عن زياد الرحباني الذي حرّر فيروز والمرأة من الانتظار والانكسار

من جنازة الفنان زياد الرحباني في يوليو 2025 (أ.ب)
من جنازة الفنان زياد الرحباني في يوليو 2025 (أ.ب)
TT

عن زياد الرحباني الذي حرّر فيروز والمرأة من الانتظار والانكسار

من جنازة الفنان زياد الرحباني في يوليو 2025 (أ.ب)
من جنازة الفنان زياد الرحباني في يوليو 2025 (أ.ب)

رحلَ زياد الرحباني من دون أن يحقِّق حلمه. كان يريد العثور على امرأةٍ يحبّها ويكمل معها الطريق إلى آخره. على الأرجح، فإنَّ الحبَّ الذي رسمه زياد في خياله غير موجود. هو من النوع الصادق، والشجاع، والدائم، وغير الموارِب، كذاكَ الذي يسكن أغنياتٍ ألّفها حيث الثقة والأمل والولَع توائم للحب.

مشى زياد الرحباني صوب الأبدِ وحيداً. لفظَ نغمَه الأخير بلا يدٍ شريكة تبثّ دفئاً في أصابعه قبل أن ينسحبَ النبضُ منها. غريبٌ هذا الرحيل داخل غرفةٍ خالية من رقّةِ أنثى، بينما الرجلُ الراحل هو أفضل مَن تحدّثَ بلسان الإناث.

سيدة تحمل صورة زياد الرحباني خلال وداعه الأخير (أ.ف.ب)

منحَ زياد الرحباني المرأةَ صوتاً لم يُلبسها إيّاه أحدٌ قبله. في السطور التي كتبَها وغنّتها فناناتٌ عربيات على رأسهنّ والدته السيّدة فيروز، تكلّم الموسيقار اللبناني باسمِ المرأة. تقمّصَها، جال في خاطرها ثم نطق بكلّ ما يجول فيه من دون تنميقٍ ولا تجميل. مزاجيّتُها، شكوكُها، انكساراتُها، غرائبُ عشقِها، تَمَرُّدُها، مللُها من الذكوريّة الطافحة، ثيماتٌ كثيرة سكبَها ابنُ عاصي وفيروز على ورقِه وعلى مفاتيح البيانو، لتتحوّل أناشيد أنثويّة لا مجرّد أغنياتٍ صباحيّة.

فيروز... العطر الأول واللحن الأول

ليس أمراً عادياً أن يكون أولُ عطرٍ يلتحمُ بجِلدِ طفل، وأولُ خصلةِ شَعرٍ تتسربلُ بها يدُه، وأولُ صوتٍ يدندنُ تهويدةً في أذنه، هو عطر وشَعر وصوت فيروز.

فيروز هي أنثى زياد الأولى وباكورةُ ألحانه. يوم أُدخل عاصي المستشفى عام 1973 ولم يستطع وضع اللمسات الأخيرة على مسرحية «المحطّة»، دمجَ زياد نوتاته بكلمات عمّه منصور فوُلدَت «سألوني الناس»؛ الأغنية التي كشفت عبقريّة ابن الـ17 عاماً.

تابع زياد الرحباني التلحين لوالدته من أشعار كبار الكلمة، أمثال طلال حيدر، وجوزيف حرب، والأخوين رحباني. وفي عام 1974، تسلّل إلى أعمالها للمرة الأولى كاتباً وملحّناً، مقدّماً وإياها نسخة جديدة من «بعتّلك روحي»، التي كان قد اكتشفها الجمهور في مسرحيّته «نزل السرور».

وإذا كانت «بعتّلك» ما زالت مصبوغة بسرديّة المرأة المستسلمة والضعيفة والمنتظرة أبداً عودة الرجل، قائلةً «ما دام ح تروح خود معك روحي»، فإنَّ ما تلاها من تعاونٍ بين زياد وأمّه نقل السيدة فيروز إلى مكانٍ آخر.

