التعاون النووي السعودي - الأميركي... ركيزة للتحول الاقتصادي والصناعي في المملكة

محطة جديدة في مسار الشراكة الاستراتيجية بين الرياض وواشنطن

TT

التعاون النووي السعودي - الأميركي... ركيزة للتحول الاقتصادي والصناعي في المملكة

خلال اللقاء بين الأمير عبد العزيز بن سلمان ورايت في الرياض (الوزارة)
خلال اللقاء بين الأمير عبد العزيز بن سلمان ورايت في الرياض (الوزارة)

دخلت العلاقات السعودية الأميركية مرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي، بعد توقيع اتفاق للتعاون في مجال الطاقة النووية السلمية (اتفاقية 123) إلى جانب اتفاق ضمانات ثنائية، بما يرسخ الإطار القانوني لشراكة تمتد لعقود. ويأتي الاتفاق في وقت تمضي فيه المملكة نحو تنويع مزيج الطاقة وتعزيز أمنها الطاقي وفق أعلى معايير السلامة والأمن النووي.

ووقّع الاتفاق الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، ووزير الطاقة الأميركي كريس رايت، استكمالاً لما أُعلن عنه خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى الولايات المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بشأن اكتمال المفاوضات المتعلقة بالتعاون النووي السلمي.

عبد العزيز بن سلمان ورايت في مركز «كابسارك» (وزارة الطاقة)

وقالت وزارة الطاقة السعودية إن الاتفاق يهدف إلى تعزيز التعاون الثنائي، ودعم تبادل الخبرات والمعرفة والتقنيات، بما يسهم في تطوير الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وفق أعلى المعايير الدولية المتعلقة بالأمن والأمان النوويين وعدم الانتشار. ويمثل الاتفاق امتداداً للتعاون القائم بين البلدين في قطاع الطاقة، ويعكس رؤيتهما المشتركة لتوسيع الشراكة في مجالات الطاقة والتقنيات المستقبلية ودعم التنمية المستدامة.

من جهتها، قالت وزارة الطاقة الأميركية إن الاتفاق يضع الإطار القانوني لشراكة تمتد لعقود وتقدر بمليارات الدولارات، بما يدعم تلبية احتياجات المملكة من الطاقة. وأضافت أن الاتفاق يعزز المصالح المشتركة للبلدين عبر توسيع التعاون في التكنولوجيا النووية المدنية، وترسيخ الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

وفي تعليق له، أشاد رايت بالأمير عبد العزيز بن سلمان، واصفاً إياه بأنه أحد أبرز المفكرين في أسواق الطاقة العالمية، وصاحب رؤية مستقلة ومواقف تستند إلى ما يراه صواباً بعيداً عن الضغوط السياسية. وقال إن علاقتهما تطورت من الإعجاب المهني إلى صداقة وثقة متبادلة، مؤكداً أن الأمير عبد العزيز يتمتع بقيادة مبدئية أسهمت في بناء منظومة طاقة سعودية تتميز بالكفاءة والابتكار. كما أثنى على دوره في تمكين المرأة داخل قطاع الطاقة، معتبراً أن ما حققته وزارة الطاقة السعودية يعكس قيادة قوية تجمع بين الحزم والكرم وروح العمل الجماعي.

ولم يكن الاتفاق وليد المفاوضات الأخيرة، إذ تعود محادثات التعاون النووي المدني بين السعودية والولايات المتحدة إلى عام 2008، عندما وقع الجانبان مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الطاقة النووية السلمية. وتواصلت المشاورات خلال السنوات اللاحقة، وشهدت بين عامي 2017 و2019 محادثات مع شركات أميركية مهتمة بالمشاركة في البرنامج النووي السعودي، قبل أن يوقع البلدان في نوفمبر 2025 إعلاناً مشتركاً لاستكمال إطار التعاون، وصولاً إلى توقيع اتفاقية «123» واتفاقية الضمانات الثنائية التي تؤسس للإطار القانوني للتعاون النووي المدني بين البلدين.

