عبء التاريخ وتحديات الواقع في أزمة الهجرات بين المغرب وإسبانيا

مدريد ترفض تحميل الرباط أية مسؤولية... وتهاجم الداعين لإخراجها من «شنغن»

عناصر الشرطة الإسبانية خلال توقيف مهاجر سري في سبتة (رويترز)
عناصر الشرطة الإسبانية خلال توقيف مهاجر سري في سبتة (رويترز)
TT

عبء التاريخ وتحديات الواقع في أزمة الهجرات بين المغرب وإسبانيا

عناصر الشرطة الإسبانية خلال توقيف مهاجر سري في سبتة (رويترز)
عناصر الشرطة الإسبانية خلال توقيف مهاجر سري في سبتة (رويترز)

في شهر يوليو (تموز) من العام 2002 كادت الحرب تقع بين المغرب وإسبانيا بعد أن قامت مجموعة من عناصر الدرك المغربي بـ«اجتياح» الجزيرة الصغيرة غير المأهولة، المسماة «جزيرة البقدونس» بالإسبانية، و«جزيرة ليلى» بالعربية. وردت مدريد بإرسال مجموعة كوماندوز عسكرية عمدت إلى تجريد المجموعة المغربية من السلاح، وإعادتها إلى بلادها.

وكانت حجة المغرب أن الجزيرة «تنتمي للتراب الوطني المغربي» بسبب قربها الشديد من الشاطئ المغربي. غير أن إسبانيا أكدت في المقابل أنها تقع تحت سيادتها كما هو الحال لثغر سبتة، ومدينة مليلية، اللتين تعتبرهما الرباط كذلك أراضي مغربية. لكن مدريد تؤكد سيادتها عليهما منذ 500 عام.

مهاجرون ينتظرون عند مركز لإيواء القاصرين في سبتة (أ.ف.ب)

من هنا جاء الرد الإسباني على لندن التي طالب عدد من مسؤوليها السلطات الإسبانية بوضع حد لاستعمار هاتين الجزيرتين. وقال إغناسيو مولينا، مدير الأبحاث في المعهد الملكي إلكانو بمدريد: «إن هذين الإقليمين المعترف بهما إسبانيان بموجب القانون الدولي، ويضربان بجذورهما في التاريخ تماماً كما إسبانيا نفسها»، مضيفاً أن الدعوة لإنهاء الاستعمار فيهما «لا تقل عبثية عن تخيل أن تطالب فرنسا بالسيادة على جزيرتي جيرسي وغيرنسي البريطانيتين»، الواقعتين أمام شواطئ فرنسا الأطلسية.

لذا هناك بعد تاريخي لما يجري بين البلدين الجارين يتعلق بالسيادة، ومتطلباتها. وسبق للرباط أن استخدمت هذا الواقع كورقة ضغط سياسي على مدريد، كما حصل في العام 2021. والقاعدة تقول إنه عندما تكون العلاقات جيدة من على جانبي مضيق جبل طارق، خصوصاً لجهة تبني مدريد المقاربة المغربية لملف الصحراء، تختفي هذه المشكلة لتبرز مجدداً مع تبني إسبانيا مقاربة تبتعد ولو قليلاً عن الرؤية المغربية. وهذا كان واضحاً في أزمة 2021. لكن الأزمة الأخيرة لا تدفع إلى الأمام بسبب مشابه، بينما نتائجها وتبعاتها لا تقل خطورة عما جرى في العامين 2002، و2021.

مسؤولية إسبانيا

تتمثل النتيجة الأولى في الضغوطات السياسية الفردية والجماعية التي انصبت على إسبانيا، حيث يحملها شركاؤها الأوروبيون مسؤولية ما حصل. من هنا، فالرسالة المفتوحة التي أصدرتها 22 دولة من النادي الأوروبي تتضمن دعوة لعقد اجتماع «على وجه السرعة» لوزراء داخلية الاتحاد، من أجل تنسيق المواقف، والتوافق على «خريطة طريق» لمواجهة أية موجات هجرة لاحقة.

