محللون: الاتفاق النووي السعودي - الأميركي يحمل مكاسب استراتيجية للطرفين

قالوا لـ«الشرق الأوسط» إن آثاره تتجاوز الكهرباء إلى التصنيع المتقدم والذكاء الاصطناعي والفضاء وتحلية المياه

يفتح الاتفاق السعودي - الأميركي آفاقاً جديدة للبلدين في التعاون (الإنترنت)
يفتح الاتفاق السعودي - الأميركي آفاقاً جديدة للبلدين في التعاون (الإنترنت)
TT

محللون: الاتفاق النووي السعودي - الأميركي يحمل مكاسب استراتيجية للطرفين

يفتح الاتفاق السعودي - الأميركي آفاقاً جديدة للبلدين في التعاون (الإنترنت)
يفتح الاتفاق السعودي - الأميركي آفاقاً جديدة للبلدين في التعاون (الإنترنت)

يفتح اتفاق التعاون النووي السلمي بين السعودية والولايات المتحدة الباب أمام مرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية والتقنية بين البلدين، تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من بناء المفاعلات وتوليد الكهرباء، لتشمل توطين صناعات عالية القيمة، وبناء قدرات بشرية متخصصة، وتعزيز التعاون في التقنيات المتقدمة، وفق محللين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

ويرى المحللون أنَّ الاتفاق يمكن أن يُشكِّل رافعةً للاستثمارات الصناعية والتكنولوجية في المملكة، بالتوازي مع خططها لتنويع مزيج الطاقة وتطوير اقتصاد قائم على المعرفة، إلا أن أهميته تتجاوز الجانب الاقتصادي إلى أبعاد استراتيجية وجيوسياسية، في ظل التنافس الدولي على تقنيات الطاقة النووية.

وكان وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، ونظيره الأميركي كريس رايت، قد وقَّعا في 22 يوليو (تموز) اتفاقاً للتعاون النووي السلمي، يُعرَف بـ«اتفاق 123»، إلى جانب اتفاق ثنائي للضمانات، بما يؤسِّس قانونياً، وفق وزارة الطاقة الأميركية، لشراكة بمليارات الدولارات تمتد لعقود، ويفتح المجال أمام الشركات الأميركية للمشاركة في برنامج الطاقة النووية السعودي.

وتُعدُّ اتفاقات «123» الإطار القانوني الذي يحكم التعاون النووي السلمي بين الولايات المتحدة والدول الأخرى، بموجب قانون الطاقة الذرية الأميركي، وتتيح انتقال المواد والمعدات والتكنولوجيا النووية ضمن شروط وضوابط محددة.

وكانت الولايات المتحدة ترتبط، حتى يوليو 2025، بـ26 اتفاقاً من هذا النوع تشمل 50 دولة، إلى جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية وجهات أخرى.

 

 

استثمارات

وأكد عباس داهوك، المستشار السابق في وزارة الخارجية الأميركية للشؤون العسكرية، أنَّ الاتفاق يُمثِّل «محطةً استراتيجيةً مهمةً» في العلاقات بين الرياض وواشنطن، عادّاً أنه يعزِّز التعاون في مجالات التقنيات المتقدمة وأمن الطاقة على المدى الطويل.

وقال داهوك لـ«الشرق الأوسط» إن الاتفاق، من الناحية الاقتصادية، يمكن أن يستقطب استثمارات بمليارات الدولارات، ويخلق وظائف تتطلب مهارات عالية، ويدعم مستهدفات «رؤية السعودية 2030» الرامية إلى بناء اقتصاد متنوع وقائم على المعرفة.

ولا تقتصر المكاسب المحتملة، بحسب داهوك، على توليد الكهرباء، إذ يمكن للتعاون النووي السلمي أن يدعم تطبيقات في تحلية المياه، والرعاية الصحية، والبحث العلمي، والزراعة، والتصنيع الصناعي المتقدم، بالتوازي مع تطوير قوى عاملة متخصصة في مجالات الهندسة، والعلوم، والتكنولوجيا.

