لم يكن فوز الطبيب والسياسي التقدمي عبد الرحمن السيد (41 عاماً) في الانتخابات التمهيدية لـ«الحزب الديمقراطي» في ولاية ميشيغان مجرد انتصار انتخابي على منافسته النائبة المعتدلة هايلي ستيفنز (43 عاماً)، بل تحول إلى استفتاء على مستقبل «الحزب الديمقراطي» نفسه، وتساؤلات حول الخطوات الواسعة التي يحققها الجناح التقدمي في الحزب، واتساع المنافسة مع التيار التقليدي الديمقراطي. وتحول الأمر إلى استفتاء حاد حول ما إذا كان على الديمقراطيين التوجه أكثر نحو اليسار للاستفادة من تراجع شعبية الرئيس الجمهوري، دونالد ترمب.
وبينما انتهى فرز الأصوات بفارق يقل عن نقطة مئوية واحدة، فإن الرسالة السياسية التي حملتها كانت أكبر بكثير من عدد الأصوات الفاصلة. فقد حسم عبد الرحمن السيد السباق بعد أكثر من 1.5 مليون صوت، متقدماً بنحو 15 ألف صوت فقط، وهو أحد أضيق الانتصارات في تاريخ الانتخابات التمهيدية الحديثة في ميشيغان. ولم تتمكن وسائل الإعلام الأميركية من إعلان الفائز إلا بعد اكتمال فرز معظم الأصوات، ما عكس حجم الاستقطاب داخل «الحزب الديمقراطي»، ولم يعد السؤال الذي يشغل واشنطن: من فاز بالانتخابات؟ بل أي حزب ديمقراطي يريده الناخبون؟ فنتيجة ميشيغان تعد دليلاً على ميل الناخبين نحو مرشحين يتحدون علناً القيادات الديمقراطية، ويتبنون نهجاً سياسياً أكثر صدامية.

وأشارت صحيفة «واشنطن بوست» إلى تزايد نفوذ الجناح اليساري في «الحزب الديمقراطي»، ومحاولة بعض قادته التقليل من شأن الانتصارات المفاجئة التي حققها المرشحون اليساريون في الانتخابات التمهيدية، بحجة أن الخطاب المناهض للمؤسسة السياسية التقليدية داخل «الحزب الديمقراطي» قد ينجح أحياناً في بعض المناطق ذات الأغلبية الديمقراطية، لكنه لا يكفي لحسم المعارك الانتخابية حينما يواجه التقدميون خصوماً جمهوريين أقوياء.
في الوقت نفسه أبدى قادة «الحزب الجمهوري» نوعاً من الارتياح لفوز عبدول السيد في ولاية ميشيغان، التي ينظر لها على أنها من أكثر الولايات التي يتنازل عليها الحزبان، ولم يستطع الجمهوريون الفوز بمقعد في مجلس الشيوخ عن هذه الولاية منذ ثلاثة عقود. ويرى بعض قادة «الحزب الجمهوري» أن السيد أقل قدرة على منافسة مايك روجرز، عضو الكونغرس السابق، الذي ترشح من دون منافسة في الانتخابات التمهيدية لـ«الحزب الجمهوري».
انتصار التقدميين رغم المال والمؤسسة
كانت كل المؤشرات تميل قبل أشهر إلى فوز هايلي ستيفنز، المدعومة من هذه المؤسسة الديمقراطية، ومن الحاكمة غريتشن ويتمر، وعدد كبير من القيادات التقليدية. إلا أن عبدول السيد نجح في قلب المعادلة. ورغم أن منافسته تمتعت بتفوق مالي هائل، إذ إن لجاناً سياسية مؤيدة لإسرائيل، وفي مقدمتها «أيباك»، أنفقت عشرات الملايين من الدولارات لدعم ستيفنز، ومهاجمة السيد، فإن الأخير نجح في تحويل هذا الإنفاق إلى سلاح سياسي ضد خصومه، رافعاً شعار أن «ميشيغان ليست للبيع». وتشير تقديرات صحافية إلى أن الإنفاق الخارجي ضد السيد تجاوز 30 مليون دولار، في أغلى انتخابات تمهيدية ديمقراطية في تاريخ الولاية. كما اعتمد عبدول السيد على حملة ميدانية كثيفة شملت مئات الفعاليات في الجامعات، والمدن الصغيرة، مع خطاب شعبوي ركز على توفير الرعاية الصحية للجميع، والعدالة الاقتصادية، وفرض ضرائب أكبر على الأثرياء، وانتقاد نفوذ جماعات الضغط، وربط بين القضايا الاقتصادية وموقفه من الحرب في غزة.
