كي لا نغضّ الطرف وندفن الذاكرة... مهرجان عمّان يُفرد شاشاته لسينما الواقع العربي

من عرض «الجانب الآخر من الشمس» لتوفيق صابوني في «الهيئة الملكيّة الأردنية للأفلام» (الشرق الأوسط)
من عرض «الجانب الآخر من الشمس» لتوفيق صابوني في «الهيئة الملكيّة الأردنية للأفلام» (الشرق الأوسط)
TT

كي لا نغضّ الطرف وندفن الذاكرة... مهرجان عمّان يُفرد شاشاته لسينما الواقع العربي

من عرض «الجانب الآخر من الشمس» لتوفيق صابوني في «الهيئة الملكيّة الأردنية للأفلام» (الشرق الأوسط)
من عرض «الجانب الآخر من الشمس» لتوفيق صابوني في «الهيئة الملكيّة الأردنية للأفلام» (الشرق الأوسط)

في أزقّة العالم العربي الفسيح وخلف أبواب بيوته الموصدة، آلاف القصص التي لم يخترعها ذكاءٌ اصطناعيّ ولم تنشرها صفحات تواصل اجتماعي. من حسن الحظ أن ثمة أفلاماً وثائقية صارخة تأتي لتروي بعضها. هي تلك الأفلام تحديداً التي تُفرَد لها شاشات «مهرجان عمّان السينمائي» كي تقول الواقع الذي لم يُقَل، وتنفضَ من رمادها حكاياتٍ لا يجب أن تُطمَس.

معظم الأفلام الوثائقية التي يعرضها المهرجان في دورته السابعة، هي من النوع الذي يفضّل الجمهور عادةً غضّ الطرف عنه، لأنّ الواقع الذي فيها هو بمثابة صفعةٍ على خدّ كل عربيّ. من شهادات أهل غزّة بعيونهم الممتلئة موتاً، إلى حكايات نساءٍ عراقيات تمنّين لو لم يخرجن من أرحام أمهاتهنّ، وليس انتهاءً بمذكّرات معتقَلي سجن صيدنايا حيث الجدران ما زالت تصرخ ألماً.

"مَن لا يزال حياً"

على أرضٍ محايدة وتحديداً في قاعة معتمة في جنوب أفريقيا، يتنقّل غزّيون بين مربّعاتٍ بيضاء مرسومة فوق ما يشبه خشبة مسرح. كل مربّعٍ يرمز إلى بيتٍ هجروه غصباً، أو مكان عملٍ انسلخوا عنه، أو أرضٍ زرعوها فاستحالت خراباً. هنا غزّة المدينة، وهنا دار البلح، وهذه خان يونس...

أبطالُ المخرج السويسري نيكولا فاديموف في فيلمه الوثائقي «مَن لا يزال حياً»، هم مجموعة من بنات غزّة وأبنائها الذين استطاعوا الخروج منها عبر رفح قبل إغلاق الحدود مع مصر، بعد أيام أو شهور على اندلاع الحرب الإسرائيلية ضد القطاع الفلسطيني.

أمامهم رقعة سوداء كبيرة، يرسم كلٌ منهم عليها بالطبشور المكان الذي أتى منه ولا يعلم ما إذا كان سيعود إليه يوماً. هذا الذي أخذ مفتاح البيت غير عارفٍ ما إذا كان سيرجع فيجدَ قفلاً أم هواء. وذاك الذي يفتقد أشجاراً زرعها في بستانه. و«حنين» التي دفنت نصف عائلتها قبل أن توضّب حقيبةً صغيرة وتغادر رغماً عنها مع من تبقّوا.

يتّخذ الفيلم الوثائقي اتّجاهاً تصاعدياً. فبعد إيقاظ الذكريات المرتبطة بالأماكن والأغراض الشخصية وبحر غزّة، ينكأ في نصفه الثاني الجراح العميقة التي خلّفتها الحرب. يسرد كلٌ من الشهود التسعة يوميات القصف والقتل الممنهج كما عايشوها قبل رحيلهم.

