الجزائر: تصاعد الجدل حول تقليص نفوذ «الفرنسية» في التعليم

استحضار اغتيال المثقفين خلال «العشرية السوداء» يشعل سجالاً بين العروبيين والفرنكفونيين

اجتماع لأطر وزارة التعليم مع الوزير المكلف بالقطاع (الوزارة)
اجتماع لأطر وزارة التعليم مع الوزير المكلف بالقطاع (الوزارة)
TT

الجزائر: تصاعد الجدل حول تقليص نفوذ «الفرنسية» في التعليم

اجتماع لأطر وزارة التعليم مع الوزير المكلف بالقطاع (الوزارة)
اجتماع لأطر وزارة التعليم مع الوزير المكلف بالقطاع (الوزارة)

يزداد الجدل حول «تقليص النفوذ اللغوي الفرنسي» في الجزائر تصاعداً، مع دخول مسؤولَين سابقَين في الحكومة على خط هذا النقاش، واستحضار «العشرية السوداء» في سجالات حادة، حين كان المثقفون ورجال الفن الفرنكفونيون يُقتلون يومياً برصاص الجماعات المتطرفة.

وزير التربية خلال معاينته قسماً دراسياً (الوزارة)

تتجه المنظومة التعليمية في الجزائر نحو تغيير هندستها التعليمية مع مطلع الموسم الدراسي 2026 - 2027؛ حيث أضحت اللغة الإنجليزية تُدرّس قبل الفرنسية في المرحلة الابتدائية، وباتت تحتل وزناً أكبر في امتحان شهادة التعليم المتوسط، مع ثبات حضورها في شُعب علمية عدة بالسنة الثالثة ثانوي، في وقت تختفي فيه الفرنسية تماماً من جداول التوقيت.

ويرى خبراء تحفظوا على هذا التوجه، أنه بينما يعد هذا الإصلاح بإرساء شعب تعليمية أكثر وضوحاً وسلاسة، فإنه يبني في المقابل مدرسة ضيّقة المسارات، يتراجع فيها رصيد الثقافة العامة والمشتركة.

وكانت وزارة التربية الوطنية قد أعلنت في 26 يوليو (تموز) الماضي أنه مع الدخول المدرسي المقبل ستُدرَّس اللغة الإنجليزية، ابتداءً من السنة الثالثة ابتدائي، بدلاً من الفرنسية التي سيؤجل تدريسها إلى السنة الرابعة ابتدائي.

وأبدى الأستاذ أحمد تسة، المختص في مناهج التعليم والمسؤول السابق بوزارة التربية الوطنية، موقفاً حاسماً من القرار، وهو صاحب كتاب بعنوان «الاستئصال المستحيل: تعليم اللغة الفرنسية في الجزائر».

مستشار وزير التربية السابق أحمد تسة (حسابه الخاص)

وفور الإعلان عن الإجراء، انتقد تسة القرار خلال استضافته بقناة «الخبر تي في»، التي تبث برامجها بالمنصات الرقمية، عادَّاً أن الأساتذة الجدد للغة الإنجليزية لم يتلقوا التكوين الكافي، وأن الدافع وراء هذا التغيير «آيديولوجي أكثر منه تربوياً».

واشتغل تسة مستشاراً بوزارة التعليم في عهد الوزيرة نورية بن غبريط (2014- 20109)، التي واجهت سخطاً كبيراً من طرف رموز التيار العروبي والإسلاميين، بدعوى أنها «محسوبة على التيار التغريبي الموالي لفرنسا».

وأكد تسة أن القرار المتخذ بشأن اللغة الفرنسية «خطة داخل وزارة التربية تهدف إلى الإلغاء التدريجي لتدريسها في المرحلة الابتدائية». كما أبدى استغرابه من إلغاء تدريس مادة الفلسفة لبعض الأقسام، في حين لم يطرأ أي تغيير على الحجم الساعي المخصص للتربية الإسلامية.

