تجارب العالم تؤكد: «ترشيد الطاقة» باب النمو والتنمية

صندوق النقد: تكلفة الدعم حول العالم تفوق 5.3 تريليون دولار

تجارب العالم تؤكد: «ترشيد الطاقة» باب النمو والتنمية
TT

تجارب العالم تؤكد: «ترشيد الطاقة» باب النمو والتنمية

تجارب العالم تؤكد: «ترشيد الطاقة» باب النمو والتنمية

تدعو الكثير من المؤسسات العالمية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، حكومات العالم إلى ترشيد دعم الطاقة، ولأن دول الخليج الست من بين أكثر 10 دول في العالم من حيث استهلاك الطاقة لكل فرد، فقد خصتهم المؤسسات الدولية بالكثير من هذه الدعوات.
وقدر صندوق النقد الدولي تكلفة دعم الطاقة حول العالم بنحو 5.3 تريليون دولار في 2015، ما يعادل 6.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بسبب دعم الطاقة، والأضرار البيئية، والصحية، وغيرها من الآثار الجانبية، وبينما تتصدر الصين القائمة العالمية، تتصدر السعودية دول المنطقة في دعم الطاقة.
ويكلف دعم الطاقة ميزانية السعودية ما يوازي 4.6 في المائة من ناتجها بشكل مباشر، بغض النظر عن الأضرار الأخرى.
ورأى بنك الكويت الوطني، أن خفض دعم الطاقة أصبح أمرا لا بد منه في دول الخليج، عندما بلغ سعر مزيج برنت نحو 50 دولارا للبرميل، والآن أصبح الأمر أكثر إلحاحا بعد ما تبنت الموازنة السعودية مبلغ 26 دولارا للبرميل كسعر في الموازنة.
وبدأت دول مجلس التعاون الخليجي برفع دعم البنزين والديزل بصورة تدريجية، فقد رفعت قطر دعم الديزل في مايو (أيار) 2014 بواقع 50 في المائة، وتبعتها البحرين ثم الكويت في مطلع 2015، كما قامت إمارة دبي برفع دعم الديزل والبنزين، إذ تحدد الأسعار مع ربطها بأسعار الأسواق العالمية.
وستقوم حكومة السعودية خلال العام الحالي بتخفيض دعم الطاقة، مستفيدة من نتائج تجارب الدول السابقة في هذا المجال، حتى تجني أكبر قدر من النجاح.
ويقول صندوق النقد العربي إن التجربة الأردنية في إصلاح دعم الطاقة، امتازت باتباع منهجية متدرجة في التطبيق مقبولة شعبيا في وقت يتسم بالاستقرار على المستوى الداخلي، وذلك بالإضافة إلى انتهاجها أساليب تخفف من الآثار السلبية لتخفيض الدعم من خلال تقديم التعويضات للأسر الفقيرة والمتوسطة الدخل.
وأوضح تقرير الصندوق أن الأردن حاولت حل مشكلة دعم الطاقة منذ ثمانينات القرن الماضي، إلا أن جهود الإصلاح باءت بالفشل، وذلك للرفض المجتمعي الذي واجهته برامج الإصلاح، إلا أن جهود الإصلاح الجادة في الأردن، بدأت بقيام السلطات الأردنية في 2005 بخلق حوار مجتمعي من أجل وضع استراتيجية وطنية لقطاع الطاقة، ثم قامت الأردن بإلغاء الدعم على المنتجات النفطية بصورة تدريجية على مدار ثلاثة أعوام، وقامت ببيع الكهرباء للمستهلكين بأسعار يتم مراجعتها بصورة شهرية لضمان تغطية الأسعار لمستويات التكلفة.
من جهة أخرى، قامت الحكومة الأردنية باتخاذ عدد من الإجراءات من أجل التخفيف عن كاهل الأسر الفقيرة ومتوسطة الدخل، حيث قامت بزيادة الأجور والمعاشات الخاصة بالتقاعد، كما تم تعويض العاملين في القطاع الخاص أصحاب الدخول المحدودة بصورة منفصلة عن العاملين بالقطاع العام والحكومة، وقد بلغ عدد المستفيدين من هذه الزيادة في الأجور نحو 60 في المائة من إجمالي عدد السكان، كما قامت الحكومة بتقديم برامج خاصة بالمساعدات الصحية والمدرسية ودعم الأمن الغذائي، وقامت السلطات بتدشين قانون الضمان الاجتماعي الجديد.
