مدريد تؤكد أن الوضع «بات شبه طبيعي» في سبتة

مصرع 67 مهاجراً على الأقل خلال محاولتهم الوصول إلى المدينة

أكدت الحكومة الإسبانية أن كل المهاجرين «تقريباً» عادوا إلى المغرب (رويترز)
أكدت الحكومة الإسبانية أن كل المهاجرين «تقريباً» عادوا إلى المغرب (رويترز)
TT

مدريد تؤكد أن الوضع «بات شبه طبيعي» في سبتة

أكدت الحكومة الإسبانية أن كل المهاجرين «تقريباً» عادوا إلى المغرب (رويترز)
أكدت الحكومة الإسبانية أن كل المهاجرين «تقريباً» عادوا إلى المغرب (رويترز)

أُعيد إلى المغرب كل المهاجرين تقريباً الذين توافدوا في الأيام الأخيرة إلى جيب سبتة الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب، وفق ما أعلنت السلطات الإسبانية التي انهالت عليها الانتقادات من دول أخرى في الاتحاد الأوروبي؛ حيث تكتسي مسألة الهجرة طابعاً شديد الحساسية، مشيرة في الوقت ذاته إلى أنّ الوضع «بات شبه طبيعي».

عودة مئات المهاجرين إلى المغرب بعد دخولهم سبتة بطريقة غير شرعية (أ.ف.ب)

حصيلة ثقيلة

قضى 67 مهاجراً على الأقل خلال محاولتهم الوصول إلى سبتة، وفق ما أعلن وزير الداخلية الإسباني فرناندو غرانديه-مارلاسكا السبت، حسبما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وخلال إحاطة إعلامية من سبتة، إثر اجتماع طارئ بشأن هذه الأزمة غير المسبوقة بنطاقها، أشار غرانديه-مارلاسكا إلى «حوادث مؤسفة ومأسوية» أودت بحياة 67 شخصاً على الأقل، مضيفاً أنّه «في خلال أقل من 48 ساعة بات الوضع مختلفاً تماماً وشبه طبيعي».

عناصر الشرطة الإسبانية تقدم الإسعافات لأحد المهاجرين السريين (رويترز)

ومساء الجمعة، أكّدت الحكومة الإسبانية أن كل المهاجرين «تقريباً» الذين وصلوا في الأيام الأخيرة عادوا إلى المغرب، أي نحو 48 ألف شخص حسب البيانات الرسمية.

وصباح السبت، واصل شبان اجتياز الحدود في الاتجاه المعاكس، تحت أعين الشرطة والحرس المدني الإسباني وسط ضباب كثيف، حسب مراسلة «وكالة الصحافة الفرنسية».

ودفع الجنود الأشخاص الموجودين على الشاطئ كي يعودوا أدراجهم، فيما شاهد مراسلو الوكالة رجلين يخرجان من المياه وينهاران على رمال الشاطئ من شدّة التعب. ووصل المغربي سفيان (42 عاماً) إلى سبتة بعدما سبح «3 أو 5 دقائق» على أمل الذهاب إلى مدريد، الواقعة على بعد مئات الكيلومترات شمالاً للقاء والدته، التي تعاني جراء «سرطان في الدّم».

وقال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «صديقاً اتصل بي وقال لي إن الحدود قد فتحت» بين إسبانيا والمغرب. مشيراً إلى أن هذا التوافد الكثيف يكشف أن «الجميع يريد الذهاب (إلى إسبانيا) أملاً في مستقبل أفضل».

حاجز مطاطي

منذ مطلع الأسبوع، وصل المهاجرون، وهم في غالبيتهم الكبرى شباب وفتيان مغاربة، قدّر رئيس الحكومة المحلية في سبتة، خوان خيسوس فيفاس، عددهم بنحو 60 ألفاً (50 ألفاً حسب وزارة الداخلية الإسبانية) إلى إسبانيا عبر البر أو البحر.

تعزيزات أمنية إسبانية مكثفة وسط شوارع سبتة (رويترز)

وتعدّ سبتة الواقعة في الطرف الشمالي للمغرب بمحاذاة مضيق جبل طارق، والبالغ عدد سكانها 84 ألف نسمة، مع جيب مليلية الإسباني النقطتين الحدوديتين البريتين بين أفريقيا وإسبانيا. وبغية منع المهاجرين من اجتياز الحدود بين المغرب وسبتة سباحة، يقام حاجز مطاطي يمتدّ على 500 متر في البحر المتوسط، وفق ما كشف وزير الداخلية الإسباني صباح السبت.

