الجذور الجينية المشتركة للاضطرابات النفسية... طفرة علمية في الطب النفسي

دراستان كبيرتان تكشفان مسارات مشتركة تربط الاكتئاب والقلق وحالات أخرى

الجذور الجينية المشتركة للاضطرابات النفسية... طفرة علمية في الطب النفسي
TT

الجذور الجينية المشتركة للاضطرابات النفسية... طفرة علمية في الطب النفسي

الجذور الجينية المشتركة للاضطرابات النفسية... طفرة علمية في الطب النفسي

في تقدُّم مهم لبحوث الصحة النفسية، كشف العلماء عن روابط جينية قد تفسر لماذا يحدث الاكتئاب والقلق وغيرهما من الاضطرابات النفسية معاً في كثير من الأحيان. وقد حددت دراستان مكملتان نُشرتا هذا العام جينات ومناطق جينية رئيسية يمكن أن تُحدث ثورة في طريقة فهمنا لهذه الحالات وعلاجنا لها.

«قائد أوركسترا» داخل الدماغ

• جين تنظيمي مركزي: حدد باحثون من جامعة برشلونة الإسبانية ما يقارب 20 جيناً قد تزيد من القابلية للإصابة بالاكتئاب والقلق والحساسية العاطفية. ويقع في صميم هذا الاكتشاف جين تنظيمي رئيسي يُعرف باسم «RBFOX1» يبدو أنه يعمل بمثابة «قائد أوركسترا» داخل الدماغ.

ويوضح فريق البحث أن جين «RBFOX1» لا يعمل بمفرده؛ بل يساعد في تنسيق توقيت وطريقة عمل جينات أخرى مرتبطة بوظائف الدماغ. وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة؛ لأن الاضطرابات النفسية نادراً ما تنتج عن جين واحد؛ بل عن التأثير التراكمي لمئات أو حتى آلاف الاختلافات الجينية إلى جانب العوامل البيئية.

وعندما يتأثر جين تنظيمي مركزي مثل جين «RBFOX1» فقد يؤدي ذلك إلى سلسلة من التغيرات التي تمس عمليات متعددة في الدماغ تشمل تطور الخلايا العصبية والتواصل بينها وتنظيم الناقلات العصبية. وقد يفسر هذا السبب وراء ارتباط الاكتئاب غالباً بالقلق واضطرابات النوم والسمات الشخصية المرتبطة بالحساسية العاطفية.

وسلطت الدراسة المنشورة في دورية «Progress in Neuro-Psychopharmacology and Biological Psychiatry» في 20 يونيو (حزيران) 2026، وشارك فيها باحثون من جامعة برشلونة ومعهد «سانت جوان دي ديو» للبحوث، ومركز بحوث الأمراض النادرة في إسبانيا، إضافة إلى باحثين من جامعة غوته في فرانكفورت بألمانيا، الضوء على عدد من الجينات البارزة، منها: «SP4» و«TCF4» و«PAX6» و«CADM2» إلى جانب «RBFOX1» نفسه. وكان بعض هذه الجينات قد رُبط سابقاً بالفصام والإدمان واضطرابات عصبية أخرى، مما يشير إلى وجود مسارات بيولوجية مشتركة بين مختلف الاضطرابات.

• روابط وراثية عبر الثقافات: ودعَّمت هذه النتائج دراسة دولية أخرى قادها باحثون من جامعة تشجيانغ في الصين؛ حيث حللوا بيانات وراثية لمجموعات من أوروبا وشرق آسيا. وبفحص أكثر من 400 منطقة جينية مرتبطة بالاضطرابات النفسية، تشمل: الاضطراب ثنائي القطب، والاكتئاب الشديد، والفصام، واضطرابات القلق، اكتشف الفريق 88 منطقة جينية جديدة لم تكن معروفة سابقاً.

وباستخدام بيانات من البنك الحيوي البريطاني (UK Biobank) وقواعد بيانات صحية من شرق آسيا، وجد الباحثون أن كثيراً من هذه الاختلافات الجينية ترتبط بتغيرات في مناطق الدماغ المسؤولة عن العواطف والتفكير واتخاذ القرار.

وتعزز هذه النتائج المنشورة في دورية «Molecular Psychiatry» في 17 مارس (آذار) 2026، الأدلة على وجود أسس جينية مشتركة بين مختلف المجموعات العِرقية.