الوزير السابق الهامشي جعبوب (حسابه الخاص)

وخلف هذا الموقف ردود فعل حادة في الأوساط السياسية، كان أبرزها ردّ القيادي في حزب «حركة مجتمع السلم» الإسلامي، الهاشمي جعبوب، الذي تولى ثلاث وزارات: الصناعة والتجارة والعمل، في عهدي الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 -2019) والرئيس الحالي عبد المجيد تبون.

وفي منشور على حسابه بالإعلام الاجتماعي، هاجم جعبوب أحمد تسة بشدة، مذكراً بأن كتابه حول اللغة الفرنسية في الجزائر مكّنه من الحصول على «جائزة النهضة الفرنسية» سنة 2018، كما انتقده لأنه، حسب تعبيره، «لم يتمكن من إتقان اللغة العربية، رغم أنه قضى خمسين عاماً في وزارة التربية».

وكتب الوزير السابق مخاطباً تسة: «يجب أن تعلم، أنت ومن يساندك سراً وعلناً، أن الجزائر استعادت استقلالها سنة 1962، وهي دولة مستقلة وذات سيادة في قراراتها اليوم وغداً، وقرار تأجيل تدريس اللغة التي تتحسرون عليها إلى السنة الرابعة، أو حتى إلغائها نهائياً، هو قرار سيادي يندرج ضمن استكمال استرجاع السيادة الوطنية، ولا يمكن التراجع عنه، أو مراجعته إلا في اتجاه تعزيزه».

ورد أحمد تسة بدوره عبر مواقع التواصل الاجتماعي على الانتقادات، التي طالته، من دون أن يذكر جعبوب بالاسم. وقال: «تعرضت لهجمات وشتائم وافتراءات لا توصف، وكلها تصبّ في الاتجاه نفسه: لأنني لا أتقن العربية، ولأنني فرنكوفوني، ولأنني أدعو إلى إلغاء التربية الإسلامية».

وأضاف أن هذه الاتهامات «محض افتراء»، موضحاً أنه لم يدعُ إلى إلغاء مادة التربية الإسلامية، بل طالب بـ«تعزيز حضور مادة الفلسفة، وإذا اقتضى الأمر، اقتطاع ساعة من المواد التي تعتمد على الحفظ، مثل التربية الإسلامية أو التاريخ». ولفت تسة إلى أنه لم «يجد في أي من هذه الهجمات نقداً جوهرياً للأفكار التي طرحتها خلال البرنامج».

سيطرة الإسلاميين على المشهد العام في الجزائر خلال تسعينات القرن الماضي (حسابات ناشطين)

وخلال تصريحاته الصحافية، استرجع تسة ظروف تسعينات القرن الماضي، حينما اغتالت الجماعات المسلحة عشرات الصحافيين والمثقفين والجامعيين، بعضهم معربون، بدعوى مساندتهم قيادة الجيش عقب إلغاء نتائج انتخابات البرلمان نهاية 1991، التي حققت فيها «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» فوزاً كاسحاً. وفتحت هذه الخطوة الباب على اقتتال داخلي كبير خلف آلاف القتلى، لم يتعاف المجتمع منه إلى اليوم.

وفسر تسة هذا الاستحضار بأنه محاولةٌ للربط بين المتطرفين في تلك الحقبة، والمسؤولين الحاليين في الدولة، الذين اتخذوا قرار تقليص هوامش التعليم بالفرنسية، وقبله بسنوات قليلة وقف استخدام لغة موليير في مراسلات الوزارات، ومختلف الأجهزة الحكومية.

رئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» (حسابه الخاص)

وامتد السجال حول الفرنسية والفلسفة إلى الطبقة السياسية، ففي بيان أصدره الثلاثاء، قال عثمان معزوز، رئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» ذي التوجه اللائيكي: «ليست المدرسة فضاءً محايداً. فخلف آخر إصلاح للمنظومة التربوية يختبئ مشروع لمجتمع أقل حرية. فالمدرسة هي التي تُشكّل مواطني الغد، وتحدد علاقتهم بالمعرفة والحرية والمواطنة والعالم». وحسب معزوز، فإن «كل إصلاح في التعليم يعكس رؤية معينة للمجتمع. والإصلاح الذي يلوح في الأفق اليوم، من خلال التهميش التدريجي للفلسفة واللغة الفرنسية، ليس استثناءً من هذه القاعدة».

