عن زياد الرحباني الذي حرّر فيروز والمرأة من الانتظار والانكسار

من جنازة الفنان زياد الرحباني في يوليو 2025 (أ.ب)
من جنازة الفنان زياد الرحباني في يوليو 2025 (أ.ب)
TT

عن زياد الرحباني الذي حرّر فيروز والمرأة من الانتظار والانكسار

من جنازة الفنان زياد الرحباني في يوليو 2025 (أ.ب)
من جنازة الفنان زياد الرحباني في يوليو 2025 (أ.ب)

رحلَ زياد الرحباني من دون أن يحقِّق حلمه. كان يريد العثور على امرأةٍ يحبّها ويكمل معها الطريق إلى آخره. على الأرجح، فإنَّ الحبَّ الذي رسمه زياد في خياله غير موجود. هو من النوع الصادق، والشجاع، والدائم، وغير الموارِب، كذاكَ الذي يسكن أغنياتٍ ألّفها حيث الثقة والأمل والولَع توائم للحب.

مشى زياد الرحباني صوب الأبدِ وحيداً. لفظَ نغمَه الأخير بلا يدٍ شريكة تبثّ دفئاً في أصابعه قبل أن ينسحبَ النبضُ منها. غريبٌ هذا الرحيل داخل غرفةٍ خالية من رقّةِ أنثى، بينما الرجلُ الراحل هو أفضل مَن تحدّثَ بلسان الإناث.

سيدة تحمل صورة زياد الرحباني خلال وداعه الأخير (أ.ف.ب)

منحَ زياد الرحباني المرأةَ صوتاً لم يُلبسها إيّاه أحدٌ قبله. في السطور التي كتبَها وغنّتها فناناتٌ عربيات على رأسهنّ والدته السيّدة فيروز، تكلّم الموسيقار اللبناني باسمِ المرأة. تقمّصَها، جال في خاطرها ثم نطق بكلّ ما يجول فيه من دون تنميقٍ ولا تجميل. مزاجيّتُها، شكوكُها، انكساراتُها، غرائبُ عشقِها، تَمَرُّدُها، مللُها من الذكوريّة الطافحة، ثيماتٌ كثيرة سكبَها ابنُ عاصي وفيروز على ورقِه وعلى مفاتيح البيانو، لتتحوّل أناشيد أنثويّة لا مجرّد أغنياتٍ صباحيّة.

فيروز... العطر الأول واللحن الأول

ليس أمراً عادياً أن يكون أولُ عطرٍ يلتحمُ بجِلدِ طفل، وأولُ خصلةِ شَعرٍ تتسربلُ بها يدُه، وأولُ صوتٍ يدندنُ تهويدةً في أذنه، هو عطر وشَعر وصوت فيروز.

فيروز هي أنثى زياد الأولى وباكورةُ ألحانه. يوم أُدخل عاصي المستشفى عام 1973 ولم يستطع وضع اللمسات الأخيرة على مسرحية «المحطّة»، دمجَ زياد نوتاته بكلمات عمّه منصور فوُلدَت «سألوني الناس»؛ الأغنية التي كشفت عبقريّة ابن الـ17 عاماً.

تابع زياد الرحباني التلحين لوالدته من أشعار كبار الكلمة، أمثال طلال حيدر، وجوزيف حرب، والأخوين رحباني. وفي عام 1974، تسلّل إلى أعمالها للمرة الأولى كاتباً وملحّناً، مقدّماً وإياها نسخة جديدة من «بعتّلك روحي»، التي كان قد اكتشفها الجمهور في مسرحيّته «نزل السرور».

وإذا كانت «بعتّلك» ما زالت مصبوغة بسرديّة المرأة المستسلمة والضعيفة والمنتظرة أبداً عودة الرجل، قائلةً «ما دام ح تروح خود معك روحي»، فإنَّ ما تلاها من تعاونٍ بين زياد وأمّه نقل السيدة فيروز إلى مكانٍ آخر.

عندما استفردَ بها زياد كلاماً ولحناً كما يشاء، تحررت فيروز من الانتظار، وأمسى صوتُها عنوان المرأة الحرّة، صاحبة الموقف الشخصي، الهازئة حيناً والمتمرّدة أحياناً.

