ماذا لو أخبرك الطبيب، قبل أن تدخل غرفة العمليات، بأن هناك نظاماً ذكياً يتوقع أنك أكثر عرضة للإصابة بفشل كلوي، أو التهاب رئوي، أو نزيف خطير بعد الجراحة؟ وماذا لو منح هذا التحذير المبكر الفريق الطبي ساعات ثمينة لتغيير خطة العلاج، فيحول دون وقوع المضاعفات قبل أن تبدأ؟

تطبيقات مطورة
حتى وقت قريب بدا هذا المشهد أقرب إلى الخيال العلمي. أما اليوم، فقد أصبح أحد أسرع تطبيقات الذكاء الاصطناعي تطوراً في الطب، إذ لم يعد الهدف تشخيص المرض فحسب، بل استباق المضاعفات المحتملة قبل حدوثها، لتتحول الجراحة من علاج للمشكلات إلى محاولة لمنعها.
ولم يعد الحديث يدور حول روبوت جراحي، أو برنامج يقرأ صور الأشعة، بل عن خوارزميات تحلل آلاف البيانات السريرية لكل مريض خلال ثوانٍ، لتقدّر احتمالات حدوث مضاعفات خطيرة بعد العملية، وتمنح الفريق الطبي فرصة لاتخاذ إجراءات وقائية قد تغيّر مسار العلاج، وربما تنقذ حياة المريض.
وفي هذا السياق، خصصت مجلة «أخبار علم التخدير» (Anesthesiology News) في عدد يونيو (حزيران) 2026 ملفاً موسعاً لهذا التحول، استعرضت فيه أحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي في طب الفترة المحيطة بالجراحة، مشيرة إلى أن هذه الأنظمة قد تصبح خلال السنوات المقبلة جزءاً أساسياً من تقييم المرضى قبل العمليات الجراحية.
من علاج المضاعفات إلى منعها
تعتمد هذه الأنظمة على فكرة تبدو بسيطة، لكنها بالغة التعقيد في تنفيذها. فهي تجمع السجل الطبي الإلكتروني، ونتائج التحاليل، وصور الأشعة، والعلامات الحيوية، والأدوية، والأمراض المزمنة، ونوع العملية، ومدة التخدير، ثم تحللها جميعاً في لحظات، لتبني «خريطة للمخاطر» الخاصة بكل مريض قبل أن تبدأ الجراحة.
وتشير مراجعة علمية نُشرت عام 2025 في مجلة «العناية الحرجة» (Critical Care) إلى أن نماذج التعلم الآلي أصبحت قادرة على التنبؤ بطيف واسع من مضاعفات ما بعد الجراحة، من بينها إصابة الكلى الحادة، والإنتان (تعفن الدم)، وفشل الجهاز التنفسي، والإقامة الطويلة في وحدات العناية المركزة، فضلاً عن احتمالات الوفاة بعد العمليات الكبرى، وذلك بدقة تفوق في كثير من الحالات النماذج الإحصائية التقليدية.
لكن القيمة الحقيقية لهذه الأنظمة لا تكمن في أنها «تتنبأ بالمستقبل»، بل في أنها تمنح الطبيب فرصة للتدخل قبل أن يتحول الاحتمال إلى واقع، فيصبح الوقت نفسه جزءاً من العلاج.
عندما تكسب الخوارزمية سباق الزمن
قد يكون الفارق بين نجاح العملية وظهور مضاعفاتها مجرد ساعات، وربما دقائق. فإذا أظهرت الخوارزمية أن مريضاً معيناً معرض بدرجة مرتفعة للإصابة بقصور كلوي بعد الجراحة، فإن طبيب التخدير يستطيع تعديل خطة إعطاء السوائل، أو تغيير بعض الأدوية، وقد يختار الجرّاح أسلوباً جراحياً أقل إجهاداً للجسم، بينما يستعد فريق العناية المركزة مبكراً لاستقبال المريض إذا استدعت حالته ذلك.
وهكذا لا يعمل الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، بل إنه نظام إنذار مبكر يمنحه وقتاً إضافياً لاتخاذ القرار المناسب قبل أن تتحول عوامل الخطر إلى مضاعفات حقيقية.

