المسرح الملكي في الرباط وسحر تصاميم زها حديد

يبرز تصميم المسرح الملكي كأنه موجة تتصاعد وتعلو قمتها فوق قاعات العروض (غيتي)
يبرز تصميم المسرح الملكي كأنه موجة تتصاعد وتعلو قمتها فوق قاعات العروض (غيتي)
TT

المسرح الملكي في الرباط وسحر تصاميم زها حديد

يبرز تصميم المسرح الملكي كأنه موجة تتصاعد وتعلو قمتها فوق قاعات العروض (غيتي)
يبرز تصميم المسرح الملكي كأنه موجة تتصاعد وتعلو قمتها فوق قاعات العروض (غيتي)

قبل أن يُرفع الستار، ينجح «المسرح الملكي» الجديد في الرباط - وهو من تصميم المهندسة المعمارية المرموقة زها حديد - في إبهار الناظرين لدرجة تفوق التصور.

فعلى ضفاف نهر أبي رقراق، يبرز التصميم كأنه موجة تتصاعد وتعلو قمتها فوق قاعات العروض، ثم تنحدر نحو مدخل يفضي إلى ردهات تحاكي في تكوينها الأخاديد الصخرية. وتتداخل سلالم انسيابية تشبه الأشرطة لتصعد عبر واجهات شاهقة الارتفاع تماثل المنحدرات الصخرية المكونة من 4 طوابق، بينما تطل مقصورات الأوبرا على قاعة عرض رئيسية تشبه في هيئتها التكوينات الصخرية الجوفية المبطنة بالبلورات؛ إذ لا يقتصر المشهد المسرحي المبتكر على خشبة المسرح فحسب، بل يمتد ليشمل المبنى بأكمله.

المسرح الملكي في الرباط (غيتي)

صممت المهندسة المعمارية العراقية - البريطانية هذا المسرح الملكي - الذي يضم مسارح داخلية وخارجية - في ذروة مسيرتها المهنية وقبيل وفاتها عام 2016. وقد جاء المبنى تتويجاً لمجموعة أعمالها التي أتاح لها التطور التقني فيها تحويل منشأة معمارية فائقة الحداثة إلى ما يشبه تشكيلاً محيطياً نحته الفنان «برانكوزي». ففي العقد الأخير من مسيرتها، سعت حديد إلى تحقيق ما أطلقت عليه اسم «الحركة والانسيابية المطلقة». لقد كانت التقنيات الرقمية تمنح الحرية لحديد - وهي أول امرأة تفوز بجائزة «بريتزكر» للهندسة المعمارية - ولزميلها المقرب في المكتب الهندسي، باتريك شوماخر؛ إذ حررتهما من قيود الهندسة التقليدية ومن جمود المباني التي تبدو كأنها آلات صماء من الفولاذ والزجاج.

في عام 2010، دعا الملك محمد السادس ملك المغرب شخصياً المهندسة المعمارية زها حديد إلى مقر شركتها في لندن لتصميم مسرح في العاصمة. بعد أن خاب أمله لخسارة تصميمها الجريء لمسرح في الدار البيضاء أمام المهندس المعماري الفرنسي كريستيان دي بورتزامبارك، أراد الملك من حديد تنفيذ تصميمها الأصلي في الرباط. أقنعت حديد الملك بالبدء من جديد بتصميم مبنى يتناسب مع الموقع الجديد، وهو وادٍ نهري بين العاصمة ومدينة سلا.

المصممة المعمارية زها حديد (غيتي)

البداية

بالنسبة لحديد، جاءت الدعوة بمثابة تذكرة بحدث غير سار؛ فقبل 20 عاماً في ويلز، لم تحظَ بالترحيب في مشروع كان من شأنه أن يُغيّر مسيرتها المهنية، فازت المهندسة المعمارية البالغة من العمر 45 عاماً، ثم خسرت، ثم فازت وخسرت مرة أخرى في جولة أخرى، في مسابقة تصميم دار أوبرا كارديف. أثارت هذه الدراما التي تصدرت عناوين الصحف تساؤلات حول الأسلوب والتحيز. عدَّت حديد الرفض مسألةً شخصية، مُشيرةً إلى «المقاومة والتحيز». توقف هاتفها عن الرنين. فكرت في مغادرة البلاد.