وتنسجم هذه التطبيقات مع المشروع الوطني للطاقة الذرية في السعودية، الذي يستهدف إدخال الطاقة النووية ضمن مزيج الطاقة الوطني لإنتاج الكهرباء والمياه المحلاة والطاقة الحرارية، وتقليل الاعتماد على الوقود الهيدروكربوني في توليد الطاقة. ويتضمَّن المشروع 4 مكونات رئيسية تشمل محطات الطاقة النووية الكبيرة، والمفاعلات المعيارية الصغيرة، ودورة الوقود النووي، والإطار التنظيمي.

ويرى دهوك أنَّ الاتفاق من شأنه أن يضع دعائم تعاون سعودي - أميركي يمتد لعقود في الطاقة والتكنولوجيا والتعليم والتنمية الصناعية، في وقت يمكن أن يدعم فيه توطين التصنيع المتقدم، والهندسة الدقيقة، والصناعات ذات القيمة المضافة العالية.

وأضاف أنَّ تطوير الخبرات النووية والتقنيات المرتبطة بها يمكن أن ينعكس على قطاعات ناشئة أخرى، من بينها الفضاء والمواد المتقدمة والذكاء الاصطناعي وأنظمة الطاقة من الجيل المقبل، بما يعزِّز طموح المملكة لبناء مركز إقليمي للابتكار والتطور التكنولوجي.

 

 

سيادة تكنولوجية

وفي المقابل، يلفت داهوك إلى أنَّ الاتفاق يحمل أبعاداً جيوسياسية تتجاوز أهدافه المدنية، إذ يأتي في وقت تتصاعد فيه المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا على النفوذ في قطاعات التكنولوجيا والطاقة المتقدمة.

ويرى أنَّ تقييم الاتفاق لن يتوقف عند عوائده الاقتصادية والتكنولوجية، بل سيمتد إلى انعكاساته على الاستقرار الإقليمي، ومنع الانتشار النووي.

وقال إن قضية التخصيب، من وجهة نظر الرياض، لا ترتبط بالطاقة وحدها، وإنما تمتد إلى «السيادة التكنولوجية والتنمية الصناعية والاستقلالية الاستراتيجية»، خصوصاً مع امتلاك السعودية موارد محلية من اليورانيوم، وتطلعها إلى تطوير الاستفادة منها مستقبلاً.

وتضع السعودية بالفعل استكشاف خامات اليورانيوم والثوريوم ضمن مكونات مشروعها الوطني للطاقة الذرية؛ بهدف تقدير الموارد المحلية، وتطوير المحتوى المحلي وبناء القدرات البشرية، إضافة إلى إمكانية تأمين الوقود لمفاعلات الطاقة النووية مستقبلاً.

 

 

الأمن الإقليمي

من جهته، وصف الدكتور إريك إتش فينغ، الرئيس التنفيذي لشركة «سكاي تاور غروب (Skytower Group Inc)»، الاتفاق بأنَّه «محطة استراتيجية تاريخية» تتجاوز أهميتها تطوير الطاقة النووية المدنية، عادّاً أنَّ قيمته تكمن أيضاً في تعزيز الأمن الإقليمي وتوفير إطار طويل الأمد للاستقرار والحوكمة والنمو الاقتصادي.

وقال فينغ لـ«الشرق الأوسط» إن التصنيع واسع النطاق والاستثمارات طويلة الأجل يحتاجان إلى بيئة جيوسياسية مستقرة، وإن بناء إطار للتعاون النووي السلمي يرتكز على الشراكة والشفافية يمكن أن يعزِّز الثقة لدى الحكومات والمستثمرين والقطاعات الصناعية في المنطقة.

ومن الناحية الاقتصادية، يرى فينغ أنَّ الطاقة النووية يمكن أن توفر للمملكة مصدراً مستقراً للكهرباء لتلبية احتياجات الحمل الأساسي، بما يدعم التَّوسُّع المتسارع للاقتصاد الصناعي وتحقيق مستهدفات «رؤية 2030».

وأوضح فينغ أنَّ الاتفاق يمكن أن يتيح فرصاً لتوطين صناعات عالية القيمة، تشمل الهندسة النووية، والمواد المتقدمة، والتصنيع الدقيق، والروبوتات، وأنظمة التحكم الرقمي، والإنشاءات المتخصصة، إلى جانب تطبيقات في الرعاية الصحية، والزراعة، وتحلية المياه، والبحث العلمي.

