عندما يدخل الذكاء الاصطناعي في جسم الإنسان

شرائح ذكية تراقب أعضاءنا وتفسِّر إشاراتها... وقد تتدخل علاجياً في الزمن الحقيقي

غرسة ذكية داخل الجسم... حين يراقب الذكاء الاصطناعي القلب ويستجيب لإشاراته
غرسة ذكية داخل الجسم... حين يراقب الذكاء الاصطناعي القلب ويستجيب لإشاراته
TT

عندما يدخل الذكاء الاصطناعي في جسم الإنسان

غرسة ذكية داخل الجسم... حين يراقب الذكاء الاصطناعي القلب ويستجيب لإشاراته
غرسة ذكية داخل الجسم... حين يراقب الذكاء الاصطناعي القلب ويستجيب لإشاراته

ماذا لو لم يعد الذكاء الاصطناعي برنامجاً نفتح تطبيقه، أو نظاماً يستعين به الطبيب على شاشة في المستشفى؛ بل أصبح جزءاً مزروعاً داخل جسم الإنسان؛ يراقب القلب باستمرار، ويقرأ إشاراته الفسيولوجية، ويرصد تغيراً خطراً قبل أن نشعر به، ثم يساعد على تعديل العلاج في اللحظة المناسبة؟

قد يبدو هذا المشهد أقرب إلى الخيال العلمي، ولكن الطب بدأ يقترب منه بالفعل. فمن أجهزة منظمات ضربات القلب ومراقبة القلب المزروعة، إلى المستشعرات الحيوية الدقيقة والواجهات العصبية وأنظمة توصيل الدواء القابلة للبرمجة، تتطور الغرسات الطبية من أجهزة تؤدي وظيفة محددة إلى منصات قادرة على جمع تدفق مستمر من البيانات من داخل الجسم.

والخطوة الأكثر إثارة ليست مجرد أن تستشعر هذه الأجهزة ما يحدث؛ بل أن تتمكن من تفسيره والاستجابة له. وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي إلى المشهد، حاملاً معه احتمال الانتقال من الغرسة الطبية التي تنتظر أمراً خارجياً إلى نظام ذكي يستطيع التعرف على الأنماط، وتقدير الخطر، والمساهمة في اتخاذ استجابة علاجية في الزمن الحقيقي.

هذا التحول تناولته مراجعة علمية نُشرت في مجلة «Intelligence & Robotics» في 19 أغسطس (آب) 2026، حول «الغرسات الذكية» والشرائح الدقيقة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مع تركيز خاص على تطبيقاتها في جراحة القلب والصدر.

وتطرح المراجعة رؤية لمستقبل تلتقي فيه الإلكترونيات الدقيقة والمستشعرات الحيوية والاتصالات اللاسلكية والمواد المتوافقة حيوياً مع خوارزميات الذكاء الاصطناعي، بما قد يعيد رسم العلاقة بين جسم الإنسان والتكنولوجيا الطبية.

من جهاز مزروع إلى نظام ذكي

عرف الطب الأجهزة المزروعة منذ عقود، ولعل منظم ضربات القلب أشهر أمثلتها. ولكن التحول الجاري اليوم لا يتعلق فقط بتصغير حجم الجهاز ولا إطالة عمر بطاريته؛ بل بإضافة طبقة جديدة من «الذكاء» إلى ما يستطيع أن يراه ويفهمه من داخل الجسم.

إن الغرسات الحديثة قادرة على التقاط تدفق متواصل من الإشارات الفسيولوجية. وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحلل هذه البيانات، ويتعرف على الأنماط غير الطبيعية، ويرصد تغيرات قد تسبق ظهور المشكلة سريرياً، وصولاً إلى نماذج أكثر تقدماً قد تساعد مستقبلاً على تكييف العلاج مع حالة المريض لحظة بلحظة.

وفي القلب، تستعرض المراجعة طيفاً يمتد من أجهزة مراقبة القلب المزروعة ومنظمات ضربات القلب اللاسلكية، إلى مستشعرات الضغط الدقيقة، وتقنيات رصد اضطرابات النظم، ومراقبة أجهزة دعم الدورة الدموية.

