هرمز يختبر ذخائر واشنطن... نقص حقيقي وحرب روايات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله على متن المروحية الرئاسية «مارين وان» إلى محيط البيت الأبيض في واشنطن الأربعاء (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله على متن المروحية الرئاسية «مارين وان» إلى محيط البيت الأبيض في واشنطن الأربعاء (أ.ب)
TT

هرمز يختبر ذخائر واشنطن... نقص حقيقي وحرب روايات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله على متن المروحية الرئاسية «مارين وان» إلى محيط البيت الأبيض في واشنطن الأربعاء (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله على متن المروحية الرئاسية «مارين وان» إلى محيط البيت الأبيض في واشنطن الأربعاء (أ.ب)

لم يكن نفي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، وجود نقص في الذخائر مجرد ردّ على تقرير صحافي، بقدر ما كان محاولة لحماية قوة الردع الأميركية في ذروة مفاوضات تتعامل معها طهران بوصفها امتداداً للحرب بوسائل أخرى. فالتقارير عن تراجع مخزون الصواريخ الاعتراضية والذخائر بعيدة المدى تمنح إيران مادة دعائية وفرصة لاختبار حدود القوة الأميركية، لكنها لا تعني أن الترسانة الأميركية على وشك النفاد. الأدق أن واشنطن تواجه نقصاً انتقائياً وخطيراً في أسلحة محددة، فيما تحوّل الخلاف حول حجمه إلى معركة سياسية داخلية تؤثر بدورها في الحسابات الإيرانية وفي مستقبل مضيق هرمز.

وأكد ترمب، عبر منصته «تروث سوشيال»، أن الولايات المتحدة تمتلك «كميات ضخمة» من الذخائر، وخصوصاً من «أنواع معيّنة»، وأن شركات الدفاع توسّع مصانعها، مهدداً بملاحقة مسرّبي المعلومات. وجاء كلامه عقب تقرير لـ«واشنطن بوست» أفاد بأنه طالب وزير الدفاع بيت هيغسيث، خلال اجتماع في كامب ديفيد، بتفسير النقص بعدما كان يعتقد أن المشكلة عولجت، وأن ضغوط المخزون أسهمت في تراجعه عن شنّ ضربات واسعة جديدة على إيران.

ونفت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، والمتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل، حصول المواجهة الموصوفة في التقرير. لكن نفي الخلاف لا يلغي المؤشرات المادية. فقد خلص مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن الحرب استهلكت نحو نصف المخزون الأولي من صواريخ «باتريوت» و«ثاد» و«بريسم»، ونحو ثلث مخزون «توماهوك» و«جاسام» وعدد من صواريخ الدفاع البحري.

ومع ذلك، يقدّر المركز أن المتبقي يكفي لأي سيناريو واقعي لاستمرار الحرب مع إيران. أما الخطر الأكبر فيتعلق بقدرة الولايات المتحدة على خوض أزمة متزامنة مع الصين أو روسيا أو كوريا الشمالية، وبقدرتها على تزويد أوكرانيا وحلفاء آخرين.

وتتفاوت التقديرات بسبب سرية أرقام المخزونات. فقد تحدثت محطة «سي إن إن» عن استهلاك يقترب من 80 في المائة من صواريخ «ثاد»، بينما أوردت محطة «سي بي إس» تقديرات أقل، لكنها أكدت أن «باتريوت» و«ثاد» استخدما بمعدل يفوق قدرة الصناعة على تعويضهما سريعاً. وهذا التفاوت يمنع التعامل مع أي نسبة باعتبارها رقماً نهائياً، لكنه لا ينفي الاتجاه العام.

والدليل الأقوى على جدية المشكلة ليس التسريبات، بل طلب البنتاغون 67.1 مليار دولار إضافية، بينها أكثر من 18 ملياراً للذخائر. وكان هيغسيث نفسه قد وصف إعادة ملء المخزونات بأنها حاجة «عاجلة وضرورية»، وفق «واشنطن بوست». كما أن زيادة الاعتمادات لا تنتج صواريخ فوراً؛ إذ تستغرق دورة التعاقد والتصنيع والتسليم عادةً ما بين عامين و4 أعوام.

