رحلَ زياد الرحباني من دون أن يحقِّق حلمه. كان يريد العثور على امرأةٍ يحبّها ويكمل معها الطريق إلى آخره. على الأرجح، فإنَّ الحبَّ الذي رسمه زياد في خياله غير موجود. هو من النوع الصادق، والشجاع، والدائم، وغير الموارِب، كذاكَ الذي يسكن أغنياتٍ ألّفها حيث الثقة والأمل والولَع توائم للحب.
مشى زياد الرحباني صوب الأبدِ وحيداً. لفظَ نغمَه الأخير بلا يدٍ شريكة تبثّ دفئاً في أصابعه قبل أن ينسحبَ النبضُ منها. غريبٌ هذا الرحيل داخل غرفةٍ خالية من رقّةِ أنثى، بينما الرجلُ الراحل هو أفضل مَن تحدّثَ بلسان الإناث.

منحَ زياد الرحباني المرأةَ صوتاً لم يُلبسها إيّاه أحدٌ قبله. في السطور التي كتبَها وغنّتها فناناتٌ عربيات على رأسهنّ والدته السيّدة فيروز، تكلّم الموسيقار اللبناني باسمِ المرأة. تقمّصَها، جال في خاطرها ثم نطق بكلّ ما يجول فيه من دون تنميقٍ ولا تجميل. مزاجيّتُها، شكوكُها، انكساراتُها، غرائبُ عشقِها، تَمَرُّدُها، مللُها من الذكوريّة الطافحة، ثيماتٌ كثيرة سكبَها ابنُ عاصي وفيروز على ورقِه وعلى مفاتيح البيانو، لتتحوّل أناشيد أنثويّة لا مجرّد أغنياتٍ صباحيّة.
فيروز... العطر الأول واللحن الأول
ليس أمراً عادياً أن يكون أولُ عطرٍ يلتحمُ بجِلدِ طفل، وأولُ خصلةِ شَعرٍ تتسربلُ بها يدُه، وأولُ صوتٍ يدندنُ تهويدةً في أذنه، هو عطر وشَعر وصوت فيروز.
فيروز هي أنثى زياد الأولى وباكورةُ ألحانه. يوم أُدخل عاصي المستشفى عام 1973 ولم يستطع وضع اللمسات الأخيرة على مسرحية «المحطّة»، دمجَ زياد نوتاته بكلمات عمّه منصور فوُلدَت «سألوني الناس»؛ الأغنية التي كشفت عبقريّة ابن الـ17 عاماً.
تابع زياد الرحباني التلحين لوالدته من أشعار كبار الكلمة، أمثال طلال حيدر، وجوزيف حرب، والأخوين رحباني. وفي عام 1974، تسلّل إلى أعمالها للمرة الأولى كاتباً وملحّناً، مقدّماً وإياها نسخة جديدة من «بعتّلك روحي»، التي كان قد اكتشفها الجمهور في مسرحيّته «نزل السرور».
وإذا كانت «بعتّلك» ما زالت مصبوغة بسرديّة المرأة المستسلمة والضعيفة والمنتظرة أبداً عودة الرجل، قائلةً «ما دام ح تروح خود معك روحي»، فإنَّ ما تلاها من تعاونٍ بين زياد وأمّه نقل السيدة فيروز إلى مكانٍ آخر.
عندما استفردَ بها زياد كلاماً ولحناً كما يشاء، تحررت فيروز من الانتظار، وأمسى صوتُها عنوان المرأة الحرّة، صاحبة الموقف الشخصي، الهازئة حيناً والمتمرّدة أحياناً.