«كانت قصة خليج كارديف إحدى أكبر الصدمات في مسيرتها المهنية، ويمكن اعتبار هذا المبنى الذي شُيّد بعد وفاتها في الرباط بمثابة تبريرٍ مُنتصر»، كما قال ديان سودجيك، المدير السابق لمتحف التصميم في لندن. في الرباط، استطاعت زها أن تنظر إلى الماضي بشماتة.

في الثاني والعشرين من أبريل، افتتحت لالة خديجة، ابنة الملك، وشقيقتاه لالة مريم ولالة حسناء، المبنى بحضور السيدة الأولى الفرنسية، بريجيت ماكرون. وقدّم برنامجٌ موسيقيٌّ حافلٌ بأعمال تشايكوفسكي وفيردي وأغانٍ عربية أندلسية، بالإضافة إلى عزفٍ منفردٍ لعازف العود الماهر إدريس الملومي، مُبرزاً بذلك قدرة القاعة على استيعاب الصوت، ومؤكداً على سياسة المسرح في عرض التقاليد الموسيقية المغربية إلى جانب ذخيرةٍ عالمية.

انطباعات

يخضع نهر أبي رقراق، الذي يصب في المحيط الأطلسي، لظاهرة المد والجزر؛ ما يؤدي إلى انعكاس اتجاه تدفقه. وفي الطرف الجنوبي الشرقي للمسرح الملكي، تنشأ موجة رقيقة من منطقة كانت في الأصل أرضاً سبخية، ثم تتسع وتنتفخ وتتفرع. وتصل الموجة الرئيسية ذروتها فوق قاعة العرض التي تتسع لـ 1800 مقعد وبرج المسرح (منطقة تعليق الديكورات)، قبل أن تنحسر باتجاه المدخل الرئيسي، حيث تلتقي بموجة أخرى؛ فيمر الجمهور عبر هذا المشهد المفعم بالحركة والاضطراب لدخول المبنى. ويقول نيلس فيشر، مدير المشروع: «تُظهر الرسومات الأولية لزها كيف أثرت حركة المياه المحيطة بالمبنى في تشكيله». وتقول آنا غلاس، المديرة التنفيذية لفرقة «رقص مسرح هارلم» (Dance Theater of Harlem)، واصفةً انطباعها عند رؤية المبنى في حفل الافتتاح: «لقد ذُهلت تماماً؛ فالمبنى يخطف الأنفاس، ويمنحك شعوراً بالإثارة يحبس الأنفاس، يشبه ذلك الشعور الذي ينتابك عند ركوب الأفعوانية (قطار الملاهي) لأول مرة، ثم يجذبك الفضول لاستكشافه».

تفاصيل داخلية في المسرح الملكي بالرباط (موقع المسرح)

تصميم القاعات

تتمثل وظيفة قاعات الحفلات الموسيقية ودور الأوبرا في احتواء الموسيقى داخل حيز عازل للصوت، إلا أن حديد لم تكتفِ ببناء مجرد وعاء للصوت، بل أبدعت عرضاً معمارياً في حد ذاته؛ إذ يدخل الزوار من تحت موجة متكسرة، تماماً كما يفعل راكبو الأمواج حين يندفعون عبر نفق مائي. ويمتد ممر نهري عبر المساحات الداخلية، بدءاً من المدخل ومروراً بمنحدرات مائية مصممة بعناية بين جدران شاهقة تشبه الأخاديد الطبيعية، وصولاً إلى مسرح مفتوح يتسع لـ 7000 متفرج، ويقع بمحاذاة النهر.

صُممت القاعة -التي تتخذ شكل حدوة حصان، وتتساوى أبعاد عرضها وعمقها تقريباً- لتصنع شعوراً بالألفة والقرب. يقول غلاس، الذي ستقدم فرقته عروضاً خلال الموسم الكامل الأول للمسرح هذا الخريف: «عندما تقف على خشبة المسرح، يمنحك ترتيب المقاعد على شكل حدوة حصان شعوراً بأن الجمهور يحيط بك من كل جانب، وكأنهم يعانقونك. وأتوقع أن يبدع راقصونا في استعراض مهاراتهم، رغبةً منهم في رد المشاعر التي يشعرون بأنهم يتلقونها من الجمهور».