وشاهد مراسلو «وكالة الصحافة الفرنسية» مئات المهاجرين، كثيرون منهم من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وهم ينتظرون أمام مركز إيواء مغلق طوّقته الشرطة. ومع انتشار المشاهد المتداولة عن تدفق المهاجرين إلى سبتة، رفع اليمين الأوروبي المتطرف الصوت عالياً للمطالبة بتشديد التدابير الأمنية على حدود فضاء «شنغن».

ومنذ الخميس، دعت إيطاليا إلى تعليق عضوية إسبانيا في منظمة شنغن، بتأييد من فنلندا والدنمارك. غير أن إسبانيا رأت من جهتها أن هذا المقترح ينطوي على «ديماغوجية».

وأعلنت وزارة الداخلية الإيطالية فرض عمليات تدقيق منذ السبت عند الحدود الجوية والبحرية مع إسبانيا على المواطنين غير الأوروبيين الوافدين من إسبانيا. من جانبه، أكد وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، السبت، أن مغادرة إسبانيا منطقة شنغن «أمر غير وارد على الإطلاق»، مضيفاً أن فرنسا تتمتع «بتعاون جيد جداً مع إسبانيا». ورداً على سؤال خلال مؤتمر صحافي عن مدة تعزيز الحدود الفرنسية - الإسبانية، أجاب بأن الأمر سيستمر «ما دام ذلك ضرورياً». ورفعت فرنسا عدد عناصر الشرطة والدرك المنتشرين على الحدود مع إسبانيا 5 مرات، وصولاً إلى 334، على ما قال نونيز.

قضى 67 مهاجراً على الأقل خلال محاولتهم الوصول إلى سبتة حسب وزير الداخلية الإسباني (رويترز)

«انقسام وأنانية»

وقام رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بزيارة تفقّدية إلى سبتة، صباح الجمعة، مع وزير الداخلية، ندّد خلالها بـ«هجوم وانتهاك لوحدة وسلامة أراضي إسبانيا»، متهماً «مافيات» بالوقوف وراء شائعات حول فتح الحدود بين المغرب وإسبانيا. وفي منشور على «إكس»، قال سانشيز الذي تعتمد حكومته نهجاً منفتحاً في مجال الهجرة، خلافاً لعدّة دول أوروبية أخرى: «ليس هذا وقت الانقسام، بل وقت مواصلة بناء اتحاد أوروبي قويّ ومتّحد».

وكانت الحكومة الإسبانية قد أعلنت عن خطة واسعة لتسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين تلقّت في إطارها 1.2 مليون طلب. وندّد سانشيز السبت في رسالة رسمية، اطلعت «وكالة الصحافة الفرنسية» على نسخة منها، بالموقف «الأناني» لبعض بلدان الاتحاد الأوروبي، مطالباً بعقد اجتماع طارئ عبر الفيديو لوزراء داخلية الدول الأعضاء السبع والعشرين.

وهذه أكبر عملية تدفق لمهاجرين غير نظاميين إلى سبتة، انطلاقاً من المغرب منذ عام 2021، عندما وصل نحو 10 آلاف مهاجر في خضم أزمة دبلوماسية بين البلدين، مستغلين تخفيفاً للمراقبة الحدودية من جانب الرباط خلال أزمة دبلوماسية بينها وبين مدريد.

رئيس الوزراء الإسباني عدّ اقتحام المهاجرين للمدينة «هجوماً وانتهاكاً لوحدة وسلامة أراضي إسبانيا» (أ.ف.ب)

وتأتي الأزمة الراهنة بعد زيارة سانشيز إلى الجزائر في 20 يوليو (تموز) الماضي، وهي الأولى لرئيس وزراء إسباني منذ 4 سنوات، وعكست تحسّن العلاقات بين الطرفين بعد أعوام من التوتّر. ومساء الجمعة، احتشد المئات أمام السفارة المغربية في مدريد «دفاعاً عن الهوية الإسبانية»، حسب مراسل الوكالة.

