أولى المناطق التجريبية بالجنوب: عاد الجيش اللبناني… ولم يعد «حزب الله»

«الشرق الأوسط» تجول في زوطر الغربية على بعد أمتار عن الجيش الإسرائيلي

عنصران من الجيش اللبناني يشرفان على إزالة الركام من شوارع زوطر الغربية بجنوب لبنان (الشرق الأوسط)
عنصران من الجيش اللبناني يشرفان على إزالة الركام من شوارع زوطر الغربية بجنوب لبنان (الشرق الأوسط)
TT

أولى المناطق التجريبية بالجنوب: عاد الجيش اللبناني… ولم يعد «حزب الله»

عنصران من الجيش اللبناني يشرفان على إزالة الركام من شوارع زوطر الغربية بجنوب لبنان (الشرق الأوسط)
عنصران من الجيش اللبناني يشرفان على إزالة الركام من شوارع زوطر الغربية بجنوب لبنان (الشرق الأوسط)

يرفع أبو فضل عز الدين صندوق مأكولات فارغاً مكتوباً عليه باللغة العبرية، يعيق دخوله إلى منزله في بلدة زوطر الغربية. فالرجل الذي عاد وعائلته ليتفقد منزله المتضرر جراء الحرب اكتشف أن عناصر الجيش الإسرائيلي أقاموا في الطابق الثاني من المنزل.

يقول عز الدين: «نقلوا الفرش، ومراوح التهوية من طابقين آخرين، وهنا ناموا، وأكلوا، وتركوا قمامتهم وبقايا الأطعمة»، قبل أن يغادروا إثر الانسحاب الإسرائيلي من البلدة، بموجب تنفيذ «المنطقة التجريبية» في الأسبوع الماضي.

أبو فضل عز الدين أحد سكان زوطر الغربية يزيل صندوقاً بكتابات عبرية عن مدخل منزله في البلدة بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي منها في جنوب لبنان (الشرق الأوسط)

وعز الدين واحد من مئات اللبنانيين الذين عادوا إلى البلدة لتقصّي إمكانيات العيش فيها، بعد الانسحاب الإسرائيلي. تخيّم الصدمة على وجوه كثيرين منهم، جراء الدمار الواسع، وتلاشي مقدرات العيش. يعمل الجيش اللبناني جاهداً لإعادة فرص الحياة في البلدة، وضمانة توفيرها.

جرافات الجيش تعمل على إزالة الركام، وفتح الطرقات، فيما تنتشر عناصره على الضفة الشرقية للساحة. «هنا يجب أن تتوقف»، يقول عسكري في الجيش يقف قرب آليتين عسكريتين، مشيراً إلى «منطقة خطرة تقع على بُعد خطوات»، في إشارة إلى عناصر وآليات الجيش الإسرائيلي الذين يقفون على بُعد أمتار قليلة في بلدة زوطر الشرقية التي لا تزال محتلة.

آليتان للجيش اللبناني تقفلان الطريق بين زوطر الغربية وزوطر الشرقية التي لا يزال الجيش الإسرائيلي يحتلها (الشرق الأوسط)

دخل الجيش... لا «حزب الله»

في زوطر الغربية، دخل الجيش اللبناني، لكن «حزب الله» لم يعد إلى البلدة. لا أثر يدلّ عليه. لم يُرفع أي علم جديد للحزب، ولا صورة لأي من زعمائه، وقيادييه. تلوح بين الركام بقايا أعلام صفراء مزّقها عصف الانفجارات. الراية الوحيدة القائمة هي الأعلام اللبنانية المرفوعة على الآليات العسكرية. يتجول عناصر الجيش بين الساحة وأحياء البلدة المتصلة بأحياء زوطر الشرقية. يمازح أحد أبناء البلدة محدثيه، بوصفه تهكماً نقطة التماس تلك بـ«جدار برلين»، في إشارة إلى الفاصل بين زوطر الغربية وجارتها الشرقية. يطلق أحد السكان تهكماً أيضاً على نقطة التفتيش الأولى إلى البلدة لقب «معبر زوطر» القائم على الطريق الفرعي من جهة قاقعية الجسر، بالنظر إلى أن مدخلها الرئيس من الجهة الشرقية محتل.