وأضاف معزوز موضحاً: «رغم تقديمه على أنه مجرد إعادة تنظيم بيداغوجية، فإن هذا الإصلاح ينطوي في الواقع على خيار سياسي خطير، يتمثل في تقليص المساحات التي تتشكل فيها الروح النقدية، والانفتاح الفكري، والاستقلالية في التفكير. إن الفلسفة تُزعج لأنها تُعلّم الإنسان كيف يطرح الأسئلة. فهي تُرسخ ثقافة الشك المنهجي، ودقة التفكير، والحوار القائم على الحجة، وحرية الضمير. كما تُعلّم الشباب التمييز بين المعرفة والدعاية، وبين الحقائق والمعتقدات، وبين الحجة والشتيمة».


مقالات ذات صلة

رئيس وزراء مالي يصل إلى الجزائر لطيّ صفحة الخلافات

شمال افريقيا رئيس الوزراء الجزائري سيفي غريب (رئاسة الوزراء)

رئيس وزراء مالي يصل إلى الجزائر لطيّ صفحة الخلافات

بدأ رئيس وزراء مالي عبد الله مايغا زيارة عمل إلى الجزائر، يوم الاثنين، تلبية لدعوة من نظيره الجزائري سيفي غريب.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا جانب من الحرائق التي ضربت منطقة قالمة شرق الجزائر (الحماية المدنية)

الجزائر تواصل حربها على حرائق الغابات

تواصل مصالح الحماية المدنية جهودها المكثفة لإخماد حرائق الغطاء النباتي، والمحاصيل الزراعية، وواحات النخيل وأحزمة التبن، التي مست عدداً من ولايات الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية الجزائري منصف بقرار مهاجم الأهلي المصري (النادي الأهلي)

الجزائري بقرار: رونالدو مثلي الأعلى... وهدفي التتويج بكل البطولات مع الأهلي المصري

أعرب الجزائري منصف بقرار، مهاجم الأهلي المصري، عن سعادته بالانضمام إلى الفريق، مؤكدا أن طموحه يتمثل في التتويج بالألقاب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا منحدر سقطت عليه حافلة ركاب بمنطقة بومرداس شرقي العاصمة الجزائرية آخر الشهر الماضي (الحماية المدنية)

حادث مروري جديد بالجزائر ينكأ الجراح ويُعيد التساؤلات نفسها

وقع حادث مروري جديد بالجزائر، الأحد، حين انقلبت حافلة ركاب مما أودى بحياة 6 أشخاص وتسبب في إصابة 31 آخرين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا حرائق مستعرة اندلعت في منطقة قالمة شرق الجزائر (الحماية المدنية)

الجزائر تواصل حربها على حرائق الغابات

أعلنت مصالح الحماية المدنية الجزائرية في بيان لها، اليوم الجمعة، عن الحالة العامة لحرائق الغطاء النباتي والمحاصيل الزراعية، المسجلة منذ أمس

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

البرهان يدعو إلى عدم الالتفات للدعوات بفرض حظر على السودان

قائد الجيش الفريق البرهان لدى حضوره فعالية بولاية الخرطوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)
قائد الجيش الفريق البرهان لدى حضوره فعالية بولاية الخرطوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

البرهان يدعو إلى عدم الالتفات للدعوات بفرض حظر على السودان

قائد الجيش الفريق البرهان لدى حضوره فعالية بولاية الخرطوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)
قائد الجيش الفريق البرهان لدى حضوره فعالية بولاية الخرطوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)

دعا رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، يوم الاثنين، الشعب السوداني إلى عدم الالتفات لما يُروّج له من وصفهم بــ«الأعداء والمغرضين» بشأن فرض حظر جوي على البلاد، مؤكداً «المضي قدماً في معركة الكرامة حتى تحرير كل شبر من أرض السودان دنسه التمرد».

