تترقب الجزائر تجاوب القضاء الإسباني مع طلبها تسليم رجل الأعمال أيوب عيسيو، الخاضع منذ الاثنين الماضي لإجراءات الحبس الاحتياطي في برشلونة عقب توقيفه، بتهم «فساد مالي» تسببت في إدانته غيابياً بأحكام سجنية ثقيلة.
وكانت صحيفة صحيفة «إل إمبارثيال» كشفت عن خبر اعتقال رجل الأعمال الأربعيني في عددها الصادر الثلاثاء الماضي، موضحة أن شرطة مطار برشلونة أوقفته يوم السبت الماضي، وأنه مثل أمام قاضي التحقيق في 27 من يوليو (تموز) الحالي قبل أن يُودع الحبس الاحتياطي.

من «ساندويتش» إلى مليارات الفساد
تم توقيف عيسيو تنفيذاً لأحد الأوامر الدولية بالقبض الصادرة بحقه عن القضاء الجزائري، في قضايا تتعلق بالتزوير وغسل الأموال، حيث سارعت النيابة العامة بالجزائر إلى تقديم طلب تسليم مرفق بملف قضائي متكامل للجهات الإسبانية المختصة، وفق ما كتبته صحيفة «الوطن» الجزائرية، اليوم الخميس.
وكان عيسيو يتنقل بحرية بين دول أوروبية وعربية مستفيداً من جواز سفر ووثائق ثبوتية لجمهورية أنتيغوا وبربودا، التي تقع على بحر الكاريبي، اشتراها بمبلغ 150 ألف دولار، ظناً منه أنه بمعزل عن الملاحقة القضائية، بحسب «الوطن».
وخلال زيارته للجزائر في 20 من الشهر الحالي، بحث رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز مع المسؤولين الجزائريين مصادرة الأصول، التي هربها رجال أعمال جزائريون ومسؤولون سامون إلى إسبانيا، خلال المرحلة السابقة. ونقلت صحف محلية عن سانشيز تعهد بلاده برفع وتيرة التعاون في هذا المجال. وكانت الجزائر قد استعادت فندقاً فاخراً يقع ببرشلونة مملوكاً لرجل الأعمال علي حداد، المسجون في الجزائر بتهم فساد.

وشهدت رحلة صعود عيسيو، الذي بدأ نشاطه في أواخر التسعينات وبداية الألفينات كبائع للمأكولات السريعة، تحولاً لافتاً بتأسيسه إمبراطورية مالية وتجارية امتدت من الاستيراد والزراعة والمنتجات الغذائية ومواد البناء، وصولاً إلى المقاولات العقارية، وتأسيس قناة «جزاير وان» التلفزيونية سنة 2012. وقد أتاح له نفوذه وشبكة علاقاته اختراق قطاعات حساسة، وتسهيل معاملاته في الموانئ التجارية والبنوك والجمارك، حيث اشترى سنة 2014 فندقاً فاخراً في العاصمة الفرنسية باريس، بقيمة تجاوزت 7.6 مليون يورو دون خضوعه لأي مساءلة حول مصدر أمواله، قبل أن يعيد بيعه سنة 2024 بمبلغ يتجاوز 10 ملايين يورو عبر حسابات «أوفشور»، بحسب ما جاء في التحقيقات بشأن إمبراطوريته المالية.
ومع اندلاع الحراك الشعبي سنة 2019، سارع عيسيو إلى تهريب أمواله إلى الخارج، وتحويل أصوله نحو فرنسا وسويسرا وكندا وإسبانيا، تاركاً أشقاءه الخمسة وصهره في الواجهة لإدارة أعماله ومشروعات العقار غير المكتملة. وأفضت التحقيقات القضائية، التي أُعيد فتحها بدءاً من عام 2024، إلى كشف ثروات هائلة تعود له ولأقاربه تُقدر بنحو 30 مليار دينار (نحو 225 مليون دولار)، شملت 17 شركة وعشرات العقارات الصناعية والزراعية، والمركبات السكنية الفاخرة في العاصمة ووهران.
كما كشفت التحريات حصوله على قروض بنكية ضخمة تجاوزت 63 مليار دينار (نحو 472 مليون دولار) من عدة بنوك جزائرية وأجنبية عاملة في الجزائر، ما تسبب في خسائر فادحة لمئات المكتتبين، الذين فقدوا مدخراتهم في مشروعات سكنية وهمية، حسب التحقيقات القضائية. وصدرت بهذا الخصوص أحكام قضائية ضد عيسيو وأفراد من عائلته، بتهم «الإدانة والاحتيال والتهريب غير المشروع للأموال في إطار جماعة إجرامية منظمة».
وفي الاستثمار الصناعي، أكدت التحقيقات تورط عيسيو فيما يعرف بـ«فضيحة مصنع الصلب والحديد بولاية المسيلة»، الذي اشتراه سنة 2017 من رجل أعمال بمبلغ 9.6 مليار دينار (نحو 72 مليون دينار)، حيث استغل المشروع للحصول على قروض إضافية وتسهيلات جمركية، لتتكشف لاحقاً عمليات تهريب واسعة للعملة الصعبة، بلغت 29 مليون يورو نحو إيطاليا وتركيا وفرنسا عبر شركة وسيطة.
على خطى «سابقة العسكريين»
تلاحق عيسيو أحكام قضائية غيابية قاسية، أبرزها الحكم بالسجن النافذ لمدة 18 سنة في قضية مصنع الصلب بالمسيلة، إضافة إلى حكمين آخرين بالسجن 20 سنة الصادرين عن محكمتين بالعاصمة، في حين تبقى قضايا أخرى قيد النظر، من بينها قضية إدخال 613 حاوية محملة ببضائع محظورة عبر ميناء مستغانم غرب العاصمة بتواطؤ جمركيين، فضلاً عن ورود اسمه مؤخراً في ملف يخص تجاوزات مالية، وتهريب بشركة التبغ الحكومية.

ومنذ عام 2019، سلّمت مدريد العديد من الرعايا الجزائريين المطلوبين للقضاء في قضايا فساد واختلاس أموال؛ ولا سيما الأطر في الشركات العمومية والمتعاملين الاقتصاديين المتورطين في تحويلات مالية غير مشروعة، فضلاً عن ناشطين أعربوا عن معارضتهم للنظام الجزائري.
واتسمت هذه الإجراءات بالسرعة، بالنظر إلى كون إسبانيا شريكاً قضائياً موثوقاً بالنسبة للجزائر، وذلك رغم التحفظات المتكررة للمنظمات غير الحكومية بشأن ظروف الاحتجاز ومدى توفر الضمانات الإجرائية. وقد سبق أن ندد محامو الأشخاص المُسلّمين في عدة مناسبات بصدور قرارات وصفوها بـ«الآلية»، أُقرت دون دراسة متعمقة للمخاطر، التي قد يواجهونها في بلدهم الأصل.
ولم يقتصر هذا التعاون القضائي على الملفات المالية فحسب، بل امتد ليشمل تسليم عسكرييْن سابقَيْن مطلوبَيْن للقضاء، وهما محمد عبد الله ومحمد بن حليمة.

وفي هذا السياق خاصة، يبرز ملف رجل الأعمال أيوب عيسيو كاختبار جديد للعلاقات القضائية بين الجزائر ومدريد، حيث يُنتظر أن يحمل القرار المرتقب للقضاة الإسبان تداعيات مباشرة على المستويين الدبلوماسي والقضائي.