وفي واشنطن، عدّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي جعل مكافحة الهجرة غير النظامية في قلب أولوياته، أن الصور المتداولة عن سبتة أشبه بـ«غزو للبلد»، متّهماً إسبانيا ببذل «جهود متعمّدة» لتسهيل الهجرة غير النظامية.


مقالات ذات صلة

«الدوري الفرنسي»: المغربي جسيم يعيد ستراسبورغ إلى سكة الانتصارات

رياضة عالمية الجناح الدولي المغربي ياسين جسيم نثر سحره في فوز ستراسبورغ على أوكسير (أ.ف.ب)

«الدوري الفرنسي»: المغربي جسيم يعيد ستراسبورغ إلى سكة الانتصارات

أعاد الجناح الدولي المغربي ياسين جسيم فريقه ستراسبورغ إلى سكة الانتصارات بتسجيله ثنائية الفوز الكبير على ضيفه أوكسير المنقوص عددياً 5 - 1 الأحد.

«الشرق الأوسط» (ستراسبورغ (فرنسا))
شمال افريقيا المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا رافعاً يده لاستخدام حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار أميركي لتعديل مهمة «مينوروسو» في الصحراء (الأمم المتحدة)

فشل مشروعَي قرار أميركي وروسي حول الصحراء يمهد لرحيل «مينورسو»

فشل مجلس الأمن في التمديد لبعثة «مينورسو» في الصحراء، مرة بسبب «الفيتو» الروسي وأخرى بسبب تعثر مشروع مضاد، على الرغم من أن تفويض المهمة سينتهي بعد ساعات قليلة.

علي بردى (واشنطن)
تحليل إخباري جلسة لمجلس الأمن الدولي (رويترز)

تحليل إخباري ماذا يعني إلغاء بعثة «المينورسو» لمستقبل الصحراء المغربية؟

فيتو روسي يسقط مشروع قرار أميركياً لتعديل مهام «المينورسو»، والمغرب يعلن انتهاء البعثة الأممية، ويطالب بسحب ملف الصحراء نهائياً من مجلس الأمن.

كوثر وكيل (لندن)
شمال افريقيا جلسة لمجلس الأمن الدولي (رويترز)

روسيا تستخدم الفيتو لنقض مشروع قرار أميركي بشأن الصحراء المغربية

استخدمت روسيا الفيتو لنقض مشروع قرار صاغته الولايات المتحدة، كان يهدف إلى تقليص المكون العسكري لبعثة ‌الأمم المتحدة ‌لحفظ السلام ​في ‌الصحراء ⁠المغربية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت (أ.ف.ب)

«الداخلية» المغربية تستكمل مشاوراتها الحزبية حول الانتخابات المرتقبة

حددت وزارة الداخلية المغربية تاريخ 15 نوفمبر المقبل آخِر أجَل أمام الأحزاب لتقديم مقترحاتها المتعلقة بالاستحقاقات الانتخابية المرتقبة لسنة 2027.

«الشرق الأوسط» (الرباط)

من الانتشار العسكري إلى شحنات الوقود... الجزائر تعيد رسم حضورها في الساحل

رئيس الجزائر مع وزير دفاع النيجر الشهر الماضي (الرئاسة الجزائرية)
رئيس الجزائر مع وزير دفاع النيجر الشهر الماضي (الرئاسة الجزائرية)
TT

من الانتشار العسكري إلى شحنات الوقود... الجزائر تعيد رسم حضورها في الساحل

رئيس الجزائر مع وزير دفاع النيجر الشهر الماضي (الرئاسة الجزائرية)
رئيس الجزائر مع وزير دفاع النيجر الشهر الماضي (الرئاسة الجزائرية)

شهدت التحركات الجزائرية باتجاه النيجر تطوراً لافتاً منذ مصادقة البرلمان الجزائري، الأسبوع الماضي، على إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى البلد المجاور بهدف «حماية منشآت الطاقة»؛ حيث سارعت الجزائر إلى تزويد نيامي بشحنات كبيرة من المحروقات لمساعدتها في مواجهة أزمة حادة بالوقود.