«تنشّقنا الموت... كنا موتى بلا قبور»، تقول إيمان في وصف الأشهر الخمسة التي قضتها في غزة ما بين 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 ومارس (آذار) 2024، تاريخ مغادرتها القطاع. وإيمان التي استقرّت وعائلتها في القاهرة، حضرت عرض الفيلم في عمّان مشاركةً شهادتها مع الحضور. هي التي انتصرت في معركتها ضد السرطان قبل سنوات، تقول إنّها ظنّت أنّ تلك كانت كبرى معاركها وصدماتها في الحياة إلى أن اندلعت حرب غزة.

يتحدّث الشهود، يُفرغون ما في ذاكرتهم البصريّة والعاطفية، وكأنّ في التوثيق بعضَ شفاء. لا حاجةَ إلى الصور هنا ولا إلى فيديوهات الغارات والدمار والأشلاء، رواياتهم تكفي. لا يقاطعهم المخرج، وبين غصّة ودمعة تخرج الحكايات كمثلِ حكاية «ملاك» التي سقط البيت عليها وعلى عائلتها فاستشهد شقيقاها ونجت هي لتشهد.

يترافق عرض الفيلم ومعرضاً سمعياً بصرياً أُحضرت إليه خريطة غزة المستخدمة في «الوثائقي» (إدارة المهرجان)

"الجانب الآخر من الشمس"

فيلمٌ وثائقيّ آخر يبدأ بمجسّمٍ لمكانٍ قاهر، هو «الجانب الآخر من الشمس» الحاصل على تمويل «البحر الأحمر السينمائي». مستعيناً بقطعٍ من الخشب الرقيق وبأغراض بلاستيكية صغيرة، يبني المخرج السوري توفيق صابوني مصغّراً عن سجن صيدنايا. هي قصة غير اعتيادية تلك التي يرويها صابوني وتُعرض للمرة الأولى في العالم العربي ضمن مهرجان عمّان السينمائي.

صابوني معتقلٌ سابق في السجن السوري الذي ترتعدُ لاسمه الذاكرة والأبدان. رُميَ فيه يافعاً عام 2011 بتهمة تصوير المظاهرات خلال الثورة السورية. هناك شهدَ على فظائعَ لا يعرف مَن هم خارج الأسوار عنها شيئاً: «كنت أحلم بأن يكون لديّ كاميرا لأصوّر ما لن تنساه ذاكرتي»، يقول صابوني في الفيلم.

يوم خرج من خلف القضبان، لم يدرك أنه سيعود إلى صيدنايا بعد أعوام قليلة مصطحباً كاميرته ليوثّق تراجيديا المكان حيث قيل له «رح نودّيك ورا الشمس» بعد كل جلسة ضرب وتعذيب. برفقة 4 من المعتقلين السابقين، يقتربون من المبنى الشبَح. بعضُهم يجهش باكياً لرؤية المكان، وآخر يتذكّر مبتلعاً دموعه: «هنا مات فلان»، «من خلف هذه القضبان كنت كلّما رأيتُ عصفوراً حسدتُه».

بين آلاف الأوراق التي هُجرت في مكاتب السجن، يبحثون عن حُكمِ إعدامٍ يحمل أسماءهم. يتنقّلون بين المهاجع والزنازين مستذكرين التعذيب، ومُعيدين تمثيل بعض مَشاهده. «بين جدران هذه الغرفة الضيّقة كانوا يكدّسوننا عراة». ثم يخبرون كيف كان السجّان، وإذا أراد أن يلقّنهم درساً في الرعب، يقتل أحد رفاقهم أمامهم. أو أنه يطحن عنق آخر حتى النفس الأخير لمجرّد أن يعلّمهم كيف يوضّبون جثّة ويُخرجونها من المكان. وأحياناً كانوا يتركون مريض السلّ عمداً بين رفاق الزنزانة كي ينقل المرض إليهم قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة أمامهم.

تنتمي هذه السينما إلى خانة المحتوى المُؤرق للعين والمؤذي للقلب، لكنها ضروريّة. هذا النوع من الأفلام التي تشرّح ذاكرة الواقع هي التوثيق التاريخي الذي تفتقده المناهج التربوية والمدارس العربيّة.

