لم يكن نفي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، وجود نقص في الذخائر مجرد ردّ على تقرير صحافي، بقدر ما كان محاولة لحماية قوة الردع الأميركية في ذروة مفاوضات تتعامل معها طهران بوصفها امتداداً للحرب بوسائل أخرى. فالتقارير عن تراجع مخزون الصواريخ الاعتراضية والذخائر بعيدة المدى تمنح إيران مادة دعائية وفرصة لاختبار حدود القوة الأميركية، لكنها لا تعني أن الترسانة الأميركية على وشك النفاد. الأدق أن واشنطن تواجه نقصاً انتقائياً وخطيراً في أسلحة محددة، فيما تحوّل الخلاف حول حجمه إلى معركة سياسية داخلية تؤثر بدورها في الحسابات الإيرانية وفي مستقبل مضيق هرمز.
وأكد ترمب، عبر منصته «تروث سوشيال»، أن الولايات المتحدة تمتلك «كميات ضخمة» من الذخائر، وخصوصاً من «أنواع معيّنة»، وأن شركات الدفاع توسّع مصانعها، مهدداً بملاحقة مسرّبي المعلومات. وجاء كلامه عقب تقرير لـ«واشنطن بوست» أفاد بأنه طالب وزير الدفاع بيت هيغسيث، خلال اجتماع في كامب ديفيد، بتفسير النقص بعدما كان يعتقد أن المشكلة عولجت، وأن ضغوط المخزون أسهمت في تراجعه عن شنّ ضربات واسعة جديدة على إيران.
ونفت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، والمتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل، حصول المواجهة الموصوفة في التقرير. لكن نفي الخلاف لا يلغي المؤشرات المادية. فقد خلص مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن الحرب استهلكت نحو نصف المخزون الأولي من صواريخ «باتريوت» و«ثاد» و«بريسم»، ونحو ثلث مخزون «توماهوك» و«جاسام» وعدد من صواريخ الدفاع البحري.
ومع ذلك، يقدّر المركز أن المتبقي يكفي لأي سيناريو واقعي لاستمرار الحرب مع إيران. أما الخطر الأكبر فيتعلق بقدرة الولايات المتحدة على خوض أزمة متزامنة مع الصين أو روسيا أو كوريا الشمالية، وبقدرتها على تزويد أوكرانيا وحلفاء آخرين.
وتتفاوت التقديرات بسبب سرية أرقام المخزونات. فقد تحدثت محطة «سي إن إن» عن استهلاك يقترب من 80 في المائة من صواريخ «ثاد»، بينما أوردت محطة «سي بي إس» تقديرات أقل، لكنها أكدت أن «باتريوت» و«ثاد» استخدما بمعدل يفوق قدرة الصناعة على تعويضهما سريعاً. وهذا التفاوت يمنع التعامل مع أي نسبة باعتبارها رقماً نهائياً، لكنه لا ينفي الاتجاه العام.
والدليل الأقوى على جدية المشكلة ليس التسريبات، بل طلب البنتاغون 67.1 مليار دولار إضافية، بينها أكثر من 18 ملياراً للذخائر. وكان هيغسيث نفسه قد وصف إعادة ملء المخزونات بأنها حاجة «عاجلة وضرورية»، وفق «واشنطن بوست». كما أن زيادة الاعتمادات لا تنتج صواريخ فوراً؛ إذ تستغرق دورة التعاقد والتصنيع والتسليم عادةً ما بين عامين و4 أعوام.
السياسة تضخّم الأزمة
لذلك، لا تبدو حملة الحديث عن النقص اختلاقاً سياسياً كاملاً، وإن كانت السياسة تضخّمها وتنتقي منها ما يخدم كل طرف. الديمقراطيون يستخدمون الأرقام لمساءلة إدارة ترمب عن أهداف الحرب وتكلفتها وسوء التخطيط لها، بينما يحمّل هيغسيث إدارة جو بايدن مسؤولية إرث من المخزونات غير الكافية وبطء التعويض بعد تسليح أوكرانيا. وفي المقابل، يشدد مسؤولون جمهوريون على أن القوات الأميركية لا تزال تملك بدائل هجومية ودفاعية كثيرة، وأن الحديث عن «نفاد الذخائر» يخلط بين تراجع أسلحة محددة وانهيار القدرة العسكرية الشاملة.