مواطنتان لبنانيتان تتفقدان أحياء بلدتهما المدمرة في زوطر الغربية بجنوب لبنان (الشرق الأوسط)

وحضور الجيش بالنسبة لسكان البلدة لا يقتصر على كونه ضمانة أمنية. يتحدث أهالي البلدة عن لقائهم بقائد الجيش العماد رودولف هيكل الذي زار البلدة يوم الجمعة. تقول هيفاء شقير إن هيكل سلم عليها، وتضيف: «رحبت به، وقلت له إنه في بلده، وبين ناسه وأهله، وإننا نتشرف به وبالأسود حوله (في إشارة إلى العسكريين)، وإننا نتمنى أن يعمّ الأمان»، وتضيف: «رد علي بأنه يتفقد بلده وأهله، ووعدنا بأننا لن نرى إلا الخير». وتشير إلى أن هيكل «أسعدنا بزيارته. لقد خفّف عن أشخاص مكسورين».

مهمات خدماتية

هذا الجانب العاطفي في الزيارة يتعزز أيضاً بجانب خدماتي. بموازاة إزالة الركام، وتفتيش المنازل، ووسمها بالأمان بعد إزالة المخاطر منها بما يمكن الناس من العودة، ويتحدث السكان عن أن الجيش يوفر لهم مقدرات العيش في البلدة. يقول حسن عز الدين الذي دمر الجيش الإسرائيلي متجر ألعاب يمتلكه في ساحة البلدة، وتضرر منزله في الحي الغربي جراء القصف الإسرائيلي، إن الجيش اللبناني وفّر له مياه الخدمة، وملأ خزانات المنزل، بما مكّنه من العودة إلى المنزل، والإقامة فيه بدءاً من مساء الجمعة.

دبابة إسرائيلية بين منازل زوطر الشرقية على بُعد أمتار من بلدة زوطر الغربية التي دخلها الجيش اللبناني بموجب اتفاق لتنفيذ المناطق النموذجية بجنوب لبنان (الشرق الأوسط)

وكان تأمين الخدمات جزءاً من تعهد قائد الجيش لرئيس البلدية عبد عز الدين خلال الزيارة نفسها. يقول عز الدين إن هيكل «أبدى استعداده للمساهمة في تأمين الخدمات للبلدة»، مضيفاً أنه في ملف إعادة التيار الكهربائي «اقترحت عليه أن نؤمن للسكان ألواح الطاقة الشمسية، ووعدنا بالسعي لتوفير فرص العيش للسكان». وأشار إلى أن الجيش اليوم بالتعاون مع البلدية «يفتح الطرقات، ويزيل الردم، كما ينقل الجيش والدفاع المدني المياه للناس، ونعمل على تأمين خزانات مياه للمنازل المتضررة بما يمكنهم من العودة».

جرافة للجيش اللبناني تزيل الركام من تحت قبة مسجد بلدة زوطر الغربية الذي دمرته إسرائيل بجنوب لبنان (الشرق الأوسط)

ويضيف عز الدين: «حضر الجيش، ولم تحضر معظم مؤسسات الدولة. لم نرَ عودة لوزارة الشؤون الاجتماعية مثلاً، أو أي وزارة أخرى، باستثناء مجلس الجنوب الذي أمن المساعدات الغذائية لسكان زوطر الغربية»، مشيراً إلى أن هذا الملف «سنبحثه مع رئيس الحكومة نواف سلام الذي زار البلدة، ووعدنا بلقاء معه، وبأن تكون بلدة نموذجية». وقال إن أعداد السكان العائدين «تزداد يومياً»، حيث «يسكنون المنازل المتضررة بلا نوافذ أو أبواب، لأنهم يشعرون بأن العودة حق، والبلاد والأرزاق غالية عليهم».

لا أثر للحياة

ولا تتخطى المنازل المتضررة ولكنها صالحة للسكن نسبة الـ10 في المائة من نسبة منازل البلدة التي يبلغ عدد سكانها 4200 شخص. أما المنشآت الأخرى، فتعرض 60 في المائة منها لتدمير كلي، فيما تعتبر الأخرى إما آيلة للسقوط، أو نسبة الأضرار فيها عالية جداً، مما يمنع السكن فيها.

