مبادرة دولية في اليمن لتعزيز الأمن الغذائي

مشروع متكامل لرفع الإنتاجية الزراعية وتقليل الفاقد

مشروع أممي يدعم استخدام الطاقة الشمسية في المنشآت الزراعية (الأمم المتحدة)
مشروع أممي يدعم استخدام الطاقة الشمسية في المنشآت الزراعية (الأمم المتحدة)
TT

مبادرة دولية في اليمن لتعزيز الأمن الغذائي

مشروع أممي يدعم استخدام الطاقة الشمسية في المنشآت الزراعية (الأمم المتحدة)
مشروع أممي يدعم استخدام الطاقة الشمسية في المنشآت الزراعية (الأمم المتحدة)

في محاولة لمعالجة أحد أكثر القطاعات تضرراً من سنوات الحرب، بدأت مبادرة تنموية دولية في محافظة أبين جنوب اليمن تقديم نموذج جديد لدعم الأمن الغذائي، يقوم على تطوير سلسلة القيمة الزراعية بأكملها، بدلاً من الاكتفاء بدعم المزارعين بصورة منفردة.

ويستهدف المشروع رفع الإنتاج الزراعي، وتقليل الخسائر، وتعزيز مصادر الدخل المستدامة للأسر الريفية، في وقت يواجه فيه اليمن تحديات متفاقمة في مجال الأمن الغذائي نتيجة النزاع وتراجع النشاط الاقتصادي.

وينفذ المشروع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالشراكة مع وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر، وبتمويل من البنك الدولي، بعد أن خلصت دراسات ميدانية إلى أن القطاع الزراعي يعاني سلسلة مترابطة من المشكلات، تبدأ بارتفاع أسعار الشتلات والأسمدة، مروراً بضعف أنظمة الري، وانتهاءً بارتفاع خسائر ما بعد الحصاد، الأمر الذي حد من إنتاجية المزارعين، وقلّص عوائدهم الاقتصادية.

إنتاج الشتلات المحلية في أبين خفّض الاعتماد على المستوردة (الأمم المتحدة)

وبدلاً من معالجة كل مشكلة بمعزل عن الأخرى، اعتمد المشروع نهجاً متكاملاً يربط مختلف مراحل الإنتاج الزراعي، من توفير الشتلات والأسمدة العضوية، إلى تحديث وسائل الري، وإنتاج بدائل للمبيدات الكيميائية، وتحسين عمليات التخزين والتصنيع والتسويق، بما يعزز القيمة المضافة للمحاصيل، ويزيد قدرة المنتجين على الوصول إلى الأسواق.

تطوير سلسلة الإنتاج

أثمر هذا النهج توسع عدد من المشروعات المحلية في محافظة أبين، حيث تمكن «مشتل بن مشهور» في دلتا أبين من زيادة إنتاج الشتلات المحلية الملائمة للظروف المناخية والتربة في المحافظة، وهو ما خفف اعتماد المزارعين على الشتلات المستوردة، وساعد في خفض تكاليف الإنتاج.

كما شهدت «جمعية الجول النسوية» نقلة في إنتاج الأسمدة العضوية بعد حصولها على معدات تعمل بالطاقة الشمسية، ما أدى إلى تسريع عمليات الإنتاج وزيادة الكميات المنتجة. وارتفع عدد عضوات الجمعية من 58 إلى 142 امرأة، لتتحول إلى مصدر دخل ثابت لعشرات الأسر الريفية، في تجربة تعكس دور المرأة في دعم الاقتصاد المحلي، وتحسين سبل المعيشة.

جمعية نسوية في أبين توسعت في إنتاج الأسمدة العضوية (الأمم المتحدة)

وفي الوقت نفسه، قدمت «مؤسسة البكري» تسهيلات للمزارعين للحصول على شبكات الري الحديثة، بما يشمل أنظمة الري بالتنقيط والأنابيب وشباك التظليل، إلى جانب توفير تسهيلات ائتمانية مكنت كثيراً من المزارعين من تحديث وسائل الإنتاج دون تحمل أعباء مالية كبيرة.

