قبل أقل من شهرين على انتخابات التجديد النصفي، تزداد في واشنطن مؤشرات موجة ديمقراطية، قد تعيد إلى الأذهان انتخابات عام 2018، عندما دفع الاستياء من الولاية الأولى لدونالد ترمب مجلس النواب إلى قبضة الديمقراطيين. ولكن الفارق هذه المرة أن الرهانات بالنسبة إلى ترمب تبدو أكبر بكثير، فخسارة الكونغرس لا تعني فقط تعطيل أجندته التشريعية في العامين الأخيرين من رئاسته؛ بل قد تعني فتح عشرات الملفات التي نجح البيت الأبيض -بفضل الأغلبية الجمهورية- في إبقائها بعيداً عن أدوات التحقيق والاستدعاء البرلماني.

وتُظهر أحدث مؤشرات الرأي العام أن الخطر لم يعد افتراضياً. فاستطلاعات عدة تمنح الديمقراطيين تقدماً على الجمهوريين في الاقتراع العام للكونغرس، بينما أظهر استطلاع لـصحيفة «واشنطن بوست- إبسوس» أن الديمقراطيين يتقدمون بثلاث نقاط بين الناخبين المسجَّلين، ليرتفع الفارق إلى 8 نقاط بين الناخبين الواثقين تماماً بأنهم سيصوِّتون.
كذلك، فإن الديمقراطيين أكثر حماساً للمشاركة مقارنة بالجمهوريين، بفارق أكبر مما كانوا عليه قبل موجة 2018. وفي استطلاع «إيكونوميست- يوغوف»، حول الحزب الذي سيصوت له الأميركيون، قال 42 في المائة إنهم سيصوتون للمرشح الديمقراطي، وقال 35 في المائة إنهم سيصوتون للمرشح الجمهوري، بينما بقي 23 في المائة متأرجحين؛ سواء بعدم حسم قرارهم أو احتمال دعم خيار آخر، أو الامتناع عن التصويت.
وهذه الفجوة في الحماس ربما تكون الإشارة الأكثر إزعاجاً للحزب الجمهوري. فانتخابات التجديد النصفي غالباً ما تُحسَم بمن يذهب إلى صناديق الاقتراع، وليس فقط بمن يتصدر الاستطلاعات. وتشير بيانات الانتخابات الخاصة والتمهيدية منذ 2024 إلى أداء ديمقراطي متقدم في مناطق عدة، بينما تبدو قطاعات من الناخبين الذين دعموا ترمب قبل عامين أقل حماساً للعودة إلى التصويت في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
الاقتصاد والحرب يثقلان كاهل ترمب
الموجة المحتملة لا تتغذى فقط من العداء التقليدي لرئيس في منتصف ولايته؛ بل من اقتصاد يراه عدد كبير من الأميركيين أسوأ مما كان عليه عشية انتخابات 2018. وتُظهر استطلاعات حديثة أن الغالبية تصف الأوضاع الاقتصادية بأنها «ضعيفة» أو «متوسطة»، بينما أصبحت أسعار البنزين والغذاء والسكن مصدراً ثابتاً للضغط على الأُسَر.

يضاف إلى ذلك عامل لم يكن موجوداً في 2018، وهو الحرب مع إيران. فكما ساهمت حرب العراق في إضعاف الجمهوريين خلال انتخابات 2006، أصبحت حرب إيران اليوم عبئاً سياسياً على البيت الأبيض؛ خصوصاً مع استمرارها من دون نهاية واضحة وارتفاع تكلفة الطاقة. وفي هذا السياق، يبدو وضع ترمب أكثر صعوبة مقارنة بانتخابات 2018، عندما كان كثير من الناخبين ينتقدون شخصيته؛ لكنهم كانوا أكثر رضا عن الاقتصاد.
وتشير صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن الجمهوريين يجدون صعوبة متزايدة في الفصل بين ترمب ومرشحيهم. الرئيس نفسه قرر أن يضع شخصه في قلب الحملة، ووعد النواب المهدَّدين بأنه سيكون معهم حتى نوفمبر، ووعد بدفع مبلغ 5 آلاف دولار لكل أميركي بالغ، في حال فوز الجمهوريين بالأغلبية في كل من مجلسي النواب والشيوخ، وحذَّر أنصاره من العواقب المحتملة لخسارة الجمهوريين السيطرة على الكونغرس.
واعتبرت الصحيفة أن الربط بين ترمب والمرشحين الجمهوريين مقامرة غير مضمونة، فإذا نجح ترمب في تعبئة قاعدته، فقد يمنح المرشحين الجمهوريين دفعة مهمة. أما إذا أصبحت الانتخابات استفتاءً على شعبيته المتراجعة، فقد يجرُّهم معه إلى الهزيمة.
جدار جمهوري لصد الموجة