المعتقلون السابقون على مشارف سجن صيدنايا السوري (إنستغرام)

«فلانة»

من بين الأعمال الوثائقية الطويلة المتنافسة ضمن مهرجان عمّان السينمائي، فيلم «فلانة» الآتي من العراق والذاهب بمشاهديه إلى واقعٍ لا يعرف عنه سوى قلّة. توثّق المخرجة زهراء غندور لحكاياتٍ شخصيّة بطلاتُها نساءٌ عبرن في حياتها؛ من خالتها «الداية حياة» التي وُلد كل أطفال العائلة والقرية على يدَيها غير أنها لم تُنجب لنفسها ذرّيّة، مروراً بجارة الطفولة «نور» التي نُبذت منذ الولادة ممّن أنجبوها وممّن تبنّوها، وصولاً إلى «نتالي» التي طُردت طفلةً من بيت أبيها فافترستها الشوارع.

كما لو أنّ قدرَ شخصيات الفيلم، ومن خلالهنّ مئات النساء العراقيات، هو العيش على الهامش لمجرّد أنهنّ وُلدنَ إناثاً أو لأنّهنّ لم يتزوّجن.

«أين اختفت نور؟»، هو السؤال الذي تهجس به المخرجة والذي يأخذها في رحلة بحثٍ مظلّلة بالتساؤلات حول مصير رفيقة الطفولة. يبدأ المسار في بيت الخالة حياة حيث وُضعت نور رضيعةً بعد أن نبذها أبوها الذي ضاق ذرعاً من إنجاب زوجته للفتيات. ومن هناك إلى بيت عائلةٍ تبنّتها ثم رمتها من جديد بعد أن بلغت العاشرة من العمر. أما المحطة الثالثة ففي «ملجأ البنات المشرّدات» حيث تقبع عشرات الفتيات غير المرغوب بهنّ من آبائهنّ وعائلاتهنّ. ومعظمهنّ لا يجدن طريقاً بعد الخروج من الملجأ، سوى الملاهي الليليّة المشبوهة حيث تلتقي المخرجة بشخصيّتها الثالثة في الوثائقي «نتالي»، صاحبة الاسم المستعار ولون الشعر المستعار والحياة المستعارة.

وكأنّ حبل سرّة واحد يربط ما بين تلك النساء اللواتي رماهنّ المجتمع الذكوريّ جانباً، فتحوّلن إلى ضحايا الاستغلال، مجرّداتٍ من هويّةٍ وعائلةٍ وحبّ. أما الأخطر من ذلك كلّه فهو دخولهنّ دوّامة النسيان، وانتهاؤهنّ تحت تراب ما يُعرف بـ«مقابر المنبوذات» المنتشرة في عدد من بلدات جنوبي العراق.

يشارك فيلم «فلانة» من العراق في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة (إدارة المهرجان)

عن فئة الأفلام الوثائقية الطويلة يتنافس ضمن مهرجان عمّان كذلك «ضد السينما» من المملكة العربية السعودية، و«عصافير الحرب» من سوريا، و«دو يو لاف مي» من لبنان، و«حبيبي حسين» من فلسطين، و«بابا والقذّافي» من ليبيا.


مقالات ذات صلة

محمود درويش في بيروت... كلّما ابتعدَ زمنُه وجدناه في زمننا

يوميات الشرق محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)

محمود درويش في بيروت... كلّما ابتعدَ زمنُه وجدناه في زمننا

المكان الذي تعذَّرت استعادته كما كان، ظلَّ حاضراً في القصيدة بأسمائه ووجوهه وروائحه...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق مسرحية «أصوات عميقة» تم عرضها ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» (الشركة المنتجة)

«أصوات عميقة» مسرحية فلسطينية تُذكّر بمعاناة النازحات في غزة

يضع العرض المسرحي «أصوات عميقة» ممثلته الفلسطينية - الأردنية تهاني سليم في مواجهة مهمة شاقة.

أحمد عدلي (القاهرة )
المشرق العربي الرئيس الفلسطيني محمود عباس في كلمة مسجلة عن بُعد وجهها إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في نيويورك الخميس (رويترز) p-circle

عباس: الفلسطينيون في أخطر المراحل... ولا تسمحوا بنكبة أخرى

وصف الرئيس الفلسطيني محمود عباس ما تقوم به إسرائيل في الأراضي المحتلة بأنه من أخطر المراحل في تاريخ الشعب الفلسطيني الذي لن يغادر أرضه ولن يقبل التهجير.