أبو فضل عز الدين يستعرض كتابات عبرية وبقايا طعام وجدها في منزله في بلدة زوطر الغربية بعد الانسحاب الإسرائيلي منها (الشرق الأوسط)

يمتد الدمار الكلي على مساحة واسعة في الساحة العامة، وصولاً إلى أطراف زوطر الشرقية، حيث يوجد الجيش الإسرائيلي. ومن الجهة الشمالية، سوّت التفجيرات والغارات حياً واسعاً بالأرض. لم يستثن الدمار أياً من المنشآت العامة، والدينية، من مبنى البلدية إلى المسجد، والحسينية، والطرقات، فضلاً عن أضرار تعرضت لها كنيسة تم تشييدها قبل سنوات قليلة. كما رصد السكان محاولة لتخريب بئر توفر مياه الشفة للبلدة.

رغم ذلك، يعود السكان في النهار إلى البلدة، حيث تتولى منظمة مجتمع مدني توفير الطعام لهم، ومياه الشفة لهم، أما في الليل، فيغادر القسم الأكبر من هؤلاء البلدة. وينقسم العائدون بين سكان زوطر الغربية وزوطر الشرقية.

ويقول مصطفى عمار، الذي يتحدر من زوطر الشرقية، إنه يأتي يومياً لينظر باتجاه بلدته. يشير إلى أن الجيش الإسرائيلي دمر منزله، وجرف حقول التبغ التي كان يزرعها في البلدة، لكنه يأتي ليكون على مسافة قصيرة من مسقط رأسه. ويضيف: «نحن بلدان إدارياً، لكن الأحياء متداخلة، والأهالي كأنهم في بلدة واحدة. قسم من أهالي الغربية يسكنون إدارياً في أحياء الشرقية، أو لهم ممتلكات فيها».

طفل لبناني يتفقد الدمار في قريته في زوطر الغربية (الشرق الأوسط)

ومن هؤلاء، أبو محمد حريبي الذي يتحدر من الغربية، ويقيم في الشرقية. يشير إلى أن الجيش الإسرائيلي دمر منزله، واقتحم سوبرماركت يمتلكها في الشرقية «وهي مليئة بالبضائع». يأتي كل يومين أو ثلاثة من مقر نزوحه في صيدا إلى زوطر الغربية «لأنظر إلى بلدتي»، ويترك أولاده وأحفاده في موقع نزوحهم. ومثله، صودف وجود شاب سوداني يعمل في محطة وقود في زوطر الشرقية منذ 16 عاماً، وجاء يتفقد معارفه من الناس في البلدتين، ويطلع على أحوالهم.

موقع استراتيجي

آمال كثيرة بالعودة والأمان يعبر عنها السكان هنا، لكنها سرعان ما تصطدم بتحركات الجيش الإسرائيلي على بعد أمتار، وبتفجيرات تدوي على الطرف المقابل من الوادي في القرى المحتلة، مثل دير سريان، والطيبة، والقنطرة، ويحمر، وحتى محيط قلعة الشقيف التي تعرضت لتفجير ضخم قبل ساعات، أو مرتفعات علي الطاهر المواجهة للبلدة أيضاً التي تقول تل أبيب إنها تنوي احتلالها.

آثار التفجيرات الإسرائيلية الضخمة في مرتفع محاذٍ لقلعة الشقيف في جنوب لبنان كما تظهر من بلدة زوطر الغربية (الشرق الأوسط)

يأمل السكان ألا تطول مرحلة الانسحاب. فالوجود الإسرائيلي على مقربة منهم «هو مبعث قلق دائم». يقول أحدهم: «لا أمان من الجانب الإسرائيلي»، وقد اختبرت البلدة التي تتمتع بموقع استراتيجي وتطل عليها مرتفعات محتلة من الطيبة، والعويضة، وحتى مسكافعام، دماراً طوال حقبات الحروب والمواجهات مع إسرائيل. يقول أبو فضل عز الدين: «هذا المنزل الذي أفسده الإسرائيليون خلال الإقامة فيه أخيراً، وأحرقوا غرفه، كان قد تدمر في حرب 2006 وأعدنا بناءه».