فيروز وابنها زياد الرحباني عام 1973 (ويكيبيديا)

زياد يمنح فيروز حلّة جديدة

بعد انقضاء سنةٍ على رحيل عاصي الرحباني في يونيو (حزيران) 1986، أصدرَ زياد وفيروز أول ألبوم موسيقي لهما بعنوان «معرفتي فيك». أطلقَ الفنان البالغ حينذاك 31 عاماً، أمّه بحلّةٍ جديدة على مستويَي الكلمة واللحن. هو الذي شَهِدَ على العلاقة العاصفة بينها وبين والده، أخذ من الحب حلوَه ومُرَّه وجعلَ فيروز تغنّي الحياة كما هي، بشِعرٍ بسيط وحقائقَ معقّدة.

على خلاف «زعلي طوّل»، غنّت فيروز في «معرفتي فيك» للمرة الأولى عن جرأة مغادرة علاقةٍ عاطفية سامّة. ومنذ ذلك الحين انكسر المحظور.

«كيفك إنت»

جاء ألبوم «كيفك إنت» عام 1991 ليكرّس صورة فيروز الجديدة. في تلك التجربة التي شكّلت محطّةً مفصليّةً وانتقاليّة في مسيرتها الموسيقية، تفرّد زياد الرحباني بالألحان والكلمات كافة.

المرأة المتصالحة مع ندوب أجمل حبٍ مضى، نطقت بصِدقٍ وجرأة في «كيفك إنت». استحضر الرحباني لغةً تمزج ما بين التهكّم والحنين فغنّت فيروز: «كيفك قال عم بيقولوا صار عندك أولاد... أنا والله كنت مفكّرتك برّات البلاد».

في الألبوم ذاته، استعار زياد الرحباني كل ضمائر المؤنّث لينطق باسمِ امرأةٍ عاشقةٍ تقول «عندي ثقة فيك». لكنّه في الوقت ذاته، كان يُطلق أحد أجمل نداءات الولَه، ويوثّق لكبرى حكايات الحب في حياته، تلك التي جمعته بالممثلة اللبنانية كارمن لبّس.

«بكتب شعر فيك، بكتب نثر فيك... وبيكفّي. شو ممكن يعني اكتب بعد فيك». سلّم زياد الرحباني اعترافاته العاطفية لحنجرة فيروز التي تكفّلت بتخليدها.

بلغ التهكّم الأنثوي ذروته مرفقاً بكثيرٍ من اللامبالاة في أغنية «مش قصة هاي»، حيث تكلّم زياد الرحباني بلسان المرأة التي ما عادت تفيدها الأعذار. وصلت خيبتها من الشريك إلى مرحلة لا يُجدي فيها التملّق والصبر نفعاً، فقالت كل ما في قلبها؛ «بتعشق علاي اعشق ما بتعشق ما تعشق... مش فارقة معاي».

«مش كاين هيك تكون»

عام 1999، أهدى زياد الرحباني السيّدة فيروز وسائر السيّدات ألبوم «مش كاين هيك تكون». في «سلّملي عليه»، اعترافاتُ امرأةٍ عاشقة لا تخجل من المجاهرة بمشاعرها تجاه رجلٍ آثرَ الرحيل والصمت على التشبّث بحبّه. وتتكرَّر الحكاية ذاتها في «اشتقتلّك» حيث تغنّي فيروز: «برغم الحاصل من زمان، الوقت الكافي للنسيان، عزّة نفسي كإنسان... اشتقتلّك».

ثم تعود لغة التهكّم واصفةً يوميات ثنائيّ عاديّ في بيتٍ أقلّ من عاديّ: «كان أوسع هالصالون... كان أشرح هالبلكون... وطبعاً إنت يا حبيبي حبّك كان قد الكون». في «مش كاين هيك تكون»، تتصالح المرأة مع واقع أنَّ الحبَّ غالباً ما يحمل بين ثناياه خيبة، وترفض التعايش مع قلبٍ صار بارداً. ويبلغ التمرّد الأنثويّ ذروته في الألبوم مع أغنية «ضاق خلقي»، حيث تسقط المجاملات وتخرج المرأة المقموعة عن صمتها، مستعيرةً صوت فيروز.

