لم يعد وجود المقاتلين السوريين في ليبيا يقتصر على تداعيات الصراع العسكري، الذي استُقدموا خلاله في «حرب العاصمة طرابلس» قبل 7 سنوات، بل تحول إلى عبء أمني ومالي متزايد، بعدما أعاد احتجاجهم الأخير ملف «المرتزقة» إلى الواجهة، وفق سياسيين واقتصاديين، وسط تساؤلات عن استمرار تمويلهم ومصيرهم.
وفي بلد يعيش تحت وطأة أزمات سياسية واقتصادية متفاقمة، أثارت مظاهرة محدودة في العاصمة، الجمعة، حالة من الاستياء، بعدما تجمع عشرات المقاتلين أمام مقر كلية ضباط الشرطة في منطقة صلاح الدين جنوب طرابلس، وفق وسائل إعلام وشهود عيان.

وما لبث المحتجون أن انفضوا طوعاً بعد وقت قصير، من دون صدور تعليق رسمي من حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة»، أو المؤسسات الأمنية والعسكرية التابعة لها، لتبقى هذه الواقعة محاطة بالغموض، خصوصاً ما يتعلق بمطالبهم المالية، ومصير وجودهم في البلاد.
واعتبر عضو «لجنة الأمن القومي» في البرلمان الليبي، علي التكبالي، أن هذا الاحتجاج «أحد أعراض مشكلة متفاقمة لليبيين منذ 2011»، مشيراً إلى أن بعض هؤلاء المقاتلين ارتبط بمجموعات كانت تنقل مقاتلين ليبيين إلى سوريا للقتال ضد نظام بشار الأسد، قبل أن ينخرط بعضهم لاحقاً في الصراعات داخل ليبيا.
وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن أعداد هؤلاء المقاتلين زادت بعد حرب طرابلس عام 2019، وحصلوا على أموال بالعملة الصعبة مقابل القتال، ولا يزال هذا الوضع قائماً، محذراً من «خروجهم إلى الشوارع للمطالبة بمستحقاتهم».
وتأتي تظاهرة المرتزقة في طرابلس بعد 5 أعوام من احتجاج مماثل في أغسطس (آب) 2021، عندما تظاهر عشرات المقاتلين السوريين بسبب تأخر رواتبهم وتقليصها، وسط حديث آنذاك عن توقف صرفها منذ فبراير (شباط) من العام نفسه.
وبدأ استقدام مقاتلين سوريين إلى ليبيا عام 2019 بدعم تركي لحكومة «الوفاق الوطني» السابقة، خلال هجوم قوات الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر على طرابلس، وانضم مقاتلون من فصائل سورية معارضة، بينها «فرقة السلطان مراد»، إلى القتال.
ومع توقف معارك حرب العاصمة طرابلس في 2020، لم يغادر جميع هؤلاء البلاد، وسط تقديرات حقوقية بأن أعدادهم وصلت إلى 3 آلاف مقاتل. وأفاد أحدث تقرير لخبراء الأمم المتحدة، صدر في وقت سابق هذا العام، باستمرار وجود مقاتلين سوريين في مواقع عدة بطرابلس، بينها صلاح الدين وأبو سليم، وقاعدة اليرموك العسكرية، إضافة إلى وجودهم في مصراتة.
ووثق تقرير حديث لفريق الخبراء، التابع للأمم المتحدة، إلى مشاركة مقاتلين سوريين في المواجهات التي شهدتها طرابلس في مايو (أيار) 2025، ما يعكس استمرار حضورهم بعد سنوات من انتهاء الحرب التي استُقدموا للمشاركة فيها.
ويقول التكبالي إن ليبيا «تواجه مشكلة صنعها ليبيون، وأصبحت فاتورة مثقلة وعبئاً على البلاد»، مضيفاً أن «الذين بيدهم الأموال والسلاح في غرب البلاد يتصرفون في رزق الشعب»، محذراً من أن الأزمة «تتفاقم كل يوم»، وأن ليبيا تمضي «نحو السقوط الذريع»، بحسب تعبيره.
ولا توجد أرقام رسمية معلنة بشأن رواتب المقاتلين السوريين الموجودين في ليبيا، أو أوجه الصرف عليهم من الميزانية الليبية. لكن تحدثت تقارير محلية في مراحل سابقة عن تقاضي المقاتل نحو 2000 دولار شهرياً، وهو ما يقابل بالصمت من جانب السلطات في طرابلس.

الخبير الاقتصادي الليبي، يوسف يخلف مسعود، يرى أن دفع رواتب للمرتزقة يمثل «عبثاً بمقدرات البلد»، لأنها، بحسب رأيه، نفقات جارية «من دون أي قيمة مضافة للاقتصاد الليبي»، فضلاً عن استنزاف موارد البلاد من العملات الأجنبية.
وقال مسعود لـ«الشرق الأوسط» إن حجم العملات الأجنبية التي تنفق على المجموعات المسلحة الأجنبية «يكتنفه الغموض وانعدام الشفافية»، موضحاً أنه لا توجد بيانات واضحة بشأن إجمالي المرتبات، أو أسس تحديدها، أو المصروفات المرتبطة ببقائها.
وأضاف مسعود أن هذه المصروفات تشمل الإعاشة والملابس والوقود، والسيارات وصيانتها والأسلحة والذخائر والرعاية الصحية والتأمين، مؤكداً أن «كل هذا يستنزف موارد البلد في الظل»، في وقت يعاني فيه الليبيون من التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية.
وبحسب بيانات مصرف ليبيا المركزي، بلغ إجمالي الإنفاق على وزارة الدفاع والجهات التابعة لها خلال سنة 2025 نحو 4.8 مليار دينار ليبي. وشكلت الرواتب نحو 4.31 مليار دينار، مقابل نحو 129.1 مليون دينار للنفقات التسييرية، ونحو 362.2 مليون دينار للتنمية.

ويرى مسعود أن حصول هؤلاء المرتزقة على دخل بالعملة الصعبة، في ظل تراجع قيمة الدينار، يضع هؤلاء في مستوى معيشي أفضل من كثير من الليبيين، الذين يواجهون التضخم وتآكل مدخراتهم، وتراجع القوة الشرائية، معتبراً أن المقاتلين «يمارسون دور ابتزاز للدولة» رغم تقاضي أفرادهم مرتبات بالدولار.
وينتهي الخبير الاقتصادي الليبي إلى أن ظهور هذه المجموعات المسلحة في مظاهرات علنية «أمام الليبيين والعالم» يمثل «إدانة لصناع القرار المحليين»، داعياً إلى محاسبة هؤلاء المقاتلين قضائياً.