علي بردى ( نيويورك)
الخليج قطر أكدت أن مساعداتها للشعب الفلسطيني بالتنسيق مع إسرائيل والشركاء الدوليين (الخارجية القطرية)

قطر ترفض «مزاعم» تقديم أموال لـ«حماس»

شدَّدت قطر على رفضها القاطع لتقرير أوردته مجلة أميركية بشأن تقديم أموال لحركة «حماس» في قطاع غزة، استند إلى معلومات ووثائق مزورة ولا تمت للحقيقة بصلة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
الخليج وقَّع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» في 7 أغسطس الماضي (الرئاسة التركية)

تركيا: «اتفاقية مكة» منصة محورية ستغير قواعد اللعبة في المنطقة

أكدت تركيا أن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» مرشحة للتوسع، وستتحول إلى منصة محورية ستغير قواعد اللعبة في المنطقة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

محمود درويش في بيروت... كلّما ابتعدَ زمنُه وجدناه في زمننا

محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)
محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)
TT

محمود درويش في بيروت... كلّما ابتعدَ زمنُه وجدناه في زمننا

محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)
محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)

كان محمود درويش حاضراً في متحف سرسق بأكثر من عُمُر شِعري. ظهر الرجل الذي صوَّرته سيمون بيتون عام 1997، وسمعنا الشاعر الذي صار جزءاً من الذاكرة العربية، ثم جلس شِعره إلى جوار نصوص فلسطينية كُتبت بعده وفي زمن أشدّ ضراوة. بين هذه الأزمنة، صنعت أمسية «درويش والشِّعر الفلسطيني المعاصر» مادّتها.

في قصيدته كانت فلسطين اسماً وأمّاً وحبّاً وذاكرة (الشرق الأوسط)

أُقيم اللقاء ضمن «يوم محمود درويش للشِّعر»، الذي نظّمه مركز «بومبيدو» بالتعاون مع «معهد العالم العربي»، وتوزَّعت فعالياته على نحو 30 موقعاً ثقافياً في فرنسا والعالم ضمن «موسم البحر الأبيض المتوسّط 2026». تولّى «البيت الدولي للكتّاب» تنظيم الموعد البيروتي، وقدَّمه الروائي شريف مجدلاني، أحد وجوه الأدب اللبناني المكتوب بالفرنسية، ورئيس «البيت»، وريما عبد الملك، وزيرة الثقافة الفرنسية السابقة وصاحبة الحضور الطويل في المؤسّسات الثقافية. جمعهما موقعٌ يليق بطبيعة المشروع، في بيروت التي خَبِرَت درويش وعرفت زمناً كان فيه الشِّعر الفلسطيني جزءاً من مشهدها الثقافي.

ذاكرة سرسق تستقبل ذاكرةً جاءت من فلسطين (الشرق الأوسط)

عاد فيلم «محمود درويش: والأرض، كما اللغة» إلى مرحلة مفصلية من حياة صاحبه. درويش عام 1997 ليس شاعر البدايات الذي تكفيه الهوية مادةً للمواجهة، وليس منفيّاً ينتظر فَتْح الطريق. الطريق فُتِح جزئياً، وأمكنه الوصول إلى فلسطين بعد «اتفاق أوسلو» الذي اعترض على صيغته. وصل، ولم يجد في الوصول نهايةً للمنفى. فالإنسان قد يبلغ المكان ولا يستعيد الزمن الذي عاشه فيه.

حيفا وقبرص وتونس وعمّان وباريس والقاهرة وبيروت ورام الله، تُشكّل جغرافيا رجل صار كثير الأمكنة بعدما فَقَدَ بداهة المكان الواحد. المنفى يستقرّ في الداخل. لا تُنهيه تذكرةُ عودة، لأنّ البروة، قريته في الجليل التي خرج منها الطفل، بقيت في ذاكرته على صورة لا يستطيع الرجل استعادتها.