وتمتد الفكرة إلى جراحة الصدر وزراعة الرئة؛ حيث يجري استكشاف مستشعرات حيوية ومنصات ميكروفلويدية (ميكروسائلة) دقيقة، وهي شرائح صغيرة تمر عبر قنواتها المجهرية كميات ضئيلة جداً من سوائل الجسم لتحليلها ورصد التغيرات الحيوية فيها، بما قد يساعد على التقاط مؤشرات مبكرة للعدوى أو رفض العضو المزروع، وربما عودة الورم.

لكن هذه الصورة المستقبلية تحتاج إلى قدر من الحذر. فليس كل جهاز مزروع يمثل جهازاً «ذكياً»، وليس كل ما يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليله اليوم قادراً على اتخاذ قرار علاجي من داخل الجسم. وبعض هذه التقنيات دخل بالفعل الممارسة السريرية، في حين لا تزال تطبيقات أخرى في المختبر، أو في مراحل البحث والتطوير. والفارق بين الاثنين أساسي لفهم أين يقف الطب اليوم، وإلى أين يمكن أن يصل غداً.

الحلقة المغلقة... حين يستشعر الجهاز ويحلِّل ويتدخل علاجياً

الحلقة العلاجية المغلقة

لعل أكثر المفاهيم إثارة في هذا المجال ما يُعرف بـ«النظام العلاجي ذي الحلقة المغلقة» (Closed-loop therapeutic system)؛ وهو نظام لا يكتفي بمراقبة الجسم؛ بل يستخدم ما يرصده لتوجيه استجابة علاجية ثم يتحقق من نتيجتها.

في المسار الطبي المعتاد، تظهر الأعراض أو تصل نتائج الفحوص، فيراجع الطبيب المعلومات ويتخذ القرار العلاجي. أما في الحلقة المغلقة، فتختصر التكنولوجيا جزءاً من هذه الدورة: يستشعر الجهاز تغيراً داخل الجسم، وتحلل الخوارزمية الإشارة، ثم ينفِّذ النظام استجابة علاجية محددة ضمن حدود مبرمجة مسبقاً، قبل أن يعيد القياس ليرى كيف استجاب الجسم.

وهكذا تتكون حلقة متواصلة: استشعار- تحليل- استجابة- قياس جديد. أي أننا ننتقل من جهاز يسجِّل ما يحدث داخل الجسم إلى نظام يمكنه -في تطبيقات محددة- تفسير الإشارة والاستجابة لها ومراقبة نتيجة استجابته.

وتناقش المراجعة إمكانية أن تقود هذه الفكرة مستقبلاً إلى أنظمة تعدِّل بعض معايير تنظيم ضربات القلب أو دعم الدورة الدموية، أو تتحكم في توصيل الدواء استناداً إلى البيانات الفسيولوجية المتدفقة من جسم المريض نفسه. ولكن جانباً مهماً من هذه التطبيقات المتقدمة لا يزال في مراحل البحث والتطوير، وتواجهه تحديات تتعلق بالطاقة وعمر الغرسة، والتوافق مع أنسجة الجسم، ودقة الخوارزمية، والأهم سلامة أي قرار علاجي يُتَّخذ بصورة آلية داخل جسم الإنسان.

حين يصبح جسم الإنسان مصدراً دائماً للبيانات

حين يصبح الجسم مصدراً دائماً للبيانات

ويحمل هذا التطور تحولاً طبياً أعمق: الانتقال من الطب القائم على لقطات متفرقة إلى المراقبة الفسيولوجية المستمرة. فالطبيب يرى المريض عادة في أوقات محددة، ويعتمد في كثير من قراراته على تخطيط أو تحليل أو صورة تلتقط حالة الجسم في لحظة زمنية معينة.

ولكن ماذا يحدث بين زيارة وأخرى؟ هنا تبرز قيمة الغرسات الذكية؛ إذ يمكنها، حسب نوعها ووظيفتها، متابعة مؤشرات محددة على امتداد ساعات أو أيام، حتى عندما يكون المريض بعيداً عن المستشفى.

ولا تكمن القيمة في جمع مزيد من البيانات فحسب؛ بل في القدرة على البحث داخل هذا التدفق المستمر عن تغيرات صغيرة أو أنماط متكررة قد لا تظهر في الفحص العابر. وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد على التمييز بين التقلبات الطبيعية والإشارات التي تستحق الانتباه، وربما رصد مؤشرات مبكرة تسبق بعض التراجعات السريرية.