جذور بيولوجية مشتركة

• نحو طب نفسي مخصص: ترسم هذه الدراسات معاً صورة مقنِعة، هي أن الاضطرابات النفسية تشترك في جذور بيولوجية تتجاوز الحدود التشخيصية التقليدية. وقد يؤدي هذا الفهم إلى التعريف المبكر بالأفراد الأكثر عرضة للخطر، من خلال الفحوصات الجينية ثم علاجات شخصية تستهدف آليات بيولوجية محددة، وكذلك تشخيص أكثر دقة يعتمد على مؤشرات بيولوجية بدلاً من الأعراض وحدها، وأخيراً إدارة أفضل للحالات المتداخلة من خلال مسارات علاجية مشتركة.

ومع ذلك يؤكد الباحثون أن الجينات ليست سوى جزء من اللغز. فلا بد من أخذ العوامل البيئية ونمط الحياة والفروق بين الجنسين، ولا سيما ارتفاع معدلات الاكتئاب بين النساء، في الاعتبار. كما أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات على مجموعات أكبر وأكثر تنوعاً، قبل أن تصبح الاختبارات الجينية روتينية في الرعاية النفسية.

• آفاق جديدة: ورغم أن الجينات لا تحدد المصير، فإن هذه الاكتشافات تمثل نقلة نوعية في فهمنا للأمراض النفسية. فبدلاً من النظر إلى الاكتئاب والقلق واضطرابات أخرى كحالات منفصلة، يدرك العلماء بشكل متزايد أنها مظاهر مترابطة لمواطن ضعف بيولوجية مشتركة.

كما يشير الباحث الرئيسي للدراسة، الدكتور شاوهوا هو، من قسم الطب النفسي بالمستشفى الأول التابع لكلية الطب بجامعة تشجيانغ الصين، وزملاؤه، إلى أن فهم هذه المسارات الجينية المشتركة قد يساعدنا في تطوير أدوات لتقدير المخاطر، واكتشاف الاضطرابات مبكراً، وتصميم علاجات تستهدف الآليات البيولوجية الخاصة بكل مريض.

ويمثل هذا البحث خطوة مهمة نحو مستقبل تكون فيه الرعاية الصحية النفسية شخصية ودقيقة، مثل علاجات الحالات العضوية، مما يمنح أملاً جديداً لملايين المصابين بهذه الاضطرابات في جميع أنحاء العالم.


مقالات ذات صلة

هل تؤثر الحرارة المرتفعة في فعالية الأدوية؟

صحتك في المنزل... يُنصح بتجنب تخزين الأدوية في الحمام بسبب الحرارة والرطوبة أو قرب النوافذ المشمسة أو فوق خزائن المطبخ القريبة من الفرن. والأفضل حفظها في مكان بارد وجاف مثل درج في غرفة النوم أو خزانة (بيكسلز)

هل تؤثر الحرارة المرتفعة في فعالية الأدوية؟

قد تؤدي الحرارة المرتفعة إلى تقليل فعالية كثير من الأدوية، بل وقد تجعل بعضها غير آمن للاستخدام.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك قد يكون الارتباك أو التصرف غير المعتاد من أخطر العلامات المبكرة لضربة الشمس ويستدعي تدخلاً طبياً فورياً (بكسلز)

التغيّر المفاجئ في السلوك... علامة قد تكشف عن ضربة شمس مهدِّدة للحياة

قد تكون أبرز علامة على ضربة الشمس تغيّر السلوك أو الارتباك الذهني، ما يستدعي إسعافاً فورياً وتبريد الجسم سريعاً، لأن الحالة قد تصبح مهددة للحياة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك رغم شيوع استخدام مكملات المغنسيوم لتخفيف القلق فإن الأدلة العلمية الحالية لا تؤكد بشكل قاطع فاعليتها (بيكسلز)

هل المغنسيوم يخفّف القلق؟

تشير الأدلة إلى أن مكملات المغنسيوم لم تثبت فاعليتها في تخفيف القلق، رغم أنها آمنة غالباً وقد تساعد على النوم، مع ضرورة استشارة طبيب عند استمرار الأعراض.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
علوم اختراق جديد يكشف أسراراً جينية استعصت على العلماء لسنوات

اختراق جديد يكشف أسراراً جينية استعصت على العلماء لسنوات

تطوير أداة جديدة تعزز دقة التنبؤ بالمخاطر الصحية في خطوة قد تعزز قدرة العلماء على اكتشاف الأسباب الوراثية للأمراض،

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم لماذا تختلف أمراض القلب لدى النساء؟

لماذا تختلف أمراض القلب لدى النساء؟

رغم أن أمراض القلب تُعد السبب الأول للوفاة بين النساء حول العالم، فإن فهم كيفية تطورها لدى النساء ما زال متأخراً مقارنة بالرجال.

د. وفا جاسم الرجب (لندن)