وكان وزير الطاقة الأميركي قد كشف في مقابلة خاصة مع«الشرق الأوسط» عن هذا الموضوع، وذلك خلال زيارته المملكة في 2025، فيما كان قد أعلن الأمير عبد العزيز بن سلمان أن المملكة تتجه نحو الاستفادة من الطاقة النووية، وتطبيقاتها الإشعاعية للأغراض السلمية، وتواصل تنفيذ مشروعها الوطني للطاقة النووية بجميع مكوناته، ومن ذلك مشروع بناء أول محطة للطاقة النووية في المملكة.

وتؤكد هذه الخطوة المسار الذي أعلنته المملكة خلال السنوات الماضية لتطوير برنامجها النووي السلمي؛ إذ كان الأمير عبد العزيز بن سلمان قد شدد خلال كلمته أمام المؤتمر العام التاسع والستين للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا عام 2025، على أن مشروع المملكة لبناء أول محطة للطاقة النووية، بالتعاون مع الوكالة، يستهدف تنويع مزيج الطاقة، وتعزيز الإمدادات النظيفة، وتحقيق التنمية المستدامة، مؤكداً تطلع السعودية إلى أن تكون نموذجاً يحتذى به في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية وفق أعلى معايير السلامة والأمن النووي.

ما هي اتفاقية 123؟

تحمل الاتفاقية اسم المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأميركي، الذي ينظم التعاون النووي المدني بين الولايات المتحدة والدول الأخرى. ولا تتيح واشنطن تصدير المفاعلات أو الوقود أو التكنولوجيا النووية إلا للدول التي تبرم هذا النوع من الاتفاقيات، التي تحدد الإطار القانوني للتعاون، وآليات الرقابة، ومتطلبات الاستخدام السلمي للمواد والتقنيات النووية.

وبموجب الاتفاقية، تستطيع الشركات الأميركية المشاركة في تصميم وبناء وتشغيل المفاعلات النووية السعودية، وتوريد المعدات والوقود والخدمات الفنية، مع خضوع جميع الأنشطة لالتزامات عدم الانتشار النووي وضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إضافة إلى اتفاقية الضمانات الثنائية الموقعة بين البلدين.

أهمية الاتفاق... أبعاد اقتصادية واستراتيجية

يمثل الاتفاق النووي خطوة استراتيجية في مسار تحول قطاع الطاقة السعودي، إذ يدعم تنويع مزيج الطاقة وتعزيز أمن الإمدادات عبر إدخال الطاقة النووية السلمية إلى جانب الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة. ويتيح ذلك إنتاج الكهرباء وتحلية المياه بكفاءة أعلى، وتقليص الاعتماد المحلي على النفط والغاز، وتحرير كميات أكبر من الهيدروكربونات للتصدير، بما يعزز الإيرادات، ويرفع كفاءة استغلال الموارد الطبيعية، ويدعم استدامة النمو الاقتصادي على المدى الطويل.

كما يدعم الاتفاق مستهدفات «رؤية 2030» الرامية إلى تنويع مصادر الطاقة وخفض الانبعاثات الكربونية، في ظل النمو المتواصل في الطلب على الكهرباء والمياه، ويعزز أمن الإمدادات عبر توفير مصدر مستقر للكهرباء لا يعتمد على تقلبات أسواق الوقود.

وعلى الصعيد الصناعي، يفتح الاتفاق الباب أمام مشاركة الشركات الأميركية في تطوير البنية التحتية النووية السعودية، بما يشمل تصميم المفاعلات وبنائها وتشغيلها وتطوير سلاسل الإمداد، إلى جانب نقل المعرفة والتقنيات المتقدمة، ورفع المحتوى المحلي، وتأهيل الكفاءات الوطنية، وتعزيز البحث والتطوير، بما يرسخ قيام صناعة نووية سعودية مستدامة.