عندما استفردَ بها زياد كلاماً ولحناً كما يشاء، تحررت فيروز من الانتظار، وأمسى صوتُها عنوان المرأة الحرّة، صاحبة الموقف الشخصي، الهازئة حيناً والمتمرّدة أحياناً.

فيروز وابنها زياد الرحباني عام 1973 (ويكيبيديا)

زياد يمنح فيروز حلّة جديدة

بعد انقضاء سنةٍ على رحيل عاصي الرحباني في يونيو (حزيران) 1986، أصدرَ زياد وفيروز أول ألبوم موسيقي لهما بعنوان «معرفتي فيك». أطلقَ الفنان البالغ حينذاك 31 عاماً، أمّه بحلّةٍ جديدة على مستويَي الكلمة واللحن. هو الذي شَهِدَ على العلاقة العاصفة بينها وبين والده، أخذ من الحب حلوَه ومُرَّه وجعلَ فيروز تغنّي الحياة كما هي، بشِعرٍ بسيط وحقائقَ معقّدة.

على خلاف «زعلي طوّل»، غنّت فيروز في «معرفتي فيك» للمرة الأولى عن جرأة مغادرة علاقةٍ عاطفية سامّة. ومنذ ذلك الحين انكسر المحظور.

«كيفك إنت»

جاء ألبوم «كيفك إنت» عام 1991 ليكرّس صورة فيروز الجديدة. في تلك التجربة التي شكّلت محطّةً مفصليّةً وانتقاليّة في مسيرتها الموسيقية، تفرّد زياد الرحباني بالألحان والكلمات كافة.

المرأة المتصالحة مع ندوب أجمل حبٍ مضى، نطقت بصِدقٍ وجرأة في «كيفك إنت». استحضر الرحباني لغةً تمزج ما بين التهكّم والحنين فغنّت فيروز: «كيفك قال عم بيقولوا صار عندك أولاد... أنا والله كنت مفكّرتك برّات البلاد».

في الألبوم ذاته، استعار زياد الرحباني كل ضمائر المؤنّث لينطق باسمِ امرأةٍ عاشقةٍ تقول «عندي ثقة فيك». لكنّه في الوقت ذاته، كان يُطلق أحد أجمل نداءات الولَه، ويوثّق لكبرى حكايات الحب في حياته، تلك التي جمعته بالممثلة اللبنانية كارمن لبّس.

«بكتب شعر فيك، بكتب نثر فيك... وبيكفّي. شو ممكن يعني اكتب بعد فيك». سلّم زياد الرحباني اعترافاته العاطفية لحنجرة فيروز التي تكفّلت بتخليدها.

بلغ التهكّم الأنثوي ذروته مرفقاً بكثيرٍ من اللامبالاة في أغنية «مش قصة هاي»، حيث تكلّم زياد الرحباني بلسان المرأة التي ما عادت تفيدها الأعذار. وصلت خيبتها من الشريك إلى مرحلة لا يُجدي فيها التملّق والصبر نفعاً، فقالت كل ما في قلبها؛ «بتعشق علاي اعشق ما بتعشق ما تعشق... مش فارقة معاي».

«مش كاين هيك تكون»

عام 1999، أهدى زياد الرحباني السيّدة فيروز وسائر السيّدات ألبوم «مش كاين هيك تكون». في «سلّملي عليه»، اعترافاتُ امرأةٍ عاشقة لا تخجل من المجاهرة بمشاعرها تجاه رجلٍ آثرَ الرحيل والصمت على التشبّث بحبّه. وتتكرَّر الحكاية ذاتها في «اشتقتلّك» حيث تغنّي فيروز: «برغم الحاصل من زمان، الوقت الكافي للنسيان، عزّة نفسي كإنسان... اشتقتلّك».