وهكذا قد نقترب من طب أكثر تنبؤاً وشخصنة؛ فلا يعود السؤال فقط: «ماذا حدث للمريض؟»؛ بل يصبح أيضاً: «هل تستطيع الإشارات الدقيقة الصادرة من داخل جسمه أن تنبهنا إلى ما قد يحدث قبل أن يتحول إلى أزمة؟».

ولكن... من يحكم الخوارزمية داخل الجسم؟

هنا تبدأ القضية الأكثر حساسية. إذا أخطأَتْ خوارزمية تقدم توصية على شاشة الطبيب، فإن الطبيب يستطيع مراجعتها أو رفضها. ولكن ماذا لو أصبحت الخوارزمية جزءاً من نظام مزروع داخل الجسم، وقادراً على التأثير مباشرة في وظيفة فسيولوجية أو في جرعة علاجية؟ عندها لا يعود الخطأ مجرد توصية غير دقيقة على شاشة؛ بل قد يتحول إلى فعل يحدث داخل جسم المريض.

وهذا يفتح أسئلة لم يكن الطب التقليدي مضطراً إلى طرحها بهذه الصورة: من يحدد حدود استقلالية النظام؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا أخطأ؟ وكيف تُحدَّث الخوارزمية بعد زرع الجهاز من دون إدخال مخاطر جديدة؟ ومن يملك التدفق المستمر من البيانات التي ينتجها جسم المريض؟ والأكثر حساسية: ماذا لو تعرضت غرسة متصلة لاسلكياً لاختراق أو تلاعب سيبراني؟

وتضع المراجعة الأمن السيبراني، وملكية البيانات، واستقلالية المريض، وشفافية الخوارزميات، والتنظيم القانوني، ضمن التحديات الجوهرية أمام الجيل المقبل من الغرسات الذكية. كما تثير سؤالاً يتجاوز الطب إلى الأخلاق: أين ينتهي علاج المرض، ويبدأ استخدام التكنولوجيا لتعزيز قدرات الإنسان؟

وهكذا قد تدخل حوكمة الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة. فبعد أن انشغلنا بكيفية تنظيم الخوارزميات في المستشفيات والسجلات الطبية وقواعد البيانات، قد يصبح علينا مستقبلاً أن نضع قواعد لتكنولوجيا ذكية لا تعمل أمام الإنسان فحسب؛ بل تعمل فعلياً داخل جسده.

حين تتلاشى الحدود بين الإنسان والآلة

حدود جديدة بين الإنسان والآلة

لا يعني ذلك أننا على وشك زرع «عقول اصطناعية» مستقلة داخل أجسام البشر، فكثير من التطبيقات التي تستعرضها البحوث لا يزال في مراحل متفاوتة من التطوير، ويحتاج إلى إثبات الفاعلية والسلامة والاستقرار على المدى الطويل قبل أن يصبح جزءاً من الممارسة الطبية اليومية.

لكن اتجاه البحث أصبح واضحاً: الغرسة الطبية لم تعد تُصمم بالضرورة بوصفها مكوِّناً إلكترونياً يؤدي وظيفة واحدة فحسب؛ بل تتجه بعض التقنيات نحو أن تصبح واجهة بين العالمين البيولوجي والرقمي؛ تستشعر ما يحدث داخل الجسم، وتحوله إلى بيانات يمكن تحليلها، وربما تستخدم نتائج ذلك التحليل لتوجيه استجابة محددة.

وهنا قد يكون التحول الأعمق في طب المستقبل: الانتقال من جهاز ينتظر وقوع المشكلة كي يسجلها، إلى نظام يحاول رصد التغير قبل أن يتحول إلى أزمة، والتكيف مع احتياجات المريض بصورة أكثر استمرارية وشخصنة.