محادثات بين الجانبين الأميركي والسعودي في الرياض ترأسها كل من رايت والأمير عبد العزيز بن سلمان (الشرق الأوسط)

ويكتسب الاتفاق أهمية إضافية لارتباطه بمستقبل دورة الوقود النووي في المملكة، في ظل توجه السعودية إلى استثمار مواردها المحلية من اليورانيوم وتطوير سلسلة القيمة النووية. وكانت المملكة قد أعلنت عزمها إنتاج «الكعكة الصفراء» بوصفها المرحلة الأولى في دورة الوقود النووي، ضمن خططها للاستفادة الاقتصادية من موارد اليورانيوم وبناء قطاع نووي سلمي متكامل. كما أكد الأمير عبد العزيز بن سلمان أن المملكة تستهدف تطوير دورة الوقود النووي كاملة للأغراض السلمية، بما يشمل استغلال خامات اليورانيوم الوطنية وفق الضمانات والالتزامات الدولية.

مسيرة بدأت قبل أكثر من عقدين

لا يمثل الاتفاق مع الولايات المتحدة نقطة انطلاق للبرنامج النووي السعودي، بل يأتي تتويجاً لمسار طويل من التخطيط وبناء الأطر التنظيمية والمؤسسية لتطوير برنامج نووي سلمي.

ويعود اهتمام المملكة بالطاقة النووية إلى عام 2006، عندما كلفت دول مجلس التعاون الخليجي بإجراء دراسة مشتركة حول الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، قبل أن تتولى السعودية في عام 2007، بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قيادة دراسات الجدوى الخاصة بالمشروع الإقليمي.

وفي عام 2010، أُنشئت مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة لتقود تطوير البرنامج النووي ووضع الأطر التنظيمية والإشراف على الاتفاقيات الدولية، تلا ذلك تنفيذ الدراسات الفنية لاختيار مواقع إنشاء المفاعلات في الجبيل وتبوك وجيزان.

ومع إطلاق المشروع الوطني للطاقة الذرية بين عامي 2017 و2023، انتقلت المملكة إلى مرحلة أكثر تقدماً، عبر برنامج يرتكز على المفاعلات الكبيرة، والمفاعلات الصغيرة المدمجة، ودورة الوقود النووي، ومنظومة الرقابة والتنظيم.

كما أقر مجلس الوزراء في عام 2018 السياسة الوطنية لبرنامج الطاقة الذرية، التي تؤكد أن جميع الأنشطة النووية في المملكة مخصصة للأغراض السلمية، مع الالتزام بالشفافية، والأمان النووي، والرقابة المستقلة، وتطوير المحتوى المحلي وبناء القدرات الوطنية.

وفي إطار تعزيز الالتزام بالمعايير الدولية، أعلنت المملكة عام 2023 الانتقال إلى تطبيق اتفاقية الضمانات الشاملة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بعد إنهاء العمل ببروتوكول الكميات الصغيرة، ودخل القرار حيز التنفيذ بنهاية عام 2024.

وزير الطاقة الأميركي خلال المؤتمر الصحافي المنعقد في العاصمة السعودية الرياض (تصوير: تركي العقيلي)

ماذا يعني الاتفاق للمستقبل؟

يمثل الاتفاق أكثر من مجرد تعاون في بناء محطات نووية؛ فهو يضع الأساس لشراكة طويلة الأجل في التكنولوجيا المتقدمة، ويمنح المملكة أدوات جديدة لتعزيز أمن الطاقة، وتنويع اقتصادها، وتطوير صناعات عالية التقنية، وبناء كوادر وطنية متخصصة، بما يعزز مكانتها بوصفها أحد أبرز مراكز الطاقة والصناعة المتقدمة في المنطقة، ويجعل البرنامج النووي السلمي جزءاً من التحول الاقتصادي الذي تقوده «رؤية 2030».


مقالات ذات صلة

ميراس: لا يمكن التضحية بأمن الطاقة أو استدامتها أو القدرة على تحمل تكاليفها

الاقتصاد بيدرو ميراس يتحدث إلى الحضور مع انطلاق مؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرين في الرياض (الشرق الأوسط)

ميراس: لا يمكن التضحية بأمن الطاقة أو استدامتها أو القدرة على تحمل تكاليفها

أكد رئيس مجلس البترول العالمي، بيدرو ميراس، أن العالم يحتاج إلى مزيد من الطاقة من مصادر متعددة لمواكبة النمو السكاني والاقتصادي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد وزير الطاقة الأميركي يتحدث عبر الاتصال المرئي خلال اجتماع البترول العالمي في الرياض (الشرق الأوسط)