ثم تعود لغة التهكّم واصفةً يوميات ثنائيّ عاديّ في بيتٍ أقلّ من عاديّ: «كان أوسع هالصالون... كان أشرح هالبلكون... وطبعاً إنت يا حبيبي حبّك كان قد الكون». في «مش كاين هيك تكون»، تتصالح المرأة مع واقع أنَّ الحبَّ غالباً ما يحمل بين ثناياه خيبة، وترفض التعايش مع قلبٍ صار بارداً. ويبلغ التمرّد الأنثويّ ذروته في الألبوم مع أغنية «ضاق خلقي»، حيث تسقط المجاملات وتخرج المرأة المقموعة عن صمتها، مستعيرةً صوت فيروز.

«ولا كيف»

في ألبوم «ولا كيف» الصادر مطلع 2002، غلبت الرومانسيّة الأنثويّة، فبرعَ زياد الرحباني بالنطق بلسان المرأة العاشقة والمستسلمة لحبّها، في أغنيات مثل «صباح ومسا»، و«شو بخاف»، و«أنا فزعانة»، و«بيذكّر بالخريف».

لكنّ النبرة الساخرة لم تَغِب، فتجاوزت فيروز كل الصياغات الجريئة والخارجة عن المألوف التي سبق أن غنّتها، وذهبت إلى أقصى الشبَه بالنساء العاديّات في «إنشالله ما بو شي»، و«تنذكر ما تنعاد»، و«لا والله».

فيروز وزياد الرحباني خلال تحضيرات حفل دبي عام 2003 (أ.ف.ب)

«إيه في أمل»

مع كلّ ألبوم جمع زياد بوالدته، اتّضح أكثر غوصُه عميقاً في دماغ المرأة واستيعابُه لمشاغلِها ومكامِن قلقها ومللِها. على مشارف ثمانينها، جعل فيروز تغنّي «إيه في أمل» للذكريات الطالعة من الملل، والمُدركة أنه مهما عاد الربيع، فإنّ الحبَّ لن يعود.

تنقّلت الواقعيّة الصارخة بين أغاني الألبوم الصادر في 2010، ممتزجةً كما العادة بالسخرية والفكاهة السوداء. بثقةٍ أقرب إلى الازدراء، تتوجّه المرأة إلى الرجل في «قال قايل»، و«كبيرة المزحة هاي»، و«ما شاورت حالي».

«إيه في أمل» آخر ألبومات فيروز مع زياد الرحباني (الشرق الأوسط)

الأنثى... صوتٌ يُطمئن زياد

لطالما استراح زياد الرحباني إلى صوت المرأة، فارتبط اسمُه بعددٍ من الفنانات العربيات اللواتي منحهنّ كلماته وألحانه. من بين مَن حظين بفرصة التعاون مع زياد، المطربة التونسية لطيفة التي أصدرت معه ألبوم «معلومات أكيدة» عام 2006. وبرزت من بين أغاني ذلك الألبوم «بنصّ الجوّ»، و«أمّنلي بيت»، و«دوّرت إيام الشتي».

ألّف الرحباني كذلك ألبوماً كاملاً للمغنية سلمى مصفي عام 2001 بعنوان «مونودوز»، وقد تصدّرته «ولّعت كتير»، و«آن فير شي نو».

ومن بين الفنانات اللواتي تعاون معهنّ المغنية الاستعراضية اللبنانية مادونا. أما أغنية ما بعد الرحيل فصدرت بصوت الفنانة كارول سماحة بعنوان «ما بتنترك وحدك».

كما الرجل الذي تغنّي عنه وله كارول سماحة في تلك الأغنية، كان من الأجدى لو لم يُترَك زياد الرحباني وحيداً ويتيماً من قلبِ أنثى خلال سنواته الأخيرة. لعلّه كان يقصد نفسه عندما كتب: «ما بتنترك وحدك يوم... بتروح... بتفلّ ناسي الباب مفتوح».