لكن كلما اقتربت التكنولوجيا من الجسم، واقتربت الخوارزمية من القرار العلاجي، ازدادت أهمية الحدود التي نضعها لها. لذلك قد لا يكون السؤال الأصعب في عصر الغرسات الذكية: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل داخل جسم الإنسان؟ بل: إلى أي مدى نسمح له بأن يفعل ذلك؟ ومن يظل صاحب القرار الأخير؟


مقالات ذات صلة

جهات رقابة مصرفية في أميركا وأوروبا تكثف التدقيق بشأن الذكاء الاصطناعي

الاقتصاد مقر «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن حيث يقوم بالتدقيق مع بنوك أميركية بشأن الذكاء الاصطناعي (رويترز)

جهات رقابة مصرفية في أميركا وأوروبا تكثف التدقيق بشأن الذكاء الاصطناعي

تكثف الجهات التنظيمية للخدمات المصرفية في أميركا وأوروبا، جهودها لاحتواء المخاطر المتزايدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد كريستوفر والر عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (رويترز)

والر: قوة الاقتصاد والذكاء الاصطناعي والدين الحكومي وراء صعود عوائد السندات

قال كريستوفر والر، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الثلاثاء، إن الارتفاع الأخير في عوائد السندات الأميركية يعكس قوة النمو الاقتصادي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد جانب من الجلسة الحوارية التي ناقشت ترابط الطاقة مع تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن مؤتمر البترول العالمي في الرياض (الشرق الأوسط)

مؤتمر البترول العالمي يناقش دور الطاقة في تمكين الذكاء الاصطناعي

ناقشت جلسة حوارية ضمن أعمال النسخة الخامسة والعشرين من مؤتمر البترول العالمي، دور الطاقة في تمكين الذكاء الاصطناعي والعلاقة المتبادلة بين القطاعين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقرار العقود الآجلة لـ«ستاندرد آند بورز»... وضغوط الرقائق تخيّم على «ناسداك»

اتسم أداء العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بالاستقرار إلى حد كبير الثلاثاء مع ترقب المستثمرين نتائج أعمال كبرى البنوك الأميركية

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد زوار يتفاعلون مع روبوت ذكي في معرض للتكنولوجيا المتقدمة بمدينة تشيبا اليابانية (إ.ب.أ)

طفرة الذكاء الاصطناعي تنعش التجارة العالمية

أصبحت طفرة الذكاء الاصطناعي محركاً رئيسياً لنمو التجارة العالمية بعدما أدى الطلب المتسارع على الرقائق إلى تعزيز الصادرات والاستثمارات الآسيوية

«الشرق الأوسط» (عواصم)

هل كانت صحة الأمعاء البشرية أفضل في العصور القديمة؟

نساء «تسيماني» يحضرن الغذاء
نساء «تسيماني» يحضرن الغذاء
TT

هل كانت صحة الأمعاء البشرية أفضل في العصور القديمة؟

نساء «تسيماني» يحضرن الغذاء
نساء «تسيماني» يحضرن الغذاء

​أفاد العلماء أخيراً بأن الميكروبيوم البشري -وهو تريليونات الميكروبات التي تعيش في أمعائنا- كان نظاماً بيئياً مستقراً في عشرات آلاف السنين قبل أن يشهد تغيرات سريعة في الدول الصناعية، ما يثير مخاوف صحية محتملة لدى الإنسان المعاصر.

600 نوع مفقود من البكتيريا

وفي دراسة أجريت على الأفارقة وسكان أميركا الجنوبية، حدد الباحثون أكثر من 600 نوع من البكتيريا التي ربما كانت شائعة بالأمعاء في الماضي، ولكنها الآن نادرة أو غائبة تماماً عن معظم المجتمعات اليوم. وقال جاستن سوننبرغ، عالم الميكروبيوم في جامعة ستانفورد، وأحد مؤلفي الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة «نتشر»، إن كثيراً من هذه الميكروبات ربما أفادت صحة الإنسان.

تغير الميكروبيوم ربما ساهم في زيادة بعض الاضطرابات الشائعة

وتكهن بأن تغير الميكروبيوم ربما ساهم في زيادة بعض الاضطرابات الشائعة في العالم الصناعي، من الحساسية إلى الخرف.

وتساءل سوننبرغ: «ما مدى خطورة هذا التغيير الكبير في الميكروبيوم الخاص بنا؟ أعتقد أن هذه الدراسة تشير إلى أن الوضع قد يكون خطيراً للغاية».

كان لدى أسلافنا الأوائل، الشبيهين بالقردة، ميكروبيوم مُتكيف مع نظام غذائي يعتمد على النباتات النيئة واللحوم. ويُعتقد أن تركيبه قد تغير منذ مئات آلاف السنين، عندما بدأ الإنسان القديم الطهي باستخدام النار. ومع انتشار البشر من أفريقيا قبل نحو 50 ألف عام، كانوا لا يزالون يعيشون على الحيوانات التي يصطادونها والنباتات البرية التي يجمعونها. ولم يبدأ المزارعون في استئناس المحاصيل إلا قبل نحو 10 آلاف عام، ما أدى على الأرجح إلى تغيير آخر في الميكروبيوم.

