يزداد الجدل حول «تقليص النفوذ اللغوي الفرنسي» في الجزائر تصاعداً، مع دخول مسؤولَين سابقَين في الحكومة على خط هذا النقاش، واستحضار «العشرية السوداء» في سجالات حادة، حين كان المثقفون ورجال الفن الفرنكفونيون يُقتلون يومياً برصاص الجماعات المتطرفة.

تتجه المنظومة التعليمية في الجزائر نحو تغيير هندستها التعليمية مع مطلع الموسم الدراسي 2026 - 2027؛ حيث أضحت اللغة الإنجليزية تُدرّس قبل الفرنسية في المرحلة الابتدائية، وباتت تحتل وزناً أكبر في امتحان شهادة التعليم المتوسط، مع ثبات حضورها في شُعب علمية عدة بالسنة الثالثة ثانوي، في وقت تختفي فيه الفرنسية تماماً من جداول التوقيت.
ويرى خبراء تحفظوا على هذا التوجه، أنه بينما يعد هذا الإصلاح بإرساء شعب تعليمية أكثر وضوحاً وسلاسة، فإنه يبني في المقابل مدرسة ضيّقة المسارات، يتراجع فيها رصيد الثقافة العامة والمشتركة.
وكانت وزارة التربية الوطنية قد أعلنت في 26 يوليو (تموز) الماضي أنه مع الدخول المدرسي المقبل ستُدرَّس اللغة الإنجليزية، ابتداءً من السنة الثالثة ابتدائي، بدلاً من الفرنسية التي سيؤجل تدريسها إلى السنة الرابعة ابتدائي.
وأبدى الأستاذ أحمد تسة، المختص في مناهج التعليم والمسؤول السابق بوزارة التربية الوطنية، موقفاً حاسماً من القرار، وهو صاحب كتاب بعنوان «الاستئصال المستحيل: تعليم اللغة الفرنسية في الجزائر».

وفور الإعلان عن الإجراء، انتقد تسة القرار خلال استضافته بقناة «الخبر تي في»، التي تبث برامجها بالمنصات الرقمية، عادَّاً أن الأساتذة الجدد للغة الإنجليزية لم يتلقوا التكوين الكافي، وأن الدافع وراء هذا التغيير «آيديولوجي أكثر منه تربوياً».
واشتغل تسة مستشاراً بوزارة التعليم في عهد الوزيرة نورية بن غبريط (2014- 20109)، التي واجهت سخطاً كبيراً من طرف رموز التيار العروبي والإسلاميين، بدعوى أنها «محسوبة على التيار التغريبي الموالي لفرنسا».
وأكد تسة أن القرار المتخذ بشأن اللغة الفرنسية «خطة داخل وزارة التربية تهدف إلى الإلغاء التدريجي لتدريسها في المرحلة الابتدائية». كما أبدى استغرابه من إلغاء تدريس مادة الفلسفة لبعض الأقسام، في حين لم يطرأ أي تغيير على الحجم الساعي المخصص للتربية الإسلامية.