زياد يمنح فيروز حلّة جديدة
بعد انقضاء سنةٍ على رحيل عاصي الرحباني في يونيو (حزيران) 1986، أصدرَ زياد وفيروز أول ألبوم موسيقي لهما بعنوان «معرفتي فيك». أطلقَ الفنان البالغ حينذاك 31 عاماً، أمّه بحلّةٍ جديدة على مستويَي الكلمة واللحن. هو الذي شَهِدَ على العلاقة العاصفة بينها وبين والده، أخذ من الحب حلوَه ومُرَّه وجعلَ فيروز تغنّي الحياة كما هي، بشِعرٍ بسيط وحقائقَ معقّدة.
على خلاف «زعلي طوّل»، غنّت فيروز في «معرفتي فيك» للمرة الأولى عن جرأة مغادرة علاقةٍ عاطفية سامّة. ومنذ ذلك الحين انكسر المحظور.
«كيفك إنت»
جاء ألبوم «كيفك إنت» عام 1991 ليكرّس صورة فيروز الجديدة. في تلك التجربة التي شكّلت محطّةً مفصليّةً وانتقاليّة في مسيرتها الموسيقية، تفرّد زياد الرحباني بالألحان والكلمات كافة.
المرأة المتصالحة مع ندوب أجمل حبٍ مضى، نطقت بصِدقٍ وجرأة في «كيفك إنت». استحضر الرحباني لغةً تمزج ما بين التهكّم والحنين فغنّت فيروز: «كيفك قال عم بيقولوا صار عندك أولاد... أنا والله كنت مفكّرتك برّات البلاد».
في الألبوم ذاته، استعار زياد الرحباني كل ضمائر المؤنّث لينطق باسمِ امرأةٍ عاشقةٍ تقول «عندي ثقة فيك». لكنّه في الوقت ذاته، كان يُطلق أحد أجمل نداءات الولَه، ويوثّق لكبرى حكايات الحب في حياته، تلك التي جمعته بالممثلة اللبنانية كارمن لبّس.
«بكتب شعر فيك، بكتب نثر فيك... وبيكفّي. شو ممكن يعني اكتب بعد فيك». سلّم زياد الرحباني اعترافاته العاطفية لحنجرة فيروز التي تكفّلت بتخليدها.
بلغ التهكّم الأنثوي ذروته مرفقاً بكثيرٍ من اللامبالاة في أغنية «مش قصة هاي»، حيث تكلّم زياد الرحباني بلسان المرأة التي ما عادت تفيدها الأعذار. وصلت خيبتها من الشريك إلى مرحلة لا يُجدي فيها التملّق والصبر نفعاً، فقالت كل ما في قلبها؛ «بتعشق علاي اعشق ما بتعشق ما تعشق... مش فارقة معاي».
«مش كاين هيك تكون»
عام 1999، أهدى زياد الرحباني السيّدة فيروز وسائر السيّدات ألبوم «مش كاين هيك تكون». في «سلّملي عليه»، اعترافاتُ امرأةٍ عاشقة لا تخجل من المجاهرة بمشاعرها تجاه رجلٍ آثرَ الرحيل والصمت على التشبّث بحبّه. وتتكرَّر الحكاية ذاتها في «اشتقتلّك» حيث تغنّي فيروز: «برغم الحاصل من زمان، الوقت الكافي للنسيان، عزّة نفسي كإنسان... اشتقتلّك».
ثم تعود لغة التهكّم واصفةً يوميات ثنائيّ عاديّ في بيتٍ أقلّ من عاديّ: «كان أوسع هالصالون... كان أشرح هالبلكون... وطبعاً إنت يا حبيبي حبّك كان قد الكون». في «مش كاين هيك تكون»، تتصالح المرأة مع واقع أنَّ الحبَّ غالباً ما يحمل بين ثناياه خيبة، وترفض التعايش مع قلبٍ صار بارداً. ويبلغ التمرّد الأنثويّ ذروته في الألبوم مع أغنية «ضاق خلقي»، حيث تسقط المجاملات وتخرج المرأة المقموعة عن صمتها، مستعيرةً صوت فيروز.
«ولا كيف»
في ألبوم «ولا كيف» الصادر مطلع 2002، غلبت الرومانسيّة الأنثويّة، فبرعَ زياد الرحباني بالنطق بلسان المرأة العاشقة والمستسلمة لحبّها، في أغنيات مثل «صباح ومسا»، و«شو بخاف»، و«أنا فزعانة»، و«بيذكّر بالخريف».
لكنّ النبرة الساخرة لم تَغِب، فتجاوزت فيروز كل الصياغات الجريئة والخارجة عن المألوف التي سبق أن غنّتها، وذهبت إلى أقصى الشبَه بالنساء العاديّات في «إنشالله ما بو شي»، و«تنذكر ما تنعاد»، و«لا والله».

«إيه في أمل»
مع كلّ ألبوم جمع زياد بوالدته، اتّضح أكثر غوصُه عميقاً في دماغ المرأة واستيعابُه لمشاغلِها ومكامِن قلقها ومللِها. على مشارف ثمانينها، جعل فيروز تغنّي «إيه في أمل» للذكريات الطالعة من الملل، والمُدركة أنه مهما عاد الربيع، فإنّ الحبَّ لن يعود.
تنقّلت الواقعيّة الصارخة بين أغاني الألبوم الصادر في 2010، ممتزجةً كما العادة بالسخرية والفكاهة السوداء. بثقةٍ أقرب إلى الازدراء، تتوجّه المرأة إلى الرجل في «قال قايل»، و«كبيرة المزحة هاي»، و«ما شاورت حالي».

الأنثى... صوتٌ يُطمئن زياد
لطالما استراح زياد الرحباني إلى صوت المرأة، فارتبط اسمُه بعددٍ من الفنانات العربيات اللواتي منحهنّ كلماته وألحانه. من بين مَن حظين بفرصة التعاون مع زياد، المطربة التونسية لطيفة التي أصدرت معه ألبوم «معلومات أكيدة» عام 2006. وبرزت من بين أغاني ذلك الألبوم «بنصّ الجوّ»، و«أمّنلي بيت»، و«دوّرت إيام الشتي».
ألّف الرحباني كذلك ألبوماً كاملاً للمغنية سلمى مصفي عام 2001 بعنوان «مونودوز»، وقد تصدّرته «ولّعت كتير»، و«آن فير شي نو».
ومن بين الفنانات اللواتي تعاون معهنّ المغنية الاستعراضية اللبنانية مادونا. أما أغنية ما بعد الرحيل فصدرت بصوت الفنانة كارول سماحة بعنوان «ما بتنترك وحدك».
كما الرجل الذي تغنّي عنه وله كارول سماحة في تلك الأغنية، كان من الأجدى لو لم يُترَك زياد الرحباني وحيداً ويتيماً من قلبِ أنثى خلال سنواته الأخيرة. لعلّه كان يقصد نفسه عندما كتب: «ما بتنترك وحدك يوم... بتروح... بتفلّ ناسي الباب مفتوح».