بصمة زها الأصيلة

كانت حديد، برفقة شوماخر وفيشر، قد عاينت الموقع لأول مرة في عام 2010، وبدأ العمل في البناء عام 2014. واكتملت أعمال التشييد في عام 2021، أي بعد 5 سنوات من وفاتها. ورغم أن المبنى أُنجز بعد رحيلها، فإنه -كما يقول سودجيك- «يحمل بلا شك بصمة زها الأصيلة، ويُعد تذكيراً بمدى براعة وقوة هذه المعمارية».

تم اختيار موقع المبنى، الذي تبلغ مساحته 290 ألف قدم مربع وتكلفته 170 مليون دولار، بعناية فائقة. وقال فيشر: «يمثل المسرح حلقة وصل بين ضفتي الوادي اللتين كانت مدينتاهما تاريخياً منفصلتين تماماً». وفي إطار رؤية الملك محمد السادس، «يعكس المسرح الملكي بالرباط التزام المغرب الراسخ بالثقافة والصناعات الإبداعية كمحرك للتنمية، مع تعزيز التبادل الثقافي مع أفريقيا والعالم»، كما صرّح مديره الفني ونائب مديره العام، إبراهيم المزند. ويسعى المسرح إلى ترسيخ مكانته كمنصة دولية للموسيقى والرقص والمسرح المغربي والعربي والأفريقي، بالإضافة إلى موسيقى البوب ​​الغربية (حيث سيستضيف عرض «هذا هو مايكل»، وهو عرض حيّ تكريمي لمايكل جاكسون، في 29 أكتوبر / تشرين الأول). في إطار هذه المبادرة الأوسع، يجري الآن بناء مركز ثقافي أفريقي رئيسي، وهو متحف القارة، في وسط مدينة الرباط.

انسيابية التصميم في المسرح الملكي بالرباط (موقع المسرح)

عودة إلى الجذور

بالنسبة لحديد - التي درست الرياضيات في الجامعة الأميركية في بيروت، وعاشت حياتها كبالغة في المهجر بعيداً عن العراق، وكانت تقضي عطلاتها غالباً في المغرب - كان هذا المشروع بمثابة عودة ثقافية إلى الجذور، حسبما صرحت في حديث سابق. ورغم الشهرة المبكرة التي نالتها منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، فإن الدول العربية لم تبدأ في تكليفها بمشاريع كبرى إلا بعد مطلع الألفية الجديدة، وذلك عقب فوزها بجائزة «بريتزكر» وتنفيذها مشاريع ناجحة في الصين، غير أن أحداث «الربيع العربي» أدت إلى توقف العديد من المشاريع، قبل أن تظهر تكليفات جديدة لاحقاً؛ إذ يجري حالياً تشييد أكثر من 6 مبانٍٍ - أو تم الانتهاء منها بالفعل - استناداً إلى تصاميمها وبعد وفاتها، وذلك تحت إشراف شوماخر وفي مواقع متعددة تمتد عبر شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

تفاصيل داخلية في المسرح الملكي بالرباط (موقع المسرح)

على مر القرون، أضفى المعماريون طابعاً من الجلال والعظمة على الكاتدرائيات والمساجد. وفي هذا الصدد، قالت حديد ذات مرة في مقابلة صحافية: «أعتقد أن الناس كثيراً ما تاقوا إلى ابتكار مثل هذه المساحات؛ فدخول حيّزٍ مكانيٍّ عظيمٍ - حيّزٍ أشبه بالفردوس - يبعث في النفس شعوراً بالارتقاء والسمو». وعلى الرغم من أن «المسرح الملكي» يُعدّ فضاءً مخصصاً للعروض الفنية، فإنه يمتلك القدرة على نقل الجمهور إلى زمان ومكان متخيَّلين؛ فقد تجاوزت حديد حدود خشبة المسرح لتنقل سحر الإبهار إلى أرجاء المبنى بأكمله.

