فيكتوريا زاريتوفسكايا: الرياضيات والشعر سر جمال لغة الضاد

المستعربة الروسية تقول إن العربية اختارتها ووقعت في غرامها

فيكتوريا زاريتوفسكايا
فيكتوريا زاريتوفسكايا
TT

فيكتوريا زاريتوفسكايا: الرياضيات والشعر سر جمال لغة الضاد

فيكتوريا زاريتوفسكايا
فيكتوريا زاريتوفسكايا

على مدار ثلاثين عاماً، تمتد رحلة المستعربة الروسية فيكتوريا زاريتوفسكايا مع اللغة العربية. وقد بدأت بحدث غير متوقع وخارج عن السياق في المرحلة الجامعية، ثم شرائها أول قاموس عربي - روسي، حيث أخذت تنظر بدهشة لحروف غير مألوفة ستكتب ملامح مصيرها في المستقبل.

ترجمت إلى الروسية من كلاسيكيات الأدب العربي روايتين لنجيب محفوظ، هما «رحلة ابن فطومة» و«أولاد حارتنا»، كما ترجمت لعلاء الأسواني «عمارة يعقوبيان» و«شيكاغو»، أما من الأجيال الجديدة فنقلت «فرنكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي و«سيدات القمر» لجوخة الحارثي.

وفيكتوريا زاريتوفسكايا معروفة بصرامتها الأكاديمية وجديتها اللافتة وظهورها الإعلامي النادر، فضلاً عن تعمقها في أسرار لغة الضاد وجمالياتها عبر بحوث ودراسات علمية. هنا حوار معها:

> أثناء إعدادي لأسئلة هذا الحوار، فوجئتُ بابتعادك اللافت عن الإعلام حتى أنه لا يكاد يوجد لك حوار صحافي واحد، لماذا وهل الأمر متعمد؟

- بشكل عام، فإن ظهور الباحثين اللغويين والمترجمين في الإعلام محدود جداً، ومن عادة المترجم أن يكتفي بالبقاء خلف الكاتب والنصوص؛ إنه وسيلة، جسرٌ يصلُ الثقافات ببعضها بعضاً، وعمله التقني غير مرئي للأغلبية، فالقارئ يريد أن يعرف ما كتبه الكاتب، ولا شأن له بعملية الترجمة، والصعوبات التي تواجه المُترجم في عمله، وله الحق في ذلك.

وفي ظروف قليلة يحمل المترجم على عاتقه الترويج للأدب الذي ينقل عنه، وقد حدث معي أن شاركت أحياناً في برامج تلفزيونيّة ثقافيّة في قنوات مثل «الجزيرة» و«روسيا اليوم»، فضلاً في قنوات روسية للحديث عن الأدب العربي والترجمة من لغة تعدّ نادرة بالنسبة للوعي الروسي العام.

> هل تعتقدين أن الظهور الإعلامي يتعارض مع جدية الباحث وصرامته؟

- لا يوجد تناقض مباشر بين الدقة العلمية والتغطية الإعلامية، ولكن عملياً هناك خلافاً عميقاً في الأساليب والأهداف والآفاق، البحث العلمي الجاد يتطلب الشك، في حين تتطلب وسائل الإعلام الحديثة الثقة، كما يدوم العلم لعقود، بينما لا تدوم الأخبار إلا لأيامٍ أو ساعات.

لا أعتقد أن الظهور الإعلامي يتعارض مع جدية باحث الإنسانيات بشرط أن يركّز الحوار على تقديم الشخصية ضمن تجربتها في استيعاب ثقافة الآخر وفهمها، وتفنيد الأنماط الفكرية الخاطئة، بمعنى ألا يكون الظهور الإعلامي للباحث من أجل مناقشة الجوانب التفصيلية في عمله، بل الذهاب إلى الجوهر والغوص فيه.

> متى بدأت علاقتك باللغة العربية؟

- نشأتُ وأنا أجهل تماماً وجود عالم عربي ومحيط ثقافيّ عربيّ، فنظام التعليم المدرسي الروسي يتمحور حول الثقافة الوطنية وبعض الثقافات الأوربية. هكذا بقي العالم العربي، بلغته وأدبه غائبين عني حتى التحاقي بالجامعة.

ولشدّ ما كان ذهولي كبيراً حين شاهدت اسمي في قائمة طلاب اللغة العربية، فتحديد اللغة الأجنبية كان اعتباطياً في جامعتي وليس اختيارياً، وكانت مفاجأة ما خطرت على بالي أبداً. لذلك؛ أعتقد أن العربية هي التي اختارتني وليس العكس.

وإني لأتذكر جيداً لحظة ملامستي القاموس العربي - الروسي الذي اشتريته في اليوم نفسه، فتحته على الصفحة الأولى لحرف «أ» ولم أفهم لماذا لا تبتدئ كلمتا «أذربيجاني» و«أذربيجانية» بالحرف نفسه! إذ إنني لم أكن أعرف بعد اتجاه القراءة بالعربيّة.