وخلف هذا الموقف ردود فعل حادة في الأوساط السياسية، كان أبرزها ردّ القيادي في حزب «حركة مجتمع السلم» الإسلامي، الهاشمي جعبوب، الذي تولى ثلاث وزارات: الصناعة والتجارة والعمل، في عهدي الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 -2019) والرئيس الحالي عبد المجيد تبون.
وفي منشور على حسابه بالإعلام الاجتماعي، هاجم جعبوب أحمد تسة بشدة، مذكراً بأن كتابه حول اللغة الفرنسية في الجزائر مكّنه من الحصول على «جائزة النهضة الفرنسية» سنة 2018، كما انتقده لأنه، حسب تعبيره، «لم يتمكن من إتقان اللغة العربية، رغم أنه قضى خمسين عاماً في وزارة التربية».
وكتب الوزير السابق مخاطباً تسة: «يجب أن تعلم، أنت ومن يساندك سراً وعلناً، أن الجزائر استعادت استقلالها سنة 1962، وهي دولة مستقلة وذات سيادة في قراراتها اليوم وغداً، وقرار تأجيل تدريس اللغة التي تتحسرون عليها إلى السنة الرابعة، أو حتى إلغائها نهائياً، هو قرار سيادي يندرج ضمن استكمال استرجاع السيادة الوطنية، ولا يمكن التراجع عنه، أو مراجعته إلا في اتجاه تعزيزه».
ورد أحمد تسة بدوره عبر مواقع التواصل الاجتماعي على الانتقادات، التي طالته، من دون أن يذكر جعبوب بالاسم. وقال: «تعرضت لهجمات وشتائم وافتراءات لا توصف، وكلها تصبّ في الاتجاه نفسه: لأنني لا أتقن العربية، ولأنني فرنكوفوني، ولأنني أدعو إلى إلغاء التربية الإسلامية».
وأضاف أن هذه الاتهامات «محض افتراء»، موضحاً أنه لم يدعُ إلى إلغاء مادة التربية الإسلامية، بل طالب بـ«تعزيز حضور مادة الفلسفة، وإذا اقتضى الأمر، اقتطاع ساعة من المواد التي تعتمد على الحفظ، مثل التربية الإسلامية أو التاريخ». ولفت تسة إلى أنه لم «يجد في أي من هذه الهجمات نقداً جوهرياً للأفكار التي طرحتها خلال البرنامج».

وخلال تصريحاته الصحافية، استرجع تسة ظروف تسعينات القرن الماضي، حينما اغتالت الجماعات المسلحة عشرات الصحافيين والمثقفين والجامعيين، بعضهم معربون، بدعوى مساندتهم قيادة الجيش عقب إلغاء نتائج انتخابات البرلمان نهاية 1991، التي حققت فيها «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» فوزاً كاسحاً. وفتحت هذه الخطوة الباب على اقتتال داخلي كبير خلف آلاف القتلى، لم يتعاف المجتمع منه إلى اليوم.
وفسر تسة هذا الاستحضار بأنه محاولةٌ للربط بين المتطرفين في تلك الحقبة، والمسؤولين الحاليين في الدولة، الذين اتخذوا قرار تقليص هوامش التعليم بالفرنسية، وقبله بسنوات قليلة وقف استخدام لغة موليير في مراسلات الوزارات، ومختلف الأجهزة الحكومية.

وامتد السجال حول الفرنسية والفلسفة إلى الطبقة السياسية، ففي بيان أصدره الثلاثاء، قال عثمان معزوز، رئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» ذي التوجه اللائيكي: «ليست المدرسة فضاءً محايداً. فخلف آخر إصلاح للمنظومة التربوية يختبئ مشروع لمجتمع أقل حرية. فالمدرسة هي التي تُشكّل مواطني الغد، وتحدد علاقتهم بالمعرفة والحرية والمواطنة والعالم». وحسب معزوز، فإن «كل إصلاح في التعليم يعكس رؤية معينة للمجتمع. والإصلاح الذي يلوح في الأفق اليوم، من خلال التهميش التدريجي للفلسفة واللغة الفرنسية، ليس استثناءً من هذه القاعدة».
وأضاف معزوز موضحاً: «رغم تقديمه على أنه مجرد إعادة تنظيم بيداغوجية، فإن هذا الإصلاح ينطوي في الواقع على خيار سياسي خطير، يتمثل في تقليص المساحات التي تتشكل فيها الروح النقدية، والانفتاح الفكري، والاستقلالية في التفكير. إن الفلسفة تُزعج لأنها تُعلّم الإنسان كيف يطرح الأسئلة. فهي تُرسخ ثقافة الشك المنهجي، ودقة التفكير، والحوار القائم على الحجة، وحرية الضمير. كما تُعلّم الشباب التمييز بين المعرفة والدعاية، وبين الحقائق والمعتقدات، وبين الحجة والشتيمة».