* خدمة نيويورك تايمز


مقالات ذات صلة

«دنيا»... رحلة في عالم الأمهات المثقل بالتضحيات

يوميات الشرق ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)

«دنيا»... رحلة في عالم الأمهات المثقل بالتضحيات

تغوص مسرحية «دنيا»؛ لكاتبها ومخرجها زياد نجّار، في أعماق الأمومة والتضحيات التي ترافقها، فتشرِّح مشاعر مكبوتة لدى نساء نسين أنفسهن من أجل سعادة أبنائهن...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق عرض «شنب البنات» للمعهد العالي للفنون المسرحية (إدارة المعهد)

«إيزيس لمسرح المرأة» يراهن على تجارب نسائية عابرة للحدود

يستعيد مهرجان «إيزيس الدولي لمسرح المرأة» في دورته الرابعة سيرة الفنانة المصرية الراحلة سناء جميل.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق تتناول المسرحية غياب الحوار والتواصل لدى الشباب (جنى أبي غصن)

«يلّا أنماتش» مسرحية رومانسية ترفيهية تلامس هواجس الجيل الجديد

سبق أن شاركت جنى أبي غصن في أكثر من عمل مسرحي، بينها «سباحة بالهوا»، و«سجن النساء»، و«شهرزاد»...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق المخرج التونسي يتسلَّم جائزة أفضل مخرج بحفل ختام «مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي» (إدارة المهرجان)

الطاهر عيسى: «لا موضة» صرخة ضد المباهاة التي فرضتها العولمة

قال المخرج التونسي الطاهر عيسى، مخرج العرض المسرحي «لا موضة- Show Off»، إن عرضه يعكس حالة التداخل الثقافي التي يعيشها الإنسان المعاصر.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق حصد العرض على إشادات نقدية عدة (إدارة المهرجان)

فيرا بولياكوفا - ماكي تعيد اكتشاف عالم بوشكين من بوابة الحب الأول

منحت المخرجة البيلاروسية فيرا ألكساندروفنا بولياكوفا - ماكي كل شخصية رئيسية أغنية خاصة تكشف مشاعرها من دون الاستعانة بكلمات بوشكين.

أحمد عدلي (القاهرة )

من أقصى الشراسة إلى أقصى الإنسانيّة... محمد نزار يذهب في «غرَق» إلى أعماق التمثيل

الممثل الأردني محمد نزار بشخصية «باسل» في فيلم «غرق» للمخرجة زين دريعي (صور الممثل)
الممثل الأردني محمد نزار بشخصية «باسل» في فيلم «غرق» للمخرجة زين دريعي (صور الممثل)
TT

من أقصى الشراسة إلى أقصى الإنسانيّة... محمد نزار يذهب في «غرَق» إلى أعماق التمثيل

الممثل الأردني محمد نزار بشخصية «باسل» في فيلم «غرق» للمخرجة زين دريعي (صور الممثل)
الممثل الأردني محمد نزار بشخصية «باسل» في فيلم «غرق» للمخرجة زين دريعي (صور الممثل)

تنوّعت تجارب الممثل الأردني محمد نزار ما بين أفلام ومسلسلات اكتسب فيها خبراتٍ كثيرة. ثم أتى فيلم «غرق – Sink» فأفردَ المساحة كاملةً لطاقاته التمثيليّة، وطواعيّة أدائه، من أقصى الإنسانية إلى أقصى التوحّش.

في فيلمها الروائي الطويل الأول، تؤَنسِن المخرجة الأردنية زين دريعي الإصابة النفسية، ويُجاريها نزار في مبتغاها من خلال شخصية «باسل». يبدو الشاب منذ انطلاقة الفيلم مختلفاً عن أترابه، وصاحبَ ذكاءٍ خارق، إلّا أنه عرضةٌ للتنمّر، والإهانة في مدرسته. وعندما يتقوقع في بيته وغرفته، يتّضح أكثر غرقُه في حالةٍ نفسيّة تأخذه من البهجة إلى السوداويّة في لحظات. ومحمد نزار يجاري الحالات كلّها بلغةِ جسده، وعينَيه، ونبرة صوته، وانفعالاته، وصمته، مالئاً الشاشة بأداءٍ آسر.

ليس من السهل الوصول إلى هذا المستوى من الأداء المُقنِع في أول تجربة سينمائية طويلة بدورٍ رئيس، إلّا أنّ نزار استعان بكل ما راكمَ من خبرات، وبموهبةٍ فطريّة واضحة. «مع (باسل) لم أضع نفسي تحت الضغط، ولم أبالغ، بل استمتعت بالتمثيل، وحاولت خدمة القصة قدر المستطاع»، يقول الممثل الشاب في حوار مع «الشرق الأوسط».