مقالات ذات صلة

مَشاهد امتزج فيها الفرح بالغرابة... كيف أعادت باريس سيلين ديون إلى الحياة؟

يوميات الشرق الفنانة الكندية سيلين ديون أمام مقر إقامتها في باريس حيث تجمّعات يومية للمعجبين (غيتي) p-circle 01:48

مَشاهد امتزج فيها الفرح بالغرابة... كيف أعادت باريس سيلين ديون إلى الحياة؟

اختتمت سيلين ديون، مساء أمس، الشهر الأول من حفلاتها الباريسية بعد سنوات المرض والغياب. شكرت ديون الجمهور للدعم والحب، قائلة إنها وقفت على المسرح من جديد بفضلهم.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق باسم سعيد يتعاون مع جاد وهبي لإحياء أغنية «تمارا» بتوزيع جديد (فيسبوك)

باسم سعيد: أحاول تعريف الجيل الجديد على أصالة الغناء

من خلال مشروعه، يحاول سعيد محاربة بعض الفوضى السائدة في الساحة الفنّية...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق تُعزف الألحان على أوتار الراحة فيتراجع الوجع (إ.ب.أ)

هل تخشى وخز الإبر؟ موسيقاك المفضّلة قد تخفّف الألم

أظهرت اختبارات أنّ الاستماع إلى الموسيقى المفضّلة قد يساعد على تخفيف الألم خلال إجراءات طبية، مثل التطعيم...

«الشرق الأوسط» (زيوريخ)
يوميات الشرق هبة القواس وهاروت فازليان جمعهما الوفاء لوليد غلمية (الشرق الأوسط)

وليد غلمية بعد 15 عاماً... النوتة نفسها والقراءة تختلف

مع قراءة هاروت فازليان، استعادت مؤلَّفات غلمية ألقها على المسرح، مؤكّدةً أنّ مكان الموسيقى يبقى حيث يستمرّ عزفها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
الوتر السادس لين الحايك لـ«الشرق الأوسط»: أعيش اليوم مرحلة اكتشاف الذات

لين الحايك لـ«الشرق الأوسط»: أعيش اليوم مرحلة اكتشاف الذات

كانت لين الحايك لا تزال في الحادية عشرة من عمرها عندما أطلّت للمرة الأولى على خشبة «ذا فويس كيدز» عام 2016، واليوم، وبعد مرور عشر سنوات على مشوارها الفني...

فيفيان حداد (بيروت)

مصر تطلق منصة رقمية لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي

المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

مصر تطلق منصة رقمية لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي

المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)

أعلن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري عن إطلاق منصة «شات EGYPT» لمواجهة الشائعات، ضمن فعاليات «منتدى مصر 2026»، بوصفها أكبر منصة رقمية وتفاعلية موحدة لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن المنصة أداة ذكية للتحقق من المعلومات، وتعزيز إتاحة الحقيقة من مصدرها الرسمي.

ووفق ما ذكره مركز المعلومات على صفحته، الاثنين، «تمثل المنصة أداة متكاملة لرصد الشائعات والتحقق منها والرد عليها، اعتماداً على منهج مؤسسي يضمن إتاحة المعلومة الصحيحة من مصدرها الرسمي وفي التوقيت المناسب».

وتضم المنصة 4 أقسام رئيسية، هي: «ركن الأخبار، والتوعية، والإحصائيات، واستفسارات المواطنين».

وتعتمد المنصة على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل النصوص والصور ومقاطع الفيديو، وربطها بالسياق الزمني والمعلوماتي الصحيح، بما يساعد على اكتشاف المحتوى المضلل والتلاعب بالمعلومات مبكراً، وفق ما نشره مركز معلومات مجلس الوزراء، مؤكداً أنه تم إدخال أكثر من 21 ألف عنصر بياني على المنصة حتى الآن، بالإضافة إلى التصريحات اليومية للمسؤولين في وسائل الإعلام.