السياسة تضخّم الأزمة

لذلك، لا تبدو حملة الحديث عن النقص اختلاقاً سياسياً كاملاً، وإن كانت السياسة تضخّمها وتنتقي منها ما يخدم كل طرف. الديمقراطيون يستخدمون الأرقام لمساءلة إدارة ترمب عن أهداف الحرب وتكلفتها وسوء التخطيط لها، بينما يحمّل هيغسيث إدارة جو بايدن مسؤولية إرث من المخزونات غير الكافية وبطء التعويض بعد تسليح أوكرانيا. وفي المقابل، يشدد مسؤولون جمهوريون على أن القوات الأميركية لا تزال تملك بدائل هجومية ودفاعية كثيرة، وأن الحديث عن «نفاد الذخائر» يخلط بين تراجع أسلحة محددة وانهيار القدرة العسكرية الشاملة.

المدمرة الصاروخية «توماس هودنر» تطلق صاروخ «كروز - توماهوك» على الأراضي الإيرانية من موقع لم يحدد (رويترز)

حتى صياغة ترمب تحمل هذا التمييز ضمناً. فقوله إن واشنطن تملك كميات ضخمة «خصوصاً من أنواع معيّنة» لا يناقض بالضرورة وجود نقص في أنواع أخرى عالية الأهمية. غير أن وصف التسريبات بأنها «خيانة» والتهديد بسجن أصحابها يعكسان خشية حقيقية من أن تتحول معلومات المخزون إلى عنصر في حسابات الخصم. وهو ما دعا البعض إلى التساؤل عن السر الذي يقف وراء تلك التسريبات، كلما عاد الحديث عن العودة إلى المفاوضات بين الطرفين، وعمّا إذا كانت تقف جزئياً وراء التشدد الإيراني لتصعيب مهمة ترمب، بل المبادرة إلى شنّ هجمات مباشرة على القوات الأميركية، أو على دول المنطقة، فضلاً عن هجمات أذرعها أيضاً؟

ومع ذلك، لا يمكن القول إن تلك التقارير هي التي دفعت إيران إلى انتهاج هذا السلوك. الأرجح أنها أكدت لطهران جدوى استراتيجية اعتمدتها منذ بداية الحرب؛ إطلاق صواريخ ومسيّرات أقل تكلفة لإجبار الولايات المتحدة وحلفائها على استهلاك اعتراضات باهظة ونادرة، مع توسيع التهديد إلى القواعد الأميركية والبنية التحتية لدول المنطقة والممرات البحرية.

ووفق «رويترز»، لا تراهن إيران على هزيمة واشنطن عسكرياً، بل على جعل احتواء الأزمة أكثر تكلفة من تقديم تنازلات، مستفيدة من حساسية ترمب تجاه أسعار الطاقة والانتخابات النصفية.

هرمز ورقة الحسم

ويتجسد هذا الرهان في مضيق هرمز. فقد أعلنت إيران وسلطنة عُمان التوصل إلى تفاهم حول الإحداثيات الجغرافية لمسار ملاحي جديد، لكن «رويترز» نقلت أن التفاصيل الأساسية لم تحسم، وأن المقترح قد يمنح طهران سلطة على السفن الداخلة إلى الخليج. وتطالب إيران أيضاً بدور في التفتيش وفرض رسوم خدمات، بعدما نجحت هجماتها وتهديداتها، في دفع سفن إلى استخدام مسارات تخضع لنفوذها.

وتكمن المعضلة أمام ترمب في أن إعادة الملاحة تخفف أسعار الوقود والضغط الداخلي، لكنها قد تمنح إيران مكسباً سياسياً لم تستطع انتزاعه قبل الحرب.

وحذّر الباحثان نوام رايدان وفرزين نديمي في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، في مقالة نشرت الأربعاء، من تحويل ترتيبات الحرب المؤقتة إلى سيطرة إيرانية دائمة، داعيين إلى إبقاء نظام «المرور العابر» والمسار المعتمد دولياً أساساً لأي اتفاق، ورفض الرسوم الإلزامية أو حق طهران في منح الإذن للسفن أو منعه.

