لماذا يخشى ترمب فوز الديمقراطيين في الانتخابات النصفية؟

يستعدون لفتح تحقيقات ضده... والجمهوريون يشكِّلون جداراً لصد «الموجة الزرقاء»

الرئيس الأميركي متحدثاً في مؤتمر منتصف الولاية للحزب الجمهوري في دالاس بتكساس يوم 10 سبتمبر 2026 (أ.ب)
الرئيس الأميركي متحدثاً في مؤتمر منتصف الولاية للحزب الجمهوري في دالاس بتكساس يوم 10 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

لماذا يخشى ترمب فوز الديمقراطيين في الانتخابات النصفية؟

الرئيس الأميركي متحدثاً في مؤتمر منتصف الولاية للحزب الجمهوري في دالاس بتكساس يوم 10 سبتمبر 2026 (أ.ب)
الرئيس الأميركي متحدثاً في مؤتمر منتصف الولاية للحزب الجمهوري في دالاس بتكساس يوم 10 سبتمبر 2026 (أ.ب)

قبل أقل من شهرين على انتخابات التجديد النصفي، تزداد في واشنطن مؤشرات موجة ديمقراطية، قد تعيد إلى الأذهان انتخابات عام 2018، عندما دفع الاستياء من الولاية الأولى لدونالد ترمب مجلس النواب إلى قبضة الديمقراطيين. ولكن الفارق هذه المرة أن الرهانات بالنسبة إلى ترمب تبدو أكبر بكثير، فخسارة الكونغرس لا تعني فقط تعطيل أجندته التشريعية في العامين الأخيرين من رئاسته؛ بل قد تعني فتح عشرات الملفات التي نجح البيت الأبيض -بفضل الأغلبية الجمهورية- في إبقائها بعيداً عن أدوات التحقيق والاستدعاء البرلماني.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث لمناصريه خلال مؤتمر الحزب الجمهوري للانتخابات النصفية في مركز «أميركان إيرلاينز» في دالاس (د.ب.أ)

وتُظهر أحدث مؤشرات الرأي العام أن الخطر لم يعد افتراضياً. فاستطلاعات عدة تمنح الديمقراطيين تقدماً على الجمهوريين في الاقتراع العام للكونغرس، بينما أظهر استطلاع لـصحيفة «واشنطن بوست- إبسوس» أن الديمقراطيين يتقدمون بثلاث نقاط بين الناخبين المسجَّلين، ليرتفع الفارق إلى 8 نقاط بين الناخبين الواثقين تماماً بأنهم سيصوِّتون.

كذلك، فإن الديمقراطيين أكثر حماساً للمشاركة مقارنة بالجمهوريين، بفارق أكبر مما كانوا عليه قبل موجة 2018. وفي استطلاع «إيكونوميست- يوغوف»، حول الحزب الذي سيصوت له الأميركيون، قال 42 في المائة إنهم سيصوتون للمرشح الديمقراطي، وقال 35 في المائة إنهم سيصوتون للمرشح الجمهوري، بينما بقي 23 في المائة متأرجحين؛ سواء بعدم حسم قرارهم أو احتمال دعم خيار آخر، أو الامتناع عن التصويت.

وهذه الفجوة في الحماس ربما تكون الإشارة الأكثر إزعاجاً للحزب الجمهوري. فانتخابات التجديد النصفي غالباً ما تُحسَم بمن يذهب إلى صناديق الاقتراع، وليس فقط بمن يتصدر الاستطلاعات. وتشير بيانات الانتخابات الخاصة والتمهيدية منذ 2024 إلى أداء ديمقراطي متقدم في مناطق عدة، بينما تبدو قطاعات من الناخبين الذين دعموا ترمب قبل عامين أقل حماساً للعودة إلى التصويت في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

الاقتصاد والحرب يثقلان كاهل ترمب

الموجة المحتملة لا تتغذى فقط من العداء التقليدي لرئيس في منتصف ولايته؛ بل من اقتصاد يراه عدد كبير من الأميركيين أسوأ مما كان عليه عشية انتخابات 2018. وتُظهر استطلاعات حديثة أن الغالبية تصف الأوضاع الاقتصادية بأنها «ضعيفة» أو «متوسطة»، بينما أصبحت أسعار البنزين والغذاء والسكن مصدراً ثابتاً للضغط على الأُسَر.

مؤتمر منتصف الولاية للحزب الجمهوري في دالاس بتكساس يوم 10 سبتمبر 2026. وكان الرئيس دونالد ترمب قد تعهد في اليوم الأول للمؤتمر بمنح 5 آلاف دولار لكل مواطن إذا ما احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على الكونغرس في انتخابات شهر نوفمبر (أ.ف.ب)

يضاف إلى ذلك عامل لم يكن موجوداً في 2018، وهو الحرب مع إيران. فكما ساهمت حرب العراق في إضعاف الجمهوريين خلال انتخابات 2006، أصبحت حرب إيران اليوم عبئاً سياسياً على البيت الأبيض؛ خصوصاً مع استمرارها من دون نهاية واضحة وارتفاع تكلفة الطاقة. وفي هذا السياق، يبدو وضع ترمب أكثر صعوبة مقارنة بانتخابات 2018، عندما كان كثير من الناخبين ينتقدون شخصيته؛ لكنهم كانوا أكثر رضا عن الاقتصاد.

وتشير صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن الجمهوريين يجدون صعوبة متزايدة في الفصل بين ترمب ومرشحيهم. الرئيس نفسه قرر أن يضع شخصه في قلب الحملة، ووعد النواب المهدَّدين بأنه سيكون معهم حتى نوفمبر، ووعد بدفع مبلغ 5 آلاف دولار لكل أميركي بالغ، في حال فوز الجمهوريين بالأغلبية في كل من مجلسي النواب والشيوخ، وحذَّر أنصاره من العواقب المحتملة لخسارة الجمهوريين السيطرة على الكونغرس.