«ولا كيف»

في ألبوم «ولا كيف» الصادر مطلع 2002، غلبت الرومانسيّة الأنثويّة، فبرعَ زياد الرحباني بالنطق بلسان المرأة العاشقة والمستسلمة لحبّها، في أغنيات مثل «صباح ومسا»، و«شو بخاف»، و«أنا فزعانة»، و«بيذكّر بالخريف».

لكنّ النبرة الساخرة لم تَغِب، فتجاوزت فيروز كل الصياغات الجريئة والخارجة عن المألوف التي سبق أن غنّتها، وذهبت إلى أقصى الشبَه بالنساء العاديّات في «إنشالله ما بو شي»، و«تنذكر ما تنعاد»، و«لا والله».

فيروز وزياد الرحباني خلال تحضيرات حفل دبي عام 2003 (أ.ف.ب)

«إيه في أمل»

مع كلّ ألبوم جمع زياد بوالدته، اتّضح أكثر غوصُه عميقاً في دماغ المرأة واستيعابُه لمشاغلِها ومكامِن قلقها ومللِها. على مشارف ثمانينها، جعل فيروز تغنّي «إيه في أمل» للذكريات الطالعة من الملل، والمُدركة أنه مهما عاد الربيع، فإنّ الحبَّ لن يعود.

تنقّلت الواقعيّة الصارخة بين أغاني الألبوم الصادر في 2010، ممتزجةً كما العادة بالسخرية والفكاهة السوداء. بثقةٍ أقرب إلى الازدراء، تتوجّه المرأة إلى الرجل في «قال قايل»، و«كبيرة المزحة هاي»، و«ما شاورت حالي».

«إيه في أمل» آخر ألبومات فيروز مع زياد الرحباني (الشرق الأوسط)

الأنثى... صوتٌ يُطمئن زياد

لطالما استراح زياد الرحباني إلى صوت المرأة، فارتبط اسمُه بعددٍ من الفنانات العربيات اللواتي منحهنّ كلماته وألحانه. من بين مَن حظين بفرصة التعاون مع زياد، المطربة التونسية لطيفة التي أصدرت معه ألبوم «معلومات أكيدة» عام 2006. وبرزت من بين أغاني ذلك الألبوم «بنصّ الجوّ»، و«أمّنلي بيت»، و«دوّرت إيام الشتي».

ألّف الرحباني كذلك ألبوماً كاملاً للمغنية سلمى مصفي عام 2001 بعنوان «مونودوز»، وقد تصدّرته «ولّعت كتير»، و«آن فير شي نو».

ومن بين الفنانات اللواتي تعاون معهنّ المغنية الاستعراضية اللبنانية مادونا. أما أغنية ما بعد الرحيل فصدرت بصوت الفنانة كارول سماحة بعنوان «ما بتنترك وحدك».

كما الرجل الذي تغنّي عنه وله كارول سماحة في تلك الأغنية، كان من الأجدى لو لم يُترَك زياد الرحباني وحيداً ويتيماً من قلبِ أنثى خلال سنواته الأخيرة. لعلّه كان يقصد نفسه عندما كتب: «ما بتنترك وحدك يوم... بتروح... بتفلّ ناسي الباب مفتوح».


مقالات ذات صلة

«أنغام وأفلام»... الماضي الذي لم يُغادرنا له موعدٌ في بيروت

يوميات الشرق «أنغام وأفلام»... حفل تجلس فيه الذاكرة بين مقاعد الجمهور (الجهة المنظّمة)

«أنغام وأفلام»... الماضي الذي لم يُغادرنا له موعدٌ في بيروت

اختار المايسترو هاروت فازليان الاقتراب من الأعمال في صيغتها الأصيلة، بعيداً عن التغيير لمجرّد إظهار الاختلاف...

فاطمة عبد الله (بيروت)
الوتر السادس وليد توفيق لـ«الشرق الأوسط»: الأغنية الجميلة كالشمس لا بد أن تصل أشعتها إلى الناس

وليد توفيق لـ«الشرق الأوسط»: الأغنية الجميلة كالشمس لا بد أن تصل أشعتها إلى الناس

يسير الفنان وليد توفيق بخطى ثابتة في كل عمل يقدّمه، فلا يلتفت إلى «الترند» ولا ينساق وراء موجات موسيقية وكلامية اجتاحت الساحة الفنية.