أما العلاقة الجديّة بالعربيّة فبدأت بعد سنة أو سنتين من ذاك، أي حين راحت مطالعتي للعربية تتلمس طريقاً غير طريق الدراسة وحفظ الدروس، لا من أجل النجاح فقط، بل للتمتع بالعبارات والتراكيب والمعاني، والتأثر جمالياً وفكرياً بالقراءة كما لو أنني أقرأ بلغتي الأم، فأفهم النكات العربية وأضحك لها وربما أقوم بابتكارها أيضاً.

> هل العربية لغة سهلة أم صعبة من منظور روسي بحت... خصوصاً أنك تدرّسينها لغير الناطقين بالعربية؟

- موضوعياً، هي ليست من اللغات السهلة للدراسة لكثرة قواعدها النحوية وبحر مفرداتها، إنها للمجتهدين فقط. والاجتهاد فيها هو خير صفة للمستعربين، وسر فرحتهم، فمع الاجتهاد وتراكم الخبرة، خطوة بعد خطوة، تتضح لك هذه اللغة ويتفتح منطقها العجيب.

والعربية مقترنة بالرياضيات؛ كونها نظام إشارات في النحو، وبالشعرية في العبارات والتراكيب، فهي لمن يميل إلى الرياضيات ويتحمس للشعر معاً. إن كنتِ تتعلمين العربية وأنتِ ضعيفة في الرياضيات، فلن تتذكري وتفهمي تصريف الأفعال، وإن لم تحبي الشعر، لن تفهمي أن يُقال: توسع توسعاً، أو أخذ أخذاً، بدل توسع وأخذ فقط؛ لن تتقبلي مثل هذه العبارات، وستلغيها من عقلك ولسانك.

إنه لسر دفين، شيء يشبه المعجزة أن تروق هذه اللغة الأجنبية لشخصٍ ولا تروق لآخر. ومن المعروف أن موهوبين كباراً مثل الكاتب الروسي ليف تولستوي والمخرج أندريه تاركوفسكي أقبلا على دراسة العربية ولكنهما تراجعا عنها لاحقاً.

> لكِ اهتمام نقدي خاص بالشاعر العُماني أبو مسلم البهلاني... ما السر وراء هذا الاهتمام؟

- أتخصص في مجالات ومواضيع عدة بدءاً من نظرية اللغة وحتى الأدب العربي المعاصر وأعتقد أنها تسهِم في الترجمة. لا شكّ أن هناك كثيراً من الاتجاهات والأسماء تستحق البحث والترجمة لم نقترب منها في روسيا. فالاختيار واسع وصعب أمام المستعربين الروس.

فيما يخص البهلاني، أعترف بأني وجدته لُقية لم أتوان عن الإمساك بها. قرأتُ عن حياته وأفعاله ومحاسنه الكثيرة ولمستُ ضرورةً في الكتابة عنه بالروسية، وعرض مثاله للقارئ الروسي عبر أفعاله الإنسانية ونشاطه التنويري. لقد لامس عاطفتي وليس اهتمامي الفكري فقط.

> لكن البهلاني توفي عام 1920، ألا تعتقدين أنك تظلمين الأجيال اللاحقة في الشعر العماني حين توقفت أبحاثك في هذا الحقل عند تجربة اكتملت قبل أكثر من مئة عام؟

- بالعكس؛ فتجربة البهلاني باقية لم تغب، ويمكنني القول إنه أثّر كثيراً في تحديد الهوية العمانية المعاصرة ودمغ صوته في أجيال من المثقفين وعامّة الشعب، وليس اعتباطاً أن تدرجه منظمة «يونيسكو» ضمن الشخصيات المؤثرة عالمياً لما قدمه من إرث فكري وأدبي سيبقى أثره لأجيال لاحقة. أمّا الشعراء والكتّاب العمانيون الآخرون، فلا أشكّ بقدراتهم الإبداعيّة، وأتمنى أن يضمهم مشروع ترجمي كبير نأمل أن يتحقق.

> ترجمتِ إلى الروسية أكثر من عمل لنجيب محفوظ، لا سيما روايتيّ «رحلة ابن فطومة» و«أولاد حارتنا»، لماذا برأيك لم ينتشر الأدب العربي في مرحلة ما بعد نجيب محفوظ في روسيا على نحو قوي؟

- لسوء الحظ؛ فروسيا لا تدخل ضمن البلدان الأوروبية حيث ترجمة الأدب العربي المعاصر أمر مألوف والقيام به ضروري لمعرفة العالم المحيط، لا سيّما بعد نيل نجيب محفوظ جائزة نوبل عام 1988.

