أُعيد إلى المغرب كل المهاجرين تقريباً الذين توافدوا في الأيام الأخيرة إلى جيب سبتة الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب، وفق ما أعلنت السلطات الإسبانية التي انهالت عليها الانتقادات من دول أخرى في الاتحاد الأوروبي؛ حيث تكتسي مسألة الهجرة طابعاً شديد الحساسية، مشيرة في الوقت ذاته إلى أنّ الوضع «بات شبه طبيعي».

حصيلة ثقيلة
قضى 67 مهاجراً على الأقل خلال محاولتهم الوصول إلى سبتة، وفق ما أعلن وزير الداخلية الإسباني فرناندو غرانديه-مارلاسكا السبت، حسبما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».
وخلال إحاطة إعلامية من سبتة، إثر اجتماع طارئ بشأن هذه الأزمة غير المسبوقة بنطاقها، أشار غرانديه-مارلاسكا إلى «حوادث مؤسفة ومأسوية» أودت بحياة 67 شخصاً على الأقل، مضيفاً أنّه «في خلال أقل من 48 ساعة بات الوضع مختلفاً تماماً وشبه طبيعي».

ومساء الجمعة، أكّدت الحكومة الإسبانية أن كل المهاجرين «تقريباً» الذين وصلوا في الأيام الأخيرة عادوا إلى المغرب، أي نحو 48 ألف شخص حسب البيانات الرسمية.
وصباح السبت، واصل شبان اجتياز الحدود في الاتجاه المعاكس، تحت أعين الشرطة والحرس المدني الإسباني وسط ضباب كثيف، حسب مراسلة «وكالة الصحافة الفرنسية».
ودفع الجنود الأشخاص الموجودين على الشاطئ كي يعودوا أدراجهم، فيما شاهد مراسلو الوكالة رجلين يخرجان من المياه وينهاران على رمال الشاطئ من شدّة التعب. ووصل المغربي سفيان (42 عاماً) إلى سبتة بعدما سبح «3 أو 5 دقائق» على أمل الذهاب إلى مدريد، الواقعة على بعد مئات الكيلومترات شمالاً للقاء والدته، التي تعاني جراء «سرطان في الدّم».
وقال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «صديقاً اتصل بي وقال لي إن الحدود قد فتحت» بين إسبانيا والمغرب. مشيراً إلى أن هذا التوافد الكثيف يكشف أن «الجميع يريد الذهاب (إلى إسبانيا) أملاً في مستقبل أفضل».
حاجز مطاطي
منذ مطلع الأسبوع، وصل المهاجرون، وهم في غالبيتهم الكبرى شباب وفتيان مغاربة، قدّر رئيس الحكومة المحلية في سبتة، خوان خيسوس فيفاس، عددهم بنحو 60 ألفاً (50 ألفاً حسب وزارة الداخلية الإسبانية) إلى إسبانيا عبر البر أو البحر.

وتعدّ سبتة الواقعة في الطرف الشمالي للمغرب بمحاذاة مضيق جبل طارق، والبالغ عدد سكانها 84 ألف نسمة، مع جيب مليلية الإسباني النقطتين الحدوديتين البريتين بين أفريقيا وإسبانيا. وبغية منع المهاجرين من اجتياز الحدود بين المغرب وسبتة سباحة، يقام حاجز مطاطي يمتدّ على 500 متر في البحر المتوسط، وفق ما كشف وزير الداخلية الإسباني صباح السبت.
وشاهد مراسلو «وكالة الصحافة الفرنسية» مئات المهاجرين، كثيرون منهم من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وهم ينتظرون أمام مركز إيواء مغلق طوّقته الشرطة. ومع انتشار المشاهد المتداولة عن تدفق المهاجرين إلى سبتة، رفع اليمين الأوروبي المتطرف الصوت عالياً للمطالبة بتشديد التدابير الأمنية على حدود فضاء «شنغن».
ومنذ الخميس، دعت إيطاليا إلى تعليق عضوية إسبانيا في منظمة شنغن، بتأييد من فنلندا والدنمارك. غير أن إسبانيا رأت من جهتها أن هذا المقترح ينطوي على «ديماغوجية».
وأعلنت وزارة الداخلية الإيطالية فرض عمليات تدقيق منذ السبت عند الحدود الجوية والبحرية مع إسبانيا على المواطنين غير الأوروبيين الوافدين من إسبانيا. من جانبه، أكد وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، السبت، أن مغادرة إسبانيا منطقة شنغن «أمر غير وارد على الإطلاق»، مضيفاً أن فرنسا تتمتع «بتعاون جيد جداً مع إسبانيا». ورداً على سؤال خلال مؤتمر صحافي عن مدة تعزيز الحدود الفرنسية - الإسبانية، أجاب بأن الأمر سيستمر «ما دام ذلك ضرورياً». ورفعت فرنسا عدد عناصر الشرطة والدرك المنتشرين على الحدود مع إسبانيا 5 مرات، وصولاً إلى 334، على ما قال نونيز.

«انقسام وأنانية»
وقام رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بزيارة تفقّدية إلى سبتة، صباح الجمعة، مع وزير الداخلية، ندّد خلالها بـ«هجوم وانتهاك لوحدة وسلامة أراضي إسبانيا»، متهماً «مافيات» بالوقوف وراء شائعات حول فتح الحدود بين المغرب وإسبانيا. وفي منشور على «إكس»، قال سانشيز الذي تعتمد حكومته نهجاً منفتحاً في مجال الهجرة، خلافاً لعدّة دول أوروبية أخرى: «ليس هذا وقت الانقسام، بل وقت مواصلة بناء اتحاد أوروبي قويّ ومتّحد».
وكانت الحكومة الإسبانية قد أعلنت عن خطة واسعة لتسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين تلقّت في إطارها 1.2 مليون طلب. وندّد سانشيز السبت في رسالة رسمية، اطلعت «وكالة الصحافة الفرنسية» على نسخة منها، بالموقف «الأناني» لبعض بلدان الاتحاد الأوروبي، مطالباً بعقد اجتماع طارئ عبر الفيديو لوزراء داخلية الدول الأعضاء السبع والعشرين.
وهذه أكبر عملية تدفق لمهاجرين غير نظاميين إلى سبتة، انطلاقاً من المغرب منذ عام 2021، عندما وصل نحو 10 آلاف مهاجر في خضم أزمة دبلوماسية بين البلدين، مستغلين تخفيفاً للمراقبة الحدودية من جانب الرباط خلال أزمة دبلوماسية بينها وبين مدريد.

وتأتي الأزمة الراهنة بعد زيارة سانشيز إلى الجزائر في 20 يوليو (تموز) الماضي، وهي الأولى لرئيس وزراء إسباني منذ 4 سنوات، وعكست تحسّن العلاقات بين الطرفين بعد أعوام من التوتّر. ومساء الجمعة، احتشد المئات أمام السفارة المغربية في مدريد «دفاعاً عن الهوية الإسبانية»، حسب مراسل الوكالة.
وفي واشنطن، عدّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي جعل مكافحة الهجرة غير النظامية في قلب أولوياته، أن الصور المتداولة عن سبتة أشبه بـ«غزو للبلد»، متّهماً إسبانيا ببذل «جهود متعمّدة» لتسهيل الهجرة غير النظامية.