أطعمة السكر والحبوب المكررة: تغيير جوهري في العقود الأخيرة

في العقود الأخيرة، بدأ مليارات البشر تناول أطعمة غنية بالسكر والحبوب المكررة. وقد يكون للطب الحديث أيضاً تأثير عميق، فقد أنقذت المضادات الحيوية أرواحاً لا حصر لها، ولكنها قد تُدمر أيضاً الميكروبات المفيدة في الأمعاء.

أطفال «تسيماني» يوقدون الناس لتحضير الطعام

ولرسم تاريخ الميكروبيوم البشري، درس سوننبرغ وزملاؤه مجتمعات حول العالم في مستويات مختلفة من التصنيع. وظهر بعضٌ من أكثر النتائج إثارة للدهشة من قبيلة «هادزا»، وهي مجموعة صغيرة من الصيادين وجامعي الثمار في تنزانيا. ومن خلال دراسة عينات براز من متطوعين من «هادزا»، وجد سوننبرغ وزملاؤه طيفاً واسعاً من البكتيريا.

يقول سوننبرغ: «يوجد نحو 270 نوعاً من البكتيريا في براز الشخص العادي في كاليفورنيا، ونحو 730 نوعاً في براز الشخص العادي من (هادزا)».

التنوُّع... والندرة

والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو تنوُّع هذه الأنواع. فكثير منها نادر أو غير موجود تماماً في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الصناعية. وتساءل سوننبرغ وزملاؤه عن مدى تشابه الميكروبيوم لدى «هادزا» اليوم مع الميكروبات التي كانت تحملها شعوب الصيد وجمع الثمار القديمة. وقرر وفريقه مقارنة «هادزا» بشعوب أخرى لا تزال تتبع نمط حياة مشابهاً.

وبدأ العلماء بالتعاون مع علماء أنثروبولوجيا يدرسون مجموعة بوليفية تُدعى «تسيماني» يعيش أفرادها في قرى نائية في الأمازون؛ حيث يديرون مزارع صغيرة مع استمرارهم في الصيد وجمع الثمار. وبينما تتشابه ثقافات «هادزا» و«تسيماني» إلى حد ما، فإن تاريخهما مختلف تماماً؛ إذ ينحدر شعب «تسيماني» من شعوب غادرت أفريقيا قبل 50 ألف عام، وعبرت إلى الأميركتين قبل نحو 15 ألف عام. أما شعب «هادزا» فيقتصر أصله بالكامل على أفريقيا.

بكتيريا تستوطن الأمعاء منذ عشرات آلاف السنين

استخدم سوننبرغ وزملاؤه أساليب جديدة متطورة للكشف عن الحمض النووي البكتيري في عينات براز من شعب «تسيماني»، وقارنوا النتائج بتلك الموجودة لدى شعب «هادزا». ووجد الباحثون 848 نوعاً بكتيرياً مشتركاً بين المجموعتين، ولكنه نادر أو غائب في الدول الصناعية. ثم قاموا بتحليل 636 نوعاً كانت وفيرة بشكل خاص في العينات.

وجد العلماء أن كل نوع من هذه الأنواع يميل إلى حمل طفرات مميزة، اعتماداً على ما إذا كان موجوداً لدى شعب «هادزا» أو «تسيماني». ويشير هذا النمط إلى أن هذه الأنواع الميكروبية كانت تستوطن أمعاء الصيادين وجامعي الثمار منذ عشرات آلاف السنين.

ولا يزال شعب «هادزا» يحملها حتى اليوم، بفضل نمط حياتهم كصيادين وجامعي ثمار. ولكن أسلاف شعب «تسيماني» هاجروا عبر جسر بيرينغ البري إلى الأميركتين قبل 15 ألف عام، وربما قبل ذلك. وحال هذا الانفصال الجغرافي دون انتقال الميكروبات من سكان العالم القديم إلى الأميركتين. واستمر أسلاف «تسيماني» من الصيادين وجامعي الثمار في حمل بعض الأنواع نفسها التي حملها أسلافهم، ولكن البكتيريا الخاصة بهم اكتسبت طفرات مميزة على مر آلاف السنين.