كما شجع المشروع عدداً من رواد الأعمال المحليين على إنتاج «زيت النيم» بوصفه مبيداً طبيعياً للآفات، في خطوة تهدف إلى تقليل الاعتماد على المبيدات الكيميائية، وتحسين جودة المحاصيل، والحفاظ على خصوبة التربة، بما ينسجم مع توجهات الزراعة المستدامة.

تقليل الفاقد ورفع القيمة

ولم تقتصر التدخلات على مرحلة الإنتاج، بل امتدت إلى مراحل ما بعد الحصاد، التي كانت تمثل أحد أكبر مصادر الخسائر للمزارعين، إذ بلغت نسبة الفاقد نحو 26 في المائة من الإنتاج.

وفي هذا السياق، عززت «وكالة بن فليس الزراعية» قدراتها في تنظيف وفرز وتخزين البذور، لترتفع طاقتها الإنتاجية من نحو نصف طن يومياً إلى قرابة عشرة أطنان، وهو ما أسهم في تقليل الفاقد وتحسين جودة المنتجات وربط المنتجين بالمشترين بصورة أكثر كفاءة.

كما رفع «معمل دلتا أبين للصناعات الغذائية» القيمة المضافة للمحاصيل من خلال تحسين عمليات التعبئة والتغليف، في حين ساعد تطوير خدمات النقل والتخزين، بما في ذلك إعادة تأهيل منشآت إنضاج الفواكه، على إيصال المنتجات إلى أسواق أبعد مع تقليل التلف والخسائر.

ولعبت الطاقة الشمسية دوراً مهماً في استدامة هذه الأنشطة، بعدما أصبحت توفر نحو 75 في المائة من احتياجات المنشآت المدعومة من الطاقة، الأمر الذي خفض استهلاك الوقود بنسبة تقارب 42 في المائة، وأسهم في تقليل تكاليف التشغيل وتحسين الجدوى الاقتصادية للمشروعات.

مؤشرات اقتصادية واجتماعية

أظهرت نتائج المشروع تحسناً واضحاً في أداء المنشآت الصغيرة والمتوسطة المستفيدة، إذ ارتفع عدد الوظائف الرسمية فيها بنسبة 138 في المائة، من 47 إلى 112 وظيفة، من بينها 45 امرأة حصلن على فرص عمل لأول مرة، كما ارتفع عدد العاملين في المنشآت الأصغر من 11 إلى 39 عاملاً.

تطوير خدمات التخزين والتعبئة والتغليف أسهم في تقليل فاقد المحاصيل (الأمم المتحدة)

وسجلت المنشآت المدعومة زيادة في مبيعاتها السنوية بنسبة 48 في المائة، في حين ارتفعت أرباحها الصافية بنسبة 22.6 في المائة، وارتفع متوسط مبيعات المنشآت الأصغر من 21 ألف دولار إلى 36 ألف دولار سنوياً، بما يعكس تحسناً في الأداء الاقتصادي للمشروعات المدعومة.

ويرى القائمون على المشروع أن هذه النتائج تؤكد جدوى الاستثمار في تطوير سلسلة القيمة الزراعية بوصفها منظومة متكاملة، إذ انعكس ذلك في زيادة الإنتاج، وتحسين جودة المحاصيل، ورفع دخول المزارعين، وخلق فرص عمل جديدة، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التحديات الاقتصادية والغذائية، بما يقدم نموذجاً قابلاً للتوسع في مناطق يمنية أخرى تعاني ظروفاً مشابهة.