وتعتمد المنصة على التكامل والتنسيق المؤسسي بين الوزارات والهيئات والمحافظات، من خلال نظام عمل لا مركزي يتيح لكل جهة رسمية إدراج البيانات والمعلومات المعتمدة الخاصة بها وفقاً لاختصاصاتها، بما يضمن سرعة تصحيح المعلومات المتداولة.

ووفق المتخصصة في الإعلام الرقمي وعضو مجلس إدارة مركز أبحاث ودراسات الرأي العام بكلية الإعلام جامعة القاهرة الدكتورة سارة فوزي فإن «منصة Chat Egypt لمكافحة الشائعات التي أطلقها المنتدى خطوة مهمة نحو توظيف التكنولوجيا في خدمة الوعي ودعم التحقق من المعلومات، ومواجهة المحتوى المضلل، وتعزيز قدرة المواطن على الوصول إلى معلومات أكثر دقة وموثوقية».

وتضيف فوزي لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن المعركة الحقيقية مع الشائعة لا تبدأ بعد انتشارها، بل قبل ذلك من خلال بناء مناعة معرفية ورقمية لدى الجمهور؛ لأن حماية الوعي تبدأ من حماية الحقيقة، ومواجهة الشائعة تبدأ بمُواطن يعرف كيف يسأل ويتحقق قبل أن يصدق أو يشارك المعلومة، فيتحول هنا المواطن إلى مدقق معلومات بصورة استباقية بدلاً من تورطه في نشر الشائعة».

وتعد منصة «شات EGYPT» خطوة جديدة نحو سرعة رصد الشائعات، والتحقق منها، والرد عليها، بما يحد من انتشارها قبل اتساع نطاق تداولها، وفق ما ذكره مركز المعلومات.

ويرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا» محمد فتحي أن منصة «شات EGYPT» خطوة مهمة لمواجهة الشائعات، ونقل الأمر من منطق رد الفعل المتأخر إلى منطق الإتاحة الفورية للمعلومة الرسمية، في بيئة تنتشر فيها الشائعة أسرع من التصحيح.

مركز معلومات مجلس الوزراء يبرز منصة مكافحة الشائعات (فيسبوك)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «نجاح المنصة مرهون بعدة عوامل، أولها الدقة والتحديث المستمر، وكذلك الشفافية، وذكر المصدر في كل معلومة، والاعتراف بحدود ما تعرفه المنصة بدلاً من التخمين لمجرد الرد والاستجابة، وأيضاً سرعة الاستجابة نفسها وكذلك الانتشار والتوعية؛ فالمنصة لن تكون مفيدة ما لم تصل إلى الشباب على المنصات التي يستخدمونها بالفعل، كما أن مواجهة الشائعات لا تقتصر على الأدوات التقنية، بل تحتاج إلى تعزيز الثقافة الإعلامية لدى الجمهور، وإلى سياسة اتصال حكومي تتيح المعلومات استباقياً، فالمنصة أداة قوية، لكنها جزء من منظومة».

وكان مجلس الوزراء قد ناقش في ديسمبر (كانون الأول) ضرورة أن تكون هناك وحدات رصد مبكر في جميع الوزارات لرصد الشائعات وبحثها، والرد عليها وتفنيدها في مهدها؛ حتى يتم وضع حد مبكر لانتشارها.

وعدّت صاحبة مبادرة «ثورة الذكاء الاصطناعي» إيمان الوراقي هذه المنصة «خطوة مهمة؛ لأنها تنقل مواجهة الشائعات من ردود الفعل المتأخرة إلى التحقق السريع، وتمنح المواطن طريقاً مباشراً إلى المعلومة الموثوقة من مصدرها». وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الاختبار الحقيقي لهذه المنصة لن يكون مع إطلاقها بل عند أول شائعة كبرى تنتشر أسرع من قدرة المؤسسات على الرد عليها».