الشرطة الإسبانية خلال تأمين عودة آلاف المهاجرين السريين إلى الأراضي المغربية من سبتة (أ.ف.ب)

واللافت أن مدريد نفسها كانت من جملة الداعين لاجتماع كهذا. وقال مصدر ديبلوماسي في باريس إن مدريد تسعى لهدفين: الأول طمأنة شركائها في الاتحاد، وتأكيد أنها نجحت سريعاً في السيطرة على الوضع، والدليل على ذلك أن ما يقارب الـ48 ألف مهاجر غير شرعي تمت إعادتهم إلى المغرب، وفق تصريحات وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلسكا. لكن هذا الرقم يحتاج إلى تأكيد، ولا يدل على أن جميع الذين اقتحموا سياج سبتة عادوا إلى بلادهم، إذ إن أرقامهم تصل، بحسب بعض التقديرات، إلى 60 ألف شخص.

أما هدف مدريد الثاني فإنه يتمثل في الدفاع عن سياسة الهجرة التي تتبعها. لذا عجل رئيس الحكومة بيدرو سانشيز في إرسال تحذير قوامه أن مواقف بعض الأوروبيين العدائية «تضرب الأهداف الجماعية للاتحاد على المدى الطويل». وفند سانشيز، بالاستناد إلى أرقام الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل «فرونتكس»، أرقام الهجرات بين العامين 2021 و2026، حيث وصل 478600 مهاجر إلى إيطاليا، و340600 إلى منطقة البلقان الغربية، مقابل 234760 فقط إلى إسبانيا. وكان سانشيز بذلك يستهدف رئيسة الوزراء الإيطالية التي دعت إلى «إخراج» إسبانيا مؤقتاُ من اتفاقية «شنغن» التي تتيح التنقل الحر لمن يحصل على تأشيرة دخول من هذا النوع.

حقيقة الأمر أن حالة من «القلق» سادت العواصم الأوروبية بعد رؤية آلاف الشبان والفتيان يتسلقون السياج الشائك لمدينة سبتة. ومن هنا سارعت فرنسا وإيطاليا إلى إعادة فرض الرقابة على حدودهما الخارجية، حيث ضاعفت باريس خمس مرات عدد قواتها الأمنية على الحدود مع إسبانيا، وكذلك فعلت إيطاليا في مرافئها، ومطاراتها.

لكن ردود الفعل تفاوتت بين بلد وآخر، فإذا كانت فنلندا والدنمارك تضامنتا مع إيطاليا في ملف «شنغن»، إلا أن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز رفض هذا الاقتراح، وقال السبت إن «مسألة خروج إسبانيا من (شنغن) غير مطروحة إطلاقاً».

ووفق القراءات القانونية، لا يبدو تعليق عضوية إسبانيا أمراً سهلاً، خصوصاً أن حالة كهذه لم تطرح منذ قيام «شنغن».

تبعات سياسية

ثمة جانب آخر لا يقل أهمية في موضوع التبعات، ويتناول السياسات الداخلية. فالعديد من الدول الأوروبية تعاني من ارتفاع شعبية الأحزاب اليمينية المتطرفة. وبرز ذلك بقوة في فرنسا، وألمانيا، وبريطانيا. كما أن دولاً مثل إيطاليا والنمسا والدنمارك تعيش تحت حكم اليمين المتطرف. وتعي الأحزاب الوسطية أو التقليدية أن صور «الغزو» عل شواطئ سبتة من شأنها توفير الحجج لليمين المتطرف الذي ظل يحذر منذ سنوات من تدفق الهجرات غير الأوروبية على القارة القديمة.

السلطات المغربية وفرت حافلات لتسهيل عودة المهاجرين السريين إلى مدنهم (إ.ب.أ)

وهناك تيارات، مثل التيار الذي يقوده أريك زمور، زعيم «حزب الاسترداد» الذي يروج لنظرية «الاستبدال»، «أي حلول المهاجرين المسلمين من أفريقيا والعالم العربي محل الفرنسيين وفقدان الهوية المسيحية الفرنسية»، والتي تلاقي تقبلاً من بعض الفئات السكانية، فيما تدل استطلاعات الرأي على التقدم الكبير لمارين لوبن، مرشحة «التجمع الوطني» اليميني المتطرف في فرنسا، على منافسيها للانتخابات الرئاسية التي ستجرى في الربيع القادم.