مقالات ذات صلة

ضغوط حوثية على عائلات وقبائل المقاتلين مع الجيش اليمني

العالم العربي عنصر حوثي في صنعاء يضع رسماً لزعيم الجماعة على ملابسه (أ.ب)

ضغوط حوثية على عائلات وقبائل المقاتلين مع الجيش اليمني

يضغط الحوثيون على أسر ووجهاء قبليين لإقناع مقاتلين في صفوف القوات الحكومية بالعودة، مستغلين الروابط العائلية والقبلية وسط تراجع أعداد عناصرهم في الجبهات

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي القوات اليمنية أظهرت جاهزية قتالية عالية خلال مرحلة التصعيد (إعلام حكومي)

الإعلام العسكري اليمني يحاصر الدعاية الحوثية

تراجع المحتوى العسكري الحوثي لصالح ترويج مشاهد قديمة، بينما تكثف قوات الشرعية توثيق عملياتها، في مؤشر على اتساع الفارق الإعلامي بالتوازي مع التصعيد الميداني

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي الجماعة الحوثية تكبّدت خسائر كبيرة جراء عمليات الردع الحكومية (إعلام عسكري)

كيف نسج اليمن قواعد اشتباك تربك الحوثيين؟

غيّرت الحكومة اليمنية قواعد المواجهة مع الحوثيين بإدخال المسيّرات والضربات الدقيقة، في محاولة لفرض ردع جديد يحد من التصعيد ويمنع الانزلاق إلى حرب شاملة.

علي ربيع (عدن)
العالم العربي مليون طفل في اليمن لا يحصلون على أي من اللقاحات الروتينية (إعلام محلي)

اتهامات للحوثيين بالمقايضة... اللقاحات مقابل عودة المكاتب الأممية

الحوثيون يرفضون شحنة لقاحات للأطفال ويشترطون إعادة مكاتب الأمم المتحدة، بالتزامن مع تفشي الحصبة وعودة مخاطر شلل الأطفال واتساع فجوة التحصين في اليمن

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)

اليمن يعزز تدابيره الدفاعية في مواجهة تهديد الحوثيين

تصعيد الحوثيين في جنوب البحر الأحمر وضد المنشآت المدنية يدفع الحكومة اليمنية لرفع الجاهزية وتعزيز حماية الاقتصاد والملاحة، وسط دعوة لشراكة دولية أكثر فاعلية

«الشرق الأوسط» (عدن)

ضغوط حوثية على عائلات وقبائل المقاتلين مع الجيش اليمني

عنصر حوثي في صنعاء يضع رسماً لزعيم الجماعة على ملابسه (أ.ب)
عنصر حوثي في صنعاء يضع رسماً لزعيم الجماعة على ملابسه (أ.ب)
TT

ضغوط حوثية على عائلات وقبائل المقاتلين مع الجيش اليمني

عنصر حوثي في صنعاء يضع رسماً لزعيم الجماعة على ملابسه (أ.ب)
عنصر حوثي في صنعاء يضع رسماً لزعيم الجماعة على ملابسه (أ.ب)

صعَّدت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة ضغوطها على أسر وشيوخ ووجهاء قبليين في مناطق خاضعة لسيطرتها، مستغلة الروابط العائلية والنفوذ القبلي في محاولة لدفع مقاتلين من أبناء تلك المناطق، المنخرطين في صفوف القوات التابعة للحكومة اليمنية، إلى ترك مواقعهم والعودة إلى مناطق سيطرتها.

وقالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة نفذت، منذ منتصف الأسبوع الماضي، عبر ما يُسمى «مكتب العائدين»، حملات ضغط استهدفت أسراً وأعياناً ووجاهات قبلية في ريف صنعاء وإب وريمة ومناطق أخرى، مطالبة إياهم بالتواصل مع أقاربهم الذين يقاتلون في صفوف القوات الحكومية، وإقناعهم بترك مواقعهم أو وقف مشاركتهم في القتال.