هذا الأداء الحقيقي وغير المصطنع استقاه نزار من متابعته عن كثب لكبار السينما العالمية، وصقلَه من خلال دراسته فنون المسرح في لندن. «كل ذلك، إضافةً إلى تجاربي السابقة في الأفلام القصيرة، والمسلسلات، جعلني أدخل التصوير وأنا أشعر بالجاهزيّة لفيلم طويل، وشخصية مركّبة ومعقّدة مثل (باسل). بعد أن تَكاملَ شكلي الخارجي مع صورته، صرت أشعر بأنني هو حتى قبل انطلاق التصوير».

تخصص نزار بالفنون المسرحيّة في لندن (صور الممثل)

عام 2021 فاتحت المخرجة زين دريعي الممثل محمد نزار بمشروع فيلمها، لكنّ التصوير لم ينطلق سوى في 2024. هذا الوقت المستقطع الطويل سيفٌ ذو حدَّين، فهو ربما يقتل الحماسة، أو أنه قد يعمّق التحضير. ذهب نزار إلى الاحتمال الثاني: «قرأت كمية كبيرة من الكتب عن اضطراب الفصام، وقصدت مع زين الطبيب النفسي المعالج للشخص الذي استُلهمَ منه جزء من قصة الفيلم». تلاقتِ الأعراض التي اطّلع عليها نزار مع تصرّفات شخصية «باسل» في نص الفيلم، مع العلم بأنّ المخرجة تعمّدت عدم تسمية الاضطراب، ولا تحديد إطاره النفسي.

وهي تشير في هذا السياق لـ«الشرق الأوسط» إلى أنها أرادت من خلال تغييب التشخيص الطبي والتصنيف النفسي «أن يختبر الجمهور الحالة ذاتها من الحيرة، وعدم اليقين التي تواجهها والدة (باسل) حيال ما يجري مع ابنها». وتضيف دريعي أنّ فيلمها «لا يتمحور في جوهره حول تحديد نوع الاضطراب، بقَدر ما يدور حول ما يحلّ بالعائلة -وتحديداً الأمّ- عندما تبدأ حالة الابن البكر بالتدهور».

المخرجة زين دريعي متوسطة الممثلَين محمد نزار وكلارا خوري في مهرجان تورونتو للأفلام (صور الممثل)

أهمّ ما في «غرق – Sink» أنه يسعى من البداية حتى النهاية إلى نزع وصمة العار عن المرض النفسي. فالشخص المصاب باضطراب هو إنسانٌ قبل أي شيء، ومحاطٌ بعائلة تقلق عليه، وغالباً ما تعجز عن التعامل مع حالته.

في الأوقات التي تتراجع فيها الأعراض المتراوحة بين العزلة والغضب العنيف، نرى «باسل» شقيقاً لطيفاً يلاعب أخته الصغيرة، ويمازح أخاه. أما علاقته بأمّه، فعصريّة إلى درجة الخروج عن المألوف، إذ يبدوان كصديقَين لصيقَين حيناً، ولدودَين أحياناً، لا سيّما أنّ «ناديا» (الممثلة كلارا خوري) تجنّد نفسها لاحتواء ابنها، واحتضانه بحِنكة، وحبّ.

وعن تجربته إلى جانب كلارا خوري يقول نزار إنّ تمثيلهما كان بمعظمه «وليد اللحظة في مواقع التصوير». بدا التناغم واضحاً بينهما، وقد جسّدت الممثلة الفلسطينية شخصيتها ببراعة، «وهذا ساعدني على الارتقاء بمستوى أدائي، وضاعف مسؤوليتي»، وفق تعبير نزار.

باسل وأمه في أحد أقوى مشاهد الفيلم (صور الممثل)

منذ البداية كان محمد نزار مُدركاً البُعد الإنساني للشخصية، والذي أرادت المخرجة تظهيره على الشاشة. «أتى الإنسان في هذا الدور قبل الحالة النفسية، أي إنني بدأت بتركيب الشخصية الإنسانية، ثم أنزلتُ عليها المرض لاحقاً»، يشرح الممثل.

حتى في أشرس لحظات النوبات، يبقى «باسل» ذاك الطفل العفويّ، وصاحب المخيّلة الواسعة. رغم طبقات سميكة من الغضب، والمزاجيّة، والضياع، وغرقِه التدريجيّ في عالمه المُظلم، تُداهمُه العاطفة الصادقة في لحظةٍ مفاجئة لا سيّما تجاه والدته.