وهناك ظاهرة لافتة للغاية، وفحواها أن أي دولة أوروبية، أو غير أوروبية، لم تعمد إلى تحميل المغرب المسؤولية، أو جزءاً منها، فيما حصل خلال الأيام الأخيرة. وأبرز دليل على ذلك ما قاله وزير الداخلية الإسباني، الذي صرح للصحافة السبت عند سؤاله عن مسؤولية المغرب بتأكيده أن «المغرب لا يشكل تهديداً لسبتة، ولا لباقي إسبانيا، لأنه شريك موثوق به».

وأضاف فرناندو غراندي مارلاسكا قائلاً: «الأحداث تتطلب تقييماً من قبل إسبانيا، والمغرب. لكن التعاون مع جيرانها هو الذي سمح لإسبانيا بالسيطرة على الوضع في 24 ساعة».

السلطات الإسبانية قامت بتركيب حاجز احتواء على طول سياج كسر الأمواج الممتد إلى البحر (إ.ب.أ)

لكن المسؤول عن جيب سبتة، خيسوس فيفاس، كان أكثر حذراً، إذ قال إن «المدينة لم تعد بعد إلى وضعها الطبيعي». ولتجنب تكرار ما حصل، فإن مدريد قامت بتركيب حاجز احتواء على طول سياج كسر الأمواج الممتد إلى البحر، بعدما اخترق عشرات الآلاف من المهاجرين حدود الجيب الإسباني الصغير.


مقالات ذات صلة

المغرب وموريتانيا لإنشاء أكبر منطقة صناعية في أفريقيا

شمال افريقيا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

المغرب وموريتانيا لإنشاء أكبر منطقة صناعية في أفريقيا

تتجه العلاقات الاقتصادية والصناعية بين موريتانيا والمغرب إلى مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية، مع الإعلان عن مشروع لإنشاء منطقة صناعية مشتركة.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
رياضة عالمية مجسم ملعب الحسن الثاني في بنسليمان المرشح لاستضافة نهائي مونديال 2030 (الاتحاد المغربي)

أخنوش ينتقد إعلان لقجع إقامة نهائي المونديال في المغرب

انتقد رئيس الوزراء المغربي رئيس الاتحاد المحلي لكرة القدم بعدما أعلن أن نهائي كأس العالم 2030 سيُقام في الدار البيضاء.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا أشخاص يسيرون على الشاطئ بعد محاولتهم العبور من بلدة الفنيدق المغربية الشمالية إلى جيب سبتة الإسباني 31 يوليو 2026 (أ.ب)

المغرب ينفي أي ضلوع له في تدفق المهاجرين إلى سبتة... «لسنا كبش فداء»

أكد المغرب، الخميس، عدم وجود أي «معطيات أو وقائع» تثبت ضلوع سلطاته في تدفق المهاجرين إلى جيب سبتة الإسباني في نهاية يوليو (تموز).

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا شُبان مغاربة أمام حائط خُصّص لحملة الانتخابات التشريعية (أ.ف.ب)

المغرب: انطلاق حملة الانتخابات التشريعية وسط عزوف الشباب

انطلقت، الخميس، الحملة للانتخابات التشريعية، المقررة في 23 سبتمبر (أيلول) في المغرب، حيث يراهن التحالف الذي يقوده رئيس الحكومة عزيز أخنوش على تجديد دوره.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
أوروبا مهاجرون سريون ينتظرون دورهم للحصول على وجبة غذائية بعد تسللهم إلى جيب سبتة (رويترز) p-circle

«وثائق»: المخابرات الإسبانية حذرت من خطط لاقتحام سبتة

أظهرت وثائق نشرتها الحكومة الإسبانية، اليوم (الأربعاء)، أن أجهزة المخابرات الإسبانية حذرت نظيراتها المغربية ومدريد من خطط لاقتحام سبتة.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

مصرع مصري وسودانيَّين إثر غرق قارب «هجرة غير شرعية» قرب الإسكندرية

غرق قارب لـ«الهجرة غير الشرعية» قرب الاسكندرية (أ.ف.ب)
غرق قارب لـ«الهجرة غير الشرعية» قرب الاسكندرية (أ.ف.ب)
TT

مصرع مصري وسودانيَّين إثر غرق قارب «هجرة غير شرعية» قرب الإسكندرية

غرق قارب لـ«الهجرة غير الشرعية» قرب الاسكندرية (أ.ف.ب)
غرق قارب لـ«الهجرة غير الشرعية» قرب الاسكندرية (أ.ف.ب)

لقي مصري وسودانيان مصرعهم إثر غرق قارب لـ«الهجرة غير الشرعية» بالقرب من سواحل البحر المتوسط بمحافظة الإسكندرية (شمال مصر)، السبت، فيما تم إنقاذ 27 آخرين، بينهم 7 مصابين.