ضربات الجيش اليمني تنعش الآمال بإنهاء الانقلاب الحوثي (إكس)

وبحسب المصادر، تنوعت وسائل الضغط بين التهديد باتخاذ إجراءات عقابية بحق الأسر الرافضة للاستجابة، وتهديد رجال القبائل بالتوقيف والاعتقال، تحت ذرائع من بينها التقصير في مساعدة الجماعة على إعادة مقاتلين من صفوف القوات الحكومية إلى مناطق سيطرتها.

شكاوى العائلات

اشتكت ربات بيوت في ريف صنعاء ومدن أخرى لـ«الشرق الأوسط» من تصاعد الضغوط الحوثية على الأسر، لإجبار أبنائهن وأقاربهن المنخرطين في القوات الحكومية على ترك مواقعهم والعودة إلى مناطق سيطرة الجماعة.

وبحسب هذه الشكاوى، فإن الضغوط لم تقتصر على الاتصالات والمطالبات المباشرة، وإنما شملت تهديدات ومضايقات لأفراد أسرهن، في محاولة لدفعهن إلى ممارسة ضغوط عائلية على أبنائهن وأقاربهن وإقناعهم بوقف مشاركتهم في القتال.

وقالت ربة أسرة تقيم في إحدى ضواحي صنعاء، إن مشرفين حوثيين أجبروها، خلال نزول ميداني إلى منطقتها، على التواصل سريعاً مع أحد أبنائها وشقيقها، اللذين يقاتلان في صفوف قوات المقاومة الوطنية في الساحل الغربي، لإقناعهما بالعودة وترك القتال إلى جانب القوات الحكومية.

مسلحون حوثيون على متن عربة عسكرية خلال تجمع في صنعاء (رويترز)

وأضافت أن أحد المشرفين اقترح عليها أن تتولى إحدى بناتها التواصل مع شقيقها وخالها، وإبلاغهما كذباً بأن والدتها تعاني من مرض خطير، وأنها أُدخلت إلى العناية المركزة في أحد مستشفيات صنعاء وتصارع الموت، على أمل دفعهما إلى العودة.

ورفضت وأفراد أسرتها المقترح، مؤكدة رفضهم استخدام المرض والخداع وسيلة لاستدراج أبنائها وأقاربها إلى مناطق سيطرة الجماعة.

القبيلة في مرمى الضغوط

بالتوازي مع الضغط على الأسر، كثَّفت الجماعة ضغوطها على عدد من شيوخ ووجهاء القبائل، خصوصاً في محافظتي إب وريمة، مطالبة إياهم بالتدخل لدى أبناء مناطقهم المنخرطين في القوات الحكومية، وإقناعهم بترك مواقعهم والعودة.

وقالت مصادر قبلية إن بعض الوجهاء في مديريات السياني والعدين والمخادر والجبين وبلاد الطعام تعرضوا للتهديد باتخاذ إجراءات بحقهم، بينها الاعتقال، إذا رفضوا الاستجابة لمطالب الجماعة أو امتنعوا عن التواصل مع المقاتلين والضغط عليهم للعودة.

وتكتسب هذه الضغوط أهمية خاصة في المجتمع القبلي اليمني، حيث لا تزال الأسرة والقبيلة تؤديان دوراً مؤثراً في خيارات الأفراد ومواقفهم، وهو ما يوفر للجماعة قناة ضغط غير مباشرة تتجاوز الاتصال بالمقاتل نفسه إلى محيطه الاجتماعي.

مسيَّرات الجيش اليمني تقلب معادلات المواجهة مع الحوثيين (الجيش اليمني)

لكن المخاوف لا تتعلق فقط بإمكانية نجاح هذه الضغوط في دفع بعض المقاتلين إلى العودة، إذ تخشى أسر ووجهاء من تعرض العائدين للاعتقال أو الاحتجاز أو غيرهما من الانتهاكات، استناداً إلى ما يقولون إنها سوابق مماثلة خلال فترات سابقة.