 

 

من الطب إلى الفضاء

وأشار إلى أنَّ الاستخدامات السلمية للتكنولوجيا النووية لا تتوقف عند إنتاج الكهرباء، بل تمتد إلى التشخيص الطبي، وعلاج السرطان بالنظائر المشعة، وحفظ الأغذية، وتحلية المياه، والابتكار الزراعي، والفحص الصناعي، وعلوم المواد والأبحاث المتقدمة.

ويتوقع أن يؤدي نمو هذه الأنشطة إلى تطوير قوى عاملة عالية المهارة، وبناء منظومات صناعية جديدة داخل المملكة، مع توسيع نطاق التعاون السعودي - الأميركي في البحث والتطوير وتدريب الكفاءات وتوطين الصناعة.

وأضاف أن هذه القاعدة يمكن أن توفِّر منصةً للتعاون في التصنيع الدقيق والطيران، والفضاء، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة الطاقة المتقدمة، والبنية التحتية من الجيل الجديد، وهي قطاعات يرى أنها ستُشكِّل جانباً رئيسياً من التنافسية الاقتصادية العالمية خلال العقود المقبلة.

 

 

معادلة اقتصادية وجيوسياسية

ويرى فينغ أن الأثر الاستراتيجي للاتفاق ينبغي ألا يُقاس بنتائجه المباشرة فقط، بل بقدرته على تأسيس تعاون مؤسسي طويل الأمد يوفر مزيداً من الاستقرار، ويحفز تدفقات الاستثمار والتنمية الصناعية في المنطقة.

وقال: «إن منطقة الشرق الأوسط المستقرة، التي تحظى بدعم تعاون استراتيجي قوي بين الولايات المتحدة والسعودية، ستُشجِّع على زيادة الاستثمارات الدولية وتسريع وتيرة التنمية الصناعية».

 

 


مقالات ذات صلة

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

يوميات الشرق تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

أطلق «موسم الرياض» نسخته السابعة بفعاليات وتجارب ترفيهية وبطولات رياضية عالمية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية متنوعة، استعرضها فيديو نشره المستشار تركي آل الشيخ.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن (الشرق الأوسط)

التحالف ينفي مزاعم الحوثيين بشأن تهديد السعودية تجمعات قبلية ومدنية

أكد تحالف دعم الشرعية في اليمن أن ما تروّج له الميليشيا الحوثية من مزاعم بشأن تهديد السعودية باستهداف التجمعات القبلية والمدنية تعدّ «ادعاءات باطلة لا أساس لها»

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج خالد حسين القحطاني عم الشهيد سلطان الذي تُوفِي إثر الهجوم الحوثي على مطار الدمام (الشرق الأوسط) p-circle 04:20

عم الشهيد سلطان القحطاني لـ«الشرق الأوسط»: عاش بطلاً ومات بطلاً... ونفخر به

قال عم الشهيد سلطان القحطاني، رجل الأمن الذي تُوفِي إثر الهجوم الحوثي على مطار الملك فهد الدولي في الدمام، الأربعاء، إن ابن أخيه «عاش بطلاً ومات بطلاً».

علي القطان (الدمام)
الخليج وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

وزير الخارجية السعودي يبحث المستجدات مع نظيريه القبرصي والألماني

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي مع نظيريه القبرصي كونستانتينوس كومبوس والألماني يوهان فاديفول، مستجدات الأوضاع في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج أنطونيو غوتيريش خلال تصريحات للصحافيين في نيويورك الخميس (الأمم المتحدة)

قلق أممي من استمرار هجمات الحوثيين على السعودية

أعرب أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن قلقه من استمرار هجمات الحوثيين على أهداف مدنية في السعودية، وتصاعد الأعمال العدائية بمحيط تعز في اليمن.