«لم أكن أريد على الإطلاق أن أنزلق به إلى التركيبة الدرامية التي غالباً ما تُعطى للقتَلة المتسلسلين على الشاشة على أساس أنهم مصابون بمرض نفسي، فهو ليس منهم رغم أنه ينحو باتجاه العنف في بعض الأحيان»، يوضح نزار الذي عرف كيف لا يقطع الخيط الرفيع بين الشراسة في الأداء والمبالغة في التمثيل.

الشراسة في الأداء لم تتحوّل لحظةً إلى مبالغة في التمثيل (صور الممثل)

يتجلّى الأداء الشرِس في مشاهد تستحضر حيواناتٍ يوضع «باسل» على تَماسٍ معها، وهو في هذه الزاوية تحديداً استعان بتقنيّات مسرح الحيوان التي اكتسبَها خلال دراسته في بريطانيا.

لا شكّ في أنّ مغامرة «غرق – Sink» شكّلت نقطة تحوّل في مسيرة الممثل الشاب. فصحيح أنّ محمد نزار ترك بصمة في كل عمل شارك فيه سابقاً، من الفيلم الأميركي «ماء الورد» (2013) مروراً بفيلم «غزة مونامور»، وليس انتهاءً بمسلسل «مدرسة الروابي للبنات» على «نتفليكس»، إلّا أنّ إطلالته في الفيلم الجديد مختلفة عن كلّ ما سبق شكلاً، ومضموناً.

محمد نزار بشخصية «عمر» في مسلسل «مدرسة الروابي للبنات» (صور الممثل)

لا يقتصر التحوّل الذي اختبره نزار على مسيرته الفنية فحسب، بل انسحب على وعيه النفسي، والمجتمعي. «أنا بعد (باسل) لست كما قبله»، يقرّ الممثل في حديثه. «زاد منسوب التعاطف مع الآخر لديّ»، يقول نزار الذي شارك على طريقته في رفع وصمة العار عن المرض النفسي في مجتمعاتٍ ما زالت تتعامل معه كفزّاعة.


طفلة صينية عمرها 6 سنوات تحل مكعب «روبيك» بأقل من 5 ثوانٍ (فيديو)

سجّلت ليان يونتشي في حل مكعب «روبيك» زمناً بلغ 4.52 و4.27 ثانية وذلك بعد حل المكعب خمس مرات (رويترز)
سجّلت ليان يونتشي في حل مكعب «روبيك» زمناً بلغ 4.52 و4.27 ثانية وذلك بعد حل المكعب خمس مرات (رويترز)
TT

طفلة صينية عمرها 6 سنوات تحل مكعب «روبيك» بأقل من 5 ثوانٍ (فيديو)

سجّلت ليان يونتشي في حل مكعب «روبيك» زمناً بلغ 4.52 و4.27 ثانية وذلك بعد حل المكعب خمس مرات (رويترز)
سجّلت ليان يونتشي في حل مكعب «روبيك» زمناً بلغ 4.52 و4.27 ثانية وذلك بعد حل المكعب خمس مرات (رويترز)

سجلت طفلة صينية تبلغ من العمر 6 سنوات رقماً قياسياً عالمياً جديداً للسيدات في حل مكعب «روبيك» (مقاس 3×3) في زمن يزيد قليلاً على أربع ثوانٍ.

وحطمت الطفلة ليان يونتشي -وهي متسابقة شابة في مجال حل المكعبات بسرعة- الرقم القياسي العالمي للسيدات في متوسط ​​زمن الحل لـ«مكعب 3×3» مرتين هذا الشهر، وذلك خلال مسابقتين معتمدتين من قِبَل «الرابطة العالمية للمكعب» (World Cube Association) في مدينتي ووهان وقوانغتشو، وفقاً لما ذكرته هيئة الإذاعة والتلفزيون الصينية.

وسجلت الطفلة متوسط ​​أزمنة بلغ 4.52 ثانية و4.27 ثانية، وذلك بعد إتمامها حل مكعب «روبيك» خمس مرات في كل مرة، وفق تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأضافت هيئة الإذاعة والتلفزيون الصينية أن ليان -التي تنحدر من مدينة تشنغدو- تُعد «أول متسابقة تحقق متوسط ​​زمن يقل عن 4.5 ثانية» في هذه الرياضة.