رايت: دعمنا ثابت للسعودية وندين الهجمات «الجبانة» على المملكة

أكد وزير الطاقة الأميركي كريس رايت دعم بلاده «الثابت» للسعودية، مديناً ما وصفه بــ«الهجمات الجبانة» التي استهدفت المملكة، في كلمة له بمؤتمر البترول العالمي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الأمير عبد العزيز بن سلمان يتحدث في افتتاح مؤتمر البترول العالمي (الشرق الأوسط)

وزير الطاقة السعودي: لا مكان للخوف في قاموسنا... ولن نفرّط في فرص تحقيق رؤيتنا

أكد وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، أن المملكة ماضية في تحقيق مستهدفاتها التنموية والتحولية بثقة وعزيمة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد صورة جماعية للمشاركين في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (إكس)

منتدى الطاقة الدولي يؤكد أولوية أمن الإمدادات ويرحب بعودة الولايات المتحدة

أكد المتحدثون في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي أهمية ضمان موثوقية إمدادات الطاقة، وتعزيز الاستثمارات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص دانيال يرغن نائب رئيس مجلس الإدارة في «إس آند بي غلوبال» p-circle 02:20

خاص يرغن لـ«الشرق الأوسط»: استقرار أسواق الطاقة أولوية سعودية

قال خبير الطاقة العالمي دانيال يرغن إن استقرار الأسواق يمثل مبدأً أساسياً في نهج السعودية تجاه الطاقة، مشيراً إلى أن المملكة تنظر إلى السوق على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الأسهم الأوروبية ترتفع بدعم من البنوك وتراجع أسعار النفط

رسم بياني لمؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
رسم بياني لمؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
TT

الأسهم الأوروبية ترتفع بدعم من البنوك وتراجع أسعار النفط

رسم بياني لمؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
رسم بياني لمؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرنكفورت بألمانيا (رويترز)

ارتفعت الأسهم الأوروبية، يوم الاثنين، بقيادة أسهم البنوك، مع تراجع أسعار النفط، وسط آمال بالتوصل إلى هدنة بين روسيا وأوكرانيا تشمل منشآت الطاقة، في حين يترقب المستثمرون انطلاق موسم إعلان نتائج الشركات بحثاً عن محفّزات جديدة للأسواق.

وصعد مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 0.43 في المائة إلى 634.25 نقطة، بحلول الساعة 07:09 بتوقيت غرينتش. وقفز مؤشر «إيبكس» الإسباني، الذي تتمتع أسهم البنوك بوزن كبير فيه، بنسبة 1.3 في المائة، مسجلاً أكبر مكاسب بين المؤشرات الأوروبية الرئيسية، وفق «رويترز».

وتراجعت أسعار النفط، وسط توقعات بزيادة الإمدادات الروسية، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن روسيا وأوكرانيا اتفقتا على وقف الهجمات المتبادلة على منشآت الطاقة، عقب التوصل لاتفاق أميركي روسي بشأن إمدادات الديزل.

كما انخفضت عوائد السندات بمنطقة اليورو، يوم الاثنين، ما عزَّز معنويات المستثمرين تجاه الأصول الأكثر مخاطرة.

ويتطلع المستثمرون إلى تقارير نتائج الشركات الأوروبية، لتقييم أوضاعها المالية والتشغيلية، في ظل استمرار الضبابية الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الاقتراض.

ومن المقرر أن تعلن مجموعة «إل في إم إتش» نتائجها بعد إغلاق الأسواق الأوروبية، في حين يُنتظر أن تعلن شركة «إيه إس إم إل»، المتخصصة في مُعدات صناعة أشباه الموصلات، وشركة الاستثمار «إي كيو تي»، نتائجهما، في وقت لاحق من الأسبوع.

وفي تحركات الأسهم الفردية، ارتفع سهم شركة «نوردكس» بنسبة 2.5 في المائة، بعدما أعلنت الشركة المصنِّعة لتوربينات الرياح البرية زيادة طلبيات مشروعاتها، خلال الربع الثالث، بنسبة 30 في المائة على أساس سنوي.