وتداول سكان المناطق الحدودية بين الجزائر والنيجر، الأحد، مقاطع فيديو وصوراً عن وصول شاحنات صهاريج تابعة لشركة «نفطال» الجزائرية المملوكة للدولة تحمل وقوداً إلى المدن الحدودية القريبة، خصوصاً أغاديز بشمال النيجر، والتي استقبلت صباح الأحد، 53 شاحنة تحمل 1.6 مليون لتر من البنزين، مقبلة من مصفاة سَبْعَة في ولاية أدرار، بالجنوب الجزائري الأوسط، بحسب بيان لوزارة البترول في النيجر.

شاحنات جزائرية محملة بالوقود في شمال النيجر يوم الأحد (قناة النيجر)

وجرت مراسم استقبال هذه القافلة بمستودع الوقود الجهوي بمدينة أغاديز، بحضور وزير نفط النيجر حمادو تيني، ووالي المنطقة اللواء بولاما عيسى إبرا، وسفير الجزائر لدى النيجر أحمد سعدي، والمديرة العامة للشركة النيجرية للمنتجات النفطية «سونيديب»، إلى جانب عدد من المسؤولين الإداريين بالمنطقة.

وأورد البيان أن سلطات النيجر «عبَّرت عن بالغ امتنانها للسلطات الجزائرية نظير ما قدمته من تسهيلات لتسريع وتأمين الجوانب اللوجستية الخاصة بنقل هذه الشحنة».

شراكة أمنية يعززها الوقود

أشاد تيني بـ«جودة العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين»، مؤكداً أن «هذه العملية تعكس عمق التقارب بين الجزائر والنيجر». كما قال: «هذا هو أيضاً جوهر التعاون الحقيقي: التزامات يتم التعهد بها، واتفاقيات يتم توقيعها، ونتائج ملموسة تعود بالنفع على البلدين».

وأضاف: «جوارنا يجب أن يكون مصدر قوة، وتعاوننا أداة للتنمية، وتضامننا استجابة ملموسة للتحديات المشتركة التي نواجهها. والشاحنات التي نستقبلها اليوم تندرج في إطار التجسيد الفعلي لهذه الرؤية».

وتأتي الشحنة وسط استمرار المخاوف بشأن نقص البنزين والمازوت، وهي أزمة تعزوها النيجر إلى تداعيات أزمة عالمية أوسع نطاقاً مرتبطة بالنزاعات والاضطرابات التي تشهدها سلاسل الإمداد.

كما تأتي تنفيذاً للاتفاقيات الموقعة بين شركتي «سوناطراك» الجزائرية و«سونيديب» النيجرية عامي 2024 و2026، التي تنص - من بين قضايا أخرى - على اقتناء الشركة النيجرية للمنتجات النفطية بأسعار تفضيلية مقارنة بأسعار السوق الدولية.

مسؤول عسكري من النيجر مع قنصل الجزائر ببلاده خلال استقبال شحنات الوقود الأحد (قناة النيجر)

ومنذ توقيع هذه الاتفاقيات، تم تنفيذ عدة عمليات شحن وتوريد، لا سيما فيما يتعلق بوقود الطائرات.

وخطت الجزائر والنيجر، خلال الأشهر الأخيرة، عدة خطوات لتعزيز التعاون الثنائي، من خلال إطلاق عدد من المشاريع في مجال الطاقة، على غرار مشروع «أنبوب الغاز العابر للصحراء»، والاستغلال المشترك لحقل «كفرا» النفطي الواقع بالحدود.

وللجزائر أيضاً مبادرات ميدانية لدعم قطاع الطاقة في النيجر؛ ففي شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تدخل فريق من فنيي شركة «سوناطراك» لمعالجة حادث وقع بإحدى آبار النفط في حقل أغاديم بشرق النيجر، فيما انتقل فريق آخر من «الوكالة الوطنية لتثمين موارد المحروقات» إلى النيجر، بهدف تحديث قاعدة البيانات الخاصة بقطاع المحروقات في البلاد.

تقارب من بعد أزمة

تزامنت هذه التعزيزات الجزائرية مع إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى النيجر لتأمين استثمارات الطاقة المشتركة، في خطوة تعكس عودة الزخم إلى العلاقات الثنائية، وتوحي بأن تداعيات «أزمة طائرة مالي» قد أصبحت من الماضي، وأن البلدين يتجهان نحو طي صفحة الخلافات وتعزيز التعاون الاستراتيجي بينهما.