وأضافت الوراقي: «التحدي الحقيقي هو أن تقدم المنصة للمواطن (الحقيقة من مصدرها) بصورة سريعة، واضحة، ومسنودة بالأدلة، لا أن تكتفي بنفي ما يتم تداوله، كما أن مواجهة الشائعات لا تعني مطاردة كل منشور كاذب، فالأهم هو معالجة البيئة التي تجعل الشائعة قابلة للتصديق والانتشار، وفي مقدمتها غياب المعلومة أو تأخرها أو غموضها».

وتناول الاجتماع المشار إليه آنفاً لمجلس الوزراء «العمل على إعداد مشروع قانون ينظم إتاحة وتداول البيانات امتثالاً لحكم المادة (68) من الدستور، بما يحقق التوازن بين تحقيق الشفافية، وتوافر المعلومات والبيانات والإحصاءات، وحماية المعلومات والبيانات السرية، وبين تحقيق الردع والتصدي الفعال للشائعات والأخبار الكاذبة».


«بومة»... امرأة تنتزع نفوذها بالعنف وتختبر الأمومة

الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
TT

«بومة»... امرأة تنتزع نفوذها بالعنف وتختبر الأمومة

الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)

يقترب الفيلم الأردني «بومة»، الذي عُرض ضمن فعاليات مهرجان «الجونة السينمائي»، من حياة امرأة دفعتها نشأتها القاسية إلى انتزاع مكانتها داخل عالم تحكمه سطوة الرجال. ومن خلال بطلة تتوسل العنف لحماية نفسها، يفتح المخرج زيد أبو حمدان أسئلة عن الوصم والانتماء وحدود الخيارات المتاحة للنساء في بيئة اجتماعية تضيق فيها فرص الحماية والاستقلال، متتبعاً صراعها حين توقظ علاقتها بطفلين حاجتها إلى العائلة، وتضعها أمام مسؤولية الرعاية بعدما اعتادت مواجهة الحياة وحيدة.

وتؤدي الممثلة ركين سعد شخصية تحمل آثار الإقصاء في علاقتها بنفسها وبالآخرين؛ إذ نشأت من دون اسم عائلة يوفر لها الحماية، في بيئة يرتبط فيها الاعتراف الاجتماعي بالنسب وشبكات القرابة. ويصبح البحث عن مكان داخل هذا المجتمع معركة مستمرة، وتغدو قدرتها على فرض حضورها تعويضاً عن غياب السند. ومن هنا تنشأ المفارقة التي تحكم حياتها: كلما اتسعت مساحة نفوذها، ظل إحساسها بالأمان مهدداً، وبقي عليها أن تثبت قوتها من جديد.

وتدور أحداث الفيلم في أحياء مهمّشة من عمّان، حيث تعيش بومة داخل عالم تتداخل فيه الجريمة مع تدبير شؤون الحياة اليومية، وتتحكم في علاقاته المصالح والخوف. وتبني لنفسها نفوذاً في مواجهة رجال العصابات وتجار المخدرات، قبل أن يدخل طفلان إلى حياتها، فتجد نفسها أمام أسئلة تتعلق بالأمومة والانتماء. وبالتزامن مع هذه العلاقة، تصعد قوة إجرامية أكثر تنظيماً تهدد موقعها، وتدفعها إلى المفاضلة بين الحفاظ على سلطتها وحماية المقربين منها.

وتنبع صعوبة وضعها من أن العنف الذي تستخدمه يحفظ لها مكانتها، لكنه يربطها أيضاً بمصدر الخطر. فقد تعلّمت قواعد الشارع وتبنّت أساليب الرجال المسيطرين عليه، حتى أصبحت القسوة جزءاً من الطريقة التي تقدم بها نفسها وتتعامل بها مع محيطها. ولهذا تبدو قدرتها على المواجهة محمّلة بثمن نفسي، فهي مطالبة بإخفاء ضعفها باستمرار.