وقال أحد وجهاء القبائل في بني مطر بريف صنعاء لـ«الشرق الأوسط» إن مخاوفهم «لا تقتصر على الضغوط التي تمارسها الجماعة لإقناع المقاتلين بالعودة»، وإنما تمتد إلى ما قد يواجهونه بعد وصولهم إلى مناطق سيطرتها، في ظل سوابق اعتقال واحتجاز عائدين والتنكيل بهم، وفق قوله.

ويأتي التحرك الحوثي، وفق مصادر مطلعة، في وقت تواجه فيه الجماعة حالة من الارتباك، وسط مخاوف متزايدة لديها من احتمال شن القوات الحكومية هجوماً مباغتاً على مواقعها من عدة محاور.


الإعلام العسكري اليمني يحاصر الدعاية الحوثية

القوات اليمنية أظهرت جاهزية قتالية عالية خلال مرحلة التصعيد (إعلام حكومي)
القوات اليمنية أظهرت جاهزية قتالية عالية خلال مرحلة التصعيد (إعلام حكومي)
TT

الإعلام العسكري اليمني يحاصر الدعاية الحوثية

القوات اليمنية أظهرت جاهزية قتالية عالية خلال مرحلة التصعيد (إعلام حكومي)
القوات اليمنية أظهرت جاهزية قتالية عالية خلال مرحلة التصعيد (إعلام حكومي)

لم تعد المعركة الإعلامية بين الحكومة اليمنية والجماعة الحوثية تقتصر على البيانات والاتهامات المتبادلة، بل بدأت تعكس، على نحو متزايد، طبيعة المشهد في جبهات القتال، مع اتساع حضور التسجيلات التي توثق عمليات القوات الحكومية، مقابل لجوء الجماعة إلى إعادة نشر مقاطع مصورة قديمة لرفع معنويات أتباعها.

وخلال أكثر من أسبوع، توقفت الحسابات والمنصات الإعلامية التابعة للحوثيين، وفق ما يظهر في نشاطها المنشور، عن تقديم تسجيلات حديثة بالوتيرة التي اعتادت عليها لتوثيق استهداف القوات الحكومية، قبل أن تعود إلى تداول مشاهد يعود بعضها إلى نحو ثلاثة أعوام، في محاولة لإظهار استمرار نشاطها العسكري والحفاظ على معنويات مقاتليها وأنصارها.

ويأتي هذا التراجع في المحتوى العسكري الحوثي بالتزامن مع تصعيد ميداني واسع بدأ في السادس من أغسطس (آب)، عندما شنت الجماعة هجمات بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة على مواقع للقوات الحكومية في مأرب وحضرموت، قبل أن ترد القوات الحكومية بعمليات استهداف في عدد من الجبهات.

الإعلام العسكري اليمني يوثق مشاهد العمليات ضد مواقع الحوثيين (إعلام حكومي)

وفي المقابل، كثفت القوات الحكومية نشر التسجيلات المصورة لعملياتها في مأرب والجوف والبيضاء والضالع وتعز والساحل الغربي، وصولاً إلى جبهات في محافظة صعدة، المعقل الرئيسي للحوثيين، لتصبح المقاطع العسكرية الحكومية أكثر حضوراً وانتظاماً في الفضاء الإعلامي خلال الأسابيع الأخيرة.

عمليات موثقة

تظهر تسجيلات نشرتها وزارة الدفاع اليمنية عمليات استهدفت مواقع وتجمعات وآليات حوثية بواسطة الطائرات المسيرة والمدفعية، في وقت أصبح فيه المحتوى العسكري الحكومي جزءاً منتظماً من التغطية اليومية للتطورات على خطوط التماس.

وفي إحدى اللقطات تبرز طائرة مسيرة وهي تقصف تجمعاً لمقاتلين حوثيين، بينما يوثق مقطع آخر استهداف فريق للطيران المسير التابع للجماعة بصاروخ موجه في جبهة الأقشع بقطاع عدوان في محافظة الجوف.