«الشرق الأوسط» (نيويورك) «الشرق الأوسط» (بروكسل)

الذهب يتراجع ويتجه لتسجيل أكبر خسارة أسبوعية منذ يونيو

سبائك ذهبية في مصفاة الذهب الأفريقية «إي جي آر» في عنتيبي - أوغندا (رويترز)
سبائك ذهبية في مصفاة الذهب الأفريقية «إي جي آر» في عنتيبي - أوغندا (رويترز)
TT

الذهب يتراجع ويتجه لتسجيل أكبر خسارة أسبوعية منذ يونيو

سبائك ذهبية في مصفاة الذهب الأفريقية «إي جي آر» في عنتيبي - أوغندا (رويترز)
سبائك ذهبية في مصفاة الذهب الأفريقية «إي جي آر» في عنتيبي - أوغندا (رويترز)

تراجعت أسعار الذهب يوم الجمعة، متجهةً نحو تسجيل أكبر خسارة أسبوعية لها منذ أكثر من أربعة أشهر، مع تعزيز ارتفاع أسعار النفط التوقعات باستمرار أسعار الفائدة الأميركية عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، فيما يترقب المستثمرون اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) الأسبوع المقبل.

وبحلول الساعة 03:51 بتوقيت غرينتش، انخفض الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.2 في المائة إلى 4016.27 دولار للأونصة، مقلصاً خسائره قليلاً بعدما لامس في وقت سابق من الجلسة أدنى مستوى له منذ 20 يوليو (تموز). وبذلك، بلغت خسائر المعدن النفيس 3.5 في المائة منذ بداية الأسبوع، ما يضعه على مسار تسجيل أسوأ أداء أسبوعي له منذ يونيو (حزيران).

كما تراجعت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم ديسمبر (كانون الأول) بنسبة 0.7 في المائة إلى 4030.40 دولار للأونصة.

وقال مونتي صافي الدين، رئيس أبحاث السوق في منصة «كابيتال دوت كوم»، إن المضاربين يحاولون الدفاع عن مستوى 4000 دولار، الذي يشكل عتبة محورية للذهب، محذراً من أن كسر هذا المستوى بوضوح قد يشير إلى تراجع توقعات الأسواق بخفض أسعار الفائدة، والتحول نحو تسعير سيناريو يتسم باستمرار الضغوط التضخمية وارتفاع عوائد السندات وقوة الدولار.

وكانت أسعار النفط قد ارتفعت بنحو 4 في المائة يوم الخميس، لتسجل أعلى مستوياتها في خمسة أشهر، ما أثار مخاوف من اضطرابات إضافية في إمدادات الطاقة.

ويؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة الضغوط التضخمية، ما قد يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول. ويحد هذا التوجه من جاذبية الذهب، الذي لا يدر عائداً، من خلال زيادة تكلفة الفرصة البديلة لحيازته مقارنة بالأصول المدرة للعوائد.

وأضاف صافي الدين أن أي تصعيد جيوسياسي إضافي قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى، موضحاً أن ارتفاع الخام يعيد إحياء المخاوف بشأن التضخم، ويضغط باتجاه ارتفاع عوائد السندات، ويؤجل مسار تيسير السياسة النقدية الأميركية، وهو ما يشكل مزيجاً سلبياً بالنسبة إلى الذهب.

وتتجه أنظار المستثمرين إلى اجتماع السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي المقرر يومي 27 و28 أكتوبر (تشرين الأول)، إلى جانب بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركية، المقرر صدورها الأسبوع المقبل، التي تمثل المقياس المفضل لدى البنك المركزي لقياس التضخم في إطار سعيه إلى تحقيق معدل يبلغ 2 في المائة.

وتتوقع الأسواق إلى حد كبير أن يُبقي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه المقبل، في حين لا تزال احتمالات رفعها في ديسمبر قائمة، إذ تبلغ نسبة ترجيح هذا السيناريو 80 في المائة.

وفي سياق متصل، خفّض محللون في بنك «إتش إس بي سي»، في مذكرة بحثية صدرت يوم الخميس، توقعاتهم لمتوسط أسعار البلاتين والبلاديوم خلال عام 2026، عازين ذلك إلى تغير أساسيات السوق وعمليات تسييل المراكز الاستثمارية.

وفي أسواق المعادن النفيسة الأخرى، تراجعت الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 1 في المائة إلى 53.98 دولار للأونصة، وانخفض البلاتين بنسبة 0.1 في المائة إلى 1568.58 دولار، فيما استقر البلاديوم عند 1054.50 دولار للأونصة.