ميراس: لا يمكن التضحية بأمن الطاقة أو استدامتها أو القدرة على تحمل تكاليفها

بيدرو ميراس يتحدث إلى الحضور مع انطلاق مؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرين في الرياض (الشرق الأوسط)
بيدرو ميراس يتحدث إلى الحضور مع انطلاق مؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرين في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

ميراس: لا يمكن التضحية بأمن الطاقة أو استدامتها أو القدرة على تحمل تكاليفها

بيدرو ميراس يتحدث إلى الحضور مع انطلاق مؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرين في الرياض (الشرق الأوسط)
بيدرو ميراس يتحدث إلى الحضور مع انطلاق مؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرين في الرياض (الشرق الأوسط)

أكد رئيس مجلس البترول العالمي، بيدرو ميراس، أن العالم يحتاج إلى مزيد من الطاقة من مصادر متعددة لمواكبة النمو السكاني والاقتصادي، مشدداً على ضرورة تحقيق التوازن بين أمن الإمدادات والقدرة على تحمل التكاليف والاستدامة والتنمية الاقتصادية، دون التضحية بأي من هذه الأولويات.

وقال ميراس، في كلمته خلال افتتاح مؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرين في الرياض، إن الرياض هي المكان الأكثر ملاءمة لاستضافة المؤتمر، مشيراً إلى الدور المحوري الذي تؤديه السعودية في منظومة الطاقة العالمية، واستمرارها في قيادة الاستثمارات والابتكار والتقدم التكنولوجي في القطاع.

وأضاف أن المؤتمر، الذي يجمع على مدى أربعة أيام قادة الحكومات والصناعة والأوساط الأكاديمية والتكنولوجيا والتمويل والمؤسسات الدولية، يشكل منصة لمناقشة سبل تلبية احتياجات العالم المتزايدة من الطاقة، مع دعم الازدهار والاستدامة والأمن للأجيال المقبلة.

وأشار إلى أن العالم يمر بمرحلة تشهد تحولات عميقة وتحديات كبيرة وفرصاً استثنائية، في ظل توقعات باقتراب عدد سكان العالم من 10 مليارات نسمة بحلول منتصف القرن، وما يصاحب ذلك من زيادة الطلب على الطاقة نتيجة النمو السكاني والتوسع الحضري وتحسن مستويات المعيشة.

وأوضح أن استهلاك الطاقة والتنمية البشرية سارا جنباً إلى جنب على امتداد التاريخ الحديث، إذ أسهم توفر الطاقة في تحسين الصحة والتعليم ومستويات المعيشة، مؤكداً أن مواصلة التقدم البشري تتطلب توفير المزيد من الطاقة.

ولفت إلى أن النفط والغاز لا يزالان يوفران حصة كبيرة من احتياجات العالم من الطاقة، رغم عقود من الابتكار والنمو في التقنيات الجديدة، معتبراً أن ذلك يؤكد حجم التحدي المقبل والحاجة إلى الاستفادة من مصادر الطاقة المتعددة.

أربعة محاور لمستقبل الطاقة

وشدد ميراس على أن التحدي لم يعد يتمثل في المفاضلة بين أمن الطاقة والقدرة على تحمل تكاليفها والاستدامة، بل في تحقيق التقدم في هذه المجالات بالتوازي مع التنمية الاقتصادية.

وقال إن مليارات الأشخاص حول العالم يتطلعون إلى تحسين ظروفهم المعيشية والحصول على خدمات صحية وتعليمية أفضل وفرص اقتصادية أوسع، وهو ما يتطلب إتاحة الطاقة بصورة موثوقة ومواصلة الاستثمار في منظومتها.

وأضاف أن الدول تختلف في ظروفها ومواردها وأولوياتها ومراحلها التنموية، الأمر الذي يستدعي اعتماد مسارات متنوعة لتحقيق مستقبل الطاقة، والاستفادة من مجموعة واسعة من التقنيات والحلول، مشيراً إلى أن هذا التنوع يمثل مصدر قوة.