الحالة الروسية في الترجمة من العربية تشبه محرّكاً تعطّل مع سقوط الاتحاد السوفياتي، ولا نرى ما يشير إلى استعادة عمله. اليوم، نعدّه فتحاً لو ترجمنا كتاباً عربياً واحداً في السنة وروجنا له. شيء كئيب؛ فلا مشروع مستدام يجمع المترجمين المستعربين الروس في عمل كبير ترعاه الدولة، ولا مبادرات عربية لتقديم الأدب العربي للروس، والمبادرات الشخصيّة تصطدم بشروط وخطط دور النشر الروسيّة التي لا تلتفت إلى المشرق العربي.

كلّ ما ترجمته مؤخراً كرواية «فرنكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي، ورواية «سيدات القمر» لجوخة الحارثي (صدرت في طبعتين) قد تنبّهت إليهما دور النشر الروسية بعد أن تُرجما إلى الإنجليزية وصعدا إلى قوائم المسابقات الإنجليزية أو فازا بها، لولا هذا الصعود لما وجدتا طريقهما إلى الروسية.

> إلى جانب نجيب محفوظ، ترجمتِ روايتيّ «عمارة يعقوبيان» و«شيكاغو» لعلاء الأسواني الذي يرى كثير من المثقفين أن أعماله تعتمد على حبكة مشوقة لكنها تخلو من العمق، حسب انتقادات عدّة، كيف ترين الأمر؟

- أعتقد انه أدب من نوع آخر، يتمتع بحبكة شيقة وأجواء محلية، كما يعطي شيئاً ذا قيمة، مثل معرفة خصائص العلاقات الاجتماعية المصرية وتحولاتها المعاصرة والظروف التي يتشكل فيها وعي الشباب ومظاهر التطرف... إلخ.

قد يكون الأمر كما أشرتِ بالنسبة للعرب، أمّا هنا فقد لاقت رواية «عمارة يعقوبيان» صدى جيداً؛ إذ تعرض مصر من الداخل للأجانب، وقراءة هذا العمل موصّى به للمستعربين المختصين في الدراسات السياسية والاجتماعية.

> من هم الأدباء العرب الذين أثاروا إعجابكِ وتتمنين ترجمة أعمالهم إلى الروسية؟

- ترجمتُ لكتّاب مصريين، وقليل من كتّاب الجزيرة العربية، وهي منطقة أدبيّة مجهولة عندنا رغم أهميتها، فهناك مثلاً أدب يُكتب في السعوديّة متطور ومغرٍ للترجمة، على سبيل المثال لا الحصر رواية «الحزام» للروائي أحمد أبو دهمان، ورواية «موت صغير» لمحمد حسن علوان، فمثل هذه الأعمال التي تنسج من ميثولوجيا المنطقة وتاريخها، ممتعة للقارئ الروسي ومثرية معرفياً.

الحالة الروسية في الترجمة من العربية تشبه محرّكاً تعطّل مع سقوط الاتحاد السوفياتي

> لعلكِ لاحظتِ أن العقل الثقافي العربي لا يزال، إلى حد ما، متوقفاً عند مرحلة الكلاسيكيات في الأدب الروسي، مثل تولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف... ما السبب برأيك وراء عدم تعرف القارئ العربي بشكل متعمق على الأجيال التالية من الأدباء الروس؟

- بالفعل الأدب الكلاسيكي يحوز نصيب الأسد من حركة الترجمة من الروسية إلى العربية؛ وذلك لما ينطوي عليه هذا الأدب من قيم إنسانية خالدة. ومع ذلك، فترجمة الأدب الحديث غير غائبة تماماً، بما فيها الترجمة المدعومة من معهد الترجمة بموسكو.

إنها مشكلة بنيوية تنبع من عوامل عدّة، منها غياب الدعم الحكومي. فخلال الحقبة السوفياتية، كان هناك برنامج حكومي قوي ورصين لترجمة الأدب الروسي (والسوفياتي) إلى العربية. تولّت هذه المهمة دور نشر متخصصة أبرزها (رادوجا والتقدم). كان هذا جزءاً من استراتيجية جيوسياسية كبيرة لتوسيع النفوذ في الشرق الأوسط. كما بلغت أنشطة الترجمة ذروتها في الفترة ما بين الستينات والثمانينات، عندما وفد آلاف الطلبة من سوريا ومصر والعراق ولبنان وفلسطين للدراسة في الجامعات السوفياتية. وقد شكّلوا كنزاً ثميناً من المترجمين.يتضاءل اليوم عدد طلاب العلوم الإنسانية من الدول العربية في روسيا، وتختزل كثير من الحكومات مِنحها الدراسية على المجالات التقنية. الآن، ولكي نقيم منصة حقيقية للترجمة بين اللغتين، لا بدّ من تضافر الجهود بين العرب والروس، والبدء في وضع استراتيجية جادة طويلة الأمد يتولاها مختصون من كلا الجانبين.