فيفيان حداد (بيروت)
الوتر السادس مصطفى رزق لـ«الشرق الأوسط»: الصدفة وراء انتشار بعض أغنياتي

مصطفى رزق لـ«الشرق الأوسط»: الصدفة وراء انتشار بعض أغنياتي

أكثر من 50 أغنية قدمها مغني الجاز المصري مصطفى رزق، الذي ذاع صيت أعماله عبر ظروف بعضها كان بسبب أوضاع المجتمع بعد 2011

حمدي عابدين (القاهرة)
يوميات الشرق تحيي الفنانة السورية أصالة نصري حفلها الأول في دمشق بعد غياب 16 عاماً (صفحتها على فيسبوك) p-circle 01:33

مفاتيح أبواب دمشق في يد أصالة... عودة «أمّ شام» إلى الديار

تستعد الفنانة أصالة لإحياء حفلها الأول في وطنها الأم سوريا بعد 16 سنة غياب. خرجت أصالة من دمشق ولم تَعُد بسبب معارضتها للنظام السابق، فهل تستقرّ الآن في الشام؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق المغنية الأميركية الراحلة دولي بارتون (رويترز)

مقترح أميركي لإطلاق اسم دولي بارتون على مطار ناشفيل

قد تتم إعادة تسمية مطار ناشفيل الدولي باسم أيقونة موسيقى الريف دولي بارتون، وذلك وفقاً لاقتراح أعلنه يوم الجمعة حاكم ولاية تينيسي الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«حنظلة» يعود إلى بيروت... رحلة الأمس في وجع اليوم

4 ممثلين يحملون رحلةً أثقل من خطواتها (صوَر المُخرج)
4 ممثلين يحملون رحلةً أثقل من خطواتها (صوَر المُخرج)
TT

«حنظلة» يعود إلى بيروت... رحلة الأمس في وجع اليوم

4 ممثلين يحملون رحلةً أثقل من خطواتها (صوَر المُخرج)
4 ممثلين يحملون رحلةً أثقل من خطواتها (صوَر المُخرج)

يعود «حنظلة» إلى الخشبة اللبنانية محمَّلاً بنحو نصف قرن من الأسئلة التي وضعها الكاتب المسرحي السوري سعد الله ونّوس في طريق رجل اختار السلامة أسلوباً للعيش، فوجد نفسه ذات يوم وسط ما أمضى حياته يتفاداه. في «رحلة حنظلة»، التي أعدَّها وأخرجها جو رميا، لا نشعر بالزمن الفاصل بين ولادة النصّ واللحظة اللبنانية الراهنة. ثمة إنسان ما زال يمشي بمحاذاة الحائط، يُساوم على القليل ليُحافظ على ما تبقَّى، ويُتقن التكيُّف إلى درجة تصعب معها معرفة متى ينتهي الصبر ويبدأ الخضوع.

بعد عروضها على خشبة «مسرح المونو» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تحطُّ المسرحية في «مسرح دوار الشمس»، وقد سبقتها إليه الجوائز التي حصدتها قبل أسابيع في الدورة الأولى من «جوائز المونو». نال جو رميا جائزتَي «أفضل إخراج» و«أفضل اقتباس»، وحصلت بيا خليل على جائزة «اكتشاف العام». وهي جوائز تبدو عند مُشاهدة العمل متّصلة بما أُنجز على الخشبة أكثر ممّا أنها أوسمة مُلحَقة به. هناك بناء يعرف كيف يجمع عناصره فيمنح النصّ المكتوب قبل عقود حياةً معاصرة من دون أن يُثقله بمحاولات تحديث متكلَّفة.

بعض السجون تترك أبوابها مفتوحة (صوَر المُخرج)

يأخذ رميا عن ونّوس رجلاً خرج من السجن بعدما دفع ثمن حرّيته، ليكتشف أنّ ما ينتظره في الخارج امتداد لِما تركه خلف القضبان. «حنظلة» خسر زوجته وعمله، وتتوالى أمامه الوقائع كأنّ العالم قرَّر أن ينتزع منه المُسلَّمات التي عاش عليها؛ واحدةً تلو أخرى. إلى جانبه يظهر «حرفوش» العارف بممرات هذا العالم ومَكْره، فتتحرّك الرحلة بين الاثنين فيما يتبدّل المحيط وتبقى آليات الإخضاع مُتشابهة.