وأظهر مقطع فيديو نشرته القناة الطفلة الصغيرة وهي تضع شريطاً أحمر بنقشة المربعات (الجينغهام) على رأسها، فيما كانت تدير وتحرك مكعب روبيك ببراعة ومهارة.

بعد حل اللغز، تضع ليان -الملقبة بـ«تشي تشي»- المكعب على الطاولة، وتصفق بيديها ثم ترفع قبضتها في الهواء تعبيراً عن الحماس.

تعرفت ليان على مكعب «روبيك» لأول مرة بعد انضمامها إلى فصل تدريبي في طفولتها، وكان ذلك واحداً من أنشطة متعددة شملت أيضاً دروساً في الرقص والموسيقى، وذلك حسبما صرّحت والدتها لين يانغ شي لوسائل إعلام محلية.

وقالت الأم لصحيفة «ريد ستار نيوز» في مدينة تشنغدو إنها أدركت «تدريجياً» أن حل مكعب «روبيك» يُعد «نشاطاً ممتازاً لتعزيز القدرات الشاملة للطفل»، ولذا وجهت اهتمامها نحو هذا المجال.

وأوضحت لين أن ابنتها أتقنت الآن أكثر من 1300 خوارزمية لحل مكعب «روبيك»، وهي تتدرب يومياً لمدة تتراوح بين ساعتين وثلاث ساعات.

وأظهرت صور نشرتها صحيفة «ريد ستار نيوز» الجوائز التي حصدتها ليان معروضةً على أحد الأرفف في منزلها.

وقالت لين: «إن حل مكعب (روبيك) يعزّز التركيز والذاكرة والتفكير المنطقي والإدراك المكاني، كما يساعد في تنمية عقلية سليمة تجاه الفوز والخسارة». وأضافت: «الأمر لا يقتصر على حفظ الصيغ بشكل أعمى، بل يعتمد على استخدام التفكير المنطقي لإيجاد الحلول المثلى».


«دنيا»... رحلة في عالم الأمهات المثقل بالتضحيات

ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
TT

«دنيا»... رحلة في عالم الأمهات المثقل بالتضحيات

ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)

تغوص مسرحية «دنيا» على خشبة «دوار الشمس» ببيروت، لكاتبها ومخرجها زياد نجَّار، داخل أعماق الأمومة والتضحيات التي ترافقها، فتُشرِّح مشاعر مكبوتة لدى نساء نسين أنفسهن من أجل سعادة أبنائهن. وتؤدي ندى أبو فرحات دور «المايسترو» الذي يجمع حكايات نساء كثيرات في مقطوعة إنسانية واحدة، تلامس كل مُشاهد وفق تجربته الخاصة.

عالم «دنيا»؛ المرأة التي ضاعت بين تناقضات تجربتها والخيبات التي واجهتها، يطرحه نجّار في قالب حديث، متنقلاً بين الافتراضي والواقعي، ومستعيناً بالموسيقى بوصفها عنصراً درامياً، وصولاً إلى رقصة المذبوح من الألم، التي توقظها كلمة «موم (أمي)» بالإنجليزية، وفق قاموس الجيل الجديد. وانطلاقاً من هذا التعبير البسيط، الذي حلّ مكان كلمة «ماما» التقليدية، يدرك المشاهد أن الحكاية تطوله هو أيضاً.

ويُبقي العمل على قيم الحب والتضحية التي لم تتغيّر لدى الأمهات، من جيل الجدات حتى اليوم، ويبرزها في قالب مسرحي تتحكّم أبو فرحات في مساره، فيما ترافقها نغمات البيانو التي يعزفها نجّار مباشرة على الخشبة. وتواكب الموسيقى تقلّبات الشخصية وثورتها على ذاتها؛ فيرتفع صوت الأم ليتحوّل ضجيجاً مضنياً في مَشاهد القلق، وينساب بهدوء في لحظات أخرى.

تحكي «دنيا» قصص نساء كرّسن حياتهن لتربية أبنائهن، وحلمن بمستقبلهم على حساب أحلامهن الخاصة. نساء تأثرن بتربية أمهاتهن وانتقدنها، معتقِدات أنهن يؤدّين أدوارهن على طريقتهن المنفتحة، فركّزن على تزويد أبنائهن بالقوة والاستقلالية لمواجهة مشكلات الحياة ومصاعبها.