شريف مجدلاني وريما عبد الملك يجمعان أزمنة القصيدة الفلسطينية (الشرق الأوسط)

وجد درويش في اللغة ما يُبقي صلته بالأرض قائمة بعدما غدت العودة إليها مُحمَّلة بما تغيَّر وفُقِد. ومن المعنى المزدوج لكلمة «بيت»، المنزل وبيت الشِّعر، بَنَت سيمون بيتون وإلياس صنبر جانباً من قراءة الفيلم لعلاقة درويش بالمكان واللغة. المكان الذي تعذَّرت استعادته كما كان، ظلَّ حاضراً في القصيدة بأسمائه ووجوهه وروائحه. لم تُعوّض اللغة ما ضاعَ، لكنها أبقته بعيداً عن التلاشي ومنحت الذاكرة سبيلاً لمواجهة ما فعله الزمن بالمكان.

درويش الذي أخذ فلسطين إلى أبعد من حدود القضية (الشرق الأوسط)

فلسطين لم تُغادر شِعره، لكنه رفض أن تَستهلك الشِّعر. دخل إليها من الأُم والحبّ والجسد والموت والوحدة والقهوة، حتى صار الفلسطيني في قصيدته إنساناً مُحدّداً، لا صورة معلَّقة على قضية. بذلك أصاب الفيلم في قراءة درويش، رغم أنّ خللاً في وضوح الصوت جعل مُتابعة بعض أجزائه مُرهِقةً، وأضاع شيئاً من حميمية العلاقة التي أرادها بين صوت الشاعر والمُشاهد.

بعده، جاءت قراءات ضنا مخايل وريما عبد الملك وطارق يعقوب وأنطوان غسبار ورائد طيّان، تُرافقها موسيقى جاك اسطفان، لنصوص درويش ورِفعت العرعير ونجوان درويش وسمر عبد الجابر وهند جودة ومصعب أبو توهة ونعمة حسن ورائد طيّان وكريم قطّان وسامر أبو هواش.

أصوات فلسطينية متعدّدة... لكلّ منها جرحها وطريقتها في حمله (الشرق الأوسط)

فَرَضَ الاختلاف في مستويات النصوص نفسه على القراءات. تفاوتت معالجة الصورة الشِّعرية، فبدت بعض النصوص أكثر اشتغالاً عليها، ومالت أخرى إلى القول المباشر.

تبقى هذه المختارات أضيق من أن تختصر مسار الشِّعر الفلسطيني المُعاصر أو تجارب أصحابه. حضور درويش بينها رفع سقف المقارنة من تلقائه. فالشاعر الذي أمضى عقوداً في إبعاد فلسطين عن القول المباشر، جَلَسَ إلى جوار كتابةٍ يولد بعضها على تماس شديد مع الحدث، حتى تبدو الفاجعة أسرع من قدرة اللغة على تحويلها إلى شِعر.

وظهر في القراءات شرخٌ جمالي أكثر من كونه جيلياً. عند درويش، نادراً ما بقي الحدث على حاله داخل القصيدة. كان يأخذه بعيداً حتى يصبح أكبر من اللحظة التي خرج منها. نصوصٌ سمعناها ظلَّت أقرب إلى الحدث، وخصوصاً ما اتصل منها بغزة. قسوة ما جرى تُفسِّر هذه المباشَرة إلى حدّ ما، وتضع الشِّعر أمام مَهمّته الأصعب في العثور على لغته وسط كلّ هذا الألم.

كان الاكتظاظ في سرسق جزءاً من صورة الليلة. امتلأت القاعة وبقي وافدون خارجها بعدما تعذَّر إيجاد مقاعد لهم. فاتهم حدثٌ أثبت جمهوره أنّ الشِّعر لا يزال قادراً على ملء المكان وترك آخرين عند بابه.

مرَّ على رحيل محمود درويش 18 عاماً، ومرَّت على فلسطين خسارات متلاحقة، وجاء شعراء وُلدت تجاربهم في عالم آخر، ومع ذلك لم يتحوَّل أثره إلى ذكرى تُستَعاد في المناسبات. كلّما ابتعد زمنُه، وجدناه ينتظرنا في زمننا.