وقال البرهان لدى مخاطبته حفل تخريج الدفعة 22 من ضباط قوات الشرطة بالعاصمة الخرطوم: «إن ما يدور عن إمكانية فرض عقوبات على السودان لن يؤثر فينا... روحنا ومصيرنا بيد الله»، وفق إعلام مجلس السيادة.

وتقدمت واشنطن بمقترح أمام الأمم المتحدة، يوم الاثنين، لتوسيع نطاق حظر توريد الأسلحة المفروض على إقليم دارفور السوداني ليشمل كامل البلاد، مشيرة إلى أن الصراع في السودان قد يتوسع إقليمياً.

ومن المقرر أن ينتهي حظر توريد الأسلحة إلى دارفور، والمفروض منذ أكثر من عقدين، في 12 سبتمبر (أيلول) 2026 إذا لم يتم التوصل إلى قرار جديد بشأنه، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية». ويتطلب توسيع حظر توريد الأسلحة ليشمل السودان بأكمله تصويتاً في مجلس الأمن الدولي.

جلسة لمجلس الأمن في نيويورك (الأمم المتحدة)

حق النقض الروسي

لكن روسيا، التي تتمتع بحق النقض في مجلس الأمن، حذرت، الاثنين، من فرض قرارات جديدة قد تؤثر في الجيش السوداني.

وخلال الاجتماع، قال مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس، إن على المجلس أن «يتخذ خطوات للحد من تأجيج الصراع، خصوصاً أن الدعم الخارجي يهدد أيضاً بجر مزيد من الأطراف الإقليمية والدول المجاورة إلى الصراع في السودان».

وأضاف: «لهذا السبب تقدم الولايات المتحدة مقترحاً قوياً ينص على توسيع حظر السلاح ليشمل كامل أراضي السودان».

ويشمل المقترح أيضاً إضافة الطائرات المسيّرة إلى قرار حظر توريد الأسلحة، وزيادة عدد الخبراء المراقبين لقرار الحظر القائم.

وأضاف بولس أن المقترح من شأنه أيضاً تعزيز التنسيق بين هؤلاء المراقبين وغيرهم من فرق الخبراء، بهدف رصد انتهاكات حظر الأسلحة وتجميد الأصول، وحظر السفر، والتي سبق أن فرضت على أطراف النزاع.

ودخلت الحرب في السودان عامها الرابع، وتسببت في مقتل عشرات الآلاف، وشرّدت الملايين، وذلك مع استخدام أطراف النزاع أسلحة أكثر تطوراً، بما فيها الطائرات المسيّرة؛ ما ألحق خسائر فادحة بالمدنيين.

ويسيطر الجيش على المناطق الوسطى والشرقية من السودان، في حين تخضع منطقة دارفور في الغرب وأجزاء من الجنوب لسيطرة «قوات الدعم السريع».

ويعد دارفور، وهو إقليم شاسع في غرب السودان تعادل مساحته مساحة فرنسا تقريباً، من أكثر المناطق تضرراً من أعمال العنف، إذ تعرضت مخيمات النازحين هناك للاجتياح، وشهدت وقوع مجازر عرقية متكررة أودت بالآلاف.

البرهان يهاجم قوة مدنية سياسية

من جهة ثانية، هاجم البرهان القوى السياسية والمدنية التي رفضت الاستجابة لدعوته للحوار الوطني داخل البلاد، قائلاً: «رسالتنا للذين يوجدون في فنادق الخارج، ويصفقون للعقوبات لإخضاع الشعب السوداني، هي أن الشعب لن ينكسر، وسيحيق الانكسار بكم».

وأضاف: «هؤلاء لن يستطيعوا حكم الشعب من جديد... فالشعب لا يريد أن يرى (قوات الدعم السريع) و(قوى إعلان الحرية والتغيير) حالياً تحالف (صمود)، في المشهد السياسي مجدداً».