كما اختار ناخبو ميشيغان ويليام لورانس، وهو ناشط تقدمي في مجالي الإسكان، والبيئة، مرشحاً عن الحزب في دائرة انتخابية متأرجحة لمجلس النواب، وأطاحوا بنائب ديمقراطي حالي في منطقة ديترويت لصالح مرشح اشتراكي ديمقراطي.

ويقول المحللون إن هذه الانتصارات ستجبر الديمقراطيين من تيار الوسط على التعامل بحدية مع هذه الموجه الصاعدة من الشعبوية المناهضة للمؤسسة السياسية في واشنطن، وهي موجة قد تعيد تشكيل هوية الحزب في مرحلة ما. ويقول آدم غرين، وهو عضو في «لجنة حملة التغيير التقدمي»، إن عبدول السيد سيكون بمثابة رأس الحربة في إثبات أن مناصراً للقضايا الاقتصادية يمكنه الفوز في ولاية متأرجحة، وبمجرد حدوث ذلك ستنفتح الآفاق على مصراعيها. لكن المنتصرين من هذا الجناح اليساري التقدمي سيكونون أمام اختبار حاسم حتى موعد الانتخابات، فهل ستلقى رسالتهم قبولاً واسعاً بما يكفي لهزيمة مرشحين جمهوريين يتمتعون بتمويل مالي ضخم لحملاتهم، وذلك في ولايات متأرجحة اعتادت تاريخياً على الاعتدال السياسي؟
غزة تغير قواعد اللعبة
تكاد تجمع معظم التحليلات الأميركية على أن الحرب في غزة كانت العامل الأكثر حسماً في هذه الانتخابات. فالسيد، وهو من أصول مصرية، تبنى منذ بداية حملته موقفاً يدعو إلى وقف الدعم العسكري غير المشروط لإسرائيل، وهو موقف وجد صدى واسعاً لدى الشباب، والتقدميين، والعرب الأميركيين. وفي المقابل، دافعت ستيفنز عن المواقف التقليدية للحزب تجاه إسرائيل، وحظيت بدعم واسع من المنظمات المؤيدة لها، وهو ما أدى إلى تحويل السباق إلى معركة حول السياسة الخارجية بقدر ما كان منافسة على مقعد في مجلس الشيوخ. واتسمت هذه الانتخابات بالاختلافات الآيديولوجية العميقة حول إسرائيل، وهي قضية يتزايد فيها تعاطف الناخبين الشباب والتقدميين مع القضية الفلسطينية. واستغل السيد قضية غزة في شن هجمات لاذعة ضد ستيفنز لدعمها استمرار المساعدات العسكرية لإسرائيل، ورفضها وصف جرائم إسرائيل في غزة بالإبادة الجماعية. كما هاجمها بسبب علاقتها بلجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك)، التي أنفقت لجنة العمل السياسي التابعة لها عشرات الملايين لدعم ستيفنز.

العرب الأميركيون قوة انتخابية
أحد أهم الدروس التي خرجت بها القيادتان الديمقراطية والجمهورية يتمثل في أن الناخب العربي لم يعد كتلة هامشية. ففي ميشيغان، حيث يتركز أكبر تجمع للعرب الأميركيين في الولايات المتحدة، خصوصاً في ديربورن وهمترامك، لعبت نسب المشاركة المرتفعة دوراً واضحاً في ترجيح كفة السيد. لكن تأثير هذه الكتلة لا يقتصر على ميشيغان. ففي بنسلفانيا، حيث تتزايد الكثافة السكانية للعرب والمسلمين في فيلادلفيا وضواحيها، وفي مينيسوتا التي تضم واحدة من كبرى الجاليات المسلمة، وكذلك في فرجينيا الشمالية التي شهدت نمواً كبيراً في أعداد الناخبين العرب، بدأ الحزبان يتعاملان مع هذه الكتلة باعتبارها عاملاً قد يحسم انتخابات متقاربة. وقد أثبتت انتخابات 2024، ثم انتخابات ميشيغان الحالية، أن غضب العرب الأميركيين من سياسة «الحزب الديمقراطي» تجاه غزة لم يعد مجرد احتجاج سياسي، بل أصبح سلوكاً انتخابياً قابلاً لترجمة الخسائر عبر صناديق الاقتراع.