وتشير النتائج مجتمعة إلى أن الصيادين وجامعي الثمار تشاركوا نظاماً بيئياً مميزاً من ميكروبات الأمعاء عشرات آلاف السنين. يقول سوننبرغ: «ربما تأثرت بيولوجيتنا إلى حد بعيد بهذه الميكروبات».

بكتيريا الأسلاف وتدريب الجهاز المناعي

ربما كانت البكتيريا القديمة مهمة لتدريب أجهزتنا المناعية، على سبيل المثال، أو لتخليق المركَّبات التي يحتاج إليها جسمنا. ومع اختفاء بعض الميكروبات في المجتمعات الحديثة، حلَّت محلها ميكروبات جديدة. قد يؤثر هذا التحول على صحتنا. ويقول سوننبرغ: «ينتهي بك الأمر بميكروبيوم مختلف تماماً عما اعتاد عليه جينومك البشري»، ما قد يؤدي إلى التهابات وتغيرات غير صحية أخرى.

من جهته يقول مايكل غورفن، عالم الأنثروبولوجيا في جامعة كاليفورنيا بسانتا باربرا، وأحد مؤلفي الدراسة الجديدة، إن الميكروبيوم القديم قد يساعد في تفسير سبب تمتع شعب «تسيماني» بحماية من أمراض القلب وغيرها من الأمراض المزمنة. ولكن ماري كلير أرييتا، عالمة الميكروبيوم في جامعة ألبرتا، والتي لم تشارك في البحث، حذَّرت من أن سكان الدول الصناعية لا ينبغي لهم محاولة استزراع ميكروبيوم يشبه ميكروبيوم مجتمعات الصيد وجمع الثمار؛ إذ لا يعرف العلماء الكثير عن الميكروبات المعوية الـ636 المدرجة في قائمة سوننبرغ، ولا عن الأضرار المحتملة التي قد تسببها. وقالت: «هناك احتمالية كبيرة لانتقال العدوى».

بدلاً من ذلك، فضَّلت أرييتا التعرُّف على الوظائف المفيدة التي تؤديها الميكروبات القديمة في جسم الإنسان، وإيجاد طرق لاستعادة تلك الوظائف تحديداً. وأضافت: «إن فكرة العودة إلى الميكروبيوم القديم تبدو غير منطقية، ولكن من المؤكد أن دراستها ضرورية لفهم بعض هذه الوظائف الميكروبية التي فُقدت».

* خدمة «نيويورك تايمز».


العالِم الذي أسهم في اكتشاف «إيبولا» قبل 50 عاماً... لا يزال قلقاً من انتشاره

موظفان صحيان في مستشفى روامبارا العام بمحافظة آيتوري - الكونغو الديمقراطية
موظفان صحيان في مستشفى روامبارا العام بمحافظة آيتوري - الكونغو الديمقراطية
TT

العالِم الذي أسهم في اكتشاف «إيبولا» قبل 50 عاماً... لا يزال قلقاً من انتشاره

موظفان صحيان في مستشفى روامبارا العام بمحافظة آيتوري - الكونغو الديمقراطية
موظفان صحيان في مستشفى روامبارا العام بمحافظة آيتوري - الكونغو الديمقراطية

في خريف عام 1976 وصلت علبة بلاستيكية زرقاء تحتوي على قارورتين زجاجيتين إلى معهد الطب الاستوائي في أنتويرب في بلجيكا. انكسرت إحدى القارورتين أثناء النقل، فتسرب محتواها الدموي إلى الثلج شبه الذائب داخل القارورة. أما الأخرى، فكانت لا تزال تحتوي على دم راهبة فلمنكية توفيت بمرض غامض في يامبوكو، في زائير، الكونغو حالياً. ومع العلبة وُضعت ملاحظة صغيرة مكتوبة بخط اليد مرفقة بالقارورتين، وقد تسربت الكتابة جزئياً إلى الماء المثلج، كُتب عليها: «حمى صفراء؟».

وقد أوكلت مهمة تحديد ما إذا كانت المرأة قد توفيت بالفعل بسبب الحمى الصفراء إلى عالم بلجيكي أصغر أعضاء فريق المعهد، الذي يبلغ من العمر 27 عاماً.