وكانت قوى سياسية ومدنية سودانية مناهضة للحرب من بينها «صمود» بقيادة رئيس الوزراء المدني السابق، عبد الله حمدوك، قد أعلنت عن رفضها دعوة البرهان للحوار، معتبرة أن الخطوة تُكرّس لتقسيم السودان بحكم الأمر الواقع.


واشنطن تقترح توسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل السودان

مقاتلون من «قوات الدعم السريع» في بلدة بشمال السودان (أرشيفية - أ.ب)
مقاتلون من «قوات الدعم السريع» في بلدة بشمال السودان (أرشيفية - أ.ب)
TT

واشنطن تقترح توسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل السودان

مقاتلون من «قوات الدعم السريع» في بلدة بشمال السودان (أرشيفية - أ.ب)
مقاتلون من «قوات الدعم السريع» في بلدة بشمال السودان (أرشيفية - أ.ب)

تقدمت واشنطن بمقترح أمام الأمم المتحدة، الاثنين، لتوسيع نطاق حظر توريد الأسلحة المفروض على إقليم دارفور السوداني ليشمل كامل البلاد، مشيرة إلى أن الصراع في السودان قد يتوسع إقليمياً.

ومن المقرر أن ينتهي حظر توريد الأسلحة إلى دارفور، والمفروض منذ أكثر من عقدين، في 12 سبتمبر (أيلول) 2026 إذا لم يتم التوصل إلى قرار جديد بشأنه.

ويتطلب توسيع حظر توريد الأسلحة ليشمل السودان بأكمله تصويتاً في مجلس الأمن الدولي. لكن روسيا، التي تتمتع بحق النقض في مجلس الأمن، حذرت من فرض قرارات جديدة قد تؤثر على الجيش السوداني.

وخلال الاجتماع، قال مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس، إن على المجلس أن «يتخذ خطوات للحد من تأجيج الصراع، خصوصاً أن الدعم الخارجي يهدد أيضاً بجر مزيد من الأطراف الإقليمية والدول المجاورة إلى الصراع في السودان».

وأضاف: «لهذا السبب تقدم الولايات المتحدة مقترحاً قوياً ينص على توسيع حظر السلاح ليشمل كامل أراضي السودان».

ويشمل المقترح أيضاً إضافة الطائرات المسيّرة إلى قرار حظر توريد الأسلحة، وزيادة عدد الخبراء المراقبين لقرار الحظر القائم.

وأضاف بولس أن المقترح من شأنه أيضاً تعزيز التنسيق بين هؤلاء المراقبين وغيرهم من فرق الخبراء، بهدف رصد انتهاكات حظر الأسلحة وتجميد الأصول وحظر السفر، والتي سبق أن فُرضت على أطراف النزاع.

ودخلت الحرب في السودان عامها الرابع، وتسببت في مقتل عشرات الآلاف وشرّدت الملايين، وذلك مع استخدام أطراف النزاع أسلحة أكثر تطوراً، بما فيها الطائرات المسيّرة، ما ألحق خسائر فادحة بالمدنيين. ويسيطر الجيش على المناطق الوسطى والشرقية من السودان، في حين تخضع منطقة دارفور في الغرب وأجزاء من إقليم كردفان والجنوب لسيطرة «قوات الدعم السريع».

وتُعد دارفور، وهي إقليم شاسع في غرب السودان تعادل مساحته مساحة فرنسا تقريباً، من أكثر المناطق تضرراً من أعمال العنف؛ إذ تعرضت مخيمات النازحين هناك للاجتياح، وشهدت وقوع مجازر عرقية متكررة أودت بالآلاف.


