شهد المشهد الفني السعودي خلال العقدين الماضيين تحولات متسارعة نقلته من دائرة محدودة يعرف فيها الفنانون بعضهم، وتقتصر معارضه على مناسبات متفرقة وجمهور متخصص، إلى حراك ثقافي واسع تقوده المتاحف والبيناليات والمؤسسات الفنية، مع ظهور جيل جديد من الفنانين والتجارب الإبداعية.
ورافقت الفنانة السعودية منال الضويان هذه التحولات منذ بداياتها، وشكلت تجربتها أحد أبرز المسارات التي عكست تطور الحركة الفنية في السعودية، وانتقلت أعمالها من توثيق التجارب الشخصية إلى قضايا الذاكرة والهوية والمجتمع، قبل أن تنفتح على حوار إنساني يتجاوز الحدود الجغرافية، وفي حديثها إلى صحيفة «الشرق الأوسط»، تستعيد منال الضويان محطات هذه الرحلة، متحدثة عن أعمالها ومنهجها القائم على البحث ورؤيتها للمشهد الفني السعودي، ولماذا ترى أن شرق آسيا بات يفتح للفنان العربي سردية جديدة.

يصعب اختزال تجربة الفنانة السعودية منال الضويان في عمل فني واحد، أو في قضية بعينها، فعلى امتداد أكثر من 20 عاماً، تحولت أعمالها من التصوير الفوتوغرافي إلى النحت، ومن التركيبات التشاركية إلى الصوت والنيون والأداء، بينما بقي خيط واحد يجمع مشوارها الفني، البحث عن الإنسان، وعن الأسئلة التي تكشف العلاقة بين الذاكرة والهوية والمجتمع.
قلائل من الفنانين في السعودية ارتبطت أعمالهم بالتحولات الاجتماعية والثقافية كما ارتبط اسم منال الضويان، التي ظلت تراقب المجتمع من الداخل، وتستلهم من تفاصيله أعمالاً تتجاوز حدود المكان، لتصبح جزءاً من نقاش عالمي.
منذ أعمالها الأولى، لم تكن منال الضويان تنظر إلى الفن باعتباره وسيلة لإنتاج الجمال فحسب، بل أداة للتأمل، وطرح الأسئلة، وتوثيق اللحظات التي قد تبدو عابرة، حيث قدمت عام 2005 سلسلة «أنا» التي وثقت النساء العاملات بالأبيض والأسود، قبل أن تتجه إلى أعمال اعتمدت على البحث الميداني، مثل «الصدمة» الذي استند إلى حوادث وفاة المعلمات أثناء تنقلهن إلى القرى النائية، ليصبح العمل توثيقاً لذاكرة جماعية كثيراً ما غاب الحديث عنها.
وتوسعت نحو أعمالاً تركيبية وتشاركية في «الهوا سوا» و«اسمي» اللذين شاركت فيهما آلاف النساء، وفتحت من خلالهما مساحة للحوار حول العادات الاجتماعية والهوية الفردية، قبل أن تتجه لاحقاً إلى مشاريع عالمية تربط بين الثقافات المختلفة من خلال التجربة الإنسانية المشتركة، ورغم هذا التنوع، ترى منال الضويان أن التغير الذي شهدته أعمالها لم يكن مقصوداً، بل نتيجة طبيعية لتحول الإنسان نفسه، «من الطبيعي أن تتغير رؤية الفنان وأفكاره وأعماله، الإنسان يتغير مع العمر وتتغير تجاربه، وبالتالي تتغير لغته الفنية، وتأثير المجتمع، وتحولات السعودية، وحتى إقامتي خارجها، كلها انعكست على أعمالي».
وأشارت إلى أن المشهد الفني السعودي يعيش اليوم «أجمل مراحله»، ليس فقط بسبب الدعم المؤسسي، وإنما لأن المجتمع نفسه أصبح شريكاً في الحركة الفنية، حيث كشفت عن اختلاف بداياتها وعن واقع الفنانين اليوم، ففي ذلك الوقت كانت الحركة الفنية محدودة، وكان الفنانون يعرفون بعضهم، بينما أصبح المشهد الآن أكثر اتساعاً وتنوعاً، مع ظهور جيل جديد من الفنانين، وتوسع المؤسسات الفنية وازدياد حضور المعارض والمتاحف.

حضرت المرأة في جانب كبير من أعمال منال الضويان، إذ انطلق ذلك من تجربتها الشخصية، ولم يكن يوماً محاولة لحصر أعمالها في قضية بعينها، وتوضح أن نشأتها في فضاءات نسائية أسهمت في تشكيل وعيها «ترعرعت في مساحات نسائية لا يدخلها الرجال، مع الجدات والخالات والعمات، وكانت هذه المساحات تعطيني إحساساً بالأمان، لذلك كان من الطبيعي أن تكون المرأة جزءاً من أعمالي».
وتوضح منال الضويان أن العمل الفني لا ينجح لأنه يتناول قضية بعينها، بل لأنه ينطلق من تجربة صادقة يستطيع الآخر أن يرى نفسه فيها، مضيفة: «الجميل في الفن عندما يقف الإنسان أمام العمل الفني يشعر بأن هذا العمل صنع لأجله، بينما الحقيقة أني أنا عملته من تجربتي الشخصية».
ومع تطور تجربتها، اتسعت موضوعاتها لتشمل الإنسان بوصفه محوراً رئيسياً، بعيداً عن التصنيفات الضيقة، وترى أن الفنان عندما يعمل خارج بلده، لا ينبغي أن يفرض قضاياه على المجتمع المضيف، بل أن يحاول فهمه أولاً، والبحث عن نقاط الالتقاء معه، «أستخدم المنهج نفسه في كل مكان، أقرأ المجتمع الذي أعمل فيه، وأبحث عن القواسم المشتركة، حتى يصبح العمل حواراً بين ثقافتين، لا خطاباً من طرف واحد».
وتنعكس هذه الرؤية في عملها «من الأطلال ستزدهر الأفكار»، الذي قدمته في نيويورك، حيث رفضت أن تقدم قضية المرأة السعودية بوصفها حالة استثنائية، واختارت أن تنطلق من الأسئلة المشتركة التي تواجه النساء في مختلف المجتمعات، وتؤكد أن هذه المقاربة هي التي تمنح العمل الفني بعده الإنساني «عندما أعمل خارج السعودية، لا أحمل قضية المرأة معي وكأنها مشكلة تخصنا وحدنا، بحثت في أرشيف المتحف، ووجدت قضايا ومقالات تتعلق بالمرأة في المجتمع الأميركي، وعملت انطلاقاً من سياقهم هم، لا من سياقي أنا».