مقالات ذات صلة

مبارك العامري... صوت الحب في القصيدة العُمانية

ثقافة وفنون مبارك العامري

مبارك العامري... صوت الحب في القصيدة العُمانية

«أشعر أن القطار السريع شارف على الوصول إلى محطته الأخيرة / وأن رحلة الآلام المريرة حان لها أن تنتهي / دون إخلال بسيرها المتعرج / وما دام الأمر كذلك

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟

كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟

ينطلق الباحث العراقي الدكتور سعد التميمي في كتابه «بنية الحكي وتحولاته في سرديات سعيد بن محمد السيابي»، من أن الحكاية ليست شكلاً ثابتاً،

«الشرق الأوسط» (عمّان)
ثقافة وفنون غوركي

ذكريات مكسيم غوركي عن معاصريه من الأدباء الروس

يمثل الروائي والكاتب المسرحي الروسي مكسيم غوركي (1868- 1936) حلقة وصل بين عهدين من تاريخ الأدب الروسي: العهد القيصري والعهد السوفياتي

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون الشعر مواجهاً جروح الذات

الشعر مواجهاً جروح الذات

في ديوانها الثالث «أبتر فرعي من شجرة العائلة»، تضع الشاعرة المصرية آلاء فودة يدها بكل قسوة في جروح الذات، تنكأها بلا رحمة، ودون محاولات للتجميل

عمر شهريار
ثقافة وفنون إسكندرية نجيب محفوظ

إسكندرية نجيب محفوظ

يذهب الباحث محمد المالحي في كتابه «نجيب محفوظ... حرافيش الإسكندرية وحكايات الرقيب»، الصادر عن دار «البديع العربي»، إلى مناطق أقل تداولاً في سيرة «أديب نوبل»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مبارك العامري... صوت الحب في القصيدة العُمانية

مبارك العامري
مبارك العامري
TT

مبارك العامري... صوت الحب في القصيدة العُمانية

مبارك العامري
مبارك العامري

«أشعر أن القطار السريع شارف على الوصول إلى محطته الأخيرة / وأن رحلة الآلام المريرة حان لها أن تنتهي / دون إخلال بسيرها المتعرج / وما دام الأمر كذلك / تركت ورداتي الأثيرات / أصول كتابات لم تُنشر / شعراً ورواية ومقالات ونصوصاً مفتوحة / في بطن مندوس صغير / مطعّم بأنجم مذهبة / اقتنيته قبل شهر مضى / من سوق نزوى».

في تقديمه للأعمال الكاملة للشاعر العماني مبارك العامري (1959 - 2020)، الصادرة عن دار «منشورات كلمات» ببغداد، يتساءل الشاعر سيف الرحبي؛ لماذا تلح عليه تلك الأسطر الشعرية أعلاه كلما تذكر العامري واستعاد مع سيرته بهاء الأدب ونزوعه الطليعي وأحلامه الشاسعة التي تتجاوز شروط الواقع الصعب في تجربة مبدع اختطفه الموت وهو في ذروة عطائه ونضجه الإبداعي؟!

«هكذا فقط من غير أسئلة ولا أجوبة، لا فواصل ولا نقاط، يختتم الشاعر مسيرة حياة حافلة بالإبداع ودفق المخيلة التي لا تعرف الحدود والتصنيف، مع ما تيسر من الأحلام وصخب العائلة والعالم بعد آلام المرض المبرحة الشاقة التي كان يعاني منها».

ويلاحظ الرحبي أنه رغم كل هذا الخضم المأساوي للفراق والبين، جاءت تلك الأبيات هادئة تتأمل وتذكّر أحبته وأبناءه الأوفياء والأصدقاء مجتمعين بذكريات حبه ولطفه وهدوئه المتأمل لما حوله ولأحوال الوجود.

ليست هناك نبرة بوح وشكوى، انثيال عاطفي لشاعر يودع الأحبة وكل هذا البريق الأخاذ، خاصة أن أحلام الشاعر في الإنجاز والإبداع كانت لا تزال في منتصفها، رغم ما حققه من ريادة وإضافة على صعيد الحساسية الجمالية، وجاء مغايراً لما كان سائداً ومستقراً.

أخذ على عاتقه التجديد والتجريب في روح القصيدة وبنيتها ولغتها، وجاءت أشعاره مخالفة للذائقة المتوارثة منذ قرون، التي كانت لا تقبل المساس أو الاقتراب النقدي من معاييرها الصارمة وتصنيفاتها الجاهزة، لذلك كانت المقاومة شديدة والعداء عنيفاً لكل ما هو جديد وتجريبي.

وكان العامري من هذه القلة المبدعة، التي لا بد أن تدفع ثمن الاختلاف عن السائد في الأدب، فقد شاء له التاريخ والقدر أن يكون ضمن الطليعة الصدامية الأولى مع التقليدي من الرؤى والتصورات والأشعار التي يُلبسها أصحابها لباس القداسة، تحصيناً وترويعاً كي لا تُمس.

وعن الجانب الإنساني في حياة الشاعر الراحل، يرى الرحبي أن العامري كان يميل إلى العزلة والانتقائية في علاقاته الشخصية، فالرهافة والصدق لا ينسجمان مع الحشد والقطيع الذي يتطلب كثيراً من التنازل وإجبار الذات على محو الصفات الفردية التي تشكل تميز المبدع وجوهر وجوده وكتابته، خاصة في مجتمعاتنا التي ترى في توسل الفردية والعزلة عرضاً مرضياً يتطلب القدح والإدانة.