واعتبرت الصحيفة أن الربط بين ترمب والمرشحين الجمهوريين مقامرة غير مضمونة، فإذا نجح ترمب في تعبئة قاعدته، فقد يمنح المرشحين الجمهوريين دفعة مهمة. أما إذا أصبحت الانتخابات استفتاءً على شعبيته المتراجعة، فقد يجرُّهم معه إلى الهزيمة.

جدار جمهوري لصد الموجة

لافتات حملة المرشحة الديمقراطية لمجلس النواب الأميركي كريستينا بوهانان في مقاطعة سكوت بولاية أيوا (أ.ب)

مع ذلك، فإن الحديث عن «موجة زرقاء» لا يعني أن الطريق أمام الديمقراطيين مفتوح. فلدى الجمهوريين جدار دفاع أقوى مما كان في 2018، وأول عناصره الخريطة الانتخابية؛ فقد أدت إعادة رسم الدوائر والاستقطاب الحزبي إلى تقليل عدد المقاعد الجمهورية الموجودة في مناطق تميل أساساً إلى الديمقراطيين.

وتشير تحليلات صحيفة «واشنطن بوست» إلى أن المقعد رقم 218 المطلوب للسيطرة على المجلس بات موجوداً في دائرة فاز فيها ترمب بفارق يقارب 5 نقاط، ما يعني أن الديمقراطيين يحتاجون إلى اقتحام مناطق جمهورية صريحة، وليس فقط استعادة الضواحي التي خسروها سابقاً.

ويأتي المال كعنصر ثانٍ في الجدار، ففريق ترمب وسَّع إنفاقه الانتخابي بالفعل إلى نحو 57 مليون دولار، موجهاً الأموال إلى سباقات مجلسَي النواب والشيوخ في ولايات مثل أيوا، ونيوهامبشير، وألاسكا، ونورث كارولاينا، وجورجيا، وميشيغان. كما استفاد الجمهوريون من قرارات قضائية حديثة وسعت قدرة اللجان السياسية والمجموعات الخارجية على الإنفاق والتنسيق، ما يسمح لهم بتحويل تفوقهم المالي إلى إعلانات أكثر كثافة في الدوائر المتأرجحة. ولكن حتى الجمهوريين يدركون أن المال والخريطة قد لا يكونان كافيين إذا تحولت الانتخابات إلى استفتاء وطني على الرئيس.

لماذا يخشى ترمب مجلساً ديمقراطياً؟

زعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز الديمقراطي عن ولاية نيويورك يتحدث للصحافيين عن الحرب مع إيران وتكلفة المعيشة في مبنى «الكابيتول» بواشنطن نهاية أغسطس 2026 (أ.ب)

السبب الحقيقي لخشية ترمب يتجاوز خسارة مقاعد. فحسب صحيفة «واشنطن بوست»، بدأ الديمقراطيون بالفعل إعداد أجندة تحقيقات واسعة في حال استعادوا مجلس النواب. أعضاء وموظفون يُتوقع أن يتولوا رئاسة اللجان، يجمعون الملفات، ويستعينون بخبرات خارجية للاستعداد لاستخدام صلاحيات الاستدعاء والتحقيق منذ الأيام الأولى. وفي مقدمة الملفات، ثروة ترمب وعائلته.

وتخطط لجنة الرقابة بمجلس النواب بالفعل لفتح تحقيقات في ملفات العملات المشفرة، والصفقات الأجنبية، والشركات المرتبطة بدونالد ترمب الابن وإريك ترمب وجاريد كوشنر، إضافة إلى تسوية ترمب مع مصلحة الضرائب ومنصة «تروث سوشيال».

وهناك أيضاً ملف العفو الرئاسي، بما في ذلك قرارات العفو عن أشخاص تربط بعضهم صلات مالية أو سياسية بدائرة ترمب، فضلاً عن العفو الواسع عن المتهمين في أحداث السادس من يناير (كانون الثاني).

الهجرة والاستخبارات والسياسة الخارجية

ويخطط الديمقراطيون أيضاً للتحقيق في سياسة الهجرة التي اتبعتها إدارة ترمب؛ خصوصاً الانتهاكات المزعومة أثناء عمليات الترحيل، واحتجاز مقيمين قانونيين ومواطنين، وزيادة الوفيات في مراكز الاحتجاز، واستخدام الحرس الوطني في المدن التي يديرها الديمقراطيون. أما في مجال الاستخبارات، فيريد الديمقراطي جيم هايمز مراجعة حالات مسؤولين استخباراتيين أقيلوا بعد تقديم تقديرات لم تتفق مع الخط السياسي للرئيس، بما في ذلك تقييمات مرتبطة بإيران وفنزويلا.

وتبدو السياسة الخارجية مرشحة لأن تكون واحدة من أكثر الملفات حساسية. فالديمقراطي غريغوري ميكس يريد التحقيق في الطريقة التي استخدم بها ترمب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في التفاوض مع إيران وإسرائيل وروسيا وأوكرانيا، وسط أسئلة عن دور وزارة الخارجية وتضارب المصالح المحتمل. وقد تشمل التحقيقات حرب إيران، والصفقات التجارية، والطائرة الرئاسية القطرية، وإعادة إعمار غزة، ومجلس السلام، والعمليات العسكرية الأخرى.

شبح إبستين والعزل

يظل ملف جيفري إبستين سلاحاً سياسياً خطيراً. فالديمقراطيون يريدون عقد جلسات استماع جديدة، وإبقاء القضية في دائرة الاهتمام العام. ورغم أن السلطات لم تتهم ترمب بالمشاركة في جرائم إبستين، فإن علاقته الاجتماعية القديمة به توفر للديمقراطيين مادة سياسية ستظل محرجة للبيت الأبيض.