وكان سلاح الجو الجزائري قد أسقط طائرة مسيرة مالية على الحدود بين البلدين في 1 أبريل (نيسان) 2025، بينما كانت بصدد تعقب عناصر معارضة مسلحة في مالي. وفجرت هذه الحادثة أزمة مع باماكو، ودفعت النيجر وبوركينا فاسو إلى التضامن مع جارتيهما بحكم الشراكة في «تحالف دول الساحل» الذي يضم البلدان الثلاثة. ووصل الخلاف إلى هيئات النزاع الأممية حيث رفعت مالي شكوى ضد الجزائر.

تدشين محطة للكهرباء بالنيجر بحضور رئيسي وزراء النيجر والجزائر فبراير الماضي (الحكومة الجزائرية)

وعادت علاقات الجزائر مع جيرانها الثلاثة إلى طبيعتها تدريجياً مع بداية العام الحالي عن طريق تبادل زيارات على مستوى عالٍ. كما أن الجزائر أوفدت فريقاً من شركة الكهرباء الوطنية إلى النيجر في فبراير (شباط) الماضي، حيث تم إنجاز محطة كبيرة لتوليد الطاقة بمدن الشمال.

غير أن وتيرة التنسيق الجزائري - النيجري اتخذت منحى متسارعاً، وبأبعاد تجاوزت التعاون التقليدي في قطاعي الطاقة والاقتصاد؛ خصوصاً بعد تصويت البرلمان الجزائري، في 25 أكتوبر 2026، على إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى النيجر، في خطوة عكست تحولاً لافتاً في طبيعة الانخراط الجزائري مع الجارة الجنوبية.

رئيس أركان الجيش الجزائري ووزير دفاع النيجر خلال توقيع اتفاق أمني الشهر الماضي (وزارة الدفاع الجزائرية)

ورغم أن سلطات الجزائر أوضحت أن هذا الانتشار يأتي استجابة لطلب نيامي، ويهدف إلى تأمين المنشآت الاقتصادية ومنشآت الطاقة والاستثمارات المشتركة، فإن طبيعة هذه الخطوة وتوقيتها فتحا الباب أمام تساؤلات بشأن أبعاد الحضور العسكري الجزائري في النيجر، حيث يرى مراقبون أنه لا يمكن فصل هذا التقارب المتسارع عن التحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الساحل وشمال أفريقيا، في ظل تشابك مصالح قوى أجنبية، في مقدمتها روسيا، إلى جانب التحركات المرتبطة بالقيادة العامة للقوات المسلحة في شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر، وما تثيره من حسابات أمنية واستراتيجية على امتداد الحدود الجنوبية والشرقية للجزائر.

ويرى المراقبون أن تكثيف الدعم بقطاع الطاقة وإرسال وحدات عسكرية لتأمين الاستثمارات المشتركة يندرج ضمن مقاربة أوسع لإعادة ترتيب الحضور الجزائري في محيط إقليمي تتزايد فيه المنافسة على النفوذ والمصالح الاستراتيجية.


«النواب» الليبي يكلّف أبو خزام محافظاً للمصرف المركزي

لقاء الدبيبة مع أبو خزام في طرابلس يوم الاثنين (حكومة الوحدة)
لقاء الدبيبة مع أبو خزام في طرابلس يوم الاثنين (حكومة الوحدة)
TT

«النواب» الليبي يكلّف أبو خزام محافظاً للمصرف المركزي

لقاء الدبيبة مع أبو خزام في طرابلس يوم الاثنين (حكومة الوحدة)
لقاء الدبيبة مع أبو خزام في طرابلس يوم الاثنين (حكومة الوحدة)

كلف مجلس النواب الليبي خلال جلسة رسمية في مدينة سبها بجنوب البلاد، الاثنين، فوزي أبو خزام محافظاً لمصرف ليبيا المركزي، ورفع سن التجنيد في الجيش، وسط نقاشات حول الأزمة الاقتصادية وضرورة إعداد ميزانية موحدة.

وعلى الصعيد السياسي، سعى رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة إلى «إعادة ترتيب المسار السياسي»، مع استمرار الاعتراضات على مخرجات لجنة «4+4» وتصاعد الضغوط الدولية.