ولا يملك ترمب ترف تجاهل التكلفة السياسية. فقد أظهر استطلاع لـ«رويترز - إبسوس» أن نحو ثلث الأميركيين فقط يؤيدون الحرب، وأن 69 في المائة يرون أن الرئيس لم يشرح أهدافها بوضوح. وعليه، فإن نقص الذخائر ليس وهماً ولا يعني عجزاً أميركياً وشيكاً. لكنه يقلص هامش التصعيد ويزيد تكلفة حماية القواعد والملاحة، ويمنح إيران وقتاً ومساحة للمساومة. وسيكون مضمون أي اتفاق حول هرمز، لا مجرد إعادة فتحه، هو الاختبار الفعلي لما إذا كانت طهران نجحت في تحويل الاستنزاف العسكري والضغط الاقتصادي الأميركي إلى مكاسب استراتيجية دائمة.


مقالات ذات صلة

تضخم بريطانيا يرتفع إلى 3.1 % في أغسطس مع صعود أسعار الوقود

الاقتصاد متسوّق يشتري الفواكه والخضراوات من إحدى بسطات البيع في وسط لندن ببريطانيا (رويترز)

تضخم بريطانيا يرتفع إلى 3.1 % في أغسطس مع صعود أسعار الوقود

ارتفع معدل التضخم السنوي في بريطانيا بما يتماشى مع توقعات المحللين خلال أغسطس الماضي، وفقاً لبيانات رسمية صدرت الأربعاء، في ظل ارتفاع أسعار الوقود بفعل الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد متعامل يتابع شاشات التداول من مكتبه في بورصة فرانكفورت بألمانيا (رويترز)

الأسهم الأوروبية تتعافى بعد جلستين من التراجع

تعافت الأسهم الأوروبية يوم الأربعاء، بعد جلستين من التراجع، مع توقف موجة صعود أسعار النفط، ما عزز شهية المستثمرين للمخاطرة، قبيل قرار مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ناقلة نفط صغيرة تبحر بالقرب من مصفاة نفط في منطقة كيهين الصناعية في كاواساكي جنوب طوكيو (أرشيفية- رويترز)

النفط يتراجع مع ارتفاع مفاجئ في المخزونات الأميركية

تراجعت أسعار النفط يوم الأربعاء، بعد ارتفاع غير متوقع في مخزونات الخام الأميركية، بأكثر من 3 في المائة في جلسة الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الولايات المتحدة​ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ب)

فانس: حرب إيران ستدخل مرحلة «مختلفة تماماً» خلال شهرين

قال نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، إن الصراع الأميركي مع إيران سيدخل «مرحلة مختلفة تماما خلال شهرين»، وهو ما يتماشى مع ما أعلنه الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ سفن وقوارب بمضيق هرمز (رويترز)

الجيش الأميركي يعلن تدمير زورقين إيرانيين حاولا سرقة قارب مُسير

أعلن الجيش الأميركي، اليوم، أنه فتح النار على زورقين إيرانيين صغيرين ودمّرهما، الأسبوع الحالي، أثناء محاولتهما سرقة قارب مُسير في المياه الواقعة قبالة إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أميركا لتزويد إسرائيل بـ40 ألف قنبلة زنة طن

شحنة أسلحة أميركية لدى وصولها إلى مطار عسكري قرب كييف (أرشيفية- رويترز)
شحنة أسلحة أميركية لدى وصولها إلى مطار عسكري قرب كييف (أرشيفية- رويترز)
TT

أميركا لتزويد إسرائيل بـ40 ألف قنبلة زنة طن

شحنة أسلحة أميركية لدى وصولها إلى مطار عسكري قرب كييف (أرشيفية- رويترز)
شحنة أسلحة أميركية لدى وصولها إلى مطار عسكري قرب كييف (أرشيفية- رويترز)

تتَّجه الولايات المتحدة للموافقة على صفقة أسلحة جديدة لإسرائيل بقيمة 2.8 مليار دولار، تشمل 40 ألف قنبلة زنة طن واحد، وفق ما أفادت به وسائل إعلام أميركية.

وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أن الحزمة المموَّلة من أموال دافعي الضرائب الأميركيين، تشمل بعضاً من أشدِّ الذخائر فتكاً في الترسانة الغربية، وتتضمَّن 20 ألف قنبلة من طراز «MK-84» و20 ألف قنبلة من طراز «BLU-117» و20 ألف رأس حربي خارق للتحصينات من طراز «I-2000 Penetrator».

في الإطار نفسه، نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤول أميركي قوله إن إدارة الرئيس دونالد ترمب وافقت على الصفقة.

وقال مسؤول كبير في الإدارة الأميركية -حسب «وكالة الصحافة الفرنسية»- إن «جميع صفقات بيع الأسلحة إلى الخارج تسير وفق الإجراءات المعتمدة»، ولكنه أحجم عن التعليق على الصفقات التي لا تزال قيد الاستكمال.

ويأتي الحديث عن الصفقة في ظلِّ إقرار وزارة الدفاع الأميركية بوجود «نقص» في الذخيرة مرتبط بالحرب في إيران، وإنفاق واشنطن 22.3 مليار دولار على الذخائر بين 28 فبراير (شباط) و30 يونيو (حزيران).

وفي فبراير 2025، وافقت إدارة ترمب على بيع أسلحة لإسرائيل بقيمة 7.4 مليار دولار شملت قنابل وصواريخ ومعدات مرتبطة بها، ومن ضمنها ذخائر من طراز «MK-84».

وكانت إدارة الرئيس السابق جو بايدن قد علَّقت شحنة من القنابل زنة ألفي رطل بسبب المخاوف من سقوط ضحايا مدنيين في غزة، ولكن إدارة ترمب وافقت على تسليمها للدولة العبرية بعد توليها السلطة مطلع عام 2025.


«هرمز» تحت وطأة التصعيد... وناقلات النفط تدفع الثمن

A US fighter jet prepares for takeoff from an aircraft carrier in the Arabian Sea (CENTCOM)
A US fighter jet prepares for takeoff from an aircraft carrier in the Arabian Sea (CENTCOM)
TT

«هرمز» تحت وطأة التصعيد... وناقلات النفط تدفع الثمن

A US fighter jet prepares for takeoff from an aircraft carrier in the Arabian Sea (CENTCOM)
A US fighter jet prepares for takeoff from an aircraft carrier in the Arabian Sea (CENTCOM)

يتحول مضيق هرمز إلى ساحة متزايدة الخطورة في ظل تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، وجمود فرص العودة إلى المفاوضات، مع تعرض ناقلات نفط لهجمات وحوادث ملاحية بشكل يكاد يكون يومياً. وجاء آخر هذه الاستهدافات ما أعلنته سلطنة عُمان، أمس بأنها سحبت ناقلة ترفع علم بنما بعد إخماد حريق فيها، وإنقاذ معظم أفراد طاقمها، بينما قال «الحرس الثوري» الإيراني إن السفينة نفسها انفجرت بعدما اصطدمت بلغم بحري.

لكن قيادة «سنتكوم» رفضت الرواية الإيرانية، قائلة إن الناقلة «ألغايا» تعرضت لهجوم بصاروخ إيراني الشهر الماضي، أدى إلى خروجها من الخدمة، قبل أن تتعرض الآن لهجوم جديد بطائرة مسيّرة بينما كانت راسية في المياه قبالة السواحل العُمانية.

ومع استمرار استهداف السفن، أظهرت بيانات ‌أولية ‌من شركة «كبلر» أمس، ‌أن عدد السفن التي عبرت المضيق بلغ 4 فقط يوم الاثنين، انخفاضاً من 10 في اليوم السابق.

في غضون ذلك، قالت وزارة الخزانة الأميركية إنها فرضت عقوبات مالية إضافية على مصرف «في تي بي»، أحد أكبر المصارف الروسية، بسبب «إقامة علاقات مراسلة مع مصارف إيرانية خاضعة للعقوبات»، وذلك ضمن تشديد الضغوط الاقتصادية والمالية القصوى على طهران.


«هرمز» تحت وطأة التصعيد... وناقلات النفط تدفع ثمن الأزمة

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
TT

«هرمز» تحت وطأة التصعيد... وناقلات النفط تدفع ثمن الأزمة

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)

يتحول مضيق هرمز إلى ساحة متزايدة الخطورة في ظل تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، وجود فرص العودة إلى المفاوضات والحلول الدبلوماسية، مع تعرض ناقلات نفط لهجمات وحوادث ملاحية بشكل يكاد يكون يومياً.