وفي مصر أيضا قامت الحكومة بترشيد دعم الطاقة بداية من العام المالي قبل الماضي، بتحرير سعر الغاز الطبيعي للمنازل والفئات الأنقى من البنزين (بنزين 95)، مع الرفع التدريجي لبقية فئات البنزين، وزيادة فواتير الكهرباء بشكل تصاعدي ارتباطا بشريحة الاستهلاك، هذا تزامنا مع إصلاح منظومتي السلع التموينية والخبز، بالإضافة إلى إطلاق برنامجي تكافل وتضامن للدعم النقدي المشروط للفقراء، فأدى تطبيق البرنامجين إلى تحسين حياة الآلاف من الفقراء من حيث التعليم والصحة ومتوسط الدخول، وقد أبدى وزير المالية المصري سعادته، أكثر من مرة، بسبب أن الإنفاق على التعليم والصحة تجاوز أخيرا الإنفاق على دعم الطاقة.
أما عيوب البرنامج المصري فترتبط بمشكلات التنفيذ وسوء الإدارة واختلاف تقديرات عدد المستحقين ومستويات الدخول عن الواقع الحقيقي.
تجربة أخرى لإصلاح الدعم تمت في كينيا وأوغندا في بداية القرن، حيث قامت الدولتان بتنفيذ الكثير من الإصلاحات التي تهدف إلى تحسين أداء قطاع الطاقة، ومع قيام الدولتين بتحرير أسعار الطاقة صار القطاع جاذبا للاستثمار وأدى دخول القطاع الخاص بكثافة إلى تحسين كفاءة الإنتاج والتوزيع والتحصيل، مما أدى إلى زيادة عدد المستفيدين من شبكة الكهرباء بـ41 في المائة في أوغندا و140 في المائة في كينيا.
كما أدى خفض الدعم على الطاقة في كثير من مناطق العالم خاصة دول أميركا اللاتينية إلى زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة.
وإجمالا، فإن إصلاح الدعم هو فرصة لإعطاء دفعة للنمو والحد من الفقر وتحقيق أكبر للعدالة والمساواة، فإعادة تخصيص الموارد التي يحررها الدعم باتجاه زيادة الإنفاق العام الإنتاجي يمكن أن يساعد على إعطاء دفعة للنمو في الأجل الطويل.
ويمكن أن يؤدي إلغاء الدعم، إذا اقترن بشبكة للأمان الاجتماعي جيدة التصميم وزيادة في الإنفاق لمصلحة الفقراء، إلى تحسينات كبيرة في رفاة الفئات منخفضة الدخل على المدى الأبعد. ويمكن أيضا أن يسهم إصلاح الدعم في خفض عجز الميزانية وأسعار الفائدة، مما يحفز استثمارات القطاع الخاص ويعزز النمو.
وبإزالة التشوهات في الأسعار، يمكن أن يساعد إصلاح دعم الوقود على تحسين الحوافز والإنفاق على تطوير تكنولوجيات موفرة للطاقة.
وتشير تقديرات لصندوق النقد الدولي إلى أن زيادة الاستثمار في التكنولوجيات الأكثر كفاءة والموفرة للطاقة، يمكن أن تعطي دفعة للنمو بنسبة تصل إلى 2 في المائة على المدى البعيد، هذا بالإضافة إلى تحقيق منافع كبيرة في مجالي البيئة والصحة عن طريق خفض التلوث المحلي.
ويتطلب هذا وجود خطة شاملة لإصلاح قطاع الطاقة، وينبغي إعداد هذه الخطة بالتشاور مع أصحاب المصلحة، وينبغي أن تتضمن أهدافا واضحة وبعيدة المدى وتقييما لتأثير الإصلاحات.
على الجانب الآخر، يقول صندوق النقد إن تجارب الدول تشير إلى وجود بعض الحواجز التي تعترض الإصلاح الناجح للدعم، وهي عدم وجود معلومات تتعلق بحجم الدعم وأوجه قصوره، ونادرا ما تظهر التكلفة الكاملة للدعم في الميزانية، ونتيجة لذلك، لا يتمكن الجمهور من تحديد آثار الدعم الضارة على النمو، ومعارضة فئات محددة تستفيد من الوضع الراهن، وغياب أدوات تعوض الفقراء عن ترشيد الدعم.
وعلى الرغم من أن معظم الدعم يستفيد منه الأغنياء، فإنه على الحكومة أن تمنع حدوث أي ضرر يمس الفقراء من خلال زيادة تكاليف الطاقة المستخدمة في الطهي والتدفئة والإنارة والنقل الشخصي من ناحية، أو من خلال التأثيرات غير المباشرة في نقل الغذاء والنقل العام من ناحية أخرى.
وفي معظم الدول التي قامت بإصلاح الدعم، وجدت أدوات موجهة بشكل جيد للحماية الجماعية، بما في ذلك التحويلات النقدية التي يمكن توسيع نطاقها لتعويض الفئات المعرضة للمخاطر.
بالإضافة إلى هذه الحواجز، توجد مخاوف تتعلق بالتأثير الضار على التضخم والقدرة التنافسية الدولية للقطاعات الكثيفة الاستخدام للطاقة وتقلب أسعار الطاقة المحلية خاصة في الأجل القصير.