السكان، يتمنون أن تكون الحرب الأخيرة «آخر الحروب». تقول هيفاء شقير التي لم تستطع أن تستخرج ملعقة واحدة من تحت ركام منزلها: «نأمل أن يفرجها الله على الناس، ونعيد بناء بلدنا أجمل مما كانت».


مقالات ذات صلة

لبنان: 4350 قتيلاً وأكثر من 12 ألف جريح جراء الحرب الإسرائيلية

المشرق العربي تصاعد الدخان وسط سلسلة من الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت منطقة المنصوري في جنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

لبنان: 4350 قتيلاً وأكثر من 12 ألف جريح جراء الحرب الإسرائيلية

ارتفعت حصيلة ضحايا الحرب الإسرائيلية على لبنان منذ 2 مارس (آذار) الماضي حتى اليوم الثلاثاء، إلى 4 آلاف و350 قتيلاً و12 ألفاً و310 جرحى.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي وزير النقل يعرب بدر ووزير الأشغال العامة والنقل اللبناني فايز رسامني في مقر الوزارة بدمشق (سانا)

إحياء الربط السككي بين سوريا ولبنان... وربط بالعراق والخليج وتركيا

ناقش الوزيران السوري واللبناني تطوير حركة النقل بين البلدين وتعزيز الربط البري والسككي.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي مدنيون من القرى المسيحية في جنوب لبنان يعبرون الطريق الساحلي جنوباً ضمن قافلة ويبدو العلم الإسرائيلي على مدخل بلدة الناقورة في يوليو 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

إسرائيل تفرض قيوداً على حركة سكان 3 قرى مسيحية في جنوب لبنان

فَرَضَ الجيش الإسرائيلي قيوداً على حركة سكان ثلاث بلدات مسيحية محاصرة في جنوب لبنان، حيث حدد مساراً للتنقل من العمق اللبناني وإليه.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص آليات للجيش اللبناني تفصل بين مواقع وجود الجيش الإسرائيلي في بلدة زوطر الشرقية والمدنيين العائدين إلى بلدة زوطر الغربية أولى المناطق النموذجية بجنوب لبنان (الشرق الأوسط)

خاص موعد «روما-3» مرتبط بقرار واشنطن تحقيق تقدم يُنهي المراوحة

كشف مصدر سياسي معنيّ بالمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، في ضوء ما انتهت إليه الجولة السابعة، عن أن واشنطن تتريث في تحديد موعد لرعايتها الجولة الثامنة.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي دورية لقوات «اليونيفيل» قرب بلدة بيوت السياد الساحلية في جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)

من «اليونيفيل» إلى لجان التحقق... هل تتغير وظيفة الرقابة في جنوب لبنان؟

ينتقل البحث في مرحلة ما بعد «اليونيفيل» من مصير القوة الدولية إلى هوية البديل وصلاحياته، مع تداول صيغة أوروبية ولجان تحقق قد تتولى مهامَّ موسّعة.

صبحي أمهز (بيروت)

بوتين والشرع يبحثان هاتفياً تعزيز العلاقات

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلتقي الرئيس السوري أحمد الشرع في الكرملين بموسكو في أكتوبر الماضي (د.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلتقي الرئيس السوري أحمد الشرع في الكرملين بموسكو في أكتوبر الماضي (د.ب.أ)
TT

بوتين والشرع يبحثان هاتفياً تعزيز العلاقات

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلتقي الرئيس السوري أحمد الشرع في الكرملين بموسكو في أكتوبر الماضي (د.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلتقي الرئيس السوري أحمد الشرع في الكرملين بموسكو في أكتوبر الماضي (د.ب.أ)

قال ​الكرملين إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس السوري أحمد ‌الشرع أجريا ‌اتصالاً ​هاتفياً، الأربعاء، ⁠ناقشا ​خلاله توطيد ⁠الحوار السياسي والتعاون في التجارة ومجالات أخرى.