أطفال السودان يحصلون على شريان حياة لعودة التعليم

طلاب يؤدون امتحانات الثانوية العامة في إحدى مدارس السودان (سونا)
طلاب يؤدون امتحانات الثانوية العامة في إحدى مدارس السودان (سونا)
TT

أطفال السودان يحصلون على شريان حياة لعودة التعليم

طلاب يؤدون امتحانات الثانوية العامة في إحدى مدارس السودان (سونا)
طلاب يؤدون امتحانات الثانوية العامة في إحدى مدارس السودان (سونا)

لا يزال الوصول إلى الفصول الدراسية متعذراً أمام ملايين الأطفال في السودان، حيث تواصل الحرب الأهلية في البلاد تعطيل مسيرتهم التعليمية. وللمساعدة في معالجة هذه المشكلة الهائلة، أعلن «الصندوق العالمي للتعليم» التابع لـ«هيئة الأمم المتحدة»، يوم الاثنين، عن مبادرة بقيمة 22 مليون دولار لمساعدة 200 ألف طفل وشاب وشابة على العودة إلى مقاعد الدراسة.

والولايات السودانية الثلاث التي ستتلقى الدعم هي: غرب دارفور، وجنوب كردفان، والقضارف؛ حيث يهدف المشروع إلى استعادة «تعليم آمن وجيد وشامل»، وذلك في ظل أكبر أزمة إنسانية وأزمة نزوح يشهدها العالم حالياً.

وشددت ميساء جلبوط، مديرة برنامج «التعليم لا يمكن أن ينتظر» على أن التعليم يظل من أقوى الأدوات في العمل الإنساني لحماية ملايين الأطفال ودعم التعافي. وقالت، على موقع «منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)»، إن «هذا الاستثمار يتجاوز مجرد إعادة فتح الفصول الدراسية، فهو يهدف إلى مساعدة الأطفال على استعادة الشعور بالأمان والحياة الطبيعية، مع تعزيز أنظمة التعليم لتتمكن من مواصلة خدمة المجتمعات خلال الأزمات وحتى مرحلة التعافي».

برنامج يمتد 3 سنوات

معظم مدارس السودان أصابها الدمار جراء الحرب (أ.ف.ب)

وفي معرض الإعلان عن هذه المبادرة الاستثمارية متعددة السنوات، ذكر برنامج «التعليم لا يمكن أن ينتظر» أن من لا يقلون عن 8 ملايين طفل؛ أي نحو نصف الأطفال في سن الدراسة بالسودان البالغ عددهم 17 مليوناً، لا يزالون خارج المدارس.

وأوضح أنه «لا تزال أعداد كبيرة من المدارس متوقفة عن العمل في جميع أنحاء البلاد، في حين عانى ملايين الأطفال من انقطاع طويل الأمد في تعليمهم، حيث فات بعضهم نحو 500 يوم من الدراسة».

وستصل المبادرة، التي ستمتد 3 سنوات، إلى الفئات الأكبر تهميشاً في البلاد، بمن فيهم الأطفال، وإلى النازحين داخلياً واللاجئين والمجتمعات المضيفة المستضعفة، مع ضمان أن تشكل الفتيات نسبة لا تقل عن 60 في المائة من المستفيدين، والأطفال ذوو الإعاقة 10 في المائة على الأقل.

وستعمل المبادرة على تهيئة بيئات تعليمية آمنة، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي، وتعزيز قدرات المعلمين، وتحسين فرص الحصول على المواد التعليمية، ومعالجة العوائق التي تواجه الفتيات والأطفال ذوي الإعاقة.

كما ستتولى منظمة «إنقاذ الطفولة» قيادة التنفيذ بالشراكة مع منظمة «بلان إنترناشيونال»، ومنظمة «إل إم إنترناشيونال»، بالإضافة إلى شريكين محليين هما «منظمة السلام للإغاثة والتنمية» ومؤسسة «صداقات».

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في السودان، أُجبر 14 مليون شخص على الفرار من منازلهم، وأصبح 33.7 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية.

التعليم العالي

صورة متداولة لأساتذة جامعة كسلا في شرق السودان

وكانت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي السودانية، قد قررت مؤخراً إعادة مؤسسات التعليم العالي إلى مقارها الأصلية.