* الوحدة الاقتصادية
بـ«الشرق الأوسط»



السعودية تدين بشدة هجمات «قوات الدعم السريع» في كردفان

عناصر من «قوات الدعم السريع» في شرق دارفور (لقطة من فيديو)
عناصر من «قوات الدعم السريع» في شرق دارفور (لقطة من فيديو)
TT

السعودية تدين بشدة هجمات «قوات الدعم السريع» في كردفان

عناصر من «قوات الدعم السريع» في شرق دارفور (لقطة من فيديو)
عناصر من «قوات الدعم السريع» في شرق دارفور (لقطة من فيديو)

أعربت السعودية عن إدانتها واستنكارها الشديدين للهجمات الإجرامية التي شنتها «قوات الدعم السريع» على مستشفى الكويك العسكري، وعلى قافلة إغاثية تابعة لبرنامج الغذاء العالمي، وعلى حافلة تقلّ نازحين مدنيين؛ ما أدى إلى مقتل عشرات المدنيين العزَّل، من بينهم نساء وأطفال، وإلحاق أضرار بمنشآت وقوافل إغاثية في ولايتَي شمال وجنوب كردفان بالسودان.

وأكدت السعودية، في بيان لوزارة خارجيتها، السبت، أن هذه الأعمال لا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال، وتشكل انتهاكات صارخة لجميع الأعراف الإنسانية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وطالبت بضرورة توقُّف «قوات الدعم السريع» فوراً عن هذه الانتهاكات، والالتزام بواجبها الأخلاقي والإنساني في تأمين وصول المساعدات الإغاثية لمحتاجيها، وفقاً للقوانين الدولية والإنسانية، وما ورد في «إعلان جدة» (الالتزام بحماية المدنيين في السودان)، الموقَّع بتاريخ 11 مايو (أيار) 2023.

وجددت السعودية تأكيد موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية، ورفضها للتدخلات الخارجية، واستمرار بعض الأطراف في إدخال السلاح غير الشرعي والمرتزقة والمقاتلين الأجانب، على الرغم من تأكيد هذه الأطراف على دعمها للحل السياسي، في سلوك يُعد عاملاً رئيسياً في إطالة أمد الصراع ويزيد من استمرار معاناة شعب السودان.

وقُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جرّاء استهداف «قوات الدعم السريع» عربة نقل كانت تقلّ نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».