وفي جلسة مجلس النواب التي ترأسها الصالحين عبد النبي وبحضور نائبيه، تم إقرار تكليف أبو خزام محافظاً لـ«المركزي» بعد حصوله على تأييد بـ78 صوتاً مقابل اعتراض 12 نائباً، في خطوة تأتي بعد قبوله استقالة المحافظ السابق ناجي عيسى الشهر الماضي.

وعقب قرار تكليف أبو خزام، استقبله رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، الاثنين، لبحث تطورات الأوضاع المالية والاقتصادية وسبل تعزيز التنسيق بين الحكومة والمصرف.

وتناول اللقاء، وفقاً لما أعلنته الحكومة في بيان مقتضب، «السياسات المالية والنقدية والإجراءات اللازمة لدعم استقرار سعر صرف الدينار، ومعالجة الاختلالات الاقتصادية، وتعزيز الانضباط المالي وتنظيم الإنفاق العام، إلى جانب ضمان استقرار الخدمات المصرفية وتعزيز الثقة في القطاع المصرفي».

كما وافق مجلس النواب في جلسته، بالإجماع، على رفع سن التجنيد في الجيش من 17 إلى 18 عاماً ضمن قانون التعبئة العامة.

جانب من جلسة مجلس النواب الاثنين في سبها (لقطة من فيديو بثه المجلس)

وركّز المجلس على الأوضاع المعيشية، حيث أشار رئيسه عبد النبي إلى أن «ارتفاع سعر الصرف وغلاء المعيشة فاقما معاناة المواطنين، خاصة في فزان»، ودعا خبراء في المال والاقتصاد والنفط والمصارف إلى اجتماع في بنغازي شرق البلاد، الأسبوع المقبل، لتقديم مقترحات عاجلة ومتوسطة وطويلة المدى.

كما طالب بإعداد ميزانية موحدة للعام المقبل قبل نهاية السنة الحالية، ودعا لجان المجلس إلى الإسراع في حصر احتياجات البلاد من الأدوية والغذاء والأعلاف ومدخلات الصناعة والمحروقات.

وأكد عبد النبي أن «انعقاد الجلسة في سبها يجسد اهتماماً بقضايا الجنوب وحقه في التنمية المتوازنة»، داعياً إلى «تجاوز الخلافات وتغليب المصلحة الوطنية وتعزيز وحدة المؤسسات».

تزامنت هذه القرارات مع لقاء عقده المنفي وتكالة في طرابلس، مساء الأحد، بحثا خلاله سبل استئناف العملية السياسية وصولاً إلى تسوية وطنية شاملة تتيح إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. وشدد الجانبان على «ضرورة الحفاظ على وحدة المؤسسات السيادية واستقلاليتها، واحترام الاختصاصات والصلاحيات المقررة لها، بما يمنع ازدواجية القرار أو توظيف تلك المؤسسات في التجاذبات السياسية».

وأكدا «ضرورة تحصين السلطة القضائية وإبعادها عن التدخلات السياسية، باعتبارها إحدى الركائز الدستورية لاستقرار الدولة وضمان سيادة القانون وحماية الحقوق والحريات».

ويأتي اللقاء في ظل استمرار الخلافات حول تفاهمات لجنة الحوار المصغرة «4+4» التي توصلت في أغسطس (آب) الماضي إلى تفاهمات تتعلق بإعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا للانتخابات، ومعالجة الخلافات المرتبطة بالأساس الدستوري والقانوني للاستحقاق، إلى جانب الترتيب لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً، في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات موحدة.

اجتماع المنفي وتكالة بطرابلس مساء الأحد (المجلس الرئاسي)

لكن هذه التفاهمات لم تحظَ بإجماع المؤسسات السياسية، فقد أبدى المنفي «تحفظات على آلية تشكيل اللجنة ومدى تمثيلها لمختلف الأطراف»، بينما رفض «الأعلى للدولة» هذه التفاهمات، معتبراً أنها تتجاوز الأطر الدستورية والقانونية والتوافقية للعملية السياسية.

وبحسب مراقبين، تكشف هذه الخلافات عن معضلة أساسية تواجه المسار الأممي، تتمثل في أن التفاهمات التي يجري التوصل إليها بين ممثلي القوى المتنافسة لا تضمن بالضرورة موافقة المؤسسات التي يفترض أن تصدّق عليها أو توفر لها الغطاء القانوني والسياسي.