جيل جديد داخل الحزب
لا يمثل عبد الرحمن السيد حالة فردية. ففوزه يأتي ضمن موجة أوسع يقودها الجناح التقدمي، الذي يمثله بيرني ساندرز، وألكساندريا أوكاسيو كورتيز، والذي بات يرفض كثيراً من ثوابت الحزب التقليدية، سواء في الاقتصاد، أو السياسة الخارجية. ويرى هذا التيار أن الناخبين لا يريدون مرشحين وسطيين بقدر ما يريدون شخصيات تقدمية تقدم رؤية واضحة حتى لو كانت مثيرة للجدل. أما الجناح التقليدي، فيخشى أن يؤدي هذا التحول إلى خسارة الولايات المتأرجحة أمام الجمهوريين، ويؤكد أن الاعتدال هو الطريق الوحيد للفوز في الانتخابات العامة.
ورغم احتفال التقدميين، فإن التحدي الأصعب يبدأ الآن. فعبد الرحمن السيد سيواجه الجمهوري مايك روجرز في واحدة من أكثر الولايات تنافساً في البلاد، بينما يحتاج الديمقراطيون إلى الاحتفاظ بميشيغان إذا أرادوا استعادة الأغلبية في مجلس الشيوخ. ولهذا سارعت قيادات الحزب، التي كانت منقسمة خلال الانتخابات التمهيدية، إلى إعلان دعمها للسيد فور إعلان النتائج، في محاولة لاحتواء آثار الانقسام الداخلي. فزعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، الذي كان يدعم ستيفنز، أصدر مع السيناتور كريستين غيليبراند بياناً يدعمان فيه عبد الرحمن السيد، وقالا: الديمقراطيون يتوحدون حول هدف واحد، وهو كبح جماح دونالد ترمب بهزيمة حلفائه الجمهوريين، واستعادة السيطرة على مجلس الشيوخ. ونتطلع للعمل مع عبد الرحمن السيد والديمقراطيين في جميع أنحاء ميشيغان للفوز بهذا المقعد في نوفمبر».

المفارقة أن الجمهوريين كانوا يأملون سراً في فوز عبد الرحمن السيد، لاعتقادهم أن آراءه التقدمية قد تمنحهم فرصة في هذه الولاية المتأرجحة. وبدأ الجمهوريون بالفعل حملة لتصوير السيد باعتباره مرشحاً «يسارياً متطرفاً»، وإظهار مواقفه السياسية، وانتقاده لإسرائيل، وعلاقته بالمعلق السياسي حسن بيكر، الذي قال سابقاً إن أميركا تستحق «هجمات 11 سبتمبر (أيلول)». وقد قام السيد عشية الانتخابات بجولة مصطحباً بيكر معه، وهو ما اعتبره الجمهوريون دليلاً على تطرف آيديولوجي واسع النطاق. وجاءت أشد الانتقادات من ترمب الذي وصف فوز السيد بأنه نبأ عظيم لـ«الحزب الجمهوري»، وكتب على منصة «تروث سوشال» إن عبد الرحمن السيد هو الشيوعي الخاسر الذي يكره اليهود، وإسرائيل.
هل بدأت انتخابات 2028 مبكراً؟
ورغم أن الأنظار تتجه إلى انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، فإن كثيراً من المحللين يرون أن ما جرى في ميشيغان يمثل بداية غير معلنة لمعركة الانتخابات الرئاسية المقبلة. فإذا نجح عبد الرحمن السيد في الفوز بالمقعد، فسوف يصبح أحد أبرز الوجوه الصاعدة في «الحزب الديمقراطي»، وقد يفتح الباب أمام صعود جيل جديد من السياسيين التقدميين. أما إذا خسر أمام الجمهوريين، فسوف يستخدم التيار التقليدي تلك النتيجة دليلاً على أن الخطاب اليساري لا يستطيع الفوز في الولايات المتأرجحة.
لهذا تبدو ميشيغان اليوم أكثر من مجرد انتخابات لمجلس الشيوخ. إنها معركة على تعريف «الحزب الديمقراطي» نفسه: هل يبقى حزب الوسط الذي حكم السياسة الأميركية لعقود، أم يتحول إلى حزب يقوده جيل جديد أكثر جرأة في الاقتصاد، والسياسة الخارجية، والإجابة هنا لن تحدد فقط شكل انتخابات نوفمبر، بل ربما ترسم أيضاً ملامح السباق إلى البيت الأبيض في عام 2028.