معرض الدفاع العالمي ينطلق غداً في الرياض وسط توسّع المشاركات الدولية

يضم المعرض مطاراً متكاملاً بمدرج يبلغ طوله 2700 متر مزوداً بـ4 ممرات للطائرات وساحات عرض واسعة (الشرق الأوسط)
يضم المعرض مطاراً متكاملاً بمدرج يبلغ طوله 2700 متر مزوداً بـ4 ممرات للطائرات وساحات عرض واسعة (الشرق الأوسط)
TT

معرض الدفاع العالمي ينطلق غداً في الرياض وسط توسّع المشاركات الدولية

يضم المعرض مطاراً متكاملاً بمدرج يبلغ طوله 2700 متر مزوداً بـ4 ممرات للطائرات وساحات عرض واسعة (الشرق الأوسط)
يضم المعرض مطاراً متكاملاً بمدرج يبلغ طوله 2700 متر مزوداً بـ4 ممرات للطائرات وساحات عرض واسعة (الشرق الأوسط)

في واحد من أكبر التجمعات الدفاعية العالمية، تستعرض شركات الصناعات الدفاعية والعسكرية أحدث ما توصلت إليه من تقنيات ومنظومات متقدمة، وذلك في معرض الدفاع العالمي 2026، الذي ينطلق غداً في العاصمة السعودية الرياض، وسط مساعٍ سعودية متسارعة لرفع نسبة توطين الصناعات العسكرية، وبناء سلاسل إمداد محلية متكاملة.

وتُعقد النسخة الثالثة من المعرض تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وبتنظيم الهيئة العامة للصناعات العسكرية، وذلك خلال الفترة من 8 إلى 12 فبراير (شباط) 2026، في الرياض، بمشاركة وفود رسمية وجهات حكومية وشركات دولية متخصصة في قطاعَي الدفاع والأمن، التي يُنتظر أن تشهد تعزيز شراكات نوعية مع كبرى الشركات العالمية، بما ينسجم مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي أسهمت خلال الأعوام الماضية في تأسيس قطاع دفاعي وطني متكامل بمختلف جوانبه الصناعية والتقنية والتشغيلية.

وقال محافظ الهيئة العامة للصناعات العسكرية السعودية، رئيس اللجنة الإشرافية للمعرض، المهندس أحمد العوهلي، إن النسخة الثالثة من المعرض تعكس التزام المملكة بالابتكار والتوطين، وتطوير منظومة دفاعية متكاملة، عبر منصات تجمع الجهات الحكومية مع الشركاء الدوليين، لافتاً إلى أن المعرض يقدم برنامجاً موسعاً يشمل عروضاً جوية وبرية حية، وعروضاً ثابتة، إلى جانب مناطق مستحدثة، بما يعزز فرص الشراكة والتكامل بين الجهات الحكومية وكبرى الشركات الوطنية والعالمية العاملة في قطاع الصناعات الدفاعية.

وبيّن أن المعرض يُسهم في دعم الجهود الرامية إلى توطين أكثر من 50 في المائة من الإنفاق العسكري، وفق مستهدفات «رؤية 2030»، بالإضافة إلى رفع الجاهزية التشغيلية، وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية للمملكة في المجال الدفاعي.

جانب من نسخة سابقة لمعرض الدفاع العالمي (الشرق الأوسط)

من جانبه، أكد الرئيس التنفيذي لمعرض الدفاع العالمي، آندرو بيرسي، أن النسخة الثالثة ستشهد برنامجاً متكاملاً يبدأ ببرنامج الوفود الرسمية الذي يربط كبار المسؤولين بالمستثمرين وقادة الصناعة من مختلف دول العالم، بما يدعم مسار التعاون الصناعي والتقني الدولي، ويعزّز موقع المملكة ضمن منظومة صناعة الدفاع العالمية.

وأشار بيرسي إلى أن «مختبر صناعة الدفاع» سيستعرض التقنيات الناشئة والأبحاث التطبيقية، فيما تبرز «منطقة الأنظمة البحرية» الأولويات المتنامية في المجال البحري، إلى جانب «منطقة سلاسل الإمداد السعودية» التي توفّر قنوات ربط مباشرة بين المُصنّعين المحليين والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، والشركات العالمية، وصولاً إلى برنامج «لقاء الجهات الحكومية السعودية» الذي يتيح مناقشة القدرات ومتطلبات التشغيل وفرص الاستثمار الصناعي.