وأضاف ⁠الكرملين في ‌بيان ‌أن ​الزعيمين ‌أكدا ‌أهمية مذكرة التفاهم الموقّعة في التاسع من ‌أغسطس (آب)، والهادفة إلى تحديد ⁠مستقبل القاعدتين ⁠الروسيتين في طرطوس وحميميم، بعد مفاوضات استمرت 18 شهراً.

بموجب التفاهم، ستبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية. أما بالنسبة للقواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فأفادت المذكرة بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحوّل من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة»‏.

وحدّدت «مذكرة التفاهم» سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ. ويعد التطور، الخطوة الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف عام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏


خدام: احتياطي سوريا 12 مليار دولار كان مسجلاً باسم حافظ الأسد

حافظ الأسد خلال زيارة لموسكو في 1999 (أ.ف.ب)
حافظ الأسد خلال زيارة لموسكو في 1999 (أ.ف.ب)
TT

خدام: احتياطي سوريا 12 مليار دولار كان مسجلاً باسم حافظ الأسد

حافظ الأسد خلال زيارة لموسكو في 1999 (أ.ف.ب)
حافظ الأسد خلال زيارة لموسكو في 1999 (أ.ف.ب)

من أكثر ما تحمله مذكرات نائب الرئيس السوري الراحل عبدالحليم خدام حساسية في باب المال والسلطة، روايته أن احتياطي الدولة السورية، البالغ آنذاك اثني عشر مليار دولار بحسب النص، كان مسجلًا باسم الرئيس الراحل حافظ الأسد لا باسم مؤسسات الدولة.

يكتب خدام في المذكرات التي حررها وقدّمها الزميل إبراهيم حميدي، رئيس تحرير «المجلة»، وتصدر مطلع سبتمبر (أيلول) عن دار «رف» التابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام SRMG: «لم يخطر في بال أحد أن يوضع مبلغ بهذا الحجم بالاسم الشخصي لرئيس الدولة، وهو مبلغ للدولة السورية وليس له».

غلاف الكتاب

وفي رواية خدام، لم تبقَ المسألة شكلية، بل تحولت إلى أزمة داخلية حين وصلت إلى الرئيس وثيقة تفيد بسحب مبلغ من الحساب المودع باسمه في الخارج. استغرب الأسد الأمر وطلب من البنك كتاب التحويل، وبعد أيام وصلت صورة الطلب، ولدى تدقيق التوقيع تبين أنه مزوّر. سُئل البنك عن الجهة التي حُوّل إليها المبلغ (65 مليون دولار) فتبين أنها عائدة لرئيس الحكومة محمود الزعبي. يروي خدام أن «ثائرة» حافظ الأسد ثارت، وأنه طلب إلى أحد رؤساء أجهزة الأمن استدعاء الزعبي وإنذاره بإعادة المبلغ وإلا أُعدم، وبالفعل أُعيد المال إلى المصرف.

وتضع المذكرات الواقعة في سياق مسار الزعبي نفسه الذي بقي في رئاسة الحكومة من نوفمبر (تشرين الثاني) 1987 حتى مارس (آذار) 2000، في أطول رئاسة حكومة منذ ولادة الدولة السورية عام 1918.

يرسم خدام صورة قاسية للرجل الذي «انزلق ليس فقط في تسهيل الفساد وإنما ممارسته أيضاً»، ويروي كيف بنى شبكة ثقته صعوداً نحو مكتب باسل الأسد ومحمد مخلوف، فيما كان هو نفسه يفتح ملف الفساد مع حافظ الأسد منذ 1989 ليأتيه الجواب: «من أين تأتي بهذه المعلومات؟ الواقع مختلف عما تقول».

حافظ الأسد وإلى جانبه رئيس الوزراء الراحل محمود الزعبي (أ.ف.ب)

ثم يروي خدام النهاية من الداخل: في منتصف مايو (أيار) 2000 دعا الرئيس الراحل، وقد بدت عليه «علائم الموت»، عدداً من أعضاء قيادة حزب «البعث» الحاكم إلى منزله، وقال لهم: «لقد خانني محمود الزعبي. حققوا معه وحاسبوه»، من دون أن يكشف الموضوع.