مع ذلك، فإن الحديث عن «موجة زرقاء» لا يعني أن الطريق أمام الديمقراطيين مفتوح. فلدى الجمهوريين جدار دفاع أقوى مما كان في 2018، وأول عناصره الخريطة الانتخابية؛ فقد أدت إعادة رسم الدوائر والاستقطاب الحزبي إلى تقليل عدد المقاعد الجمهورية الموجودة في مناطق تميل أساساً إلى الديمقراطيين.
وتشير تحليلات صحيفة «واشنطن بوست» إلى أن المقعد رقم 218 المطلوب للسيطرة على المجلس بات موجوداً في دائرة فاز فيها ترمب بفارق يقارب 5 نقاط، ما يعني أن الديمقراطيين يحتاجون إلى اقتحام مناطق جمهورية صريحة، وليس فقط استعادة الضواحي التي خسروها سابقاً.
ويأتي المال كعنصر ثانٍ في الجدار، ففريق ترمب وسَّع إنفاقه الانتخابي بالفعل إلى نحو 57 مليون دولار، موجهاً الأموال إلى سباقات مجلسَي النواب والشيوخ في ولايات مثل أيوا، ونيوهامبشير، وألاسكا، ونورث كارولاينا، وجورجيا، وميشيغان. كما استفاد الجمهوريون من قرارات قضائية حديثة وسعت قدرة اللجان السياسية والمجموعات الخارجية على الإنفاق والتنسيق، ما يسمح لهم بتحويل تفوقهم المالي إلى إعلانات أكثر كثافة في الدوائر المتأرجحة. ولكن حتى الجمهوريين يدركون أن المال والخريطة قد لا يكونان كافيين إذا تحولت الانتخابات إلى استفتاء وطني على الرئيس.
لماذا يخشى ترمب مجلساً ديمقراطياً؟

السبب الحقيقي لخشية ترمب يتجاوز خسارة مقاعد. فحسب صحيفة «واشنطن بوست»، بدأ الديمقراطيون بالفعل إعداد أجندة تحقيقات واسعة في حال استعادوا مجلس النواب. أعضاء وموظفون يُتوقع أن يتولوا رئاسة اللجان، يجمعون الملفات، ويستعينون بخبرات خارجية للاستعداد لاستخدام صلاحيات الاستدعاء والتحقيق منذ الأيام الأولى. وفي مقدمة الملفات، ثروة ترمب وعائلته.
وتخطط لجنة الرقابة بمجلس النواب بالفعل لفتح تحقيقات في ملفات العملات المشفرة، والصفقات الأجنبية، والشركات المرتبطة بدونالد ترمب الابن وإريك ترمب وجاريد كوشنر، إضافة إلى تسوية ترمب مع مصلحة الضرائب ومنصة «تروث سوشيال».
وهناك أيضاً ملف العفو الرئاسي، بما في ذلك قرارات العفو عن أشخاص تربط بعضهم صلات مالية أو سياسية بدائرة ترمب، فضلاً عن العفو الواسع عن المتهمين في أحداث السادس من يناير (كانون الثاني).
الهجرة والاستخبارات والسياسة الخارجية
ويخطط الديمقراطيون أيضاً للتحقيق في سياسة الهجرة التي اتبعتها إدارة ترمب؛ خصوصاً الانتهاكات المزعومة أثناء عمليات الترحيل، واحتجاز مقيمين قانونيين ومواطنين، وزيادة الوفيات في مراكز الاحتجاز، واستخدام الحرس الوطني في المدن التي يديرها الديمقراطيون. أما في مجال الاستخبارات، فيريد الديمقراطي جيم هايمز مراجعة حالات مسؤولين استخباراتيين أقيلوا بعد تقديم تقديرات لم تتفق مع الخط السياسي للرئيس، بما في ذلك تقييمات مرتبطة بإيران وفنزويلا.
وتبدو السياسة الخارجية مرشحة لأن تكون واحدة من أكثر الملفات حساسية. فالديمقراطي غريغوري ميكس يريد التحقيق في الطريقة التي استخدم بها ترمب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في التفاوض مع إيران وإسرائيل وروسيا وأوكرانيا، وسط أسئلة عن دور وزارة الخارجية وتضارب المصالح المحتمل. وقد تشمل التحقيقات حرب إيران، والصفقات التجارية، والطائرة الرئاسية القطرية، وإعادة إعمار غزة، ومجلس السلام، والعمليات العسكرية الأخرى.
شبح إبستين والعزل
يظل ملف جيفري إبستين سلاحاً سياسياً خطيراً. فالديمقراطيون يريدون عقد جلسات استماع جديدة، وإبقاء القضية في دائرة الاهتمام العام. ورغم أن السلطات لم تتهم ترمب بالمشاركة في جرائم إبستين، فإن علاقته الاجتماعية القديمة به توفر للديمقراطيين مادة سياسية ستظل محرجة للبيت الأبيض.

