الأوضاع في الضفة الغربية تخيّر المسيحيين بين الهجرة والتفكير بها

راهبة كاثوليكية تُصلي خلال قداس في دير اللاتينيين ببلدة الطيبة المسيحية الفلسطينية شمال شرقي مدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
راهبة كاثوليكية تُصلي خلال قداس في دير اللاتينيين ببلدة الطيبة المسيحية الفلسطينية شمال شرقي مدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
TT

الأوضاع في الضفة الغربية تخيّر المسيحيين بين الهجرة والتفكير بها

راهبة كاثوليكية تُصلي خلال قداس في دير اللاتينيين ببلدة الطيبة المسيحية الفلسطينية شمال شرقي مدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
راهبة كاثوليكية تُصلي خلال قداس في دير اللاتينيين ببلدة الطيبة المسيحية الفلسطينية شمال شرقي مدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

يفخر المسيحيون الفلسطينيون بارتباطهم بأرضهم منذ أكثر من ألفي عام، لكن القس متري الراهب يحذّر من أن الظروف في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها الأوضاع الاقتصادية المتردية والإجراءات العسكرية الإسرائيلية وتصاعد عنف المستوطنين، تدفعهم إلى الهجرة بشكل متزايد بات يهدد وجودهم.

ويقول الراهب، مؤسس ورئيس جامعة دار الكلمة في بيت لحم، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن أكثر من 200 عائلة مسيحية هاجرت من الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة. ويضيف: «إذا استمرت الظروف الراهنة فلن يبقى هناك أي مسيحي فلسطيني في عام 2050».

وتشهد الضفة تصاعداً في أعمال العنف منذ اندلاع الحرب في غزة. وازدادت هجمات المستوطنين على الفلسطينيين لتصبح شبه يومية، بينما كثّف الجيش الإسرائيلي عملياته وانتشاره وحواجزه.

ويشير رعاة كنائس إلى هجرة متصاعدة بين الشباب، في حين يخطط آخرون للقيام بذلك في المستقبل القريب.

من هؤلاء عيسى قسيس (31 عاماً) الذي أسّس ويدير شركة ناشئة للدعاية والإعلان في رام الله، وكان يحلم بتوسيع نشاطها. إلا أن تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية يدفعه للتفكير في الهجرة إلى الولايات المتحدة. ويقول قسيس لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «منذ نحو عام بدأت التفكير في الموضوع بجدية»، مشيراً إلى أن الظروف تشعره «بالإحباط واليأس... كلّما أتقدّم خطوة في العمل، أرجع ثلاثاً إلى الوراء».

رجل الأعمال الفلسطيني المسيحي عيسى قسيس (31 عاماً) خلال مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» في مدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

ويؤكد قسيس أن تداعيات الحرب وتراجع الدخل دفعاه للبحث عن «ملجأ آخر»، معدداً مشقات يومية منها «صعوبة التنقل من مكان إلى آخر والانتظار على الحواجز (الإسرائيلية) لـ3 أو 4 ساعات»، ما ينعكس سلباً على عمله. ويضيف أن والدته التي كانت رافضة لفكرة هجرته قبل الحرب «صارت تقول لي: (أنت تعرف مصلحتك، وتريد أن تعيش حياتك)». ويتابع متأسفاً: «صار الأهل بدل أن يضغطوا على ابنهم للبقاء هنا، يشجعونه على الهجرة، وهذا جارح جداً».

«هكذا السياسات في العالم»

لا تقتصر الهجرة أو التخطيط لها على المسيحيين، إلا أن بعض العوامل تساعدهم أكثر من غيرهم؛ منها وجود أقارب لهم في الخارج، ما قد يسهّل لهم الحصول على عمل والتأقلم ثقافياً واجتماعياً، بحسب وزيرة الخارجية الفلسطينية فارسين أغابيكيان.

وتقول أغابيكيان لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «المسيحي لديه فرص في الخارج يراها وأقاربه يخبرونه عنها والدول (الغربية) يمكن أن تستقبله بشكل أسرع... هكذا السياسات في العالم». وتضيف الوزيرة، وهي مسيحية أرمينية: «بالتالي العوامل التي تساعد المسيحي في الخروج أكثر من باقي المجتمع».

وشهدت الضفة الغربية موجات هجرة متعاقبة للمسيحيين منذ القرن الثامن عشر. وتوجد جاليات فلسطينية مسيحية كبيرة في الأميركتين، بينها أكثر من 40 ألف شخص في تشيلي وحدها.

ويراوح عدد المسيحيين في الضفة الغربية حالياً بين 40 و45 ألفاً، ويشكّلون أكثر بقليل من واحد في المائة من إجمالي عدد السكان، في حين كانت نسبتهم 6 في المائة في 1967، وهو العام الذي احتلت فيه إسرائيل هذه الأراضي.

بلدة الطيبة المسيحية الفلسطينية شمال شرقي مدينة رام الله في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

وباستثناء القدس الشرقية، يعيش نحو 3 ملايين فلسطيني في الضفة، إضافة إلى أكثر من 500 ألف إسرائيلي يقيمون في مستوطنات تعدّ غير قانونية بموجب القانون الدولي.