لقطة بثها الإعلام العسكري اليمني لاستهداف تحركات حوثية (إعلام حكومي)

كما توثق تسجيلات أخرى تعقب عناصر حوثية وقصفها في جبهة الكسارة غربي مأرب خلال اشتباك ليلي، إلى جانب غارة استهدفت، وفق الرواية الحكومية، مقاتلاً حوثياً قرب بئر المرازيق في محافظة الجوف، فضلاً عن مقاطع لعمليات استهداف تجمعات وآليات تابعة للجماعة.

وفي الجبهة الجنوبية لمأرب، أظهرت مشاهد بثتها القوات الحكومية مدفعية المنطقة العسكرية الثالثة وهي تستهدف مواقع وتحصينات حوثية بالمدفعية الثقيلة وراجمات الصواريخ.

أما في محافظة البيضاء، فقد بثت القوات الحكومية تسجيلات لاستهداف تجمعات حوثية، إلى جانب مقاطع قالت إنها توثق تدمير مخزن للأسلحة عند المدخل الجنوبي لمديرية دمت، على الحدود بين محافظتي الضالع وإب. وأفادت بأن الضربة أدت إلى مقتل خمسة من عناصر الجماعة وإصابة آخرين، كما استهدفت اجتماعاً حوثياً في مبنى الفردوس.

وفي الساحل الغربي، بثت المنطقة العسكرية الخامسة في الجيش اليمني تسجيلات توثق استهداف قيادي ميداني حوثي مع مرافقيه، إضافة إلى ضرب عربات ومواقع وثكنات تابعة للجماعة.

ولا يقتصر الأمر على تسجيل العمليات، إذ بدأت القوات الحكومية أيضاً في إبراز قدراتها الجديدة من خلال العروض والتدريبات العسكرية. ونفذت الفرقة الأولى من قوات درع الوطن عرضاً عسكرياً شاركت فيه وحدات للطيران المسير للمرة الأولى، وقالت إن قواتها في حالة جاهزية عالية.

كما أجرت وحدات من قوات المشاة تدريباً تكتيكياً بالذخيرة الحية، شمل استخدام أسلحة مختلفة وعناصر دعم بينها الطائرات المسيرة، وحاكى هجوماً على مواقع محصنة والسيطرة عليها وتأمينها.

التصعيد يطول الصيادين

تزامنت هذه الأنشطة الإعلامية مع تصعيد عسكري قالت السلطات اليمنية إنه امتد من الجبهات البرية إلى الساحل الغربي ومضيق باب المندب.

وبحسب الرواية الحكومية، أطلقت الجماعة أكثر من 52 صاروخاً باليستياً وعشرات الطائرات المسيرة باتجاه مناطق في الساحل الغربي وباب المندب، واستهدفت بصورة خاصة ميناء المخا التجاري، ما أدى، وفق السلطات، إلى خروجه عن الخدمة لعدة أيام وإلحاق أضرار بعدد من السفن التجارية الموجودة في المنطقة.

نجاة 120 صياداً من صواريخ الحوثيين التي استهدفتهم في أرخبيل حنيش (إعلام حكومي)

وامتد تأثير التصعيد إلى الصيادين، بعدما قالت القوات الحكومية إن 120 صياداً كانوا في البحر قرب أرخبيل حنيش نجوا من هجوم صاروخي استهدف قواربهم، بينما أصيب ستة منهم ودمرت 12 زورقاً، مع استمرار فقدان آخرين.

وقال ناجون وصلوا إلى مدينة الخوخة إنهم كانوا في جزيرة حنيش، كما اعتادوا الذهاب إليها بحثاً عن مصدر رزقهم، قبل أن تتعرض قواربهم للاستهداف.