وتزامنت التحركات السياسية مع تصاعد الضغوط الأميركية لدفع الأطراف الليبية نحو تسوية، إذ حذر كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس من أن «واشنطن لن تتردد في اتخاذ إجراءات صارمة بحق الأطراف التي تعرقل الجهود الرامية إلى حل الأزمة الليبية».

وجاء التحذير عقب تمديد مجلس الأمن الدولي ولاية بعثة الأمم المتحدة عاماً إضافياً، في خطوة تعكس استمرار الرهان الدولي على الوساطة الأممية رغم تعثر التوافق بين القوى الليبية.

ووفق المراقبين، يواجه المسار السياسي الليبي اختباراً جديداً مع استمرار التباين حول شرعية التفاهمات وآليات تنفيذها، في وقت تحاول فيه الأمم المتحدة والولايات المتحدة دفع القوى المتنافسة إلى تجاوز الانقسام المؤسسي.


«فجوات الرواتب» تثير انتقادات داخل قطاعات حكومية في ليبيا

وقفة احتجاجية لنقابة العاملين بالتدريس الجامعي في جامعة طرابلس الأحد (صفحة النقابة)
وقفة احتجاجية لنقابة العاملين بالتدريس الجامعي في جامعة طرابلس الأحد (صفحة النقابة)
TT

«فجوات الرواتب» تثير انتقادات داخل قطاعات حكومية في ليبيا

وقفة احتجاجية لنقابة العاملين بالتدريس الجامعي في جامعة طرابلس الأحد (صفحة النقابة)
وقفة احتجاجية لنقابة العاملين بالتدريس الجامعي في جامعة طرابلس الأحد (صفحة النقابة)

أعاد مشروع قانون لزيادة الأجور في ليبيا فتح ملف التفاوت في الرواتب بين العاملين بالدولة، بعدما كشفت أرقام متداولة لمسودته الأولية التي أعدها البرلمان فجوات واسعة بين شاغلي المناصب السيادية، والوزارية، والموظفين، مما أثار العديد من الانتقادات داخل قطاعات حكومية.

وبحسب ما تداوله برلمانيون ووسائل إعلام محلية، تصل رواتب رئيس المجلس الرئاسي ونائبيه ورئيس مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» إلى 12 ألف دينار (أي ما يعادل 1870 دولاراً في السوق الرسمية، و1200 دولار بالسوق الموازية)، ورئيس الحكومة إلى 11 ألف دينار، بينما تبلغ رواتب الوزراء والنائب العام ورؤساء ديوان المحاسبة والمفوضية الانتخابية 8 آلاف دينار شهرياً.

أما عضو مجلسي النواب و«الدولة» فيبلغ راتبه 7 آلاف دينار، في حين تتراوح رواتب الدرجات الوظيفية من الأولى إلى السادسة عشرة بين 825 و4312 ديناراً شهرياً، وفق الجدول المقترح المتداول، الذي لم يتسن التحقق من مدى دقته.

انتقادات وتحفظات

ومع هذه الفجوات تعالت نبرة الانتقادات عبر صفحات تواصل ليبية ووسائل إعلام محلية بشأن اتساق التوزيع المقترح مع مبدأ العدالة، وكذلك عدم تناسب الأجور مع تكاليف المعيشة في مختلف المناطق الليبية، والبلديات المحلية.

ويرى الخبير الاستراتيجي في التنمية الاقتصادية خالد الكاديكي، وهو من بنغازي، أن الإشكالية تكمن في تحقيق التوازن بين الوظائف السيادية والدبلوماسية، وغيرها من الوظائف العامة، مثل التعليم، والقطاع الصحي، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الانقسام الحكومي وغياب الميزانيات الموحدة يصعّبان تطبيق نظام متكامل للأجور».

وبرزت الانتقادات الضمنية لهذه الفجوة بين العاملين في جهات حكومية أعلنت تحفظاتها على الجدول المتداول. ففي قطاع التعليم الجامعي، طالبت نقابة أعضاء هيئة التدريس بجامعة طبرق، الأحد، باستثنائها، وإعداد جدول خاص، بينما لوحت نقابة جامعة طرابلس باعتصام، ووقف الدراسة إذا مُسّت رواتب أعضائها الحالية.