ويمنح دخول الطفلين إلى حياتها هذا الصراع وجهاً أكثر خصوصية؛ إذ يضعها أمام احتياجات لا تستطيع تلبيتها بمجرد فرض النفوذ. فالرعاية تقتضي الصبر والثقة والقدرة على الاقتراب، وهي أمور يصعب على امرأة تشكّلت خبرتها عبر الخذلان أن تمنحها بسهولة. وتصبح علاقتها بهما اختباراً لما تستطيع تقديمه خارج حدود الحماية بالقوة، ويكتسب التفكير في المستقبل معنى مختلفاً بعدما صار لقراراتها أثر مباشر في حياة طفلين يعتمدان عليها.

ويرى الناقد السينمائي المصري طارق الشناوي أن المخرج زيد أبو حمدان راهن في فيلم «بومة» على شخصية استثنائية، تفرض قانونها الخاص على المكان الذي تعيش فيه، وتستمد سلطتها من قدرتها على إخضاع الآخرين لقواعدها، بعيداً عن القانون العام الذي يُفترض أن ينظم حياة الجميع.

صُوِّر الفيلم في مواقع أردنية عدَّة (حساب ركين سعد على «فيسبوك»)

ويضيف الشناوي لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الظاهرة موجودة في مجتمعات مختلفة حول العالم، بينما تأتي خصوصية المعالجة من إسناد هذه القوة المفرطة إلى امرأة تمارس سطوتها على محيطها».ويؤكد أن «ركين سعد تعاملت مع الشخصية بجدية واضحة»، مشيراً إلى أن الخط الإنساني يمثل جانباً مهماً في بنائها؛ لأنه يكشف مواضع الضعف داخل امرأة تبدو قادرة على السيطرة وفرض إرادتها. ويلفت إلى أن الجانب العاطفي الكامن فيها يجعلها تفقد قدراً من سطوتها، ويمنح الصراع بُعداً يتصل بما يحدث داخل الشخصية حين تصبح مشاعرها مؤثرة في قراراتها وقدرتها على الاحتفاظ بنفوذها.

ومع تبدّل موازين القوة حولها، تتكشف هشاشة الموقع الذي انتزعته بسنوات من المواجهة؛ فالنفوذ الشخصي يصبح معرّضاً للتراجع أمام منظومة إجرامية أوسع تنظيماً، بينما يضاعف ارتباطها بالطفلين إحساسها بالخطر. وتزداد المفاضلة تعقيداً لأن التخلي عن السلطة قد يعيد إليها شعورها القديم بالعجز، في حين أن التشبث بها يطيل بقاءها داخل دائرة التهديد. أما احتمال الرحيل، فيحمل سؤالاً عما تستطيع أن تكونه بعيداً عن المكان الذي صنع اسمها.

ويأخذ الشناوي على الفيلم «ارتفاع حدة التعبير على مستويات متعددة؛ فالموسيقى والأداء والأحداث، إلى جانب الصوت والصورة، تتضافر في صناعة حالة متواصلة من الصخب». ويؤكد أنه كان يتمنى مساحة أكبر من الهدوء الدرامي تسمح بتخفيف هذه الحدة، «لأن رسالة الفيلم وصلت بالفعل، لكن كان بالإمكان إيصالها بدرجة أقل من الصخب، مع الحفاظ على مضمونها وتأثيرها الإنساني».

فيلم «بومة» من تأليف زيد أبو حمدان وإخراجه، وبطولة ركين سعد، وجوانا عريضة، ومجد عيد، ونبيل الراعي، وفرح بسيسو، وحنان حلو.


قميص صلاح يجدد «دبلوماسية كرة القدم» بين القاهرة وأنقرة

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)
TT

قميص صلاح يجدد «دبلوماسية كرة القدم» بين القاهرة وأنقرة

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)

جددت لفتة من مسؤول تركي دبلوماسية كرة القدم، بإهدائه رئيس الوزراء المصري قميص نادي طرابزون التركي الذي يلعب لصالحه قائد منتخب مصر محمد صلاح.