حتى صياغة ترمب تحمل هذا التمييز ضمناً. فقوله إن واشنطن تملك كميات ضخمة «خصوصاً من أنواع معيّنة» لا يناقض بالضرورة وجود نقص في أنواع أخرى عالية الأهمية. غير أن وصف التسريبات بأنها «خيانة» والتهديد بسجن أصحابها يعكسان خشية حقيقية من أن تتحول معلومات المخزون إلى عنصر في حسابات الخصم. وهو ما دعا البعض إلى التساؤل عن السر الذي يقف وراء تلك التسريبات، كلما عاد الحديث عن العودة إلى المفاوضات بين الطرفين، وعمّا إذا كانت تقف جزئياً وراء التشدد الإيراني لتصعيب مهمة ترمب، بل المبادرة إلى شنّ هجمات مباشرة على القوات الأميركية، أو على دول المنطقة، فضلاً عن هجمات أذرعها أيضاً؟
ومع ذلك، لا يمكن القول إن تلك التقارير هي التي دفعت إيران إلى انتهاج هذا السلوك. الأرجح أنها أكدت لطهران جدوى استراتيجية اعتمدتها منذ بداية الحرب؛ إطلاق صواريخ ومسيّرات أقل تكلفة لإجبار الولايات المتحدة وحلفائها على استهلاك اعتراضات باهظة ونادرة، مع توسيع التهديد إلى القواعد الأميركية والبنية التحتية لدول المنطقة والممرات البحرية.
ووفق «رويترز»، لا تراهن إيران على هزيمة واشنطن عسكرياً، بل على جعل احتواء الأزمة أكثر تكلفة من تقديم تنازلات، مستفيدة من حساسية ترمب تجاه أسعار الطاقة والانتخابات النصفية.
هرمز ورقة الحسم
ويتجسد هذا الرهان في مضيق هرمز. فقد أعلنت إيران وسلطنة عُمان التوصل إلى تفاهم حول الإحداثيات الجغرافية لمسار ملاحي جديد، لكن «رويترز» نقلت أن التفاصيل الأساسية لم تحسم، وأن المقترح قد يمنح طهران سلطة على السفن الداخلة إلى الخليج. وتطالب إيران أيضاً بدور في التفتيش وفرض رسوم خدمات، بعدما نجحت هجماتها وتهديداتها، في دفع سفن إلى استخدام مسارات تخضع لنفوذها.
وتكمن المعضلة أمام ترمب في أن إعادة الملاحة تخفف أسعار الوقود والضغط الداخلي، لكنها قد تمنح إيران مكسباً سياسياً لم تستطع انتزاعه قبل الحرب.
وحذّر الباحثان نوام رايدان وفرزين نديمي في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، في مقالة نشرت الأربعاء، من تحويل ترتيبات الحرب المؤقتة إلى سيطرة إيرانية دائمة، داعيين إلى إبقاء نظام «المرور العابر» والمسار المعتمد دولياً أساساً لأي اتفاق، ورفض الرسوم الإلزامية أو حق طهران في منح الإذن للسفن أو منعه.
ولا يملك ترمب ترف تجاهل التكلفة السياسية. فقد أظهر استطلاع لـ«رويترز - إبسوس» أن نحو ثلث الأميركيين فقط يؤيدون الحرب، وأن 69 في المائة يرون أن الرئيس لم يشرح أهدافها بوضوح. وعليه، فإن نقص الذخائر ليس وهماً ولا يعني عجزاً أميركياً وشيكاً. لكنه يقلص هامش التصعيد ويزيد تكلفة حماية القواعد والملاحة، ويمنح إيران وقتاً ومساحة للمساومة. وسيكون مضمون أي اتفاق حول هرمز، لا مجرد إعادة فتحه، هو الاختبار الفعلي لما إذا كانت طهران نجحت في تحويل الاستنزاف العسكري والضغط الاقتصادي الأميركي إلى مكاسب استراتيجية دائمة.