كتب ونّوس «رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة» مستنداً إلى نصّ لبيتر فايس، وأعاد صياغته داخل مشروعه المسرحي المُنشغِل بالسُّلطة والوعي ومسؤولية الفرد. قيمة «حنظلة» أنه لم يولَد بطلاً. إنه الرجل الذي درَّب نفسه على النجاة. يعرف كيف يتفادى الاصطدام، ويظنّ أنّ النأي بنفسه عن الشأن العام كفيل بإبقائه بعيداً عن الأذى. حين يصل الأذى إليه؛ تبدأ الرحلة.

يلتقط وسام بتديني هذا التكوين النفسي للشخصية من داخل الجسد. «حنظلة» لديه مُنحني الحضور قبل أن يكون مُنحني الظهر. في وقفته وتردُّده ونظرته التي تتأخَّر عن استيعاب الحدث، تتكوَّن شخصية أمضت زمناً طويلاً في تصغير نفسها كي تمرَّ بأمان. لا يقفز بتديني بـ«حنظلة» نحو الوعي، ويترك الصدمات تعمل فيه بالتراكُم. بذلك تصبح الشخصية إنساناً يمكن التعرُّف إليه قبل أن تصبح حاملةً لفكرة.

وسام بتديني يُلبس «حنظلة» انحناءاته (صوَر المُخرج)

يُقابله كارلوس أنطونيوس الذي يأخذ «حرفوش» إلى مساحة أدائية مُغايرة. يتحكّم في إيقاعه ويمنح الراوي حرارة الشارع وخبرته. يملك خفّة تسمح له بإيصال المرارة من دون أن تتحوّل الشخصية إلى منبر. تنشأ بين الممثلَيْن ثنائية مفيدة للعرض؛ أحدهما لا يزال داخل المتاهة، والآخر يعرف بعض خرائطها.

بيا خليل، التي استحقّت عن العمل جائزة «اكتشاف العام»، تتحرّك بين الشخصيات والنبرات بمرونة تحفظ لكلّ ظهور مَلْمَحه. التحوّل لديها لا يعتمد على تغيير الشكل وحده، إذ يتبدَّل الإيقاع الجسدي وطريقة احتلال الخشبة وفق الشخصية. أما علي منهد، فيستفيد العرض من تعدُّد أدواره في تكوين وجوه مختلفة للسُّلطة والمجتمع. يتغيَّر الشخص ويبقى شيء من الآلية التي يُواجهها «حنظلة» ثابتة، بينما يتمكّن النظام دائماً من العثور على وجه جديد يؤدّي الوظيفة.

كلّ هذه الويلات و«حنظلة» أمضى عمره طالباً السترة (صوَر المُخرج)

هذه الجماعيّة في الأداء من أسباب تماسُك العرض. حتى الفواصل بين المَشاهد، حيث كثيراً ما ينكشف خلل العرض، تدخُل في صُلب لغته. السجن يُفسِح مكانه لفضاء آخر، والمكان يتغيَّر بسرعة تكاد تُشبه السرعة التي تُبدِّل بها المؤسّسات أقنعتها أمام «حنظلة».

وللكوميديا وظيفة دقيقة. يضحك الجمهور على اختلال المواقف، وعلى «حنظلة» الذي يُحاول تطبيق منطقه البريء في عالم تحكمه قواعد ملوَّثة. شيئاً فشيئاً يصبح الضحك مَوْضع ريبة. اللبناني يعرف جيداً هذه الآلية. لقد حوَّل أزماته إلى نكات، وصاغ للانهيار قاموساً ساخراً، وتعلَّم أن يُخفّف ثقل العجز بالتهكُّم. قدرةٌ مثل هذه تُساعده على الاحتمال، وقد تجعله أيضاً يعتاد ما يحدث.