وآخر هذه الاستهدافات وحوادث السفن ما أعلنته سلطنة عُمان، يوم الثلاثاء، بأنها سحبت ناقلة ترفع علم بنما بعد إخماد حريق فيها وإنقاذ معظم أفراد طاقمها، بينما قال «الحرس الثوري» الإيراني إن السفينة نفسها انفجرت بعدما اصطدمت بلغم بحري، في رواية رفضتها واشنطن.

وأعلنت السلطات العُمانية، قطر ناقلة النفط «الغايا» التي ترفع علم بنما إلى أحد موانئ السلطنة، بعدما أخمدت فرق الإنقاذ حريقاً اندلع في غرفة محركاتها إثر تعرضها للاستهداف. وقال مركز الأمن البحري التابع لوزارة الدفاع العُمانية إن الناقلة كانت على بُعد نحو 1.3 ميل بحري شمال شرقي محافظة مسندم، مشيراً إلى أن إحدى سفن البحرية السلطانية أجلت 23 من أفراد طاقمها وقدمت لهم الرعاية الطبية اللازمة، فيما تتواصل عمليات البحث عن اثنين آخرين لا يزالان مفقودين.

ولم تحدد السلطات العُمانية الجهة التي استهدفت الناقلة أو نوع السلاح المستخدم، كما لم تذكر تاريخ وقوع الهجوم. وكانت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية قد أفادت في وقت سابق بتلقي بلاغ عن تعرض سفينة، يوم السبت، لهجوم بمقذوف مجهول المصدر أثناء عبورها مضيق هرمز، أعقبه اندلاع حريق على متنها.

وأكدت شركة الأمن البحري البريطانية «فانغارد» بدورها أن ناقلة ترفع علم بنما تعرضت لهجوم بمقذوف مجهول المصدر أثناء عبورها المضيق، وأن البحرية العُمانية تحركت لإجلاء أفراد طاقمها.

رواية إيرانية مختلفة للحادث

سفن قرب مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)

لكن «الحرس الثوري» الإيراني قدم رواية مختلفة للحادث، مؤكداً أن ناقلة النفط «الغايا» اصطدمت بلغم بحري وانفجرت في مضيق هرمز.

ونقلت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية عن «الحرس الثوري» أن الناقلة كانت تبحر في المسار الجنوبي للمضيق، الذي قالت إيران إنها قامت بتلغيمه، مضيفة أن السفينة اشتعلت بالكامل بعد انفجار اللغم.

وبذلك، لا تتحدث الرواية الإيرانية عن السفينة نفسها، وإن كان الطرفان يقدمان تفسيراً مختلفاً لطبيعة الحادث ومكانه وظروفه. فعُمان اكتفت بالقول إن الناقلة تعرضت للاستهداف، بينما نسب «الحرس الثوري» الأضرار إلى انفجار لغم بحري.

ورفضت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» الرواية الإيرانية، وقالت إن ناقلة «الغايا» تعرضت لهجوم بصاروخ إيراني الشهر الماضي أدى إلى خروجها من الخدمة، قبل أن تتعرض الآن لهجوم جديد بطائرة مسيّرة بينما كانت راسية في المياه قبالة السواحل العُمانية.

وقالت القيادة المركزية إن الناقلة يجري قطرها حالياً بواسطة شريك إقليمي، ووصفت الرواية الإيرانية بشأن اللغم بأنها محاولة لتبرير عرقلة حركة السفن التجارية في المضيق.

ويضيف تضارب الروايات طبقة جديدة من التعقيد إلى الوضع الأمني في هرمز، إذ لا يقتصر الخلاف على الجهة المسؤولة عن الهجوم، بل يمتد إلى تحديد طبيعة السلاح المستخدم وما إذا كانت السفينة تعرضت للاستهداف أثناء عبورها المضيق أم بعد توقفها قبالة الساحل العُماني.