أودري شتراوس القائمة بأعمال المدعي العام الأميركي للمنطقة الجنوبية من نيويورك تشير إلى صورة تجمع جيفري إبستين وغيسلين ماكسويل خلال مؤتمر صحافي في نيويورك (أ.ب)

أما إجراءات العزل، فهي أكثر تعقيداً، فبعض القواعد الديمقراطية تريد التحرك فوراً إذا استعاد الحزب المجلس، ولكن قيادات بارزة تحذِّر من تحويل التحقيقات إلى غاية في ذاتها.

على الجانب الآخر يعمل مستشارو الرئيس ترمب لمواجهة الأسوأ في كل السيناريوهات، فالبيت الأبيض نفسه يتصرف وكأن احتمال خسارة المجلس جدي. وقد بدأ مكتب المستشار القانوني للرئيس بالفعل إعداد المسؤولين لكيفية التعامل مع لجان يسيطر عليها الديمقراطيون. كما طرحت وزارة العدل مذكرات قانونية توسع استخدام «امتياز الأوامر التنفيذية» للحد من إمكانية استجواب المستشارين، والحصول على بعض الوثائق.

ويرى ديف رابالو، المسؤول الديمقراطي السابق في لجنة الرقابة، أن هذه الخطوات تعد من أوضح المؤشرات على أن الإدارة تستعد فعلياً لاحتمال خسارة مجلس النواب.

وفي موازاة ذلك، يحاول ترمب تغيير قواعد اللعبة نفسها. فقد دفعت إدارته نحو تشديد قواعد التصويت، ووسَّعت عمليات البحث عن ناخبين غير مواطنين، رغم عدم وجود دليل على تزوير واسع، وهي تحركات أثارت اعتراض مسؤولي انتخابات من الحزبين، ومخاوف الديمقراطيين من تدخل الإدارة في العملية الانتخابية.

هل تحدث الموجة الزرقاء؟ الإجابة ليست بسيطة، فالديمقراطيون يملكون الغضب والحماس وتراجع شعبية الرئيس ومخاوف الاقتصاد والحرب. ولكن الجمهوريين يملكون خريطة أكثر تحصيناً، ومالاً أكثر، ودوائر أعيد رسمها لمصلحتهم، وقاعدة «ماغا» ما زالت شديدة الولاء لترمب. ولهذا قد تكون انتخابات 2026 مختلفة عن 2018: الموجة قد تكون أعلى، ولكن الشاطئ الجمهوري أكثر تحصيناً. وإذا بقيت نسبة الرضا عن ترمب منخفضة، واستمر الاقتصاد والحرب في الضغط على الناخبين، فمن الصعب تصور أن يمنع الجمهوريون جميع الخسائر.

لكن السؤال الحقيقي هو حجمها: هل يخسرون بضعة مقاعد فقط، أم تتحول موجة الاستياء إلى اكتساح يصل إلى مجلس الشيوخ أيضاً؟

بالنسبة إلى ترمب، الفارق بين السيناريوهين هائل. فالاحتفاظ بالكونغرس يعني عامين آخرين من السيطرة السياسية النسبية. أما خسارة مجلس النواب، وربما مجلس الشيوخ، فتعني أن النصف الأخير من ولايته قد يتحول من مرحلة تنفيذ أجندته إلى مرحلة دفاع دائم عن رئاسته وعائلته وقراراته أمام لجان تحقيق ديمقراطية، تمتلك سلطة الاستدعاء والميزانية والمنصة الإعلامية. ولهذا يبدو أن ترمب لا يخوض انتخابات نوفمبر من أجل الحزب الجمهوري فقط؛ إنه يخوضها أيضاً من أجل نفسه.


مقالات ذات صلة

54 مليون صوت مبكر تشعل رهانات الحزبين قبل الانتخابات

الولايات المتحدة​ ناخبة تدلي بصوتها في محطّة اقتراع بفلوريدا يوم 27 أكتوبر (أ.ب)

54 مليون صوت مبكر تشعل رهانات الحزبين قبل الانتخابات

الديمقراطيون يرون مؤشرات على تعبئة تمنحهم فرصة انتزاع السيطرة على الكونغرس، فيما يراهن الجمهوريون على ناخبين ينتظرون يوم الانتخابات.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أنصار المرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد خلال تجمع انتخابي في ديترويت يوم 1 نوفمبر (أ.ب)

العرب الأميركيون يعودون إلى الديمقراطيين بشروط وحسابات معقدة

بعد عامين من التقلبات في علاقتهم بالحزبين الرئيسيين، تشير الاستطلاعات إلى عودة العرب الأميركيين إلى الديمقراطيين، وسط انقسامات حزبية حادة في ميشيغان.

علي بردى (واشنطن)
تحليل إخباري المرشح الجمهوري في ميشيغان مايك روجرز والمرشحة الديمقراطية السابقة هايلي ستيفنز في ديترويت 1 نوفمبر 2026 (أ.ب)

تحليل إخباري فوز الديمقراطيين بالكونغرس يهدّد بتعميق انقساماتهم الداخلية

سلّطت أزمة ميشيغان الضوء على الانقسامات الداخلية التي قد يواجهها الحزب إذا فاز بمجلسي الكونغرس، والتي كانت قياداته تأمل تأجيل الخوض فيها.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ متطوعون يستعدون للقيام بحملة ميدانية لصالح مرشحي الحزب الديمقراطي لعضوية الكونغرس بمن فيهم راندي فيليغاس المرشح عن ولاية كاليفورنيا (أ.ف.ب) p-circle

أميركا: ما الذي قد يكبح مكاسب الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي؟

يستعرض التقرير عوامل عدة قد تعرقل الطريق أمام الديمقراطيين لتحويل الظروف السياسية المواتية فوزاً ساحقاً في انتخابات التجديد النصفي الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورجل الأعمال إيلون ماسك يحضران مؤتمراً صحافياً في البيت الأبيض يوم 30 مايو 2025 (رويترز)

ترمب يتعهّد بحماية ماسك وشركة «سبيس إكس» من الديمقراطيين

صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنه سيحمي إيلون ماسك وشركة «سبيس إكس» من الديمقراطيين إذا اقتضت الضرورة ذلك.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