وتلقت السلطات المصرية، السبت، إخطاراً بوقوع حادث غرق بالقرب من سواحل الإسكندرية، وبانتقال قوات الإنقاذ النهري إلى موقع البلاغ، تبين غرق مركب هجرة غير شرعية يُقل نحو 30 شخصاً، ونجحت سفينة شحن كانت في طريقها إلى ميناء الإسكندرية في انتشالهم، وفقاً لما نشرته صحف محلية.

وجرى التحفظ على الناجين بواسطة الجهات الأمنية، وتحرر محضر إداري بالواقعة، وجارٍ العرض على النيابة المختصة؛ لتباشر التحقيق، حسب مصدر أمني تحدث لوسائل إعلام محلية.

وأشار بيان صادر عن جهات التحقيق، إلى أن النيابة العامة كلّفت الجهات الأمنية بإجراء التحريات اللازمة للوقوف على تفاصيل الواقعة وملابساتها، وخط سير المركب، ونقطة انطلاقه ووجهته، فيما توجه فريق من النيابة إلى المستشفى لسؤال المصابين، وجرى ندب مفتش الصحة لتوقيع الكشف الطبي على جثث المتوفين.

تأتي الواقعة في ظل استمرار مخاطر رحلات الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط، التي تعتمد في بعض الحالات على قوارب تفتقر إلى مقومات السلامة وتحمل أعداداً كبيرة من الأشخاص، مما يزيد من مخاطر انقلابها أو غرقها خلال الرحلة.

وتشير تقديرات نشرها النائب أيمن محسب عضو مجلس النواب المصري، في شهر مايو (أيار) الماضي إلى ارتفاع أعداد المهاجرين المصريين غير الشرعيين من 709 حالات عام 2018 إلى 21753 حالة عام 2022، بما وضع مصر ضمن قائمة أكبر عشر دول من حيث معدلات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، واستند في ذلك الحين إلى إحصاءات دولية.

ورصدت التقارير أيضاً استمرار المعدلات المرتفعة خلال عام 2023 بنحو 22 ألف مهاجر مصري غير نظامي، مع بقاء المصريين خلال عامي 2024 و2025 ضمن أكثر ثلاث جنسيات تدفقاً عبر مسار وسط البحر المتوسط المؤدي إلى إيطاليا واليونان، وفق ما ذكره محسب آنذاك.

وكثفت السلطات المصرية خلال السنوات الماضية جهودها لمكافحة تهريب المهاجرين وتأمين السواحل والحد من انطلاق هذه الرحلات.


المغرب وموريتانيا لإنشاء أكبر منطقة صناعية في أفريقيا

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

المغرب وموريتانيا لإنشاء أكبر منطقة صناعية في أفريقيا

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

تتجه العلاقات الاقتصادية والصناعية بين موريتانيا والمغرب إلى مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية، مع الإعلان في الدار البيضاء عن مشروع لإنشاء منطقة صناعية مشتركة تمتد على مساحة 800 هكتار، في خطوة وُصفت بأنها تستهدف إقامة أكبر منطقة صناعية من نوعها في القارة الأفريقية.

وجاء الإعلان على هامش الدورة الرابعة عشرة للمعرض الدولي لتكنولوجيات الإنتاج والصناعات الميكانيكية والمعدنية والإلكتروميكانيكية «SISTEP IMME 2026»، الذي افتتح يوم الأربعاء بالمعرض الدولي بالدار البيضاء «OFEC»، تحت رعاية العاهل المغربي الملك محمد السادس، ويستمر إلى غاية يوم السبت، بمشاركة أكثر من 6500 زائر مهني وشركات ووفود دولية، من بينها موريتانيا والصين وإيطاليا.