في «دنيا» قدمت ندى أبو فرحات أحد أهم أدوارها المسرحية (مسرح دوار الشمس)

وفجأة؛ يجدن أن ذلك المسار الطويل انتهى إلى مغادرة الأبناء البيت. هنا تبدأ رحلتهن مع الذات، فيستعدن شريط حياة لم يعشنها، بل قدّمنها هدية لأبنائهن. فالبيت الذي كان يشهد نقاشات وجدالاً بين الأم وابنتها أصابه الصمت، وتحول سماعُ كلمة «موم» شوقاً ضاغطاً وحاجة ملحّة، بعدما كانت تشكّل مصدر انزعاج لكثرة تردادها على ألسنة أولاد متطلِّبين.

«أولادكم ليسوا لكم»... مقولة جبران خليل جبران؛ تصبح قاسية عندما تتحوّل حقيقةً تعيشها الأمهات. ويعكس عنوانُ العمل دنيا الأمِّ وعالَمَها، بما ينطوي عليه من تقلّبات وتناقضات يصعب اختصارها في عرض مدته 60 دقيقة. ولذلك جاء النص مركّزاً وتفاعلياً؛ إذ حاول نجّار، بالتعاون مع أبو فرحات، الإحاطة بالقصة من خلال تفاصيل تجعلها أقرب إلى الواقع.

وتتناول المسرحية تجربة الأمومة شكلاً ومضموناً، كما تتطرّق إلى وسائل التواصل الاجتماعي ومتابعة جيل المؤثرين الجديد. فالأبناء يصدّقون المؤثرة «فلالوبا» على «تيك توك» أكثر مما يصدّقون أمّاً رافقتهم في أحلامهم وتحدياتهم. كذلك يظهر قلق الأمهات من «سباع» جائعة قد يصادفها أبناؤهن في علاقاتهم العاطفية، وكيف يعيد التاريخ نفسه من خلال حجج يتسلّح بها الأبناء للقاء الآخر، سبق أن استخدمتها الأم في زمن الصبا.

ويتأثر الأهل أيضاً بأبنائهم، ولكن على طريقتهم الخاصة. وعندما يفقدون وسيلة التواصل معهم بسبب انشغال الأبناء بالمحادثات الإلكترونية، يصبح «تشيت شات» مع الذات، كما يسمّيه العمل، خياراً بديلاً لهم.

وتنجح ندى أبو فرحات، خلال أكثر من مشهد، في الانتقال من حالة إنسانية إلى أخرى. فتتحوّل من أم تتذمّر من علاقتها بابنتها، إلى أخرى حنون وعاطفية، تسأل عن أحوالها بلهفة وهي تناديها: «يا حياة قلبي وينك تقبريني». وتكشف هذه الانتقالات عن تنوّع أدائها وقدرتها على تجسيد حالات أمومة مختلفة.

دنيا تحتفي بالحياة على طريقتها (مسرح دوار الشمس)

وتقدّم المسرحية صوراً بلاغية عدّة في إطار عمل إنساني يحمل رسالة مباشرة ويتناول الموضوع بجرأة. وتتجدّد شخصية «دنيا» وهي ترتدي عباءة الحرية حيناً، وعباءة البحث عن الذات والتفاني حيناً آخر.

وتبرز قدرات أبو فرحات الأدائية عندما ترقص الفلامنغو والفالس، فتترك لنفسها العنان، كأنها تستعيد أياماً أضاعتها في رعاية الآخرين. لكنها تعود إلى الواقع حين تصغي إلى ابنتها المنكسرة، التي لجأت إليها لمواجهة مشكلة عاطفية كبيرة.

ويعزّز أسلوبُ زياد نجّار الإخراجي الأثرَ البصري والسمعي للعمل، عبر لغة مسرحية تجمع بين الأداء والحركة والموسيقى والصورة، فيما صمّمت تمارا حاوي اللوحات الكوريغرافية.

وفي نهاية العمل، الذي تستمر عروضه حتى 27 سبتمبر (أيلول) الحالي، تحتفي «دنيا» بنفسها وبكل امرأة سارت في طريقها... فقد واجهت التحديات انطلاقاً من حدسها وخبرتها وحبها أبناءها، وإن كان ذلك على حساب نفسها وأحلامها، لتصبح نموذجاً لأمهات كثيرات في بلادنا.