تراجع عدد السفن في المضيق

سفن تجارية راسية وسط الضباب في مضيق هرمز تنتظر العبور (أ.ب)

ويكشف حادث «الغايا» أن أزمة مضيق هرمز باتت تتجاوز مجرد تهديدات متبادلة بين إيران والولايات المتحدة، لتطال سلامة السفن التجارية وطاقمها والبيئة البحرية.

ومع استمرار تضارب الروايات حول الحوادث البحرية، وتصاعد المخاطر على الناقلات، تبدو حركة المرور في أحد أهم الممرات النفطية في العالم أمام مرحلة أكثر اضطراباً، في وقت تتزايد فيه كلفة المواجهة على أمن الطاقة والتجارة والبيئة معاً.

وأظهرت بيانات شحن أن حركة الملاحة في مضيق ‌هرمز ‌شهدت مزيداً من ⁠التراجع في مطلع ⁠هذا الأسبوع، وذلك عقب تصاعد ⁠الهجمات في المنطقة. وأظهرت بيانات ‌أولية ‌من شركة «كبلر»، يوم الثلاثاء، ‌أن عدد السفن التي عبرت ⁠المضيق ⁠بلغ 4 فقط يوم الاثنين، انخفاضاً من 10 في اليوم السابق.

ويأتي الحادث في وقت بات فيه مضيق هرمز نقطة خلاف رئيسية بين طهران وواشنطن منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط)، بعدما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران.

وأغلقت إيران المضيق عملياً منذ بدء الحرب، فيما أعلنت الولايات المتحدة، رداً على ذلك، حصاراً على الموانئ الإيرانية بهدف منع السفن من الوصول إليها أو مغادرتها وقطع الإيرادات عن طهران.

وقبل اندلاع الحرب، كان نحو خُمس إمدادات النفط العالمية يمر عبر مضيق هرمز، الذي يمثل أيضاً ممراً رئيسياً لصادرات دول الخليج من النفط والغاز الطبيعي المسال والأسمدة. لذلك فإن استمرار الاضطرابات فيه لا يهدد حركة السفن فحسب، بل يضيف مخاطر مباشرة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

كما أعلنت سلطنة عُمان مؤخراً تأجيل اجتماع كان مقرراً عقده بين إيران ودول عربية في المنطقة لبحث الملاحة في الممر البحري الاستراتيجي.

بقع نفطية تزيد المخاطر

مشهد عام لآثار تسرب نفطي على بُعد نحو 20 كيلومتراً قبالة الساحل الإيراني في خليج عُمان يوم 10 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

ولا تقتصر تداعيات التصعيد على أمن الملاحة والطاقة، إذ بدأت آثاره البيئية تظهر في مياه الخليج ومضيق هرمز. وأظهرت صور حديثة للأقمار الاصطناعية، وفق تقديرات منظمة «غرينبيس»، وجود خمس بقع نفطية كبيرة في المنطقة.وقالت المنظمة إن التلوث وصل إلى الساحل الإيراني بالقرب من مناطق محمية حول جزيرة قشم، كما ظهرت إحدى البقع قبالة الجانب العُماني من المضيق.

وربطت «غرينبيس» احتمالياً بعض البقع بناقلة النفط «ريسكو»، التي قالت إن الجيش الأميركي استهدفها إلى جانب ناقلات أخرى مرتبطة بإيران. وأشارت المنظمة إلى أن إحدى الفرضيات هي غرق الناقلة واستمرار تسرب النفط منها، من دون أن يتضح أن هذا هو سبب البقع بشكل قاطع.

كما رُصدت بقعة نفطية أخرى قبالة الساحل الجنوبي لعُمان، حيث جنحت ناقلة النفط «كارولاين بيزينجي»، المصنفة ضمن ما يسمى «أسطول الظل» الروسي والخاضعة لعقوبات من الاتحاد الأوروبي.

وقدرت «غرينبيس» المساحة المرئية لإحدى البقع بنحو 400 كيلومتر مربع في 11 سبتمبر، قبل أن ترتفع إلى نحو 600 كيلومتر مربع في اليوم التالي. ولم يتضح حتى الآن سبب هذا الاتساع، وسط احتمالات تشمل تعرض السفينة لأضرار إضافية أو تأثيرات الأحوال الجوية وحركة البحر.