وتشير بيانات حكومية إلى أن الهجوم ألحق أضراراً بنحو 150 أسرة في منطقة يعتمد فيها آلاف السكان على الصيد كمصدر رئيسي للدخل، فيما تقول السلطات إن الألغام البحرية والهجمات المنسوبة إلى الحوثيين جعلت العمل في مناطق الصيد القريبة من خطوط المواجهة أكثر خطورة.


مقترح إثيوبي بـ«تعويضات لاستخدام المياه» يُصعِّد التوتر مع مصر

سد النهضة (رويترز)
سد النهضة (رويترز)
TT

مقترح إثيوبي بـ«تعويضات لاستخدام المياه» يُصعِّد التوتر مع مصر

سد النهضة (رويترز)
سد النهضة (رويترز)

استمرت التصريحات الإثيوبية المناوئة لمصر على وقع أزمة «سد النهضة»، والتي اتسعت لتشمل الحقوق المائية، ووصلت إلى حد حث وزير إثيوبي سابق حكومة بلاده على طلب «تعويضات» من مصر مقابل استخدام مياه النيل، وذلك بعد حديث مصري متكرر عن «حق الدفاع الشرعي» حال التعرض لضرر مائي.

ويشير مسؤولون مصريون سابقون في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن التصريحات الإثيوبية بحاجة إلى ردود سياسية وإعلامية قوية، مع أهمية تجنب التصعيد بين الدولتين في ظل التوترات القائمة.

ويؤكد هؤلاء أن «الحديث عن تعويضات مقابل استخدامات مياه النيل، يخالف قواعد القانون الدولي، وقوانين الأنهار الدولية، والاتفاقيات الموقعة ما بين القاهرة وأديس أبابا بشأن نهر النيل».

مطالب جارسو

ودعا وزير المياه الإثيوبي السابق، شيفيراو جارسو، حكومة بلاده إلى «مطالبة القاهرة بتعويض أديس أبابا عن استخدامها مياه نهر النيل». وأكد في تصريحات لوكالة الأنباء الإثيوبية (إينا)، الجمعة، «استمرار بلاده في بناء سدود على مجرى النيل».

وقال وزير المياه الإثيوبي السابق إن «التهديدات المصرية الأخيرة بشأن خطط أديس أبابا لبناء المزيد من السدود، ليست بالأمر الجديد، ولن تثني بلاده عن المضي قدماً في بناء سدود إضافية على النهر»، مشيراً إلى أن إثيوبيا «تساهم بنحو 86 في المائة من تدفق مياه النيل لمصر».

وهناك خلاف بين القاهرة وأديس أبابا بسبب نزاع ممتد لنحو 15 عاماً، بشأن مشروع «سد النهضة»، الذي أنشأته أديس أبابا على رافد نهر النيل الشرقي، وتخشى القاهرة أن يؤثر على حصتها المائية.

مخاوف مصرية من تأثير السد الإثيوبي على حصتها المائية (وزارة الري المصرية)

ويضاف حديث المسؤول الإثيوبي السابق إلى التصريحات المتبادلة بين مسؤولين بمصر وإثيوبيا أخيراً، بشأن نزاع «السد الإثيوبي»، ومساعي أديس أبابا السيطرة على تدفقات المياه لدولتي المصب مصر والسودان ببناء سدود جديدة.

مصر لن تسمح

وكان مصدر مصري مسؤول حذر من الخطط الإثيوبية لبناء سدود جديدة، وقال في تصريحات لـ«وكالة أنباء الشرق الأوسط» (الرسمية بمصر)، قبل أسبوع، إن «إثيوبيا تسعى لفرض الأمر الواقع، واحتكار مورد مائي دولي مشترك، وتهديد الحقوق والمصالح المائية لدولتي المصب بالمخالفة للقانون الدولي». وأكد أن «مصر لن تسمح بفرضه كأمر واقع».