كما كان على حزنه وألمه العميقين، محباً للحياة ولأسرته التي أولاها جلّ حبّه واهتمامه كجزء من حبه الشاسع لهذه الحياة، مهما كانت عابرة ومأساوية، وكان السفر من بين هذه النعم لديه، إذ يرى فيه برهة تحرر وتحليق في الفضاءات اللامحدودة للمخيلة والجسد.

ويجزم الشاعر عبد الله الريامي أنه لم يقرأ شاعراً عمانياً تفيض من قصائده كلمة الحب، تصريحاً أو تضميناً أو تورية أو اغترافاً من تشبيهاتها واستعاراتها ومغذياتها جميعها في تفاعل جمالي، كما في تجربة مبارك العامري.

يستحضر العامري الحب ويمارسه في مدى نفسي وفلسفي يتفوق على الحسي، الحب بمستوياته الإنسانية المختلفة ومساراته التي بلا حدّ. يتحول هنا إلى فعل مقاومة ضد القبح وإكراهات العيش، وخلاص من التحديات الوجودية في الحياة الشخصية والعامة، فإن كان الجسد منهكاً والخيارات مهزومة فالحب عنده انتصار الروح، وهو سعي دائم إلى الحرية والاستمتاع بها.

تقع الأعمال الكاملة لمبارك العامري في 536 صفحة من القطع المتوسط، وتضم 4 دواوين، هي «بسالة الغرقى» و«مرايا تستنطق الغيم» و«رجع النواقيس» و«شرفة خضراء»، بالإضافة إلى 4 نصوص متفرقة وغير مصنفة، هي «رؤى الأمس» و«معين بسيسو» و«مطر فسفوري» و«زيتونة مباركة».

ويمكن القول إجمالاً إن العالم الشعري للعامري يندرج ضمن تجربة الجيل الذي أسهم في ترسيخ قصيدة النثر في سلطنة عُمان منذ ثمانينات القرن الماضي، حيث تميزت تجربته بالمزج بين الحس الفلسفي والبعد الإنساني واللغة المكثفة، مع انفتاح واضح على الرمز والأسطورة والتأمل الوجودي.

في ديوان «بسالة الغرقى» يحضر البعد الفلسفي بوصفه جزءاً من النسيج الشعري، لا مجرد فكرة خارجية، أما في «مرايا تستنطق الغيم» فينتقل العامري من التأمل الوجودي إلى مساءلة الواقع الثقافي والسياسي العربي، متوقفاً عند أزمات الهوية والتحولات الحضارية، بالتوازي مع انعكاسات معاناته الصحية التي عاشها في سنواته الأخيرة.

وفي «رجع النواقيس» يخوض الشاعر تجربة شكلية مختلفة، إذ يتجه إلى كتابة مقاطع قصيرة ومكثفة، تتجاور داخل النص الواحد في هيئة أجزاء مرقمة، بما يمنح الإيقاع الداخلي للنص دوراً أكبر من السرد الشعري التقليدي.

ويبلغ المشروع الشعري ذروة رقته في «شرفة خضراء»، وهو آخر دواوينه، حيث تغلب على النصوص مفردات الطبيعة والطفولة والأحلام والاخضرار، فيكتب قصائده دون عناوين مستقلة، في محاولة لمنح النص انسياباً أكبر وحرية في التلقي... مثلما يقول في قصيدة «مأوى العجزة» بديوان «مرايا تستنطق الغيم»:

«نحن الطاعنون في الصمت / ماذا ننتظر بعد / غير قيامة تبارك الخراب / منفيون في جلودنا / ممعنون في التيه / نستغيث بالشمس / المطلة علينا من صهريجها الأزلي / أن تلهب دمنا / فتدير وجهها الفسفوري / ناحية البحر / وتوغل عميقاً في اللجة / هي هناك / ربما لتستحم / من وعثاء السفر الطويل».

يتفق النقاد على أن العامري استطاع بناء لغة شعرية تجمع بين البساطة والعمق، بعيداً عن الغموض المفتعل أو الزخرفة البلاغية، عبر نبرة سلسة، لكنها مشحونة بالدلالات، تتنوع فيها الأساليب الخبرية والإنشائية، ولا سيما الاستفهام والتعجب، بما يخلق حالة من الدهشة ويفتح النص على احتمالات متعددة للتأويل، ما منح قصيدته خصوصيتها داخل تجربة قصيدة النثر العُمانية.