أما إجراءات العزل، فهي أكثر تعقيداً، فبعض القواعد الديمقراطية تريد التحرك فوراً إذا استعاد الحزب المجلس، ولكن قيادات بارزة تحذِّر من تحويل التحقيقات إلى غاية في ذاتها.
على الجانب الآخر يعمل مستشارو الرئيس ترمب لمواجهة الأسوأ في كل السيناريوهات، فالبيت الأبيض نفسه يتصرف وكأن احتمال خسارة المجلس جدي. وقد بدأ مكتب المستشار القانوني للرئيس بالفعل إعداد المسؤولين لكيفية التعامل مع لجان يسيطر عليها الديمقراطيون. كما طرحت وزارة العدل مذكرات قانونية توسع استخدام «امتياز الأوامر التنفيذية» للحد من إمكانية استجواب المستشارين، والحصول على بعض الوثائق.
ويرى ديف رابالو، المسؤول الديمقراطي السابق في لجنة الرقابة، أن هذه الخطوات تعد من أوضح المؤشرات على أن الإدارة تستعد فعلياً لاحتمال خسارة مجلس النواب.
وفي موازاة ذلك، يحاول ترمب تغيير قواعد اللعبة نفسها. فقد دفعت إدارته نحو تشديد قواعد التصويت، ووسَّعت عمليات البحث عن ناخبين غير مواطنين، رغم عدم وجود دليل على تزوير واسع، وهي تحركات أثارت اعتراض مسؤولي انتخابات من الحزبين، ومخاوف الديمقراطيين من تدخل الإدارة في العملية الانتخابية.
هل تحدث الموجة الزرقاء؟ الإجابة ليست بسيطة، فالديمقراطيون يملكون الغضب والحماس وتراجع شعبية الرئيس ومخاوف الاقتصاد والحرب. ولكن الجمهوريين يملكون خريطة أكثر تحصيناً، ومالاً أكثر، ودوائر أعيد رسمها لمصلحتهم، وقاعدة «ماغا» ما زالت شديدة الولاء لترمب. ولهذا قد تكون انتخابات 2026 مختلفة عن 2018: الموجة قد تكون أعلى، ولكن الشاطئ الجمهوري أكثر تحصيناً. وإذا بقيت نسبة الرضا عن ترمب منخفضة، واستمر الاقتصاد والحرب في الضغط على الناخبين، فمن الصعب تصور أن يمنع الجمهوريون جميع الخسائر.
لكن السؤال الحقيقي هو حجمها: هل يخسرون بضعة مقاعد فقط، أم تتحول موجة الاستياء إلى اكتساح يصل إلى مجلس الشيوخ أيضاً؟
بالنسبة إلى ترمب، الفارق بين السيناريوهين هائل. فالاحتفاظ بالكونغرس يعني عامين آخرين من السيطرة السياسية النسبية. أما خسارة مجلس النواب، وربما مجلس الشيوخ، فتعني أن النصف الأخير من ولايته قد يتحول من مرحلة تنفيذ أجندته إلى مرحلة دفاع دائم عن رئاسته وعائلته وقراراته أمام لجان تحقيق ديمقراطية، تمتلك سلطة الاستدعاء والميزانية والمنصة الإعلامية. ولهذا يبدو أن ترمب لا يخوض انتخابات نوفمبر من أجل الحزب الجمهوري فقط؛ إنه يخوضها أيضاً من أجل نفسه.
