تتناول الدراما التلفزيونية والمسرحيات والأعمال السينمائية العنف الأسري ضدّ المرأة، على أنها الضحية الأوسع حضوراً في هذا النوع من القضايا داخل مجتمع تحكمه الذكورية. لكن الكاتبة والمخرجة المسرحية مايا سعيد تسبح عكس التيار في مسرحيتها «أمان ترللي»، فتُضيء على قضية قلّما يُلتفت إليها؛ وهي العنف الأسري الذي يقع الرجل ضحيته.
وتشير سعيد إلى أنّ هذا العنف قد يصدر عن الزوجة، أو الأب، أو الأم، أو الأخ، أو الأخت، لكنها اختارت النموذج الأوسع شيوعاً، أي العلاقة بين الزوجين. ففي «أمان ترللي»، نتابع قصة شرطي بلدية (طارق تميم) يحاول التستّر على معاناته مع زوجته، مستنداً إلى السلطة التي يمنحها له موقعه الوظيفي. لكن لقاءً عابراً مع شخص تُلاحقه الشرطة (سامي حمدان) يضعه في مواجهة حقيقته، ويقلب حياته كلّياً. فينكشف الوجه الحقيقي لرجل يخفي هشاشته خلف مظهر القوة، لتبدأ رحلة وعي ومواجهة مع واقع طال إنكاره.
وتقارب مايا سعيد هذا الموضوع الحسّاس بقالب كوميدي يتّشح ببُعد درامي بين حين وآخر، من دون مبالغة أو افتعال. وهي معادلة نجحت في الحفاظ عليها طيلة العرض، فجعلت الضحك وسيلة لملامسة قضية مؤلمة.
أما الثنائي طارق تميم وسامي حمدان، وهما من أصحاب الخبرة المسرحية، فيدركان جيداً أصول اللعبة المسرحية. وبأداء عفوي ومُتقَن، ينجحان في المزج بين الكوميديا والتراجيديا، متنقّلَيْن بسلاسة بين لحظات الضحك والوجع، في أداء يجعل الجمهور يبتسم تارة؛ ويتوقّف للتأمُّل في حجم المعاناة أخرى.
وتوضح مايا سعيد لـ«الشرق الأوسط» سبب اختيارها بطلَي مسرحيتها: «تراودني فكرة العمل منذ مدّة. وعندما طرحتها على طارق وسامي، وهما صديقان مقرّبان مني، اقترحتُ أن يتولّيا البطولة؛ لأنّ ثمة انسجاماً طبيعياً يجمعهما. وجدت فيهما ما كنت أبحث عنه؛ لأنهما قادرَيْن على حمل موضوع حسّاس مثل هذا. لم أرغب في أن تنزلق المسرحية إلى التراجيديا الخالصة، فيشعر الجمهور بالملل. سعيتُ إلى تقديم العمل بأسلوب خفيف الظلّ، من دون أن يفقد عمقه الإنساني أو قدرته على ملامسة مشاعر الناس، وهو ما نجحنا في تحقيقه».
وأسهمت صالة مسرح «ديستريكت 7»، بمساحتها المحدودة، في إلغاء المسافات بين الممثلين والجمهور، فبدا الحاضرون جزءاً من الحكاية، وشهوداً عليها، وحكاماً يصدرون أحكامهم على مجرياتها.
وجاء النص سلساً، قريباً من لغة الناس، فلامسهم بعفويته وخفة مفرداته. وتحوّل بعض العبارات الطريفة لازمةً راح الجمهور يردّدها خلال العرض وبعده؛ كأنها ذكرى يحملها معه من هذه المسرحية.

ومثل عادته، لفت طارق تميم الأنظار بقدرته على التنقّل بسلاسة بين الدراما والكوميديا. ولم يقتصر حضوره على الحوار، بل تجلّى أيضاً في لغة جسده التي وظَّفها بذكاء لصقل الشخصية. وكان يكفي أحياناً أن يُغيّر تعبيراً أو حركة حتى يخطف انتباه الجمهور. ويعتمد تميم أسلوباً تمثيلياً تلقائياً يمنح شخصياته صدقية، ويجعلها قريبة من المتفرج.
أما سامي حمدان، فلم يكتفِ بتقديم كوميديا ذكية بعيدة عن التهريج، بل كشف أيضاً عن مواهب أخرى على الخشبة، فأدّى مقطع «راب» من ألحان الفنان يوري مرقدي، متقمّصاً الشخصية بإقناع. وبدا كأنه مغنّي «راب» محترف، في مشهد أضفى حيوية على العرض، وأسهم في كسر إيقاعه التقليدي.
وعن تعاونها مع مرقدي، تُعلّق مايا سعيد: «يعرف تماماً كيف أفكر، ولديه القدرة على ابتكار نغمة تخدم العمل من دون مبالغة. أما اختياري (الراب)؛ فلأنه يمثّل صوت المقهورين».

ويتناغم سامي حمدان وطارق تميم في حواراتهما إلى حد يصبح فيه كلّ منهما مرآةً للآخر. فبين لحظة وأخرى تنقلب الأدوار، إذ يتحوّل الرجل الذي تلاحقه الشرطة إلى ضمير الشرطي نفسه. ولأول وهلة، يظنّ الجمهور أن شخصية سامي هي ضحية العنف، قبل أن يتبيَّن أنها المفتاح الذي يدفع شرطي البلدية إلى الاعتراف بما يخفيه من معاناة مع زوجته.
وتشير سعيد إلى أن هذه الحالات موجودة في الواقع، لكنها لا تؤخذ على محمل الجد، وتضيف: «إنها حقيقة مؤلمة تختبئ خلف أبواب المنازل، ويختار كثير من الرجال التستّر عليها خوفاً من نظرة المجتمع وأحكامه الجائرة».