«حنظلة» و«حرفوش»... غفلة تمشي إلى جوار المعرفة (صوَر المُخرج)

تحتفظ «رحلة حنظلة» بقيمتها رغم السنوات. النصّ مُحكَم في انتقاله بين الخاص والعام، والإعداد اللبناني يُقرّبه من الواقع الحالي من غير أن يُفقده روح ونّوس، والإخراج يضبط الحركة والإيقاع والتحوّلات، فيما يمنح الممثلون الأفكارَ أجساداً وطبائعَ ودرجات متفاوتة من الوعي والخوف والمراوغة، حتى يصعب فصل «حنظلة» الآتي من ونّوس عن الرجل الذي يمكن أن نُصادفه اليوم خارج باب المسرح.

تنتهي الرحلة وقد خسر «حنظلة» كثيراً ممّا كان يظنّه أماناً، وربح ما يصعب العيش بعده كما كان قبله. لقد رأى. ومَن يرَ مرّة، فلا يعود قادراً على الاحتماء بالغفلة.


«تذكار» في الحقيبة يورّط مسافراً... رأس تمساح في المطار

أراد أن يحمل الرحلة معه... فحمل تبعاتها (الشرطة المالية)
أراد أن يحمل الرحلة معه... فحمل تبعاتها (الشرطة المالية)
TT

«تذكار» في الحقيبة يورّط مسافراً... رأس تمساح في المطار

أراد أن يحمل الرحلة معه... فحمل تبعاتها (الشرطة المالية)
أراد أن يحمل الرحلة معه... فحمل تبعاتها (الشرطة المالية)

يخضع رجلٌ وصل إلى مدينة تورينو قادماً من ميامي عبر إسطنبول حالياً للتحقيق على خلفية اتهامات بالتهريب، ويواجه حكماً بالسجن أو غرامة مالية.

ويواجه الرجل الإيطالي حُكماً بدفع غرامة مالية باهظة، أو ربما بالسجن، بعد العثور على رأس مجفَّف لتمساح من الأنواع المهدَّدة بالانقراض داخل أمتعته في مطار كاسيل تورينو.

وذكرت «الغارديان» أنّ الرجل كان قد وصل إلى المطار الواقع في المدينة الإيطالية شمال البلاد، عبر رحلة من ميامي عبر إسطنبول، وذلك نقلاً عن وحدة تورينو التابعة لفرقة الشرطة المالية الإيطالية. وكان رأس الحيوان الزاحف مغلَّفاً بورق بني في محاولة لإخفائه عن أعين سلطات التفتيش الأمني والجمارك.

وسرعان ما صادرته سلطات الحدود، وأخضعت المسافر، الذي قيل إنه كان عائداً من إجازة، للتحقيق على خلفية اتهامات بتهريب نوع من الأنواع المهدَّدة بالانقراض والخاضعة للحماية. وتحظى التماسيح بالحماية بموجب اتفاقية واشنطن، وهي اتفاقية عالمية وُقّعت عام 1973 لحماية النباتات والحيوانات المهدَّدة بالانقراض من مخاطر التجارة الدولية.

وفي حال إدانة الرجل، سيواجه حُكماً بدفع غرامة مالية تتراوح بين 20 ألفاً و200 ألف جنيه إسترليني، أو حُكماً بالسجن بين 6 أشهر وعام.

وذكرت الشرطة أنّ العملية في تورينو جاءت في إطار حملة أمنية أوسع نطاقاً في إيطاليا ضدّ تجارة الحياة البرية غير القانونية. وقالت الشرطة: «جاءت مصادرة الرأس بسبب استيراده دون الحصول على الشهادة المطلوبة أو الترخيص المحدَّد».

وتُعدّ إيطاليا مركز انتقال وعبور رئيسياً للتجارة غير القانونية في الحيوانات الغريبة، التي يجري الجزء الأكبر منها ضمن أنشطة الجريمة المنظَّمة. وأوضح فرع الصندوق العالمي للطبيعة في هذا البلد، في تقرير نُشر في بداية العام الحالي، أنّ «الاتجار غير القانوني بحيوانات تشمل سلاحف وطيور زينة وزواحف استوائية، بل حتى رئيسيات صغيرة، يحدث عبر قنوات على الإنترنت وعمليات تبادل عبر الحدود». وعام 2025، صُودِر شمبانزي كان مستحوَذاً عليه بطريقة غير قانونية، وفق التقرير.