وامتد الاعتراض إلى قطاع المراقبة الجوية، إذ أعلنت النقابة العامة للمراقبين الجويين «رفضها أي صيغة لا تنصف العاملين»، ولوّحت بـ«إيقاف العمل إذا لم يراعِ الجدول المزمع تطبيقه على الجهات كافة متطلبات المهنة، ومسؤوليات العاملين في هذا القطاع الحيوي».

مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)

في المقابل، هناك من يتمسكون بالحفاظ على أوضاعهم المالية القائمة؛ فقد رفض قضاة من الجمعية العمومية لمحكمة استئناف طرابلس المساس بمزايا أعضائها، وحذرت الجمعية في بيان، الأحد، مجلس النواب من مناقشة تشريعات تخص القضاة دون الرجوع إلى المجلس الأعلى للقضاء، والجهات القضائية المختصة.

ويستند هذا الموقف إلى قانون صادر قبل عامين بشأن المعاملة المالية لأعضاء الهيئات القضائية، تتراوح بموجبه الرواتب الأساسية للقضاة بين 7200 و13600 دينار شهرياً، بحسب الدرجة، والمنصب، إضافة إلى العلاوات، والمزايا القانونية الأخرى المقررة لهم بموجب التشريعات النافذة حالياً.

عدالة التوزيع

ويشير الكاديكي إلى أن توحيد الرواتب لا يتحقق بمجرد وضع درجات مالية متشابهة تزج بالبلاد فيما وصفه بـ«الدائرة المفرغة»، وإنما يتطلب -بحسب رؤيته- «معايير واضحة تراعي طبيعة الوظيفة، والمسؤوليات المترتبة عليها، حتى لا يعيد التشريع الجديد إنتاج التفاوت القائم بين القطاعات، وقبل ذلك وجود حكومة موحدة، وميزانية لعموم البلاد».

ويأتي الجدل بشأن عدالة توزيع الرواتب في مناخ عام يسوده الانقسام بين حكومتين، إحداهما في غرب البلاد برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى تسيطر على الشرق وأجزاء من الجنوب برئاسة أسامة حماد، وهي مكلفة من البرلمان، ومدعومة من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

ولا يتوقف الخلاف عند توزيع الرواتب؛ بل يمتد إلى قدرتها الشرائية مع ارتفاع الأسعار.

وانتقد الخبير الاقتصادي عبد الحميد الفضيل مقترح مشروع القانون المتداول، وتوقع أن يفاقم الضغوط على الطبقة الوسطى؛ فيما رأى الخبير الاقتصادي علي الشريف أن نتائج المشروع المقترح قد تدفع شرائح إلى مستويات أدنى.

ومن زاوية أوسع، ربط عضو مجلس النواب عصام الجهاني إصلاح منظومة الأجور بمعالجة الاختلالات المالية، والإدارية، منتقداً «التركيز على تعديل الجداول دون التصدي للفساد»، معتبراً أن «إعادة توزيع الرواتب وحدها لا تكفي لتحقيق إصلاح مالي حقيقي، ومستدام».

اجتماع لجنتي المالية في «النواب» و«الأعلى للدولة» بحضور محافظ المصرف المركزي والنائب العام في طرابلس الأحد (صفحة النائب عمر تنتوش)

ومع الاعتراضات، انتقل مشروع القانون إلى النقاش البرلماني؛ إذ عقد مجلس النواب، الاثنين، جلسة لمناقشة جوانبه الفنية، بعدما بحثها محافظ مصرف ليبيا المركزي فوزي بوخزام مع لجنتي المالية بمجلسي النواب والدولة، ووزير المالية بحكومة «الوحدة» راشد أبو غفة، الأحد، في طرابلس.

وقبيل الجلسة، أعلن عضو مجلس النواب إسماعيل الشريف أن المجلس «لن يمرر مشروع القانون بصيغته الحالية».

وأشار الشريف إلى «قصور الدراسات، والتقييمات، وعدم مراعاتها الظروف المعيشية للأسرة الليبية، فضلاً عن تعارض بعض أحكامه مع تشريعات نافذة، بينها قانونا الضمان الاجتماعي، وعلاقات العمل».