التصويت المبكر يحطّم الأرقام القياسية ولا يحسم سباق الكونغرس

ناخبة تدلي بصوتها في محطّة اقتراع بفلوريدا يوم 27 أكتوبر (أ.ب)
ناخبة تدلي بصوتها في محطّة اقتراع بفلوريدا يوم 27 أكتوبر (أ.ب)
TT

التصويت المبكر يحطّم الأرقام القياسية ولا يحسم سباق الكونغرس

ناخبة تدلي بصوتها في محطّة اقتراع بفلوريدا يوم 27 أكتوبر (أ.ب)
ناخبة تدلي بصوتها في محطّة اقتراع بفلوريدا يوم 27 أكتوبر (أ.ب)

قبل أن تفتح مراكز الاقتراع أبوابها الثلاثاء، الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، كان الناخبون الأميركيون قد سجّلوا إقبالاً مبكراً قياسياً في ولايات عدة.

أكثر من 54 مليون ناخب أدلوا بأصواتهم على المستوى الوطني، وفق تحليل لوكالة «أسوشييتد برس» نُشر الأحد. لكن خلف مشهد المشاركة الكثيفة، تتقدم معركة تفسير الأرقام. فالديمقراطيون يرون مؤشرات على تعبئة تمنحهم فرصة انتزاع السيطرة على الكونغرس، فيما يراهن الجمهوريون على ناخبين ينتظرون يوم الانتخابات. وبين القراءتين، يكشف التصويت المبكر اتساع المشاركة وتغيّر توقيتها، لكنه لا يكشف مضمون الأوراق المودعة في الصناديق.

مشاركة قياسية

حسب بيانات مختبر الانتخابات بجامعة فلوريدا، تجاوز التصويت المبكر 54.8 مليون صوت ظهر الاثنين، مقابل نحو 45.9 مليون في مجمل التصويت المبكر لانتخابات 2022. وفي الولايات الـ27 التي توافرت عنها بيانات الانتماء الحزبي، شارك قرابة 11.2 مليون ديمقراطي و8.2 مليون جمهوري، إضافة إلى نحو 6.6 مليون غير منتسب إلى الحزبين الكبيرين. وهذه أعداد مشاركين وفق تسجيلهم الحزبي، وليست نتائج تصويت للمرشحين.

ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة؛ إذ لا يمكن تعميم النسب الحزبية على الولايات كلها، ولا اعتبار كل مسجّل ديمقراطي أو جمهوري صوتاً مضموناً لمرشح حزبه. والمشاركة القياسية المسجّلة في ولايات عدة تصف حجم إقبال الناخبين، ولا تتطلب أن يكون كل حزب قد حطّم رقمه الخاص. أما الأفضلية الديمقراطية فتظهر داخل مجموعة الولايات التي تنشر بيانات الانتماء الحزبي. ويؤكد مختبر جامعة فلوريدا أن إحصاء الانتماء الحزبي يختلف عن احتساب الأصوات الفعلية.

من الناحية السياسية، يعد هذا الفارق جوهرياً؛ لأن نجاح حملة في دفع مؤيديها إلى الاقتراع مبكراً يضمن مشاركتهم، لكنه لا يعني بالضرورة أنها وسّعت قاعدتها. فقد يكون الناخب نفسه اعتاد التصويت يوم الثلاثاء، ثم اختار هذه المرة موعداً أكثر ملاءمة. لذلك يصبح السؤال الأهم، كم ناخباً إضافياً جرى استقطابه، وكم ناخباً غيّر توقيت مشاركته فقط؟

ولايات تحت المجهر

تتصدر تكساس مشهد الأرقام الكبيرة، حيث تجاوز عدد المقترعين مبكراً 7.7 مليون، بما يعادل 40.5 في المائة من المسجّلين، وفق بيانات أولية نقلتها «تكساس تريبيون»، الأحد. وبذلك، تجاوزت الولاية المستوى القياسي الحديث للمشاركة المبكرة في انتخابات نصفية، المسجّل عام 2018.

ناخبون ينتظرون دورهم للإدلاء بأصواتهم خارج مكتب اقتراع في كولومبوس بأوهايو يوم 1 نوفمبر (أ.ف.ب)

وتزامنت الزيادة مع منافسة قوية على مقعد مجلس الشيوخ بين الديمقراطي جيمس تالاريكو والجمهوري كين باكستون، إلى جانب سباق الحاكم.

أما نورث كارولاينا، فسجّلت نحو 2.8 مليون صوت مبكر، بزيادة تقارب 30 في المائة على 2022، وفق «أكسيوس».

وفي رصد منفصل أجرته وكالة «أسوشييتد برس» قبل الاقتراع بخمسة أيام، ارتفع التصويت المبكر مقارنة بالمرحلة نفسها من الانتخابات السابقة بنسبة 44 في المائة في مين، و34 في المائة في كانساس، و32 في المائة في ميشيغان، و83 في المائة في ساوث كارولاينا. وهذه مقارنات زمنية محددة، وليست معدلات الإقبال النهائي.

وتُقدّم جورجيا صورة أوضح لتركيبة المشاركة. فحسب «أتلانتا جورنال كونستيتيوشن»، اقترع أكثر من 2.8 مليون شخص مبكراً، بزيادة 13 في المائة على 2022. وارتفعت حصة الناخبين السود إلى 32.4 في المائة، مقابل 30.2 في المائة، فيما زادت حصة ذوي الأصول اللاتينية من 2 إلى 3.7 في المائة.

كذلك، شارك أكثر من 630 ألف شخص غابوا عن انتخابات 2022 النصفية، من دون أن يعني ذلك أنهم جميعاً ناخبون للمرة الأولى. كما أن الدلالة السياسية لا تتساوى مع كل زيادة، فارتفاع المشاركة داخل ولاية محسومة نسبياً قد يرفع الإجمالي الوطني من دون تغيير ميزان الكونغرس، فيما يمكن لزيادة أصغر داخل دائرة متأرجحة أن تحسم مقعداً. لذلك تتجه الأنظار إلى توزيع الأصوات بين المقاطعات والدوائر، وليس إلى ترتيب الولايات بأعداد المقترعين وحدها.