وجسد عمل «من الأطلال تزدهر الأفكار» فكرة التضامن وإعادة التفكير في الذاكرة والاختلاف، إذ دعت الحضور الذين تجاوز عددهم 750 شخصاً، إلى تحطيم العمل بعد التأمل، لافتة إلى أن العمل لا يقدم حلولاً لكنه يدعو إلى التفكير بشكل أعمق «المفارقة كانت جزءاً من الفكرة، حيث إن المتحف مؤسسة مهمتها الأساسية الحفاظ على الأعمال الفنية، وأنا دعوت الجمهور إلى تدمير عمل فني داخل هذه المؤسسة ذاتها».
من الخليج إلى الشرق... حين يصبح الفن لغة مشتركة
قادت منال الضويان فلسفتها الفنية معها في كل محطاتها الدولية، حيث تقوم أعمالها على البحث عن القواسم الإنسانية المشتركة بين الثقافات. ومن أبرز تلك التجارب عملها «أغانٍ من الشط»، الذي قدمته في جزيرة إيبوكي اليابانية، بعد رحلة بحث قادتها إلى تاريخ الجزيرة وعلاقتها بالبحر، قبل أن تعود إلى ذاكرة الخليج، مستحضرة الأغنية الشعبية «توب توب يا بحر» التي كانت النساء يرددنها دعاءً لعودة الرجال سالمين من رحلات الغوص والصيد.

بعد أن استعادت طقوس البحر في الخليج حملت معها قطعة من سعف النخيل نسجتها حرفية من الأحساء إلى اليابان، إلى جانب عرض فيديو للأداء والأغاني باللغة العربية أدتها الفنانة وأغنية باللغة اليابانية تؤديها نساء جزيرة إيبوكي، وعند لقائها سكان الجزيرة، اختصرت خطاباً طويلاً كانت قد أعدته بجملة واحدة: «هذا العمل عبارة عن عادة نعملها في الخليج لحماية الرجال والأولاد عندما يطلعون البحر»، مضيفة: تلك الكلمات كانت كافية ليشعر الحضور بقرب التجربة منهم. «هنا فهمت قدرة الفن في ربط الشعوب... إنسانية الأم اليابانية اللي يخرج ولدها للبحر، هي ذاتها إنسانية الأم السعودية أو الخليجية».
وتعتقد منال الضويان وجود تحول لافت في خريطة الفن العالمية جراء تنامي اهتمام مؤسسات شرق آسيا بالفنانين العرب، بعد عقود كان ينظر فيها إلى نيويورك وباريس ولندن بوصفها المحطات الطبيعية للنجاح الفني، ويظهر هذا التحول في مشاركاتها المتكررة في اليابان، واستعدادها للمشاركة في بينالي النحت في كوريا الجنوبية كونها أول فنانة عربية تشارك في هذا الحدث، قائلة: «أعتقد أن هذه يمكن أن تكون قصة كاملة... لسنوات طويلة كان الاعتقاد أن النجاح يمر عبر نيويورك أو لندن أو باريس، لكننا اليوم نتجه شرقاً، وهناك تعطش حقيقي للتعرف على التجارب العربية، فالمؤسسات الثقافية هناك تنطلق من العمل الفني نفسه، لا من الصور النمطية أو الخلفيات المسبقة».
وتصف الضويان مرحلة الفن الحالية بأنها «أجمل مرحلة في الحركة الفنية السعودية»، إذ اتسع المشهد الفني بصورة غير مسبوقة، ومع تعدد المعارض والمتاحف فتحت المؤسسات آفاقاً جديدة أمام جيل جديد من الفنانين، عن ذلك تقول: «اليوم هناك جيل كامل يدرس الفن ويجد فرصاً لم تكن موجودة من قبل».
وتنتمي الفنانة والفوتوغرافية السعودية منال، إلى الجيل الذي أسهم في تشكيل ملامح الفن السعودي المعاصر، إذ قدمت أعمالاً عرضت في مؤسسات ومحافل فنية عالمية، وبين البحث الذي يسبق كل عمل والرحلات التي قادتها إلى ثقافات بعيدة، تواصل منال الضويان صياغة مشوارها الفني، مؤكدة أن أكثر ما يبقى في الفن ليس العمل نفسه، بل الأثر الذي يتركه في الإنسان، ويظل الفن مهما اختلفت وسائطه، قادراً على ربط الثقافات وفتح آفاق جديدة للحوار.