وأكد أن الحياد التقني يظل أحد المبادئ الأساسية لمجلس الطاقة العالمي للبترول، بما يتيح لمختلف مصادر الطاقة والتقنيات الإسهام في بناء منظومة آمنة وميسورة التكلفة ومستدامة.

الابتكار لا يكفي دون استثمارات وشراكات

وفيما يتعلق بالتطورات التقنية، قال ميراس إن الذكاء الاصطناعي والرقمنة والمواد المتقدمة والوقود الجديد والهيدروجين وتقنيات احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه، إلى جانب تقنيات أخرى، تعيد تشكيل مشهد الطاقة العالمي.

لكنه شدد على أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي لتحقيق التحول المنشود، إذ يتطلب الأمر سياسات فعالة وأطراً تنظيمية مستقرة وقابلة للتنبؤ واستثمارات طويلة الأجل، فضلاً عن تعزيز التعاون الدولي.

وأوضح أن أمن الطاقة يظل أساسياً للنمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي ورفاه الإنسان، وأن التحول الناجح في قطاع الطاقة لا يمكن أن يتحقق دون ضمان أمن الإمدادات، كما أن استدامة هذا الأمن على المدى الطويل تتطلب استثمارات كافية في مختلف مكونات منظومة الطاقة.

وأضاف أن أي دولة أو شركة أو تقنية لا تستطيع بمفردها معالجة تحديات الطاقة العالمية، مؤكداً أهمية الشراكات بين الحكومات والقطاع الصناعي والأوساط الأكاديمية والمؤسسات الدولية.

الرياض منصة للحوار العالمي

وأعرب ميراس عن تقديره للمملكة ووزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، وللجهود التي أسهمت في تنظيم المؤتمر واستضافته في الرياض.

وبيَّن أن مجلس البترول العالمي يوفر، منذ أكثر من 90 عاماً، منصة تجمع الحكومات والصناعة والأوساط الأكاديمية والمؤسسات الدولية لتبادل الأفكار وتعميق الفهم واستكشاف الحلول العملية لتحديات القطاع.

وأشار إلى أن أهمية الحوار والتعاون تتزايد في ظل حالة عدم اليقين والتشرذم التي يشهدها العالم، معرباً عن تطلعه إلى أن تسهم مناقشات المؤتمر في تطوير الشراكات واستكشاف الابتكارات التي ستشكل مستقبل الطاقة.

واختتم بالتأكيد على أن الهدف يتمثل في بناء مستقبل للطاقة لا يترك أحداً خلف الركب، ويحقق التقدم في أمن الإمدادات والقدرة على تحمل التكاليف والاستدامة والتنمية الاقتصادية، استناداً إلى الابتكار والتعاون والاحترام المتبادل.


الروبية الهندية تقفز1 % في بداية الأسبوع بدعم من إجراءات «المركزي»

شعار بنك المركزي الهندي في مومباي (رويترز)
شعار بنك المركزي الهندي في مومباي (رويترز)
TT

الروبية الهندية تقفز1 % في بداية الأسبوع بدعم من إجراءات «المركزي»

شعار بنك المركزي الهندي في مومباي (رويترز)
شعار بنك المركزي الهندي في مومباي (رويترز)

قفزت الروبية الهندية بنحو 1 في المائة، يوم الاثنين، بعدما اتخذ البنك المركزي الهندي إجراءات لتحويل مشتريات شركات النفط من الدولار، بعيداً عن السوق الفورية، والحد من طلب الشركات على الدولار عبر العقود الآجلة، في مسعى لتخفيف الضغوط على العملة المحلية.

وافتتحت الروبية التداولات عند 95.76 مقابل الدولار، مقارنة بإغلاق بلغ 96.73 روبية، يوم الجمعة. وسجّلت العملة الهندية أداءً لافتاً في أسواق الصرف الآسيوية، في وقت تحركت فيه معظم العملات الإقليمية ضِمن نطاقات ضيقة. وعلى الرغم من هذا الارتفاع، فلا تزال الروبية منخفضة بنسبة 6.6 في المائة منذ بداية العام، وفق «رويترز».