يستحضر العامري الحب بمستوياته الإنسانية المختلفة ومساراته ويتحول عنده إلى فعل مقاومة ضد القبح وإكراهات العيش


كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟

كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟
TT

كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟

كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟

ينطلق الباحث العراقي الدكتور سعد التميمي في كتابه «بنية الحكي وتحولاته في سرديات سعيد بن محمد السيابي»، من أن الحكاية ليست شكلاً ثابتاً، بل هي كيان حيّ يتبدل عبر مسارات السرد محتفظاً بجوهره الإنساني؛ وهو ما يفتح تجربة السيابي على أفق التجريب ويعيد مساءلة حدود الأجناس الأدبية.

ويضم الكتاب الصادر حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن في نحو 130 صفحة، دراسة تحليلية تأويلية لمقاربة التجربة السردية للكاتب العُماني الدكتور سعيد السيابي، بوصفها مشروعاً حكائياً متكاملاً، لا مجموعة تجارب متفرقة تتوزع بين أجناس أدبية مختلفة.

وتنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن القصة القصيرة جداً عند السيابي هي مختبر أولي لتكثيف الحكاية واختزالها إلى حدها الأدنى، حيث تتقاطع المفارقة مع الإيحاء، بينما تشكّل القصة مساحة أوسع لتنامي الحدث وتداخل الأصوات، في حين تتيح الرواية عنده فضاءً رحباً لتجريب أشكال أكثر تعقيداً من السرد، أبرزها الميتاسرد وتفكيك البنية الحكائية.

ويجمع الكتاب ثلاثة فصول، مع مدخل نظري لكل منها يضيء الإطار المفاهيمي للجنس الأدبي المدروس؛ تمهيداً للانتقال من التنظير إلى التطبيق النصي. يحمل الفصل الأول عنوان «المفارقة في القصة القصيرة جداً عند سعيد السيابي»، ويقرأ فيه التميمي نصوص هذا الجنس بوصفها فضاءً للمفارقة وبنية عميقة تنظم الحكاية وتعيد توزيع عناصرها، بما يفضي إلى انزياح في التوقع وخلق توتر بين ما يُقال وما يُضمر.

ويكشف هذا الفصل أيضاً عن الخلفية المسرحية التي يستثمرها السيابي في بناء نصوصه القصيرة جداً؛ إذ يوظّف حساسية المشهد وكثافة الحوار الضمني واقتصاد الحركة، بما يجعل النص أقرب إلى لقطة درامية مكتملة تُبنى على لحظة انكشاف حاسمة. ويستعين التميمي في تحليله بمرجعيات نظرية متنوعة، من جيرار جينيت في مفهومَي «المدة» و«الحذف» السرديين، إلى رولان بارت في فكرة «لذة النص»، وتزفيتان تودوروف في مفهوم «التحول السردي»، إضافة إلى آراء نقاد عرب من بينهم صلاح فضل ويوسف وغليسي، في مقاربة تجمع بين الأدوات السردية الحديثة والحساسية النقدية العربية.

أما الفصل الثاني، فيحمل عنوان «حين تتلألأ النجوم تنبثق الحكاية: قراءة في المجموعة القصصية (اثنتا عشرة نجمة)»، ويعالج فيه المؤلف بنية القصة عند السيابي، من خلال تتبع أنماط بناء الحكاية، والعلاقة بين العنوان والنص، وتوظيف الرمز والصورة، إلى جانب التركيز على تمثيلات الذات والعالم. ويسبق هذا الفصلَ تمهيد نظري حول القصة بوصفها جنساً سردياً يمتاز بالتوازن بين التكثيف والامتداد، وبالقدرة على التقاط لحظة دالة ضمن سياق إنساني أوسع.

ويخصص الفصل الثالث، الذي يحمل عنوان «تحولات الحكي في روايات السيابي: من تمثلات التراث إلى أفق الميتاسرد... العبور المزدوج»، وقفتين قصيرتين عند روايتي «جبرين وشاء الهوى» و«الصيرة... تحكي»، تليهما دراسة مفصلة بعنوان «من الرحلة إلى الميتاسرد... قراءة في رواية (جسور متداعية)»، حيث يُقارب المؤلف النص الروائي بوصفه بنية مركّبة تتداخل فيها مستويات الحكي، ويتحول فيها السرد موضوعاً لذاته، ويقدم هذا الفصل عبر تمهيد نظري حول الرواية بوصفها جنساً مفتوحاً قادراً على استيعاب مختلف الأشكال والخطابات، وعلى مساءلة ذاته عبر تقنيات الميتاسرد والتشظي البنيوي.

في مقدمته، يوضح التميمي أن ما يجمع فصول الكتاب، على اختلاف موضوعاتها، هو الانشغال بسؤال الحكي: كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟ وكيف تُنتج معناها عبر تقنيات سردية مختلفة؟ كما يجمعها الاهتمام برصد العلاقة بين الشكل والمضمون، وبين التقنية والدلالة، وبين البنية والتمثيل، منوّهاً إلى أن النصوص المدروسة لا تُقرأ كأنساقٍ دلالية تتشكل عبر اللغة والسرد.

