في شهر يوليو (تموز) من العام 2002 كادت الحرب تقع بين المغرب وإسبانيا بعد أن قامت مجموعة من عناصر الدرك المغربي بـ«اجتياح» الجزيرة الصغيرة غير المأهولة، المسماة «جزيرة البقدونس» بالإسبانية، و«جزيرة ليلى» بالعربية. وردت مدريد بإرسال مجموعة كوماندوز عسكرية عمدت إلى تجريد المجموعة المغربية من السلاح، وإعادتها إلى بلادها.
وكانت حجة المغرب أن الجزيرة «تنتمي للتراب الوطني المغربي» بسبب قربها الشديد من الشاطئ المغربي. غير أن إسبانيا أكدت في المقابل أنها تقع تحت سيادتها كما هو الحال لثغر سبتة، ومدينة مليلية، اللتين تعتبرهما الرباط كذلك أراضي مغربية. لكن مدريد تؤكد سيادتها عليهما منذ 500 عام.

من هنا جاء الرد الإسباني على لندن التي طالب عدد من مسؤوليها السلطات الإسبانية بوضع حد لاستعمار هاتين الجزيرتين. وقال إغناسيو مولينا، مدير الأبحاث في المعهد الملكي إلكانو بمدريد: «إن هذين الإقليمين المعترف بهما إسبانيان بموجب القانون الدولي، ويضربان بجذورهما في التاريخ تماماً كما إسبانيا نفسها»، مضيفاً أن الدعوة لإنهاء الاستعمار فيهما «لا تقل عبثية عن تخيل أن تطالب فرنسا بالسيادة على جزيرتي جيرسي وغيرنسي البريطانيتين»، الواقعتين أمام شواطئ فرنسا الأطلسية.
لذا هناك بعد تاريخي لما يجري بين البلدين الجارين يتعلق بالسيادة، ومتطلباتها. وسبق للرباط أن استخدمت هذا الواقع كورقة ضغط سياسي على مدريد، كما حصل في العام 2021. والقاعدة تقول إنه عندما تكون العلاقات جيدة من على جانبي مضيق جبل طارق، خصوصاً لجهة تبني مدريد المقاربة المغربية لملف الصحراء، تختفي هذه المشكلة لتبرز مجدداً مع تبني إسبانيا مقاربة تبتعد ولو قليلاً عن الرؤية المغربية. وهذا كان واضحاً في أزمة 2021. لكن الأزمة الأخيرة لا تدفع إلى الأمام بسبب مشابه، بينما نتائجها وتبعاتها لا تقل خطورة عما جرى في العامين 2002، و2021.
مسؤولية إسبانيا
تتمثل النتيجة الأولى في الضغوطات السياسية الفردية والجماعية التي انصبت على إسبانيا، حيث يحملها شركاؤها الأوروبيون مسؤولية ما حصل. من هنا، فالرسالة المفتوحة التي أصدرتها 22 دولة من النادي الأوروبي تتضمن دعوة لعقد اجتماع «على وجه السرعة» لوزراء داخلية الاتحاد، من أجل تنسيق المواقف، والتوافق على «خريطة طريق» لمواجهة أية موجات هجرة لاحقة.