وأضاف أن المعرض يشكّل منصة دولية تجمع قادة القطاع والمبتكرين والمستثمرين، على مدى خمسة أيام من اللقاءات المهنية، وتبادل الخبرات، واستعراض أحدث القدرات الدفاعية.

ولفت إلى أن المعرض يضم مطاراً متكاملاً بمدرج يبلغ طوله 2700 متر، مزوّداً بأربعة ممرات للطائرات وساحات عرض واسعة، ستشهد حضور أحدث الطائرات العسكرية، ما يعزّز مكانة المعرض بوصفه إحدى الفعاليات الدفاعية القليلة عالمياً القادرة على استضافة عروض جوية وبرية وبحرية متكاملة على مستوى دولي.

ومن المنتظر أن يشهد معرض الدفاع العالمي 2026 مشاركات تفوق ما تحقق في النسخ السابقة، في مؤشر على النمو المتواصل في أعداد العارضين والوفود الدولية، وعلى تصاعد الاهتمام العالمي بالسوق السعودية، بوصفها إحدى أبرز منصات الصناعات الدفاعية الناشئة في العالم.

من جهة أخرى، سيشارك فريق الاستعراض الجوي التابع للقوات الجوية الكورية الجنوبية، والمعروف باسم «النسور السوداء»، في المعرض، وذلك لعرض خبراتهم في مجال الصناعات الدفاعية الكورية. وستكون هذه المشاركة الأولى للفريق في معرض دفاعي في الشرق الأوسط.

ووفقاً للقوات الجوية الكورية الجنوبية، سيتم إرسال تسع طائرات مقاتلة من طراز «T-50B» تابعة لفريق «النسور السوداء» (بما في ذلك طائرة احتياطية)، وأربع طائرات نقل من طراز «C-130» لنقل الأفراد والبضائع، بالإضافة إلى نحو 120 جندياً إلى المعرض.

Your Premium trial has ended


حكومة الزنداني ترى النور وسط تحديات يمنية متشابكة

مجلس القيادة الرئاسي اليمني مجتمعاً بحضور رئيس الحكومة (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي اليمني مجتمعاً بحضور رئيس الحكومة (سبأ)
TT

حكومة الزنداني ترى النور وسط تحديات يمنية متشابكة

مجلس القيادة الرئاسي اليمني مجتمعاً بحضور رئيس الحكومة (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي اليمني مجتمعاً بحضور رئيس الحكومة (سبأ)

بعد نحو 3 أسابيع من المشاورات المكثفة، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، القرار الجمهوري رقم «3» لسنة 2026، القاضي بتشكيل حكومة جديدة برئاسة شائع الزنداني، في خطوة لإعادة ترتيب المؤسسة التنفيذية في اليمن، وفتح نافذة أمل أمام الشارع اليمني المثقل بالأزمات الاقتصادية والخدمية والأمنية.

ويأتي هذا التشكيل الحكومي في ظل تحديات متشابكة ومعقدة، خصوصاً مع استمرار خطاب الانقسام الجغرافي والسياسي، وتراجع الموارد السيادية، وتآكل ثقة المواطنين بالمؤسسات، ما يجعل من حكومة الزنداني «حكومة فرصة أخيرة» لاختبار قدرة الشرعية اليمنية على الانتقال من إدارة الأزمة إلى الشروع الفعلي في التعافي.

وتضم الحكومة الجديدة 35 وزيراً، 20 منهم ينتمون إلى المحافظات الجنوبية، و15 إلى المحافظات الشمالية، وهو عدد يعكس حجم التعقيد السياسي ومحاولات استيعاب مختلف القوى، لكنه يُشير إلى استمرار معضلة تضخم الجهاز التنفيذي.

ورغم الجدل الذي أثاره بعض الناشطين السياسيين بشأن أسماء عدد من الوزراء المختارين، فإن قراءة تركيبة الحكومة تكشف عن حرص واضح على تحقيق قدر من التوازن الحزبي والجغرافي والسياسي، وذلك عقب مشاورات مطوَّلة جرت في العاصمة السعودية الرياض، هدفت إلى تخفيف حدة الاحتقان بين المكونات المنضوية تحت مظلة الشرعية.

الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة شائع الزنداني أمام تحديات أمنية واقتصادية وسياسية (سبأ)

ويبرز في هذا السياق، احتفاظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة وزارة الخارجية وشؤون المغتربين، في خطوة تعكس توجهاً لتركيز القرار الدبلوماسي والسياسي الخارجي بيد رئاسة الحكومة، بما يضمن انسجام الرسائل السياسية الموجهة للمجتمع الدولي، ويُعزز من قدرة الحكومة على حشد الدعم الخارجي.

وفيما حازت حضرموت 6 وزراء في التشكيل الحكومي الجديد، بوصفها كبرى المحافظات اليمنية من حيث المساحة، حافظ 8 وزراء على مناصبهم في التشكيلة الجديدة، وهم: معمر الإرياني وزير الإعلام، بعد فصل وزارة الثقافة والسياحة عنه في التشكيل السابق، ونايف البكري وزير الشباب والرياضة، وسالم السقطري وزير الزراعة، وإبراهيم حيدان وزير الداخلية، وتوفيق الشرجبي وزير المياه والبيئة، ومحمد الأشول وزير الصناعة والتجارة، وقاسم بحيبح وزير الصحة، وبدر العارضة وزير العدل.

وجاء التشكيل الحكومي اليمني بعد إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي حلّ نفسه في يناير (كانون الثاني) 2026، وهي خطوة مهّدت لصيغة أكثر مرونة في توزيع الحقائب، وقلّصت من حدة الاستقطاب، دون أن يعني ذلك بالضرورة نهاية التباينات العميقة داخل معسكر الشرعية، على الرغم من اختيار عدد من الوزراء، ضمن التشكيل الوزاري من المحسوبين على المجلس الانتقالي المنحل.

الحضور النسائي

ومن أبرز ملامح حكومة الزنداني عودة الحضور النسائي إلى مجلس الوزراء اليمني عبر تعيين 3 وزيرات، في سابقة لافتة بعد سنوات من الغياب شبه الكامل للمرأة عن السلطة التنفيذية. فقد جرى تعيين الدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي، والقاضية إشراق المقطري وزيرة للشؤون القانونية، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة دولة لشؤون المرأة.

ولا يقتصر هذا الحضور على بُعده الرمزي، بل يحمل رسائل سياسية متعددة، داخلياً وخارجياً؛ حيث يعكس محاولة لإعادة الاعتبار لدور المرأة اليمنية في صناعة القرار، ويبعث بإشارات إيجابية إلى المانحين والمؤسسات الدولية، التي لطالما ربطت دعمها بتعزيز الشمولية والحوكمة الرشيدة.

الوزيرة اليمنية أفراح الزوبة خلال ظهور سابق مع مسؤولين أمميين (سبأ)

وتكتسب حقيبة التخطيط والتعاون الدولي أهمية مضاعفة في هذه المرحلة، كونها بوابة الحكومة نحو المانحين، في وقت تراجعت فيه المساعدات الخارجية بأكثر من 65 في المائة، وفق تقديرات رسمية، ما يجعل من هذه الوزارة محوراً رئيسياً في أي مسار تعافٍ اقتصادي محتمل.

كما تقلّدت القاضية إشراق المقطري منصب وزيرة الشؤون القانونية، وهي تمتلك مسيرة حافلة؛ فهي قاضية وعضو سابق في اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان؛ حيث عرفت بجرأتها في توثيق ملفات الحرب، ولها باعٌ طويل في العمل المدني والحقوقي، ما يجعلها صوتاً موثوقاً لدى المنظمات الدولية؛ حيث تُركز سيرتها المهنية على تعزيز سيادة القانون، وحماية حقوق الفئات المستضعفة، وإصلاح المنظومة العدلية.

في السياق نفسه، تعد وزيرة شؤون المرأة عهد جعسوس وجهاً نسائياً بارزاً، وهي معروفة بنشاطها المكثف في منظمات المجتمع المدني؛ حيث تركزت جهودها على قضايا النوع الاجتماعي وحماية حقوق النساء والأطفال.