«عرب فيوز» ينطلق بمقابلة مع تركي الفيصل عن إيران واليمن

فيصل عباس رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» يطلق بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز»
فيصل عباس رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» يطلق بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز»
TT

«عرب فيوز» ينطلق بمقابلة مع تركي الفيصل عن إيران واليمن

فيصل عباس رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» يطلق بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز»
فيصل عباس رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» يطلق بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز»

يطلق رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» الزميل فيصل عباس بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز» (Arab Views)، يستضيف في حلقته الأولى الأمير تركي الفيصل، الرئيس الأسبق للاستخبارات العامة السعودية والسفير الأسبق لدى المملكة المتحدة والولايات المتحدة.

ويهدف البرنامج، الذي يحمل بالعربية معنى «وجهات نظر عربية»، إلى استضافة شخصيات وأصوات مؤثرة من الشرق الأوسط، إلى جانب خبراء دوليين، لمناقشة أبرز القضايا والتطورات التي تشهدها المنطقة.

ويتناول الأمير تركي الفيصل في الحلقة الأولى عدداً من الملفات الإقليمية، بينها علاقة السعودية بإيران، والحرب في اليمن، إلى جانب قضايا راهنة أخرى، في سياق يستعرض توجهات السياسة السعودية على المدى الطويل ومقاربتها للموازنة بين ضبط النفس والردع.

وقال عباس إن الهدف من «عرب فيوز» هو تقديم «شروحات مطولة وشرح السياق في وقت نحن في أمسّ الحاجة إليه»، في ظل التدفق المتسارع للأخبار العاجلة والمنشورات المقتضبة على منصات التواصل الاجتماعي.

وأضاف أن البرنامج «سلسلة قصيرة مستقلة» تهدف إلى التكامل مع المحتوى الذي تنتجه «عرب نيوز» يومياً بمختلف لغاتها ومنصاتها وبرامجها.

ووصف عباس البودكاست بأنه «مجرد الخطوة الأولى لمبادرة أوسع بكثير»، مضيفاً: «نؤمن بأنه حان الآن، وربما أكثر من أي وقت مضى، الوقت لأن نُسمع صوتنا للعالم».

وسيتوافر «عرب فيوز» عبر قنوات مستقلة خاصة به، إضافة إلى حسابات «عرب نيوز» على منصات التواصل الاجتماعي وموقعها الإلكتروني وقناتها على «يوتيوب».

كما ستُعرض حلقات مختارة منه باللغة العربية على شاشة «الشرق بلومبرغ» ومنصاتها الرقمية.


ضوابط مصرية جديدة لظهور الأطباء إعلامياً لـ«منع خداع الجمهور»

بحث ضوابط لظهور الأطباء إعلامياً (فيسبوك)
بحث ضوابط لظهور الأطباء إعلامياً (فيسبوك)
TT

ضوابط مصرية جديدة لظهور الأطباء إعلامياً لـ«منع خداع الجمهور»

بحث ضوابط لظهور الأطباء إعلامياً (فيسبوك)
بحث ضوابط لظهور الأطباء إعلامياً (فيسبوك)

تتجه مصر لوضع ضوابط جديدة لظهور الأطباء على وسائل الإعلام، بما يضمن «حماية سمعة مهنة الطب، ومكافحة المعلومات المضللة، ومنع خداع الجمهور، والقضاء على ظواهر سلبية تنتشر في بعض وسائل الإعلام».

وتتمثل الضوابط الجديدة في مشروع لائحة قدمته نقابة أطباء مصر إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، يستهدف تنظيم الظهور الإعلامي للأطباء، وفق ما أعلنه «الأعلى للإعلام» في بيان. ومن المقرر أن يدرس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مشروع اللائحة، ويقوم بإرسال رأيه بشأنه إلى نقابة الأطباء، قبل انعقاد الجمعية العمومية للنقابة في 9 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، لبحث إقرار اللائحة.