وتجسدت دبلوماسية كرة القدم في مواقف عدة وأحداث سابقة ربطت بين كرة القدم والسياسة، كان من بينها أنباء نشرتها صحف تركية قبل شهر عن ترحيب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بلقاء محمد صلاح في القصر الرئاسي بأنقرة، بعد استقراره في النادي التركي، وفق ما ذكره رئيس النادي، دون تحديد موعد محدد للَّقاء المرتقب.

وفي الأيام الماضية، خطف الاهتمام مشهد مسؤول بالجناح التركي في معرض «تراثنا» الذي يقام في القاهرة وتشارك فيه دول كثيرة، وهو يهدي رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، نسخة من قميص نادي طرابزون سبور التركي، وقد كُتب عليها اسم محمد صلاح، في لفتة طريفة حظيت باهتمام وانتشار واسع في وسائل الإعلام التركية والعربية.

جاء ذلك على هامش افتتاح مدبولي الدورة الثامنة لمعرض «تراثنا 2026» لدعم الحرف اليدوية والتراثية، تحت شعار «أصل الحكاية»؛ إذ تفقَّد الجناح التركي بالمعرض في مشهد حظي باهتمام لافت؛ خصوصاً مع ظهور علامات السعادة على وجه مدبولي ومرافقيه من الوزراء والمسؤولين، لدى تسلمه القميص المميز للفريق التركي الذي يحمل اسم قائد منتخب مصر محمد صلاح.

يذكر أن المعرض المقام في مركز مصر الدولي للمعارض، خلال الفترة من 17 إلى 24 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي يحظى بمشاركة تركية هي الأولى من نوعها.

كما زار مدبولي جناح المملكة المغربية (ضيف شرف المعرض)، وجناح دولة الإمارات العربية المتحدة، وجناح جمهورية الجزائر. ولدى تفقده الجناح التركي اطَّلع مدبولي على جانب متميز من الحرف والفنون التي تعكس عراقة التراث التركي، بينما أكد القائمون على الجناح أهمية معرض «تراثنا» كنافذة إقليمية ودولية ملهمة لإبراز هذه الفنون والتقاليد الأصيلة، ومد جسور التواصل والتقارب الثقافي.

ويرى الناقد الرياضي المصري أيمن أبو عايد أن «العلاقات المصرية التركية قديمة وممتدة خلال عصر الدولة المصرية الحديثة، وهناك علاقات مصاهرة كثيرة بين البلدين امتدت عقوداً طويلة. وكان الاستقبال الأسطوري الذي حظي به صلاح بعد انتقاله إلى الدوري التركي معبراً عن عمق تلك العلاقات، مكرراً ما حظي به من قبل في ليفربول مع الجماهير الإنجليزية. ولفتة المسؤول التركي أكدت أن الرياضة وصلاح من أدوات قوة مصر الناعمة التي تساعد في امتداد علاقاتها وتجديدها».

محمد صلاح في نادي طرابزون التركي (فيسبوك)

ومنذ انتقاله إلى صفوف طرابزون سبور في أغسطس (آب) الماضي، يحظى اللاعب المصري محمد صلاح باهتمام إعلامي واسع في تركيا، وأشار البعض إلى إمكانية انعكاس هذا الاهتمام على شعبية النادي، وعلى مكانة المدينة وتأثيرها على مستوى الرياضة والسياحة.

ويضيف أبو عايد لـ«الشرق الأوسط»: «طبعاً المسؤول التركي يعلم أهمية صلاح وشعبيته الكبيرة في مصر، وإهداء قميصه إلى رئيس الوزراء يعد تعبيراً عن سعادة تركيا، مسؤولين وجماهير، بانتقال صلاح للَّعب في طرابزون سبور التركي؛ حيث كان لوجوده دور في الدعاية والترويج للمدينة».

وامتد الاهتمام بصلاح في تركيا إلى الإعلان عن إطلاق اسمه على الشارع الذي يقيم فيه، كما شهدت مدينة طرابزون رسم جدارية ضخمة تحمل صورته بقميص النادي.