وجاءت تصريحات المصدر المصري رداً على تصريحات لوزير المياه والطاقة الإثيوبي، قال فيها إن «تدفق مياه النيل باتجاه دول المصب، سيكون تحت سيطرة بلاده». وأشار أيضاً إلى أن «أديس أبابا تعتزم المضي قدماً في بناء سدود إضافية على النيل، في إطار ما أسماه (الاستخدام العادل لمياه النيل، وتحقيق التنمية المستدامة)».

غير أن المصدر المصري المسؤول قال آنذاك إن «بلاده سبق أن أعلنت في خطاباتها إلى مجلس الأمن أنها ستتخذ كل التدابير المكفولة لها بموجب القانون الدولي لحماية حقوق ومقدرات شعبها في نهر النيل». وأكد أن «أدوات الدولة المصرية متعددة ومتشعبة وقادرة على النفاذ والدفاع عن مصالح الشعب المصري في نهر النيل».

عبد العاطي: حق الدفاع

وأكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي الأمر ذاته خلال تصريحات لـ«شبكة سكاي نيوز»، مساء الثلاثاء، مشيراً إلى أنه «إذا حدث أي ضرر من شأنه أن يعوق تدفق المياه، فلنا الحق في الدفاع عن أنفسنا، وفقاً للقانون الدولي»، مستشهداً بالمادة الـ51 من ميثاق الأمم المتحدة بشأن الدفاع عن النفس.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)

وأشار مساعد وزير الخارجية المصري السابق، السفير حسام عيسى، إلى أن «إثيوبيا تسعى للحصول على أكبر قدر من المكاسب بالمخالفة للقانون الدولي، وأن ممارسات أديس أبابا في حوض النيل الأزرق، وفي القرن الأفريقي، تخالف كافة المواثيق ونصوص القوانين الدولية، ورغم ذلك تواصل الإمعان في هذه الممارسات الأحادية، على حساب مصالح الدول الأخرى».

قواعد القانون

ويرى عيسى، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الخطط الإثيوبية الجديدة على مجرى نهر النيل، يجب أن تقابل بردود قوية سياسياً وإعلامياً، مع أهمية تجنب أي تصعيد بين الجانبين»، مشيراً إلى أن «قواعد القانون الدولي، بخصوص استخدامات الأنهار الدولية، تنص على مبدأين أساسيين، وهما عدم الضرر والإخطار المسبق»، مشيراً إلى أن «القاهرة تطالب الجانب الإثيوبي بالالتزام بهذه المبادئ دون جدوى».

اتفاقية 1902

وأشار وزير الري المصري الأسبق، محمد نصر الدين علام، إلى أنه «لا يوجد أي نصوص قانونية أو اتفاقيات تتحدث عن تعويضات مقابل استخدامات مياه نهر دولي مثل النيل». وقال إن «هناك معاهدات موقعة بين القاهرة وأديس أبابا مثل (اتفاقية عام 1902)، التي تقضي بعدم قيام إثيوبيا بأي إجراءات من شأنها أن تعوق تصرفات النيل الأزرق لدولتي المصب، ورغم ذلك خالفتها إثيوبيا».

وأوضح علام، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاتفاقيات الموقعة بين إثيوبيا ومصر، بشأن إدارة مياه النيل، صدّق عليها البرلمان الإثيوبي، وبالتالي لا يمكن التشكيك في صحتها وسريانها»، مشيراً إلى أنه «لا يمكن فصل قضية مياه النيل عن التوترات الأخرى بالمنطقة، ومنها ما يحدث في منطقة القرن الأفريقي»، معتبراً أن «هناك ضغوطاً تمارس على القاهرة بملف المياه، بسبب مواقفها الإقليمية».

وكان الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، أشار في أغسطس (آب) العام الماضي، في مؤتمر صحافي مع نظيره الأوغندي، إلى أن «ملف المياه جزء من حملة الضغوط على مصر لتحقيق أهداف أخرى».