ومع ذلك، يشتري سياح أشياء مثل رؤوس التماسيح المجفّفة هدايا تذكارية، من دون علم بأنّ إحضارها معهم إلى بلادهم أمر غير قانوني.

يُذكر أنه قُبِض على كندي في مطار دلهي خلال العام الماضي، بعد العثور داخل أمتعته على رأس تمساح كان قد اشتراه في تايلاند.


كنز روماني نائم في قاع المتوسّط منذ 2100 عام

نجا الأثر بعدما غاب أصحابه (وزارة الثقافة)
نجا الأثر بعدما غاب أصحابه (وزارة الثقافة)
TT

كنز روماني نائم في قاع المتوسّط منذ 2100 عام

نجا الأثر بعدما غاب أصحابه (وزارة الثقافة)
نجا الأثر بعدما غاب أصحابه (وزارة الثقافة)

اكتشف علماء آثار مؤخراً حطام سفينة يعود إلى نحو 2100 عام قبالة ساحل صقلية، وفي داخله مئات القطع من بقايا شحنة تجارية قديمة. وأعلنت وزارة الثقافة الإيطالية الاكتشاف خلال الشهر الماضي. وتقع الآثار على بُعد 3 أميال من ساحل مدينة مازارا ديل فالو، الواقعة بدورها على بُعد نحو 50 ميلاً جنوب غربي باليرمو.

ووفق «فوكس نيوز»، اكتُشف الحطام خلال عملية تفتيش مشتركة بين مسؤولي التراث الثقافي الإيطالي ووحدات الغوص التابعة لـ«كارابنييري» (قوات الدرك الوطني الإيطالية)، بعدما أبلغ مواطنون عن الموقع. ويعود الحطام، الذي ينتمي إلى الحقبة الرومانية، إلى المرحلة بين القرنين الأول والثاني قبل الميلاد، كما ذكر الوزارة.

وعثر الغواصون على الموقع على عُمق 150 قدماً تقريباً. وقال مسؤولون في بيان مترجم: «توجد مئات الأمفورات (جِرار فخارية)، وهي في الغالب من نوع (دريزيل 1 إيه)، في قاع البحر، إلى جانب ذراعي مرساة من الرصاص، وتكوين آخر مصنوع من المادة نفسها».

وتُظهر الصور مئات الجرار الفخارية القديمة المتجمعة في قاع البحر، ولا يزال كثير منها سليماً بشكل لافت رغم مرور أكثر من ألفَي عام على وجودها تحت الماء.

وكثيراً ما كانت تُستخدم تلك الأمفورات، وهي آنية خزفية شاع استخدامها في العالم القديم، في حمل النبيذ وزيت الزيتون ونقلهما، رغم أن المسؤولين لم يذكروا ما كانت تحتويه الآنية الموجودة على متن ذلك الحطام.

ووصف وزير الثقافة الإيطالي، أليساندرو جولي، القطع الأثرية في بيان بأنها «أحد أهم الاكتشافات الأثرية تحت الماء خلال السنوات الأخيرة». وأضاف: «ما يفتأ البحر يُعيد إلينا أجزاء ثمينة من تاريخنا، ويُخبرنا حطام سفينة (مازارا ديل فالو) عن الناس والطرق والتجارة التي جعلت البحر المتوسّط نقطة تلاقٍ للحضارات. وسيستمرّ البحث في كشف تاريخه وإتاحة عرضه أمام عامة الجمهور».

وستجري هيئة الإشراف على البحار في إقليم صقلية مزيداً من البحوث لمعرفة مزيد عن تاريخ الموقع ووضع إجراءات لحمايته.

يُذكر أنّ البحر المتوسّط، الذي ظلَّ مركزاً للتجارة البحريّة على مدى آلاف السنين، مليء بحطام السفن القديمة التي لا تزال تثمر اكتشافات جديدة. وفي وقت مُبكر من الصيف الحالي، أعلن علماء آثار اكتشاف حلي ذهبية على متن حطام سفينة عمره نحو 1300 عام قبالة جزيرة كرواتية. كذلك كشف غواصون كانوا يستكشفون حطام سفينة آخر قبالة ساحل تركيا خلال الصيف الماضي عن وجود مئات الآنية الخزفية التي كانت في حالة جيدة، ويعود تاريخها إلى ألفَي عام.