تترقب القوى السياسية المناوئة لـ«حزب الله» طبيعة خطوته التالية بعد هجومه غير المسبوق على نتائج قمة واشنطن بين الرئيسين اللبناني العماد جوزيف عون والأميركي دونالد ترمب، وما إذا كان سيكتفي برفع سقفه السياسي أم أنه سيضطر إلى إسناد إيران للمرة الثانية بعد إسناده الأول لها انتقاماً من إسرائيل لاغتيالها المرشد الإيراني علي خامنئي، مع أن مصدراً في «الثنائي الشيعي» يدور في فلك حركة «أمل» يستبعد إقحام الحزب لبنان في مغامرة عسكرية غير محسوبة على غرار تلك التي أدت إلى سيطرة إسرائيل على القسم الأكبر من جنوب الليطاني، وتحويله إلى منطقة أمنية تربط انسحابها منها بنزع سلاح الحزب.
فالظروف التي كانت قائمة أثناء قيام «حزب الله» بإسناده لإيران في 2 مارس (آذار) الماضي تبدلت، كما يقول المصدر لـ«الشرق الأوسط»، مع توصل لبنان في 26 يونيو (حزيران) الماضي إلى «اتفاق إطار» مع إسرائيل برعاية أميركية مهد الطريق أمام دخوله في مرحلة سياسية جديدة تأخذ الولايات المتحدة على عاتقها توفير حمايتها وتحييدها عن حربها المشتعلة مع إيران.
ترمب يطمئن عون
وفي هذا السياق، لفت مصدر سياسي مواكب للأجواء التي سادت قمة واشنطن إلى أن ترمب لم يسمح بتعريض «اتفاق الإطار» لانتكاسة سياسية يتفرّع عنها تجدد المواجهة العسكرية على نطاق واسع بين «حزب الله» وإسرائيل، وهذا ما أكده لعون إذ طلب مراراً أثناء القمة من وزير دفاعه بيت هيغسيث الاتصال برئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو وطلب منه التجاوب مع رغبة الرئيس في مسألة الانسحاب تطبيقاً لـ«اتفاق الإطار» الذي يجب أن يُنفذ.

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن تطبيق «اتفاق الإطار» سيتصدر اجتماع ترمب بنتنياهو في واشنطن يوم الثلاثاء الموافق 28 يوليو (تموز) الحالي، وأكد أن حماية الاتفاق وتحييده تقتضي رفض انخراط لبنان إلى جانب الولايات المتحدة في حربها على إيران لقطع الطريق على «حزب الله» بالتدخل متذرعاً بإسناده للأخيرة، ما يؤثر سلباً على تطبيق «اتفاق الإطار» الذي بدأ يسجّل تقدماً على «مذكرة التفاهم» الأميركية-الإيرانية التي أخذت تتهاوى لمصلحة فصل المسار اللبناني عن الإيراني.
وتوقع أن يبقى اعتراض «حزب الله» على «اتفاق الإطار» تحت سقف تسجيل موقف سياسي إعلامي وعدم لجوئه لتحريك جبهة الجنوب عسكرياً، لأنه يتحسب لرد فعل رئيس المجلس النيابي نبيه بري وعدم الصدام معه كونه لم يخفِ انزعاجه حيال تفلُّت أمينه العام نعيم قاسم من تعهده بعدم إسناده عسكرياً لإيران، خصوصاً أنه كان قد رسم مجموعة من الخطوط الحمراء للحفاظ على السلم الأهلي في لبنان وعدم تعريضه لانتكاسة تؤدي إلى اهتزاز الوضع الأمني، إضافة إلى رفضه القاطع استخدام الشارع لإسقاط حكومة الرئيس نواف سلام رداً على تهديد «حزب الله» في هذا الخصوص وتمسكه باستمرارها بعدم انسحاب الوزراء المحسوبين عليه منها.
بري يتريث حيال تحديد النتائج
وتوقف المصدر أمام تمايز بري في موقفه من قمة واشنطن عن حليفه «حزب الله»، وقال إنه يتريث في تحديد موقفه من النتائج التي انتهت إليها، رافضاً حرق المراحل بإصدار أحكامه النهائية على النيات ويربط موقفه بتثبيت وقف إطلاق النار والأعمال العدائية، وانسحاب إسرائيل من الجنوب وعودة النازحين إلى قراهم ليكون في وسعه أن يبني على الشيء مقتضاه لأن العبرة، كما يقول مراراً، تبقى بالتنفيذ، علماً أنه كان قد سجّل ملاحظاته على اختيار المناطق التجريبية لانتشار الجيش التي تكاد تكون محصورة بالبلدات المحررة باستثناء بلدة زوطر الغربية التي كانت تحتل أطرافها، مقترحاً اعتماد القضاء رقعةً جغرافيةً لانتشاره.

فهل يتحمل قاسم تبعات رد فعل بري، في حال اشتعلت جبهة الجنوب ليدخل معه في خلاف سياسي؟ وماذا سيقول للنازحين لما سيترتب على نزوحهم من أعباء لا يستطيع تحملها؟ مع أن مجرد التوقيع على «اتفاق الإطار» أتاح الفرصة لعودة مئات الآلاف منهم إلى بلداتهم في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت. فهل يكتفي الحزب بهجومه السياسي على قمة واشنطن؟ أم أن كلمة الفصل تبقى في الميدان، كما يتهمه خصومه، لـ«الحرس الثوري» الإيراني؟
تموضع «حزب الله» عسكرياً
فضلاً عن أن الوضع الميداني في الجنوب، حسب المصدر، الذي كان قائماً قبل إسناده لإيران يختلف عما هو عليه الآن باضطرار الحزب إلى إعادة النظر في التموضع العسكري لمقاتليه في جنوب نهر الليطاني وعدد من البلدات الواقعة على حافته الشمالية المجاورة لقلعة الشقيف.
فـ«حزب الله» اضطر، حسب المصدر، للتموضع عسكرياً خطوات إلى الوراء مع تصاعد وتيرة المواجهة بين مقاتليه وجيش الاحتلال الإسرائيلي، واتخاذه من تلال علي الطاهر خط الدفاع الأول، ما يعني أن الاختلال في ميزان القوى لا يسمح له بالعودة كما يجب إلى الخط الأصفر الذي حوّلته إسرائيل إلى منطقة أمنية.
لذلك فإن الواقع الميداني على الأرض يمكن أن يشكل عائقاً أمام تكرار الحزب إسناده لإيران إصراراً منه على تمسكه بـ«مذكرة التفاهم» بوصفها بديلاً عن «اتفاق الإطار»، مع أنها ما زالت معلقة، كما يقول المصدر، على خط التوتر الأميركي-الإيراني، فيما بدأ الاتفاق يأخذ طريقه إلى التنفيذ، على أن يشكل اجتماع روما الثاني الذي يُعقد بمشاركة الدول الثلاث على المستويين السياسي والعسكري في 4 أغسطس (آب) المقبل محطة لتوسعة المناطق التجريبية بشمولها بلدات محتلة، وهذا ما يعلّق عليه لبنان.