ويرى التميمي أن اختيار تجربة سعيد السيابي موضوعاً للكتاب جاء من قناعة ترى أن هذه التجربة تمثل نموذجاً جديراً بالدراسة في السرد العربي المعاصر؛ لما تنطوي عليه من تنوع في الأشكال وجرأة في التجريب وقدرة على استثمار الإمكانات التعبيرية لكل جنس أدبي، فهي تجربة تتحرك بين الاقتصاد اللغوي في القصة القصيرة جداً، والتوازن البنيوي في القصة، والانفتاح التركيبي في الرواية.

ويقول التميمي في مقدمته إن الكتاب لا يدّعي الإحاطة بكل جوانب هذه التجربة، بل يقدّم قراءة ممكنة تنفتح على قراءات أخرى، ويطمح إلى الإسهام في إغناء النقاش حول السرد العربي المعاصر وحول الأجناس الأدبية وحدودها وتحولاتها؛ آملاً أن يلفت الانتباه إلى أهمية دراسة التجارب السردية التي لم تحظَ بعد بما تستحقه من اهتمام نقدي رغم ما تنطوي عليه من إمكانات جمالية ومعرفية.


ذكريات مكسيم غوركي عن معاصريه من الأدباء الروس

غوركي
غوركي
TT

ذكريات مكسيم غوركي عن معاصريه من الأدباء الروس

غوركي
غوركي

يمثل الروائي والكاتب المسرحي الروسي مكسيم غوركي (1868- 1936) حلقة وصل بين عهدين من تاريخ الأدب الروسي: العهد القيصري الذي كتب في ظله عمالقة من أمثال تولستوي ودوستويفسكي وتورجنيف وتشيخوف، والعهد السوفياتي عقب ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 1917 الاشتراكية، وأدبائه عبر السنين من أمثال مايا كوفسكي وشولوخوف ويفتشنكو. ورغم أن غوركي كان منحازاً إلى هذا العهد التالي، بل كان أكبر ممثلى «الواقعية الاشتراكية» - المذهب الأدبي الرسمي للدولة الشيوعية - وأول رئيس لاتحاد الكتاب السوفيات في 1934 وحائزاً على رضا الديكتاتور ستالين، فقد كان أوسع أفقاً من أغلب معاصريه الشيوعيين، فهو منفتح على الآداب الغربية، قارئ جيد للتراث الإنسانى، وغير ناكر لفضل الجيل العظيم الذي سبقه. تشهد بهذا كتاباته النقدية وذكرياته عن أدباء ذلك الجيل، ومنها الكتاب الذي نتوقف عنده هنا «ذكريات عن تولستوي وتشيخوف وأندريف» (Reminiscences of Tolstoy, Chekhov and Andreyev).

تشيخوف

وقد صدرت له ترجمة، من اللغة الروسية إلى اللغة الإنجليزية، بقلم بريان كارتنك (Brian Karetnyk) في سبتمبر (أيلول) 2025 عن دار فيتزكارالدو للنشر في قرابة 200 صفحة (سبق أن ترجم الكاتب المسرحي المصري ألفريد فرج بعض هذه الكتابات إلى اللغة العربية، كما ترجم الناقد فؤاد دوارة مختارات من مقالات غوركي النقدية، منها مقالة موضوعها «الانحلاليون» أي الشعراء الفرنسيون البوهيميون في أواخر القرن التاسع عشر، مثل أرتور رامبو وبول فرلين).

أهم هذه الكتابات مقالة غوركي في 1919 عن تولستوي. وكان غوركي -الذي فقد أباه في سن الحادية عشرة- يعد تولستوي أباه الروحي رغم الاختلاف الشاسع بين آيديولوجية الكاتب الشاب اليساري والمتصوف المسيحي العجوز مؤلف الروائع «الحرب والسلام» و«آنا كارنينا». كان غوركي في صباه وشبابه وقد عرك الحياة عصامياً علّم نفسه بنفسه وكان عاملاً مكافحاً اشتغل صبي حرفة لدى إسكافي وفي مطبخ سفينة تعبر نهر الفولغا ثم خبازاً في قازان. وحين قدّم المخرج ستانسلافسكي مسرحية غوركي «الحضيض» أو «الأعماق السفلى» على مسرح الفن في موسكو عام 1902 بدأ غوركي يجذب الأنظار، لا في روسيا وحدها، وإنما في أوروبا أيضاً. وما لبث تشيخوف أن قدّمه باعتباره كاتباً واعداً إلى تولستوي، فكان غوركي يحج إلى بيت الأستاذ في ياسنايا بولينا أو في القرم.

تولستوي

وبعد عامين من نشر مقالته عن تولستوي، انتقل غوركي إلى جزيرة كابري في إيطاليا. وفي العقد الخامس من عمره بدأ يسجل ذكرياته عن الأدباء الذين عرفهم قبل قيام ثورة 1917. وكما يقول آدم ثرويل في مراجعة للكتاب في «لندن رفيو أوف بوكس» (25 يونيو / حزيران 2026) كانت هذه الذكريات سجلاً لماضٍ بطولي، خاصة أنها تصدر بعد أن رحل تولستوي وتشيخوف عن الدنيا.