أُقيل الزعبي من الحزب وتقررت إحالته إلى التحقيق، وحين أُبلغ القرار أخذ يردد: «أنا ماذا فعلت؟»، ثم قال لخدام: «إذا دعوني إلى التحقيق سأنتحر». وفي 24 مايو 2000، وعندما جاء قائد شرطة دمشق ومعه ضابطان لاصطحابه إلى التحقيق، صعد الزعبي إلى الطابق الثاني في منزله وأطلق النار على رأسه. ويكتب خدام أنه علم بواقعة التزوير والاحتياطي «بعد مدة وجيزة» من الانتحار.

وتحيط المذكرات الواقعة بملفات أخرى من عهدة الزعبي، أبرزها عقد شراء طائرات «إيرباص» مطلع التسعينيات: لجنة برئاسة رئيس الحكومة، ووزير نقل استُبعد منها بعدما اتصل بالشركة الفرنسية «للحصول على عمولة»، وعقد أقرّته الحكومة رغم اعتراضات موثقة «بعد أن أوحى لها الزعبي بأن الرئيس قد وافق عليه».

حافظ الأسد وإلى يساره عبد الحليم خدام عام 1999 (غيتي)

ويسجل خدام مفارقة: بعد انتحار الزعبي ببضعة أيام أُوقف نائب رئيس الحكومة سليم ياسين ووزير النقل مفيد عبدالكريم، وهما من اعترضا على العقد، «ظلماً»، وحُكم عليهما بالسجن خمسة عشر عاماً وبغرامة تفوق قيمة الطائرات.

ويروي في السياق نفسه أن دراسة إصلاح اقتصادي أعدها خبراء كلفهم رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري بموافقة الرئيس، وكلفت ثلاثة ملايين دولار، «لم يقرأها أحد سواي من أعضاء الحكومة والقيادة».

لم يتسنَّ التحقق المستقل من الوثائق المصرفية المشار إليها، وتبقى الرواية على مسؤولية صاحبها. تفاصيل الواقعة، وسياق حكومة الزعبي وملفات الفساد التي رافقتها، ترد في فصل «انتحار محمود الزعبي» من الكتاب.


الزنداني: لن نسمح للحوثيين وإيران بابتزاز اليمن

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (سبأ)
رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (سبأ)
TT

الزنداني: لن نسمح للحوثيين وإيران بابتزاز اليمن

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (سبأ)
رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (سبأ)

شدد رئيس الوزراء اليمني الدكتور شائع الزنداني على أن بلاده لن تبقى ساحة مفتوحة أمام مشروع عابر للحدود، وأنها لن تسمح للحوثيين وإيران بابتزاز الدولة اليمنية.

وقال الزنداني في حوار مع «الشرق الأوسط» إن التصعيد الحوثي الأخير يكشف استهداف الجماعة مقوّمات الحياة والاقتصاد الوطني، وسعيها إلى تحويل الأراضي اليمنية والموانئ والممرات البحرية إلى أدوات تخدم مشروعاً إقليمياً يتجاوز حدود البلاد. وأكد أن اليمن لا يريد من العالم أن يخوض الحرب نيابة عن اليمنيين، وإنما أن يدعمهم في استعادة دولتهم، وبناء قدراتهم.

وأوضح رئيس الوزراء أن التنسيق اليمني - السعودي يتطور باستمرار ويتجاوز التعامل مع تصعيد عسكري طارئ، ويستند إلى شراكة استراتيجية راسخة بين بلدين يجمعهما الجوار والأمن والمصير والمصالح المشتركة، مشيراً إلى أن الرياض تعدّ استقرار اليمن جزءاً من أمن المملكة والمنطقة.

وقال الزنداني إن الحكومة لا تتعامل مع ميناء المخا بوصفه مجرد منشأة محلية، بل على أنه جزء من منظومة اقتصادية وملاحية أوسع، مشيراً إلى أن استهدافه تترتب عليه تداعيات تتجاوز الحدود الوطنية. وأضاف أن حماية الموانئ والمنشآت الاقتصادية مسؤولية وطنية، وهي في الوقت نفسه جزء من مسؤولية المجتمع الدولي تجاه أمن الملاحة والتجارة الدولية.