دوافع التعبئة

وتلتقي هذه المشاركة مع فجوة في الحماسة، حيث أظهر استطلاع لـ«إيه بي سي نيوز» و«واشنطن بوست» و«إبسوس»، أورده تحليل للشبكة في الشهر الماضي، أن 72 في المائة من الديمقراطيين يؤكدون عزمهم على التصويت، مقابل 65 في المائة من الجمهوريين. ووجد التحليل أن مؤشرات التصويت المبكر في بعض الولايات المهمة تنسجم مع تعبئة ديمقراطية أقوى.

عدد من الناخبين يتّجهون إلى مكتب اقتراع في سان بيترسبيرغ بولاية فلوريدا يوم 1 نوفمبر (أ.ب)

ووفق «رويترز»، تضع ضغوط تكاليف المعيشة والحرب مع إيران إدارة الرئيس دونالد ترمب في قلب المحاسبة الانتخابية. لكن تحويل الاستياء إلى أصوات يظل مشروطاً بالمشاركة الفعلية، خصوصاً لدى الشباب والناخبين السود ومن أصول لاتينية، الذين تشدد الوكالة على أن إقبالهم تاريخياً يتراجع في الانتخابات النصفية مقارنة بالرئاسية.

بيد أن اتساع التصويت المبكر يمكن تفسيره أيضاً بوظيفته التنظيمية. كل مؤيد يقترع يصبح اسماً تستطيع الحملة شطبه من قائمة المتابعة، لتخصص اتصالاتها وزياراتها لمن لم يصوّت بعد. كما يتيح تعدد أيام الاقتراع تجاوز صعوبات العمل والتنقل والالتزامات العائلية. وهذه عوامل تساعد على المشاركة وتفسّر جانباً من زخمها. ويبقى الرقم القياسي للتصويت المبكر مختلفاً عن الإقبال النهائي، الذي يتحدد بعد إضافة أصوات الثلاثاء.

وتوضح جورجيا هذا التداخل، حيث أفادت «أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» بأن أكثر من 435 ألفاً ممن صوّتوا يوم الانتخابات في عام 2022 اقترعوا مبكراً هذه المرة. وبالتالي، تجمع الزيادة بين استقطاب مشاركين غابوا سابقاً وتقديم موعد تصويت آخرين، وهما مساران مختلفان في أثرهما على النتيجة.

أفضلية تنتظر الاختبار

يدخل الديمقراطيون اليوم الأخير بإشارات مشجعة، لكن الاختبار الجمهوري لم ينته بعد.

ناخبون يسجلون أسماءهم في أحد مراكز الاقتراع ضمن عمليات التصويت المبكر بولاية مينيسوتا (أ.ف.ب)

ويُذكّر تحليل «إيه بي سي نيوز» بأن ناخبي الحزب الجمهوري كانوا أكثر ميلاً إلى الاقتراع يوم الانتخابات في دورات سابقة. وعليه، قد يتوقف حجم الأفضلية الديمقراطية على قدرة الجمهوريين على تعبئة مؤيديهم الأقل انتظاماً، وليس على تعويض فارق عددي ظاهر في التصويت المبكر فحسب.

ومع ذلك، تجدر الإشارة هنا إلى أنه إذا كانت الزيادة تضم ناخبين إضافيين يميلون إلى الديمقراطيين، فيما بقيت تعبئة الجمهوريين ضعيفة، تتعزز فرص الحزب المعارض. أما إذا كان معظم التقدم نتيجة انتقال ناخبين معتادين إلى التصويت المبكر، ثم حضر الجمهوريون بقوة الثلاثاء، فقد تضيق الفجوة.

ويظل غير المنتسبين حزبياً والتصويت لمرشحين من حزبين مختلفين عاملين لا تحسمهما سجلات المشاركة. لذلك، يحمل التصويت المبكر رسالة ضغط أوضح من كونه إعلان فوز، وعلى الجمهوريين إثبات أن جمهورهم المؤجّل سيحضر، وعلى الديمقراطيين إثبات أن حماستهم تمتد إلى خارج قاعدتهم المنتظمة. وما سيحدد السيطرة على الكونغرس هو المكان الذي تتحول فيه هذه التعبئة إلى أغلبية أصوات ومقاعد، لا حجم الطوابير أمام مراكز الاقتراع وحده.


العرب الأميركيون يعودون إلى الديمقراطيين بشروط وحسابات معقدة

أنصار المرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد خلال تجمع انتخابي في ديترويت يوم 1 نوفمبر (أ.ب)
أنصار المرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد خلال تجمع انتخابي في ديترويت يوم 1 نوفمبر (أ.ب)
TT

العرب الأميركيون يعودون إلى الديمقراطيين بشروط وحسابات معقدة

أنصار المرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد خلال تجمع انتخابي في ديترويت يوم 1 نوفمبر (أ.ب)
أنصار المرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد خلال تجمع انتخابي في ديترويت يوم 1 نوفمبر (أ.ب)

استعد العرب الأميركيون، على غرار مواطنيهم من المشارب المختلفة في الولايات المتحدة، لإسماع أصواتهم في الانتخابات النصفية للكونغرس، الثلاثاء، مع حسابات أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

فبعد عامين من التقلبات في علاقتهم بالحزبين، تشير الاستطلاعات إلى عودتهم نحو الديمقراطيين، في وقت يعيش فيه الحزب نفسه انقسامات حادة بلغت ذروتها في الأيام الأخيرة من الحملة في ميشيغان، حيث يتركز الثقل الانتخابي الأكبر للجالية. وكان الغضب من سياسات الرئيس السابق جو بايدن حيال غزة قد أبعد فئات واسعة من العرب عن الديمقراطيين في عام 2024، غير أن الاستطلاعات تظهر عودتهم إلى الحزب من دون استعادة الولاء التقليدي، وسط خيبة من سياسات الرئيس دونالد ترمب.

المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ميشيغان عبد الرحمن السيد يحيي مؤيديه في تجمع «حسم التصويت» في ميشيغان يوم 1 نوفمبر (أ.ف.ب)

وأظهر أحدث استطلاع أجراه المعهد العربي الأميركي، بالتعاون مع شركة «جون زغبي ستراتيجيز»، بين 16 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي و23 منه، أن 59 في المائة من الناخبين العرب الأميركيين المحتملين يعتزمون التصويت للمرشح الديمقراطي في دوائرهم، مقابل 26 في المائة للمرشح الجمهوري، بهامش خطأ يبلغ 4.5 نقطة مئوية.

وتتقاطع هذه النتائج مع استطلاع أجرته صحيفة «واشنطن بوست» وكلية «شار» في أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول)، أظهر أن 58 في المائة من الناخبين العرب المسجلين يؤيدون المرشحين الديمقراطيين، مقابل 34 في المائة للجمهوريين.

ويأتي ذلك بعد انتخابات 2024 التي توزعت فيها أصوات الجالية بشكل شبه متكافئ؛ إذ قال 41 في المائة من المشاركين إنهم صوتوا لنائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس، مقابل 39 في المائة لترمب.

صعود المستقلين

لكن المؤشر الأهم على المدى البعيد يتمثل في اتساع قاعدة المستقلين. فوفق المعهد، يُعرّف 31 في المائة من الناخبين العرب أنفسهم بوصفهم مستقلين، وهو أعلى مستوى يسجله المعهد، مقابل 41 في المائة ديمقراطيين و27 في المائة جمهوريين. وكانت نسبة الانتماء الديمقراطي قد تراجعت إلى 23 في المائة عقب انتخابات 2024، قبل أن تتعافى إلى مستواها الحالي.

ويبدو المزاج الانتخابي أقرب إلى محاسبة الحزبين منه إلى تجديد الانتماء. وقال رئيس المعهد جيمس زغبي إن الغضب المرتبط بغزة لا يزال قائماً، على رغم عودة الدعم للديمقراطيين.

الاقتصاد أولاً

ويتصدر الاقتصاد اهتمامات الناخبين العرب؛ إذ قال 82 في المائة من المشاركين في استطلاع المعهد إنهم يعانون صعوبات بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، ورأى 56 في المائة أن البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ. وفي استطلاع «واشنطن بوست»، عبّر سبعة من كل عشرة عن عدم رضاهم عن إدارة ترمب للاقتصاد، بينهم نحو أربعة من كل عشرة ممن صوتوا له في 2024، في ظل ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية، وتأثير الرسوم الجمركية وحرب إيران.

المشاركون في تجمع «فوتو لاتينو» لدعم المرشحين الديمقراطيين جينا هينوجوسا لمنصب حاكم تكساس وجيمس تالاريكو لمجلس الشيوخ وبوبي بوليدو لمجلس النواب (أ.ب)

ويمتد الاستياء إلى السياسة الخارجية؛ إذ أبدى 80 في المائة عدم رضاهم عن تعامل ترمب مع ملف إسرائيل وغزة، و75 في المائة عن تعامله مع إيران، فيما يريد نحو ثمانية من كل عشرة خفض الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل، بينهم ستة يريدون إنهاءه كلياً. ويضع ذلك الجمهوريين أمام تحدٍّ، بعدما أضعف استمرار الحرب وعود ترمب بإحلال السلام في الشرق الأوسط.

انقسامات الديمقراطيين

غير أن عودة العرب إلى الديمقراطيين تصطدم بانقسامات داخلية تتسع منذ أشهر بين المؤسسة التقليدية للحزب وجناحه التقدمي، وتشكل إسرائيل وغزة أبرز عناوينها.

صورة مركبة لكل من المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ميشيغان عبد الرحمن السيد والنائبة الديمقراطية هايلي ستيفنز والمرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ عن ميشيغان مايك روجرز (أ.ف.ب)

فقد أطاح مرشحون تقدميون بنواب مخضرمين في الانتخابات التمهيدية في كولورادو، حيث خسرت النائبة ديانا ديغيت، المؤيدة لإسرائيل منذ 15 دورة، أمام منافستها التقدمية ميلات كيروس. وأظهر استطلاع لمركز «بيو» في مارس (آذار) أن 80 في المائة من الديمقراطيين والمستقلين الميالين إليهم ينظرون سلباً إلى إسرائيل، مقابل 53 في المائة عام 2022.

وانفجر هذا الانقسام علناً في ميشيغان خلال الأيام الأخيرة. فبعد فوز عبد الرحمن السيد في الانتخابات التمهيدية على المرشحة هايلي ستيفنز بفارق يقل عن نقطة مئوية واحدة، في سباق أنفقت فيه «إيباك» والجماعات المرتبطة بها عشرات الملايين لدعم ستيفنز، أيدته الأخيرة في البداية. لكن التوتر عاد بعدما بثت لجنة مؤيدة للسيد إعلاناً يربط الدعم الأميركي لإسرائيل بغلاء الغذاء، فطالبته ستيفنز بإدانته، لتطلب حملته منها عدم حضور تجمع في كنيسة بديترويت.

وفي تطور لافت قبل يومين من الاقتراع، ظهرت ستيفنز إلى جانب المرشح الجمهوري مايك روجرز وأعلنت تأييدها له، متهمة السيد بمعاداة السامية وبعدم إدانة الجماعات المتطرفة بما يكفي، وهي اتهامات ينفيها، مؤكداً أنه يتعرض لهجمات عنصرية ومعادية للإسلام من الجمهوريين. ووصف زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر الخطوة بأنها «خيانة دنيئة»، فيما رحب بها ترمب، واعتبرها السيد إلهاء عن هموم سكان الولاية.

المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ عن ميشيغان مايك روجرز مع النائبة الديمقراطية عن الولاية هايلي ستيفنز في كنيسة بديترويت يوم 1 نوفمبر (أ.ب)

ويحمل هذا الانقسام تأثيراً مزدوجاً على الناخبين العرب. فتبني جناح داخل الحزب مواقف أكثر انتقاداً لإسرائيل قد يعزز ثقتهم بإمكان التغيير من الداخل ويدفعهم إلى المشاركة، لكن الصراع يذكرهم أيضاً بأن المؤسسة الحزبية لم تحسم موقفها، ما قد يفسر احتفاظ كثيرين بصفة «المستقل»، وتأكيد 41 في المائة من الديمقراطيين العرب أنهم لن يدعموا مرشحاً رئاسياً عام 2028 يرفض إنهاء الدعم غير المشروط لإسرائيل، فيما قال 90 في المائة إن غزة ستكون عاملاً مهماً في تحديد تصويتهم في تلك الانتخابات.

سيناتور مسلم؟

وتكتسب ميشيغان أهمية خاصة؛ إذ يعيش فيها أحد أكبر تجمعات العرب والمسلمين في البلاد، لا سيما في ديربورن وضواحي ديترويت.

الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما والمرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ميشيغان عبد الرحمن السيد خلال تجمع انتخابي في الولاية يوم 24 أكتوبر (د.ب.أ)

ويبلغ عدد العرب الأميركيين نحو 3.5 مليون نسمة، أي قرابة واحد في المائة من السكان، ويمثلون نحو 2 في المائة من البالغين في ميشيغان. وقد يصبح السيد، ذو الأصول المصرية، أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ في حال فوزه.

وتعرضت حملته لهجمات من ترمب ومسؤولين جمهوريين استهدفت خلفيته العربية والإسلامية، فيما أثار وزير الصحة روبرت كينيدي الابن جدلاً بادعائه أن العرب لا ينتجون العلوم أو الأدب.

في المقابل، ركز السيد، الملقب «عبدول»، على غلاء المعيشة، مؤكداً أن الناخبين يهتمون بتكاليف الحياة لا بالخلافات الحزبية.

التمييز والمشاركة

أفاد 65 في المائة من العرب الأميركيين بتعرضهم للتمييز بسبب أصولهم العرقية أو بلدانهم الأصلية، مقارنة بـ53 في المائة عام 2023، في رابع ارتفاع متتالٍ يسجله المعهد. لكن هذا المناخ دفع 53 في المائة إلى زيادة انخراطهم السياسي، وترتفع النسبة إلى 67 في المائة بين المستقلين. وقالت المديرة التنفيذية للمعهد، مايا بري، إن 43 في المائة من المستطلعين تواصلوا مع مسؤول منتخب في هذه الدورة، مقابل 27 في المائة عام 2024.

وبالنسبة إلى الجمهوريين، يتطلب الاحتفاظ بأصوات 2024 أكثر من استثمار الغضب من خصومهم. أما الديمقراطيون، فعودة العرب إليهم «ليست شيكاً على بياض»، وانقساماتهم العلنية قد تبدد مكاسبهم في اللحظة الأخيرة. وهكذا لا يعود العرب الأميركيون إلى خريطتهم السياسية القديمة، بل يعيدون رسمها وفق معادلة تجمع الاقتصاد والسياسة الخارجية والهوية والحقوق المدنية.


فوز الديمقراطيين بالكونغرس يهدّد بتعميق انقساماتهم الداخلية

المرشح الجمهوري في ميشيغان مايك روجرز والمرشحة الديمقراطية السابقة هايلي ستيفنز في ديترويت 1 نوفمبر 2026 (أ.ب)
المرشح الجمهوري في ميشيغان مايك روجرز والمرشحة الديمقراطية السابقة هايلي ستيفنز في ديترويت 1 نوفمبر 2026 (أ.ب)
TT

فوز الديمقراطيين بالكونغرس يهدّد بتعميق انقساماتهم الداخلية

المرشح الجمهوري في ميشيغان مايك روجرز والمرشحة الديمقراطية السابقة هايلي ستيفنز في ديترويت 1 نوفمبر 2026 (أ.ب)
المرشح الجمهوري في ميشيغان مايك روجرز والمرشحة الديمقراطية السابقة هايلي ستيفنز في ديترويت 1 نوفمبر 2026 (أ.ب)

سيطرة الديمقراطيين على الأغلبية في مجلسَي الكونغرس لا تعني بالضرورة أنهم سيتفقون على كيفية توظيفها في حال فوزهم. وخير دليل على ذلك الإحراج العلني الذي واجهه الحزب في ميشيغان، بعدما قررت المرشحة الديمقراطية هايلي ستيفنز تأييد الجمهوري مايك روجرز، بدلاً من مرشح حزبها الرسمي عبد الرحمن السيد.

فستيفنز، التي حظيت سابقاً بدعم قيادات الحزب، خسرت الانتخابات التمهيدية أمام السيد، الذي تحفظت هذه القيادات عن تأييده بسبب مواقف لا ينسجم بعضها مع أجندة الحزب التقليدية. وها هي اليوم تتمرد على قيادات حزبها، مهددةً فعلياً حظوظه في انتزاع الأغلبية بمجلس الشيوخ، في ولاية تُعدّ أساسية لتحقيق هذا الهدف.

وقد تعني خسارة ميشيغان أن على الديمقراطيين انتزاع خمسة مقاعد من الجمهوريين لضمان الأغلبية البسيطة في مجلس الشيوخ، ومن شأن عدم توحيد الصفوف الحزبية خلف السيد أن يزيد مهمة الحزب صعوبة، ويعقّد مساعيه لقلب موازين القوى في المجلس.