وقال الشيخ سيدي محمد ولد أحمدو، المدير العام للصناعة بوزارة المناجم والصناعة الموريتانية، إن العمل جارٍ على إنشاء المنطقة الصناعية المشتركة، مشيراً إلى أن الشركات المغربية ستكون لها الأولوية في إقامة مشروعات داخلها، مع تمتعها بالحقوق نفسها الممنوحة للشركات الموريتانية، وألا تصنف استثماراتها في المنطقة على أنها استثمارات أجنبية.

وتأتي هذه الخطوة في إطار العمل المشترك الجاري بين موريتانيا والمغرب على إنشاء منطقة صناعية مشتركة.

وأضاف ولد أحمدو أن المنطقة ستوفر، حسب المشروع، صلة مباشرة بالأسواق الأوروبية عبر المغرب؛ حيث وصف المنطقة الصناعية المزمع إنشاؤها بأنها ستكون «الأكبر في أفريقيا»، من دون أن يذكر تفاصيل عن موعد إنشائها، أو حجم الاستثمارات المرتبطة بها.

من جهته، قال عبد الحميد الصويري، رئيس «الفيدرالية المغربية للصناعات الميكانيكية والمعدنية والإلكتروميكانيكية»، إن المباحثات مع الجانب الموريتاني تناولت أيضاً إنشاء شركات مشتركة، وتهيئة المنطقة الصناعية بما يدعم الشركات في دخول الأسواق الأفريقية، خصوصاً في منطقة الساحل وغرب أفريقيا.

وتحل موريتانيا ضيف شرف على هذه الدورة، التي خصصت يوماً للتعاون الصناعي بين البلدين تحت شعار: «المغرب - موريتانيا: من التكامل الصناعي إلى المشروعات المشتركة»، مع التركيز على بناء سلاسل قيمة مشتركة في مجالات الصناعة والتعدين والطاقة، بما يخدم طموحات البلدين في الولوج إلى الأسواق الأفريقية.


تونس: منظمات حقوقية تدق ناقوس الخطر بعد وفاة عدد من المعتقلين

من مظاهرة نظمها صحافيون وسط العاصمة للمطالبة بإطلاق سراح الصحافيين المعتقلين (إ.ب.أ)
من مظاهرة نظمها صحافيون وسط العاصمة للمطالبة بإطلاق سراح الصحافيين المعتقلين (إ.ب.أ)
TT

تونس: منظمات حقوقية تدق ناقوس الخطر بعد وفاة عدد من المعتقلين

من مظاهرة نظمها صحافيون وسط العاصمة للمطالبة بإطلاق سراح الصحافيين المعتقلين (إ.ب.أ)
من مظاهرة نظمها صحافيون وسط العاصمة للمطالبة بإطلاق سراح الصحافيين المعتقلين (إ.ب.أ)

أطلقت منظمات غير حكومية تونسية ودولية ناقوس الخطر بشأن أوضاع السجون «غير الإنسانية» في تونس، والتي تفاقمت بسبب موجة القيظ في البلاد خلال الأسابيع الأخيرة، في ظل تقارير عن وفاة 23 سجيناً.

ولم تُنشر أي حصيلة رسمية للوفيات المسجَّلة هذا الصيف في المؤسسات السجنية. كما لم تُعلن السلطات عن أي بيانات مجمَّعة حول التداعيات الصحية لموجات الحر على مستوى البلاد بأكملها. فيما اكتفت وزارة الصحة بالتأكيد أنه لا يمكن نسبة أي وفاة إلى الحرارة دون تأكيد من الطب الشرعي.

23 حالة وفاة

استناداً إلى معطيات مقدّمة من أطباء ومحامين وعائلات، وثّقت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان 23 حالة وفاة هذا الصيف لمساجين، وفق ما قال رئيس المنظمة بسّام الطريفي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ومن بين هؤلاء رجل الأعمال لزهر سطا، بحسب ما أعلنت ابنته ووسائل إعلام محلية. كما توفي رجل أعمال لبناني في السجن بتونس، بحسب الطريفي. وبهذا الخصوص أفاد مصدر قضائي لبناني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأن والد المتوفى أبلغ السلطات اللبنانية بوفاته قبل أسبوع، ويوضح الطريفي أن «الظروف غير إنسانية أساساً في الأوقات العادية. لكن مع موجة الحر ودرجات حرارة تتجاوز أحياناً 45 درجة مئوية في زنازين مكتظة، تصبح الأوضاع تهديداً لحياة السجناء».