وتتجه الفضة والبلاتين والبلاديوم بدورها نحو تسجيل خسائر أسبوعية.


الأنشطة غير النفطية تعزز قدرة السعودية على مواجهة الصدمات

طريق الملك فهد في العاصمة الرياض (واس)
طريق الملك فهد في العاصمة الرياض (واس)
TT

الأنشطة غير النفطية تعزز قدرة السعودية على مواجهة الصدمات

طريق الملك فهد في العاصمة الرياض (واس)
طريق الملك فهد في العاصمة الرياض (واس)

أفاد «صندوق النقد الدولي» بأن الاقتصاد السعودي يتمتع بقدرة على مواجهة الاضطرابات الإقليمية، بفضل مرونة أنشطته غير النفطية، واستمرار الاستثمارات، وتوافر هوامش مالية مريحة.

ورغم توقع انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3.3 في المائة في 2026، نتيجة تراجع النشاط الهيدروكربوني خلال النصف الأول من العام، يرجح الصندوق انتعاشه بنسبة 7.9 في المائة في 2027، مع عودة إنتاج الطاقة إلى مستوياته الطبيعية والتعافي التدريجي لحركة التجارة والملاحة.

وفي السياق ذاته، سجل قطاع السياحة السعودي أقل تراجع في إشغال الفنادق بين الدول المتأثرة مباشرة بالتوترات الإقليمية، ما يعكس استمرار قدرته على التكيف مع تداعيات الأزمة.

إقليمياً، توقع الصندوق انكماش اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان بنسبة 1.3 في المائة في 2026، يعقبه نمو بنسبة 6.6 في المائة في 2027، رهناً بانحسار الصراع مطلع العام المقبل والتعافي التدريجي لحركة التجارة.


طلبات إعانة البطالة الأميركية قرب أدنى مستوياتها في 57 عاماً

لافتة توظيف معروضة في نورثبروك بولاية إلينوي الأميركية (أ.ب)
لافتة توظيف معروضة في نورثبروك بولاية إلينوي الأميركية (أ.ب)
TT

طلبات إعانة البطالة الأميركية قرب أدنى مستوياتها في 57 عاماً

لافتة توظيف معروضة في نورثبروك بولاية إلينوي الأميركية (أ.ب)
لافتة توظيف معروضة في نورثبروك بولاية إلينوي الأميركية (أ.ب)

انخفض عدد الأميركيين المتقدمين بطلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة الأسبوع الماضي إلى قرب أدنى مستوياتها في 57 عاماً، وسط استمرار انخفاض عمليات التسريح؛ مما يشير إلى تحسن نمو الوظائف في أكتوبر (تشرين الأول) الحالي بعد الأداء الضعيف في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وأظهر تقرير أسبوعي صادر عن وزارة العمل الأميركية، الخميس، أن سوق العمل لا تزال متماسكة، وأنها لم تتأثر حتى الآن بصورة ملموسة بصدمة ارتفاع أسعار النفط الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران.

ويعزو اقتصاديون هذه المتانة إلى قوة أرباح الشركات واستمرار الطلب المحلي، إلى جانب تقلص حجم القوى العاملة بفعل التقاعد وتشديد إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، القيود على الهجرة؛ مما يدفع بالشركات إلى الاحتفاظ بموظفيها. لكنهم يحذرون بأن تشديد الأوضاع المالية، وارتفاع أسعار الفائدة؛ نتيجة استمرار الصراع في الشرق الأوسط، قد يضغطان على سوق العمل العام المقبل.

وقال كريستوفر روبكي، كبير الاقتصاديين لدى شركة «إف دبليو دي بوندز» للأبحاث والاستشارات الاقتصادية، إن سياسات إدارة ترمب المتعلقة بالهجرة «ربما زادت من صعوبة العثور على العمالة اللازمة لدى الشركات؛ مما يدفع بها إلى التمسك بموظفيها الحاليين»، مضيفاً أن العمال أصبحوا فجأة «لا يمكن الاستغناء عنهم» في قطاعات كثيرة.