وقال اقتصاديون في «سيتي» إن الإجراءات الأخيرة التي اتخذها البنك المركزي قد تؤدي إلى ارتفاع أولي وسريع في قيمة الروبية، يعقبه استقرار نسبي.

وأضافوا، في مذكرة صدرت يوم الاثنين، أن الحزمة الجديدة ترفع الكلفة قصيرة الأجل للمراهنة على انخفاض الروبية، لكنها لا تعالج الضغوط الأساسية في ميزان المدفوعات.

كان بنك الاحتياطي الهندي قد أعلن، يوم السبت، سلسلة تدابير تستهدف مصدرين رئيسيين للضغوط على العملة: الطلب المستمر على الدولار من شركات تسويق النفط، الذي تفاقم بفعل ارتفاع أسعار الخام، وطلب الشركات على التحوّط من مزيد من التراجع بقيمة الروبية.

وقد دفعت توقعات استمرار ضعف العملة المستوردين إلى زيادة مشتريات الدولار عبر العقود الآجلة إلى مستويات قياسية، خلال الشهر الماضي، تحسّباً لارتفاع تكاليف الاستيراد مستقبلاً. وأسهم هذا الطلب على التحوّط، بدوره، في زيادة الضغوط على الروبية، ضمن حلقة متصاعدة من توقعات انخفاض العملة وزيادة التحوّط، بما يعزز ضعفها.

إجراءات أكثر تشدداً من «المركزي»

وفي إطار هذه التدابير، حظر البنك المركزي على الشركات إعادة حجز عقود المشتقات المرتبطة بالروبية التي سبق إلغاؤها، وخفّض الحد المسموح به للمعاملات التي لا تستند إلى تعرّض فعليّ لمخاطر الصرف، كما ألزم المصارف بتخصيص احتياطي نقدي يعادل 20 في المائة من قيمة بعض عقود الصرف الأجنبي. ومِن شأن هذه الخطوات أن ترفع كلفة التحوّط ضد تراجع الروبية.

وأوضح مصرفيون أن متطلبات الاحتياطي لا تشمل جميع معاملات الصرف الأجنبي، بل تقتصر على المعاملات المرتبطة بالحساب الجاري، كما أنها لا تنطبق على الشركات التي تتحوّط من مخاطر القروض التجارية الخارجية، ولا على المستثمرين الأجانب في المحافظ المالية الذين يتحوّطون من مخاطر استثماراتهم في الهند.

وقد تؤدي هذه المتطلبات إلى زيادة كلفة التحوّط لدى المستوردين بما يتراوح بين 80 و150 نقطة أساس، وفق حجم التكاليف الإضافية التي ستنقلها المصارف إلى عملائها، وفقاً للمصرفيين.

استدامة تعافي الروبية لا تزال موضع اختبار

وعلى الرغم من الارتفاع الحاد الذي سجلته الروبية، عقب إعلان الإجراءات، يرى محللون أن استدامة التعافي ستتوقف على مدى انحسار الضغوط الأساسية التي تتعرض لها العملة.

وقال محللون في بنك «إيه إن زد» إن التراجع التدريجي للروبية مرجَّح أن يستأنف مساره ما لم تتحسن الضغوط على ميزان المدفوعات على نطاق أوسع، وذلك بعد انحسار الأثر الأولي للإجراءات الجديدة.

وأبقى البنك على توقعاته بتراجع الروبية على المدى المتوسط، مشيراً إلى أنه سيعيد تقييم توقعاته لمستويات العملة بعد مراجعة بيانات التحوّط من مخاطر الصرف واحتياطات النقد الأجنبي خلال الأسابيع المقبلة.

في هذا السياق، انخفضت احتياطات الهند من النقد الأجنبي إلى 734 مليار دولار، في 2 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، بعدما سجلت مستوى قياسياً بلغ 785 مليار دولار في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وكانت الاحتياطات قد تعززت بتدفقات تجاوزت 140 مليار دولار، جُمعت من خلال تدابير حكومية استهدفت جذب رؤوس الأموال من الهنود المقيمين بالخارج، إلى جانب الاقتراض الخارجي للمصارف والشركات المملوكة للدولة.