دراسة غيّرت طريقة التفكير
لم يولد هذا التوجه بين ليلة وضحاها، بل استند إلى سلسلة من الدراسات التي أعادت النظر في كيفية تقييم أخطار العمليات الجراحية. ومن أبرزها دراسة «ماي سيرجري ريسك» (MySurgeryRisk) التي نُشرت في مجلة «حوليات الجراحة» (Annals of Surgery) بقيادة الباحثة الأميركية أزرا بيهوراك، حيث نجح النظام في التنبؤ بثمانٍ من أهم مضاعفات ما بعد الجراحة، إضافة إلى احتمالات الوفاة، والحاجة إلى العناية المركزة، اعتماداً على تحليل عشرات الآلاف من السجلات الطبية.
ومنذ ذلك الحين، تسارعت الأبحاث بصورة لافتة، وأصبحت الجامعات والمراكز الطبية تطور نماذج أكثر تقدماً تستفيد من البيانات اللحظية التي تجمعها أجهزة المراقبة داخل غرفة العمليات، بحيث يتغير تقدير الخطورة باستمرار مع تغير حالة المريض، بدلاً من الاعتماد على تقييم واحد يُجرى قبل بدء الجراحة.
لماذا لا يزال الطريق طويلاً؟
إذا كانت نتائج الذكاء الاصطناعي بهذه الدرجة من الدقة، فلماذا لم يصبح حتى اليوم جزءاً من كل غرفة عمليات؟ هذا هو السؤال الذي تناولته مراجعة منهجية حديثة نشرتها مجلة «تخدير وعناية مركزة–بي إم سي» (BMC Anaesthesiology) في يونيو 2026، وخلصت إلى أن التحدي لم يعد في قدرة الخوارزميات على التنبؤ، بل في التحقق من أدائها في مستشفيات وبيئات سريرية مختلفة، وضمان قدرتها على تفسير أسباب توصياتها، ووضع أطر تنظيمية وأخلاقية واضحة تحكم استخدامها في اتخاذ القرار الطبي.
فالثقة في الطب لا تُبنى على دقة الأرقام وحدها، بل على قدرة الطبيب على فهم منطق الخوارزمية، وتفسير نتائجها، والحكم على مدى ملاءمتها لحالة كل مريض. فحتى أكثر الأنظمة ذكاءً لا تستطيع أن تحل محل الخبرة السريرية، وإنما تعززها.

ماذا عن العالم العربي؟
ومع تسارع مشاريع التحول الرقمي في القطاع الصحي بالمملكة العربية السعودية ودول الخليج، تبدو الفرصة كبيرة لتوظيف هذه التقنيات في تعزيز سلامة المرضى، والحد من مضاعفات العمليات الجراحية، خاصة مع التوسع في السجلات الصحية الإلكترونية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
لكن النجاح لن يتحقق بمجرد استيراد الخوارزميات، بل يتطلب تدريبها على بيانات تمثل المرضى العرب، مع مراعاة الخصائص الوراثية، وأنماط الأمراض، والعوامل البيئية والاجتماعية التي قد تؤثر في دقة التنبؤات. فالذكاء الاصطناعي الذي يتعلم من بيانات لا تشبه مرضانا قد لا يقدم الأداء نفسه عند تطبيقه في مستشفياتنا.
ولهذا، فإن بناء قواعد بيانات عربية عالية الجودة لم يعد ترفاً علمياً، بل أصبح استثماراً استراتيجياً في سلامة المرضى، وخطوة أساسية نحو تطوير ذكاء اصطناعي يعكس واقع أنظمتنا الصحية، ويستجيب لاحتياجات مجتمعاتنا.
الإنسان... صاحب القرار الأخير
قد يأتي يوم تبدأ فيه كل عملية جراحية بتقرير يصدره الذكاء الاصطناعي، يحدد خلال ثوانٍ احتمالات النجاح والمضاعفات بدقة متزايدة.
لكن هذا التقرير سيظل أداة لدعم القرار، ولن يكون بديلاً عن الإنسان. فالخوارزمية تستطيع تحليل ملايين البيانات في لحظات، لكنها لا تستطيع أن تطمئن مريضاً قلقاً، أو تفهم قيمه، وتفضيلاته، أو تتحمل المسؤولية الأخلاقية عن القرار النهائي.
ولهذا، فإن مستقبل الجراحة لن يكون صراعاً بين الطبيب والآلة، بل شراكة جديدة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي عيناً إضافية تستشرف ما قد يغيب عن العين البشرية، بينما يبقى الطبيب العقل الذي يزن الأدلة، والضمير الذي يتحمل مسؤولية القرار.
وربما لن يكون أعظم إنجاز للذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة أنه سيجعل الجراحة أكثر تطوراً، بل في أنه قد يمنح الطبيب فرصة ثمينة لمنع المضاعفات قبل وقوعها.
