة التي تعمل بها.

قدمت المخرجة الإسبانية رؤيتها الخاصة في العرض (إدارة المهرجان)

وأوضحت سوتو أنها تعاملت مع اختيار المؤدية المغربية بطريقة مختلفة؛ إذ لم تجر اختبار أداء تقليدياً، وإنما نظمت ورشة عمل استمرت ثلاثة أيام مع مجموعة من النساء في المغرب، مؤكدة أن الورشة لم تكن مجرد وسيلة لاختيار مؤدية، وإنما كانت جزءاً من عملية اكتشاف الشخصية والعمل نفسه.

ومن خلال التفاعل مع المشاركات وجدت امرأة قادرة على نقل هذه التجربة إلى الخشبة.

وأشارت إلى أن العمل مع النساء لم يكن قائماً على الأداء وحده؛ إذ سعى الفريق منذ البداية إلى الاستماع إلى تجاربهن وما يشغل حياتهن اليومية، لافتة إلى أنهم تحدثوا في المغرب مع نساء حول البيت والعلاقة مع الرجل والأحلام والعمل، وهي موضوعات تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تكشف كثيراً من التفاصيل المتعلقة بموقع المرأة داخل حياتها ومجتمعها.

وترى سوتو أن وصول «حديقة الهيسبيريديس» إلى الجمهور العربي يكتسب أهمية خاصة؛ لأن العمل لا يتوقف عند الحديث عن المرأة بمعزل عن محيطها، وإنما يضعها في مواجهة الرجل وفي قلب العلاقة التي تجمعهما، وهذا البعد دفعها قبل عامين، إلى التفكير في تقديم العرض في عدد من الدول العربية، بعدما شعرت بأن الأسئلة التي يطرحها العمل قادرة على العبور من سياقها الإسباني والمغربي إلى مجتمعات أخرى.

وأضافت سوتو أن اختلاف المكان لا يعني بالضرورة اختلاف التجربة الإنسانية التي يخاطبها العرض، موضحة أنها لا تعيد تشكيل العمل في كل مرة وفقاً لطبيعة الجمهور أو ثقافته؛ لأن هدفها الأساسي هو الوصول إليه كما هو، وترك مساحة له كي يجد علاقته الخاصة بما يراه على الخشبة، فالعرض قُدّم في إسبانيا والعراق وتونس والمغرب وتركيا، وفي كل تجربة كانت ترى نساءً يجدن شيئاً من أنفسهن داخل العمل.

وقالت سوتو إن هذا التفاعل المتكرر يؤكد بالنسبة إليها أن «حديقة الهيسبيريديس» لا تنتمي إلى قضية محلية أو تجربة نسائية محددة، وإنما تنطلق من مشاعر ومواقف يمكن للمرأة أن تتعرف إليها أينما كانت مشيرة إلى أن العمل يتحدث كذلك عن الرجال وعن العلاقات الإنسانية؛ لأن ما يضعه أمام الجمهور ليس مجرد حكاية عن المرأة، بل محاولة لفهم الطريقة التي تتشكل بها العلاقات داخل مجتمعات تحكمها، بدرجات مختلفة، بنى أبوية راسخة.

العرض ينافس على جوائز مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي (إدارة المهرجان)

وعن وجود العرض في المسابقة الرسمية لمهرجان «القاهرة الدولي للمسرح التجريبي»، أكدت سوتو أنها لا تنظر إلى العمل من زاوية المنافسة؛ لأن التفكير في الجوائز يمكن أن يبعد الفنان عن جوهر العملية الإبداعية، ولكن ما يشغلها هو أن تقدم أفضل عرض تستطيع تقديمه، سواء كان داخل مسابقة أو خارجها؛ لأن العمل بالنسبة إليها لا ينبغي أن يُصنع من أجل الفوز على أعمال أخرى، وإنما من أجل الوصول إلى الجمهور.

وأضافت سوتو أن الجائزة التي تعنيها فعلاً لا تمنحها لجنة تحكيم، وإنما يصنعها الجمهور في اللحظة التي يشعر فيها بأن العرض وصل إليه، مؤكدة أن فهم المشاهد لما وراء الحركة والصورة والموسيقى، وأن يجد نفسه أو شيئاً من تجربته داخل ما يراه، يمثل بالنسبة إليها المكافأة الأهم، فحب الجمهور للعمل وتفاعله معه يظل أكثر قيمة من أي جائزة يمكن أن يحصل عليها العرض.