وتحذّر أغابيكيان من أن تراجع عدد المسيحيين في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية «يجب أن يدقّ جرس خطورة كبيراً جداً للعالم المسيحي».

«المعطيات أصبحت أسوأ»

يطلق الفلسطينيون المسيحيون على أنفسهم اسم «الحجارة الحية» للدلالة على وجودهم التاريخي في هذه الأراضي. وهم يتركّزون في القدس الشرقية وبيت لحم؛ حيث أقدس مواقعهم الدينية، بالإضافة إلى رام الله وقرى وبلدات عدة.

وفي الطيبة شرق رام الله، وهي آخر بلدة يقطنها مسيحيون بالكامل في الضفة، ويُعتقد أن المسيح لجأ إليها آتياً من القدس، وثّقت الكنائس هجرة أكثر من 15 عائلة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

ومنذ ذلك الحين، تعرّضت البلدة لهجمات من مستوطنين، طالت أراضيها وممتلكات سكانها وحتى أماكنها المقدسة، من بينها إحراق محيط كنيسة القديس جورج الأثرية التي تعود للقرن الخامس الميلادي، وفقاً لراعي كنيسة اللاتين في البلدة الأب بشار فواضله.

الأب بشار فواضله كاهن فلسطيني كاثوليكي من البطريركية اللاتينية في القدس خلال مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب)

ويقول فواضله لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «المعاناة اليومية من جراء عدم وجود الأمان» نتيجة هجمات المستوطنين، إضافة إلى الظروف الاقتصادية، تدفعان سكان البلدة إلى «التفكير بمستقبلهم ومستقبل أبنائهم. لذلك يفضلون الهجرة». ورغم أن الطيبة تبعد عن رام الله 12 كيلومتراً فقط، إلا أن طاقم «وكالة الصحافة الفرنسية» احتاج نحو ساعة للوصول إليها بسبب الحواجز العسكرية الإسرائيلية. ويقطن البلدة حالياً نحو 1200 شخص وفقاً لآخر إحصائية أجرتها كنيسة اللاتين، علماً بأن عددهم كان يناهز 3 آلاف شخص في الثمانينات.

وأظهر استطلاع رأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية عام 2020، أن 35 في المائة من المسيحيين في الضفة يفكّرون في الهجرة خارج البلاد، لأسباب اقتصادية أو بحثاً عن فرص للدراسة، أو عن الاستقرار والحرية.

ويقول الباحث ومدير المركز خليل الشقاقي، إن الرغبة في الهجرة بين المسيحيين في الضفة، هي ضعف نسبتها لدى المسلمين. ويشير إلى أن الاستطلاع أظهر كذلك شعوراً بعدم الأمان لدى المسيحيين يرتبط بـ«قلق واضح من وجود جماعات دينية سلفية في المجتمع الفلسطيني، ومن وجود تنظيمات فلسطينية مسلحة مثل (حماس)». ويؤكد الشقاقي أنه بعد 6 سنوات من إجراء الاستطلاع، تشير المعطيات إلى أن «أغلب الأمور حالياً أصبحت أسوأ».


مقالات ذات صلة

مصدر فلسطيني: تحفظات إسرائيل تُعطّل اجتماع الوسطاء في القاهرة حول غزة

خاص فلسطينيون يتفقدون مباني متضررة بعد استهدافها بضربات إسرائيلية في دير البلح (أ.ف.ب)

مصدر فلسطيني: تحفظات إسرائيل تُعطّل اجتماع الوسطاء في القاهرة حول غزة

أكد مصدر فلسطيني مطلع، لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن تحفظات إسرائيل تُعطل اجتماع الوسطاء في القاهرة لبحث مستجدات تنفيذ التفاهمات الجديدة حول غزة

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحافي عام 2025 (رويترز)

نواب ديمقراطيون يتهمون إدارة ترمب بمنح الضوء الأخضر للمستوطنين الإسرائيليين العنيفين

اتهم كبار الديمقراطيين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإعطاء الضوء الأخضر للمستوطنين الإسرائيليين العنيفين في الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي طفل يسير بين أنقاض مبان مدمرة في مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين شمال القطاع (أ.ف.ب)

تطبيق «تفاهمات اتفاق غزة» ينتظر ضغوطاً دولية

دعا الوسطاء مجدداً لتدخل المجتمع الدولي من أجل الضغط على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي طفلان ينظران لموقع تعرَّض لقصف إسرائيلي على محيط مستشفى الأقصى بدير البلح (أ.ب) p-circle 04:14

غزيّون يخشون ألا تنسحب القوات الإسرائيلية بعد نزع سلاح «حماس»

يخشى عدد من الفلسطينيين ألا يتوقف إطلاق النار من قبل إسرائيل بعد نزع سلاح حركة «حماس» المرتقب بعد خطة ترمب.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يشاهدون قصفاً إسرائيلياً استهدف قطاع غزة (إ.ب.أ)

خاص «فترة تجريبية 14 يوماً»... ماذا طلبت «حماس» في مفاوضات القاهرة؟

قال مصدر مطلع من «حماس» إنه ستستكمل يوم غدٍ الجمعة المفاوضات لإتمام الصيغة النهائية لاتفاق المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)