صحافيون يرفعون لافتة تطالب بالإفراج عن الصحافي محمد اليوسفي (إ.ب.أ)

وتواجه السجون التونسية، التي تتعرّض لانتقادات بشكل منتظم بسبب الاكتظاظ وصعوبة ظروف الاحتجاز، ضغطاً إضافياً خلال فترات موجات الحر الشديدة في فصل الصيف.

وتتحدث منظمات غير حكومية عن زنازين مكتظة وتهوئة غير كافية وإمداد محدود أحياناً بالماء، وهي اتهامات ترفضها إدارة السجون التونسية.

لن أسكت

ورغم اعتيادها على درجات حرارة صيفية مرتفعة، شهدت تونس هذا العام موجات حر استثنائية من حيث الشدة وطول المدة، مع درجات حرارة تتجاوز في كثير من الأحيان المعدلات المعتادة للفصل، ناهزت الخمسين درجة في بعض المناطق الداخلية.

ويربط العلماء هذه التقلبات بتداعيات التغير المناخي.

وعبّرت المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب خلال هذا الأسبوع في بيان عن «قلقها من تدهور ظروف الاحتجاز، وتزايد الوفيات في الوسط السجني»، في ظروف «لا تزال، بالنسبة إلى عدد منها، غير واضحة بما فيه الكفاية».

وأعربت المنظمة أيضاً عن أسفها لـ«غياب بيانات رسمية مجمَّعة» حول الموضوع، داعية إلى إجراء «تحقيقات مستقلة ومحايدة وشفافة» بخصوص الوفيات، التي حدثت في السجن.

وخلال الصيف، حذَّرت عائلات الموقوفين من تدهور ظروف احتجاز ذويهم مع ارتفاع درجات الحرارة. وغالباً ما جاءت المخاوف من أقارب لمعارضين للرئيس قيس سعيّد، ومن بينهم أقارب الناشط السياسي أحمد نجيب الشابي (82 عاماً)، ورئيس حزب حركة النهضة راشد الغنوشي (85 عاماً).

وكتبت هيفاء الشابي، ابنة نجيب على موقع «فيسبوك»: «لن أنتظر إلى أن يتوفَّى أبي وعمِّي في السجن. الله يرحم كل من توفى في هذه الظروف القاسية... ضحايا. لن أسكت...أطلقوا سراح المعتقلين».

وفي 22 أغسطس (آب) الماضي، رفضت إدارة السجون الاتهامات بالإهمال أو التقصير في الرعاية، على ما نقلت وسائل إعلام محلية. وفي الأيام الأخيرة، أعاد تدهور الحالة الصحية للصحافي الاستقصائي التونسي محمد اليوسفي، الناقد أيضاً للسلطات، إحياء المخاوف.

وأُوقف اليوسفي الجمعة الماضي بتهمة الإثراء غير المشروع، بينما كان يستعد للمشاركة في برنامج إذاعي. واضطر للخضوع لعملية جراحية بسبب التهاب الزائدة الدودية، ثم أُخضع مجدداً للاستجواب لدى قوات الأمن.

كما عبّرت ابنة الصحافي المستقل زياد الهاني، المعروف بانتقاده للسلطة، عن قلقها الشديد. وقالت آرام الهاني في مقطع فيديو نُشر على موقع «فيسبوك»: «أنتظر يوماً ما وسيخبرونني بأن أبي توفي في السجن».

وحُكم على والدها بالسجن سنة واحدة إثر تصريحات أدلى بها خلال مؤتمر صحافي.

وأضافت آرام باكية: «كل مرة أغادر فيها السجن، أقول لنفسي ربما تكون هذه آخر مرة أرى أبي». ومنذ أن قرّر سعيّد صيف عام 2021 احتكار السلطات في البلاد، سُجن عشرات المعارضين والصحافيين ورجال الأعمال والشخصيات العامة.

وحثّت المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب السلطات التونسية على اتخاذ «الإجراءات اللازمة لحماية حياة وصحة وسلامة الأشخاص الموقوفين»، وعلى «ضمان وصول» المنظمات غير الحكومية إلى المؤسسات السجنية.

وأفادت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بأنه لم يعد يُسمح لها بزيارة السجون منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.