تحديات كبيرة

وترث حكومة الزنداني وضعاً اقتصادياً بالغ الصعوبة، يتمثل في تدهور قيمة العملة الوطنية (الريال اليمني)، واضطراب انتظام صرف الرواتب، وتوقف صادرات النفط التي تُمثل الشريان الرئيسي للإيرادات العامة، نتيجة الهجمات الحوثية على مواني التصدير.

ويُمثل تحسين الوضع المعيشي للمواطنين التحدي الأكثر إلحاحاً، في ظل ارتفاع معدلات الفقر، وتآكل القدرة الشرائية، وتنامي حالة السخط الشعبي، خصوصاً في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، التي تعاني أزمات مزمنة في الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية.

اليمن يحصل على دعم سعودي واسع لا سيما في مجال الطاقة والخدمات (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن)

وفي هذا السياق، تضع الحكومة الجديدة ضمن أولوياتها حوكمة المنح الخارجية، وعلى رأسها المنحة السعودية للوقود، وضبط ملف «الطاقة المشتراة»، الذي يُعد من أكثر الملفات إثارة للجدل والاتهامات بالفساد.

ويُنظر إلى وزارة الكهرباء والطاقة بوصفها إحدى الوزارات الحيوية، التي سيقاس على أدائها مدى جدية الحكومة في مكافحة الهدر والفساد.

وعلى الصعيد السيادي، لا تزال الحكومة تعمل في ظل واقع منقوص، مع استمرار سيطرة الجماعة الحوثية على العاصمة صنعاء، ومفاصل إدارية وتقنية حساسة، بما في ذلك بنية الاتصالات، وتهديها للأجواء ومنشآت تصدير النفط، كما يبرز التحدي عن مدى قدرة هذه الحكومة على العمل من الداخل وتجاوز التصعيد الذي لا يزال يقوده بعض أتباع المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، سواء في عدن أو غيرها من المحافظات المحررة.

ويؤكد مجلس القيادة الرئاسي اليمني التزامه بدعم الحكومة في تنفيذ برنامج إصلاحات شامل، يهدف إلى تعزيز العمل من الداخل، وتفعيل مؤسسات الدولة في عدن، ورفع مستوى التنسيق بين السلطات المركزية والمحلية، بما يُعزز ثقة المجتمع الدولي.

وفي الاجتماع الذي عقده مجلس القيادة الرئاسي، بحضور رئيس الوزراء، أشاد المجلس بالتحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية، واستقرار سعر الصرف، وصرف الرواتب، عادّاً ذلك مؤشراً أولياً على إمكانية تحقيق اختراقات ملموسة، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والدعم اللازم.

وعود ورهانات

في أول تصريح له عقب تشكيل الحكومة، أكد رئيس الوزراء، شائع الزنداني، التزام حكومته بالعمل بروح الفريق الواحد، والتركيز على تحسين الأوضاع المعيشية والخدمية، ومكافحة الفساد، وتطوير الأداء المؤسسي، مع تعزيز الشراكات مع الأشقاء والأصدقاء.

كما شدد على أهمية القرب من المواطنين، وتحسس معاناتهم، وهو خطاب يعكس إدراكاً لحساسية المرحلة، لكنه يضع الحكومة أمام اختبار صعب، يتمثل في تحويل هذا الخطاب إلى سياسات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

وأشاد الزنداني بالدعم السعودي، واصفاً إياه بالركيزة الأساسية لصمود الحكومة، في ظل شح الموارد وتراجع الدعم الدولي، وهو ما يعكس استمرار الرهان على التحالف الإقليمي، بوصفه الضامن الرئيسي لاستقرار مؤسسات الشرعية.

وإذ ينتظر اليمنيون، ومعهم المجتمع الدولي أن تكون هذه الحكومة مختلفة كلياً، يتطلع الشارع اليمني إلى تحقيق إنجازات سريعة في الملفات الخدمية والاقتصادية، وترسيخ العمل من الداخل، ومكافحة الفساد، وبناء نموذج دولة قادر على استعادة ثقة المواطن، وقبل ذلك حسم استعادة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة للحوثيين.