لم يكن غوركي يغفل تسجيل أي مشهد أو محادثة مهما كانت بسيطة حتى تافهة. فهو يذكر مثلاً أن تولستوي أثنى على أقصوصة تشيخوف المسماة «العزيزة» في حضور مؤلفها: «ذات يوم كان تشيخوف يعاني من ارتفاع في درجة الحرارة، يجلس وعلى وجنتيه بقع حمراء ورأسه مائل إلى الأمام، ينظف منظاره المثبت على الأنف مدققاً. لم يقل شيئاً لبرهة، وأخيراً وهو يتنهد، قال بهدوء محرجاً: إن فيها أخطاء طباعية.. قصة بسيطة ولكنها تلقي الضوء على جانب مهم من شخصية تشيخوف، هو الإنسان الدمث المتواضع الذي لا يفخر بمنجزاته، وإن كانت منجزات رائعة قل أن يصل إليها غيره».

وكانت المودة متبادلة بين تولستوي وتشيخوف. لصلاح عبد الصبور مقالة عنوانها «عدو التفاهة» في كتابه «مدينة العشق والحكمة»، يقول فيها عن تشيخوف: «عندما يتحدث عن تولستوي تسبح على عينيه ابتسامة شاحبة رقيقة وخجولة معاً، وينخفض صوته كأنه يتحدث عن شيء قابل للكسر... شيء ينبغي أن يتناوله الإنسان في حرص وفي حب».

وموقف غوركي من تولستوي يلخصه قوله: «لن أكون يتيماً ما ظلّ هذا الرجل يعيش على ظهر الأرض». أبوة روحية رغم الفارق الطبقي الكبير بين تولستوي النبيل الأرستقراطي وغوركي البروليتاري القادم من أسفل السلم الاجتماعي.

وتكشف محادثات غوركي مع تولستوي عن آراء هذا الأخير في عدد من الأدباء. يقول مثلاً: «إن للفرنسيين 3 كتّاب: ستندال وبلزاك وفلوبير. هناك أيضاً موباسان بطبيعة الحال، ولكن تشيخوف خير منه. أما عن الأخوين جونكور فأي مهرجين هما! إنهما لا يعدوان أن يتظاهرا بالجدية. لقد عرفا الحياة من كتب وضعها مؤلفو قصص خرافية مثلهما، وظنّا أنها جدّ. لا أحد بحاجة إلى ذلك». وقد اختلف غوركي معه في هذا الرأي «وضايقه هذا بعض الشيء». كذلك صار تولستوي غير راضٍ عن دوستويفسكي قائلاً: «إن قراءته شاقة ولا تفضي إلى شيء».

كان غوركي يعد تولستوي أباه الروحي رغم الاختلاف الشاسع بين آيديولوجية الكاتب الشاب اليساري والمتصوف المسيحي العجوز

كذلك كتب غوركي عن ليونيد آندريف، وهو - وإن يكن أقل شهرة من تولستوي وتشيخوف - قاصّ وكاتب مسرحي ومصور فوتوغرافي موهوب. وقد صدّر أول مجموعة قصصية له عام 1901 بإهداء إلى غوركي الذي شجّعه على دخول مضمار الأدب. ومن رواياته «السبعة الذين شنقوا» (لها ترجمة عربية) عن الإرهاب السياسي. وله أكثر من 20 مسرحية، منها «هو الذي يصفع» (مترجمة أيضاً إلى العربية). وإذ كان مناهضاً لثورة أكتوبر 1917، فقد عاش خارج روسيا ومات منفياً في فنلندا.

والمفارقة أنه بعد مرور 10 سنوات على كتابة هذه الذكريات غدا غوركي ذاته - في نظر أجيال الشباب - حكيماً مثل تولستوي. وفي مؤتمر الكتاب المنعقد في 1934 (الحقبة الستالينية) غضّ غوركي من شأن «الواقعية النقدية» التي يمثلها تولستوي وتشيخوف، ودعا بدلاً منها إلى «واقعية اشتراكية» أدخل في باب الدعاية منها في باب الفن. وأحجم عن مدّ يد العون لأدباء أصغر سناً، مثل الشاعر أوسيب ماندلستام، حين كان هؤلاء الأدباء في أمس الحاجة إلى غذاء وكساء.

وإذا غضضنا الطرف عن هذه السقطات - وهي تكثر في ظل الأنظمة الديكتاتورية - فستظل هناك حقيقة مستفادة من هذا الكتاب؛ أن فوارق السن بين الأجيال لا يجب أن تحول دون تواصلها. واختلاف الرأي السياسي لا يجب أن يفسد للودّ قضية. فما يجمع بين الأدباء أكبر مما يفرق بينهم، كلهم سدنة في معبد الفن مهما جنحوا يميناً أو وسطاً أو يساراً، فالفن أبقى من السياسة.