وبحسب البيان، يتضمن المشروع عدداً من الضوابط المنظمة لظهور الأطباء في وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، من بينها الالتزام بتعريف الطبيب بنفسه وبصفته المهنية وتخصصه العام والدقيق، وعدم استغلال الظهور الإعلامي في الترويج لمصالح شخصية أو لجهة أخرى، أو الإفصاح عن أي علاقة قد تنطوي على تضارب مصالح، وكذلك عدم الإساءة إلى سمعة المهنة أو الزملاء أو المؤسسات الطبية، وعدم استخدام الظهور الإعلامي للإعلان عن تحقيق نتائج علاجية غير مؤكدة، أو تقديم ادعاءات مضللة للجمهور.

كما تحظر اللائحة المقترحة تقديم معلومات طبية مضللة أو غير دقيقة، أو الترويج لعلاجات ونتائج غير مثبتة علمياً، أو الادعاء بتحقيق قدرات علاجية غير مؤكدة، إلى جانب حظر الترويج لأدوية أو أنظمة غذائية أو علاجية غير معترف بها رسمياً من الجهات المختصة.

نقابة أطباء مصر (فيسبوك)

وتؤكد اللائحة على حماية سرية المعلومات الطبية وخصوصية المرضى؛ إذ تحظر نشر أو تداول أي بيانات أو صور أو معلومات طبية تتعلق بهم إلا بموافقة كتابية صريحة منهم أو في الحالات التي يجيزها القانون، وكذلك حظر استغلال الأطفال في أي محتوى دعائي أو إعلامي طبي، مع الالتزام بالتشريعات الخاصة بحماية الأطفال.

وتمنع اللائحة استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي أو أي وسائل رقمية حديثة لإنشاء أو تعديل أو نشر محتوى مرئي أو صوتي أو رقمي يتضمن بيانات غير صحيحة أو مضللة بما قد يؤدي إلى خداع الجمهور أو الإيهام بوقائع غير حقيقية.

ويرى نقيب الأطباء سابقاً بشمال سيناء الدكتور صلاح سلام، أن هذه اللائحة المقترحة إذا تم تطبيقها بطريقة صارمة وتحت رقابة دقيقة من نقابة الأطباء والمجلس الأعلى للإعلام، فمن شأنها أن تضبط الظهور الإعلامي للأطباء بشكل كبير، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «سبب هذه اللائحة المقترحة هو حالة الفوضى والعشوائية والتلاعب بالجمهور التي يمارسها البعض تحت اسم خبراء تغذية أو تخسيس أو (لايف كوتش) أو غيرها من الأسماء التي توهم الجمهور بأنهم أطباء وهم ليسوا كذلك، وغالباً ما ينشرون معلومات مضللة أو نتائج مبالغاً فيها لنجاحاتهم، وهو أمر يتطلب رقابة صارمة».

ويشير إلى أن البعض يدّعي أنه طبيب ويقدم وصفات أو طرقاً للعلاج غير صحيحة بالمرة، ويتابع: «من الضروري أن تكون هناك آلية تسمح للمجلس الأعلى للإعلام بالتأكد من أن من يظهر على الشاشة ويتحدث في أمور طبية مؤهل لذلك وعضو نقابة الأطباء، كما يجب مواجهة ووقف الإعلانات التي تروج لأدوية لا علاقة لها بالطب، وهو أمر يتطلب متابعة ورقابة صارمة من النقابة والمجلس».

وتؤكد المتخصصة في الإعلام الرقمي بجامعة القاهرة الدكتورة سارة فوزي، أن «هذه اللائحة كان يجب إقرارها من فترة طويلة ووضع ضوابط تمنع الفوضى التي تشهدها برامج كثيرة تدّعي تخصصها في الطب وتروج لأدوية وعقاقير ووصفات غير صحيحة، فضلاً عن ظهور أطباء للدعاية فقط، وكأن التلفزيون أو وسائل الإعلام تمنحهم شرعية».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «يجب أن تتضمن الضوابط عدم الترويج للأطباء بعرض بيانات عياداتهم على الشاشة، وقصر الحديث على الجانب الطبي للقضية التي يتحدث فيها الطبيب، مع ضرورة التأكد من أهلية الطبيب وقيده في نقابة الأطباء، والتفرقة بين الطبيب والصيدلي وأصحاب التخصصات الأخرى التي يمكن أن تتقاطع مع الطب».