واللافت أن مدريد نفسها كانت من جملة الداعين لاجتماع كهذا. وقال مصدر ديبلوماسي في باريس إن مدريد تسعى لهدفين: الأول طمأنة شركائها في الاتحاد، وتأكيد أنها نجحت سريعاً في السيطرة على الوضع، والدليل على ذلك أن ما يقارب الـ48 ألف مهاجر غير شرعي تمت إعادتهم إلى المغرب، وفق تصريحات وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلسكا. لكن هذا الرقم يحتاج إلى تأكيد، ولا يدل على أن جميع الذين اقتحموا سياج سبتة عادوا إلى بلادهم، إذ إن أرقامهم تصل، بحسب بعض التقديرات، إلى 60 ألف شخص.
أما هدف مدريد الثاني فإنه يتمثل في الدفاع عن سياسة الهجرة التي تتبعها. لذا عجل رئيس الحكومة بيدرو سانشيز في إرسال تحذير قوامه أن مواقف بعض الأوروبيين العدائية «تضرب الأهداف الجماعية للاتحاد على المدى الطويل». وفند سانشيز، بالاستناد إلى أرقام الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل «فرونتكس»، أرقام الهجرات بين العامين 2021 و2026، حيث وصل 478600 مهاجر إلى إيطاليا، و340600 إلى منطقة البلقان الغربية، مقابل 234760 فقط إلى إسبانيا. وكان سانشيز بذلك يستهدف رئيسة الوزراء الإيطالية التي دعت إلى «إخراج» إسبانيا مؤقتاُ من اتفاقية «شنغن» التي تتيح التنقل الحر لمن يحصل على تأشيرة دخول من هذا النوع.
حقيقة الأمر أن حالة من «القلق» سادت العواصم الأوروبية بعد رؤية آلاف الشبان والفتيان يتسلقون السياج الشائك لمدينة سبتة. ومن هنا سارعت فرنسا وإيطاليا إلى إعادة فرض الرقابة على حدودهما الخارجية، حيث ضاعفت باريس خمس مرات عدد قواتها الأمنية على الحدود مع إسبانيا، وكذلك فعلت إيطاليا في مرافئها، ومطاراتها.
لكن ردود الفعل تفاوتت بين بلد وآخر، فإذا كانت فنلندا والدنمارك تضامنتا مع إيطاليا في ملف «شنغن»، إلا أن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز رفض هذا الاقتراح، وقال السبت إن «مسألة خروج إسبانيا من (شنغن) غير مطروحة إطلاقاً».
ووفق القراءات القانونية، لا يبدو تعليق عضوية إسبانيا أمراً سهلاً، خصوصاً أن حالة كهذه لم تطرح منذ قيام «شنغن».
تبعات سياسية
ثمة جانب آخر لا يقل أهمية في موضوع التبعات، ويتناول السياسات الداخلية. فالعديد من الدول الأوروبية تعاني من ارتفاع شعبية الأحزاب اليمينية المتطرفة. وبرز ذلك بقوة في فرنسا، وألمانيا، وبريطانيا. كما أن دولاً مثل إيطاليا والنمسا والدنمارك تعيش تحت حكم اليمين المتطرف. وتعي الأحزاب الوسطية أو التقليدية أن صور «الغزو» عل شواطئ سبتة من شأنها توفير الحجج لليمين المتطرف الذي ظل يحذر منذ سنوات من تدفق الهجرات غير الأوروبية على القارة القديمة.

وهناك تيارات، مثل التيار الذي يقوده أريك زمور، زعيم «حزب الاسترداد» الذي يروج لنظرية «الاستبدال»، «أي حلول المهاجرين المسلمين من أفريقيا والعالم العربي محل الفرنسيين وفقدان الهوية المسيحية الفرنسية»، والتي تلاقي تقبلاً من بعض الفئات السكانية، فيما تدل استطلاعات الرأي على التقدم الكبير لمارين لوبن، مرشحة «التجمع الوطني» اليميني المتطرف في فرنسا، على منافسيها للانتخابات الرئاسية التي ستجرى في الربيع القادم.
وهناك ظاهرة لافتة للغاية، وفحواها أن أي دولة أوروبية، أو غير أوروبية، لم تعمد إلى تحميل المغرب المسؤولية، أو جزءاً منها، فيما حصل خلال الأيام الأخيرة. وأبرز دليل على ذلك ما قاله وزير الداخلية الإسباني، الذي صرح للصحافة السبت عند سؤاله عن مسؤولية المغرب بتأكيده أن «المغرب لا يشكل تهديداً لسبتة، ولا لباقي إسبانيا، لأنه شريك موثوق به».
وأضاف فرناندو غراندي مارلاسكا قائلاً: «الأحداث تتطلب تقييماً من قبل إسبانيا، والمغرب. لكن التعاون مع جيرانها هو الذي سمح لإسبانيا بالسيطرة على الوضع في 24 ساعة».

لكن المسؤول عن جيب سبتة، خيسوس فيفاس، كان أكثر حذراً، إذ قال إن «المدينة لم تعد بعد إلى وضعها الطبيعي». ولتجنب تكرار ما حصل، فإن مدريد قامت بتركيب حاجز احتواء على طول سياج كسر الأمواج الممتد إلى البحر، بعدما اخترق عشرات الآلاف من المهاجرين حدود الجيب الإسباني الصغير.