عمال بناء في شيكاغو (أ.ب)

وانخفضت الطلبات الأولية للحصول على الإعانات الحكومية للبطالة بمقدار 6 آلاف طلب إلى 194 ألفاً، بعد التعديل الموسمي، خلال الأسبوع المنتهي في 17 أكتوبر الحالي، مقارنة بتوقعات الاقتصاديين الذين استطلعت «رويترز» آراءهم عند 200 ألف طلب. وهذه هي سادس مرة على التوالي تبقى فيها الطلبات عند 200 ألف أو أقل.

ويقترب العدد من مستوى 189 ألف طلب المسجل في منتصف يوليو (تموز) الماضي، وهو الأدنى منذ عام 1969.

كما تراجع متوسط الطلبات الجديدة لأربعة أسابيع، الذي يُعد مؤشراً أكبر استقراراً لاتجاهات سوق العمل، بمقدار ألف طلب؛ إلى مستوى قياسي منخفض بلغ 197 ألفاً و750 طلباً.

وتغطي البيانات المدة التي أجرت فيها الحكومة مسحها للمنشآت بغرض إعداد تقرير الوظائف غير الزراعية لشهر أكتوبر. ويشير انخفاض متوسط الطلبات بين فترتي المسح لشهري سبتمبر الماضي وأكتوبر الحالي إلى احتمال تحسن نمو الوظائف هذا الشهر.

وكان الاقتصاد الأميركي قد أضاف 29 ألف وظيفة في سبتمبر الماضي، بعد زيادة بلغت 133 ألفاً في أغسطس. ويرى اقتصاديون أن سوق العمل لا تزال تمر بمرحلة تتسم بضعف التوظيف وانخفاض التسريح، فيما حدّت حالةُ عدم اليقين الناجمة عن الحرب والرسوم الجمركية على الواردات من وتيرة التوظيف.

ولم تشهد الأسواق المالية تغيراً يُذكر عقب صدور البيانات.

التوظيف لا يزال ضعيفاً

وأظهر التقرير ارتفاع عدد المستفيدين من إعانات البطالة المستمرة، الذين يواصلون تلقي المساعدات بعد الأسبوع الأول، بمقدار 25 ألفاً إلى 1.728 مليون شخص، بعد التعديل الموسمي، خلال الأسبوع المنتهي في 10 أكتوبر الحالي، رغم بقاء العدد عند مستوى منخفض نسبياً.

ولا يشمل هذا المؤشر الخريجين الجامعيين الجدد وغيرهم ممن لا يستوفون شروط الحصول على الإعانات بسبب محدودية تاريخهم الوظيفي. كما قد يؤدي استنفاد بعض العاطلين مدة استحقاق الإعانة، التي تصل إلى 26 أسبوعاً في معظم الولايات، إلى إبقاء عدد المطالبات المستمرة منخفضاً.

وبلغ متوسط مدة البطالة 11.5 أسبوع في سبتمبر الماضي، مقترباً من أعلى مستوى له في 4 سنوات ونصف السنة. ومع ذلك؛ فإن معدل البطالة البالغ 4.2 في المائة خلال سبتمبر يشير إلى أن سوق العمل لا تمثل حالياً مصدراً رئيسياً للضغوط التضخمية.

وقال اقتصاديون إن هذه الأوضاع تقلل حاجة «مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)» إلى تشديد السياسة النقدية بقوة لمواجهة تداعيات التضخم الناجم عن الصراع في الشرق الأوسط.

وكان «البنك المركزي الأميركي» قد رفع سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة في سبتمبر الماضي بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق يتراوح بين 3.75 و4 في المائة.

ويتوقع الاقتصاديون أن يُبقي «المجلس» أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه الأسبوع المقبل، قبل أن يعاود رفع تكاليف الاقتراض في ديسمبر المقبل.

وقال كارل واينبرغ، كبير الاقتصاديين لدى شركة الاستشارات «هاي فريكونسي إيكونوميكس»، إن «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» يملك هامشاً للتحرك ورفع أسعار الفائدة الأسبوع المقبل إذا رأى أن تشديد السياسة النقدية ضروري لتهدئة الطلب وإتاحة طاقة فائضة في الاقتصاد، بما يضمن عودة التضخم إلى مستهدفه، مضيفاً أن «المجلس» قد حقق هدفه المتعلق بالتوظيف بوضوح.