انقسامات حزبية داخلية

بصرف النظر عن نتائج الانتخابات، سلّط قرار ستيفنز الضوء مبكراً على الانقسامات الداخلية التي قد يواجهها الحزب الديمقراطي في حال سيطرته على مجلسَي الكونغرس، والتي كانت قياداته تأمل تأجيل الخوض فيها إلى ما بعد الانتخابات. وتجلّت هذه الانقسامات خلال الانتخابات التمهيدية، مع بروز مرشحين تقدميين واشتراكيين يتبنّون أجندات بعيدة كل البعد عن التوجهات التقليدية للحزب.

عبد الرحمن السيد في ميشيغان يوم 1 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)

واليوم، يجمع مرشحي الحزب هدف واحد: مواجهة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإلحاق الهزيمة بالجمهوريين في الانتخابات النصفية. لكن هذا الهدف المشترك قد لا يصمد أمام اختبار الفوز، حين ينتقل الديمقراطيون من موقع المعارضة إلى موقع الأغلبية التشريعية، وتطفو الخلافات بين أجنداتهم المختلفة إلى السطح. وحينها، ستجد قيادات الحزب نفسها أمام مهمة شاقة تتمثل في احتواء الانقسامات والتوفيق بين التيارات المتنافسة، خصوصاً إذا كانت الأغلبية التي يحققها الديمقراطيون ضئيلة في المجلسين، كما ترجّح التوقعات حتى الآن.

مجلس النواب بين الهجرة وإسرائيل

يواجه زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب، حكيم جيفريز، مهمة شاقة في احتواء الخلافات الداخلية، بعدما أظهرت التجارب التي سبقت الانتخابات صعوبة ضبطه التمرد داخل صفوف حزبه، على خلاف سلفه نانسي بيلوسي، التي عُرفت بقبضتها الحديدية على الكتلة الديمقراطية.

رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي في كاليفورنيا 23 أكتوبر 2026 (أ.ب)

وقد واجه جيفريز سلسلة من التحديات من الجناحين المعتدل والتقدمي في حزبه، بعدما صوّت ديمقراطيان معتدلان إلى جانب الجمهوريين لتسهيل تمرير أجندتهم، من دون إبلاغه أو التنسيق معه. ثم أثار غضب التقدميين برفضه خطتهم لتوفير الرعاية الصحية الحكومية للجميع، قبل أن يأتي لقاؤه مع صهر الرئيس، جاريد كوشنر، ليصب الزيت على نار الخلافات مع هذا الجناح.

وجميعها تطورات سبقت الانتخابات، فيما يُتوقع أن يزداد نفوذ التقدميين في الكونغرس الجديد، خصوصاً إذا كانت الأغلبية الديمقراطية ضئيلة. وحينها، سيسعون إلى الدفع بأجندتهم التي تتضمن بنوداً يعارضها جيفريز، أبرزها تقليص تمويل وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (أيس) وإلغاء بعض أنشطتها، فضلاً عن تقييد نقل الأسلحة الهجومية الأميركية إلى إسرائيل.

ولعلّ الملف الأخير يجسّد عمق الانقسامات داخل الحزب، بعدما حضر بقوة في الحملة الانتخابية، وشكّل محوراً أساسياً للخلاف بين المرشحين في ميشيغان: هايلي ستيفنز الداعمة لإسرائيل، وعبد الرحمن السيد المعارض للسياسة الأميركية تجاهها.

النائبة التقدمية ألكسندريا أوكاسيو كورتيز في حدث انتخابي بميشيغان 16 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

غير أن الخلافات لم تقتصر على المواقف الانتخابية، بل امتدت إلى التصويت داخل مجلس النواب، حيث أيّد 103 ديمقراطيين، في 15 يوليو (تموز) 2026، وقف مساعدات أميركية لإسرائيل، في خطوة شكّلت إحراجاً لجيفريز الذي صوّت ضد المشروع، فيما أيدته كاثرين كلارك، ثاني أبرز قيادات الحزب في المجلس.

وكشف هذا التصويت أن الانقسام لم يعد مقتصراً على الجناحين التقدمي والتقليدي، بل امتدّ إلى صفوف القيادة الديمقراطية نفسها. وهو مثال على طبيعة التحديات التي قد يواجهها جيفريز في المرحلة المقبلة، عندما تتحول الخلافات التي برزت خلال الحملة الانتخابية إلى انقسامات تشريعية فعلية، قد تعرقل قدرة الحزب على توظيف أغلبيته لتمرير أجندته.

تحدي رئاسة المجلس

ليس رصّ الصفوف التحدي الوحيد أمام جيفريز؛ إذ يحتاج، قبل الوصول إلى تلك المرحلة، إلى ضمان الأصوات الكافية للفوز برئاسة مجلس النواب، وهو أمر يُعدّ عادةً إجراءً بروتوكولياً شبه محسوم عند فوز حزب المعارضة بالأغلبية.

زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز في حدث انتخابي في فيرجينيا 31 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

لكن المعادلة هذه المرة تبدو مختلفة، بعدما أعرب عدد من التقدميين عن نيتهم استخدام أصواتهم ورقة ضغط لانتزاع تنازلات منه، ملوّحين بالتصويت ضد ترشحه لرئاسة المجلس. وإذا كانت الأغلبية الديمقراطية ضئيلة، فقد يجد جيفريز مصيره معلقاً بأيدي هؤلاء النواب الذين يميلون إلى يسار الحزب.

وسيكون هذا الاختبار الأول مؤشراً إلى قدرة جيفريز على إدارة الانقسامات الداخلية، وقد يرسم ملامح أسلوبه القيادي ومسار الأجندة الديمقراطية في مرحلة حساسة. فالحزب سيكون مطالباً بتحقيق توازن دقيق بين الوفاء بوعوده بمحاسبة ترمب وإدارته من جهة، وتنفيذ المشاريع التي تعهّد بها أمام الناخبين من جهة أخرى، حفاظاً على حظوظه في الانتخابات الرئاسية المقبلة.