وكانت الوزارة قرَّرت في أغسطس (آب) الحالي إنهاء العمل بالمراكز البديلة والمؤقتة لمؤسسات التعليم العالي خارج السودان، وإعادة المؤسسات إلى مقارها الأصلية، في خطوة قالت إنها تستهدف استعادة انتظام العملية التعليمية.

وفي تأكيد رسمي على عودة التعليم الجامعي تدريجياً، قال وزير التعليم العالي والبحث العلمي، أحمد مضوي موسى، يوم الخميس الماضي، إنَّ عودة مؤسسات التعليم العالي إلى مقارها الأصلية أصبحت «واقعاً ماثلاً».

لكن الطريق إلى استعادة قطاع التعليم لا تزال طويلة، بعدما تركت الحرب آثاراً واسعة على المدارس والجامعات؛ إذ وثَّقت الأمم المتحدة منذ عام 2024 أكثر من 67 هجوماً على المدارس في أنحاء السودان، إلى جانب الإبلاغ عن أكثر من 154 حالة استخدام عسكري للمدارس.

كما قدرت أضرار مؤسسات التعليم العالي بنحو 3 مليارات دولار؛ جراء عمليات التخريب والنهب، وشملت المباني الجامعية والقاعات الدراسية والمختبرات والمكتبات والأجهزة والمستلزمات التعليمية، مما عمَّق أزمة قطاع كان يعاني أصلاً من ضعف البنية التحتية.

احتياجات عالمية

من داخل مدرسة في تعز تعمل «اليونيسيف» على إعادة إلحاق الطالبات المتسربات للدراسة فيها (الأمم المتحدة)

في تقريرها نصف السنوي بشأن السودان، أفادت «اليونيسيف» بأن 81 في المائة من المدارس في دارفور لا تزال مغلقة، وأن 70 في المائة من الأطفال هناك لا يرتادون المدارس، في حين تُستخدم 5.8 في المائة من المدارس مراكزَ إيواء. كما أشارت المنظمة إلى تعرض المدارس لهجمات مباشرة خلال هذا العام.

ووفقاً لمبادرة «التعليم لا يمكن أن ينتظر»، فإن هناك 258 مليون طفل ومراهق في سن الدراسة حول العالم يعانون من تعطل مسيرتهم التعليمية بسبب الأزمات؛ ومن بين هؤلاء يوجد 93 مليون طفل خارج المدارس تماماً. وكشف تقرير حديث صادر عن «الصندوق العالمي للتعليم» أن نحو 80 في المائة من الأطفال غير القادرين على الذهاب إلى المدرسة بسبب الأزمات أو النزاعات يعيشون في 20 دولة فقط.

وغالباً ما تكون الفئات الأكبر تهميشاً هي الأعلى عرضة للإقصاء، لا سيما الفتيات والشباب النازحين والأطفال ذوي الإعاقة.

ويأتي هذا الإعلان بشأن السودان بالتزامن مع إطلاق مبادرة عالمية بعنوان: «الأمل يبدأ من هنا»؛ وذلك بهدف حشد 600 مليون دولار للوصول إلى 10 ملايين طفل لا تزال مسيرتهم التعليمية متأثرة بأشد الأزمات العالمية وطأة.

وتقول «اليونيسيف» إن التعليم في ظل الأزمات يتطلب هيكلية جديدة في عالم أعادت تشكيله التكنولوجيا وعدم الاستقرار الجيوسياسي والتغيرات الثقافية المتسارعة، حيث تواجه الافتراضات التقليدية بشأن كيفية تعليم الأطفال ضغوطاً متصاعدة.

وفي هذا الصدد، تقول إيفجينيا لازاريفا، من مؤسسة «كولاب إديوكيشن»، إن «الأسر الأكبر استعداداً لهذه المرحلة هي التي ستتعامل مع التعليم بوصفه استراتيجية تمتد مدى الحياة، وتُبنى بوعي وتخطيط مسبق منذ البداية».