طبيبان بلجيكي وكونغولي يرصدان «إيبولا»

لكنه لم يكن الوحيد المعنيّ بالأمر؛ إذ جمع الدكتور جان جاك مويمبي، وهو طبيب كونغولي تلقى تدريبه في بلجيكا، العينات وأرسلها إلى المختبر. وساعد باحثون آخرون في أنتويرب ويامبوكو على عزل الفيروس من العينة وتحديد خصائص تفشي المرض.

يوم الأحد الماضي مرَّت خمسون عاماً بالضبط على اللحظة التي كان بيوت واثنان آخران أول من اطلع على «الجاني»: فيروس كبير ونحيل، سيُعرف لاحقاً بأنه من بين أخطر مسببات الأمراض التي يمكن أن تنتجها الطبيعة، كما كتب أبورفا ماندفيلي (*).

أطلق الفريق عليه اسم «إيبولا» Ebola، نسبةً إلى نهر قرب مركز تفشي المرض كان قد أودى بحياة الراهبة وعشرات آخرين. وعلى مر السنين، اكتشف العلماء أن لـ«إيبولا» أشكالاً متعددة، تسببت مجتمعةً في وفاة عشرات الآلاف من الأشخاص. وقد تسبب تفشي فيروس بونديبوغيو Bundibugyo الحالي في الكونغو أيضاً، في إصابة ما يقرب من 9000 شخص ووفاة أكثر من 4200 شخص حتى 6 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

بعد أقل من عِقد من اكتشافه فيروس «إيبولا»، أصبح الدكتور بيوت شخصية بارزة في تاريخ فيروس فتاك آخر: فيروس نقص المناعة البشري (الإيدز)، في أوائل ثمانينات القرن الماضي، كشف عمله في أفريقيا عن أن فيروس نقص المناعة البشرية لم يكن مرضاً يصيب الرجال المثليين فقط، كما كان يعتقد الكثيرون آنذاك. وفي عام 1995، أصبح أول مدير لبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز (UNAIDS)، ويُنسب إليه الفضل في مساعدة العالم على فهم أن المرض كان يفتك ببعض أفقر سكان العالم وأكثرهم تهميشاً.

د. بيتر بيوت

حوار علمي

يبلغ بيوت الآن 77 عاماً، وهو رئيس مبادرة «إعادة ضبط أكرا Accra Reset»، وهي جهد دولي لإصلاح الصحة العالمية انطلاقاً من سيادة الدول. وخلال مقابلة أجريت معه في نيويورك الشهر الماضي، تحدث بإسهاب عن التهديد المستمر للأمراض المعدية وضرورة تغيير طريقة تعامل العالم معها. وفيما يلي مقتطفات من المحادثة:

س: حدّثنا عن اكتشافك عام 1976، الذي وصفته بأنه لحظة إدراك مفاجئة.

ج: في ذلك الوقت، لم يكن بالإمكان عزل الفيروس فيما كان يُسمى آنذاك دولة زائير. لم يكن هناك مختبر قادر على ذلك. لم نكن نملك أي فكرة عما كان موجوداً هناك. كان لدينا اسم المريض والطبيب، وهذا كل شيء.

وتحت المجهر، رأينا شيئاً لم نره من قبل. عادةً ما تكون الفيروسات كروية أو مربعة، وهنا رأينا شيئاً أشبه بالمعكرونة أو الديدان. لقد حيرنا الأمر، وكنا نعلم أن فيروساً واحداً فقط وُصف بهذه الطريقة حتى ذلك الحين، وهو فيروس ماربورغ Marburg (فيروس يُسبب حمى نزفية حادة وغالباً ما تكون قاتلة). لكننا كنا في حاجة إلى مزيد من اليقين. أرسلنا العينة إلى مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (الأميركية) في أتلانتا، وهناك، في غضون يومين، أثبت الباحثون أنها ليست فيروس «ماربورغ».

ما أراه مثيراً للاهتمام، مقارنةً بتجربتي اللاحقة مع فيروس نقص المناعة البشرية، هو أننا لم نتخاصم أبداً. بعد ذلك، اكتشفتُ أن الأمور في العلم ليست دائماً على هذا النحو.

س: عندما تعاملتَ مع العينة، كنتَ ترتدي قفازات بسيطة ورقيقة فقط، وليس معدات الوقاية المُعقدة التي تعلم الآن أنها ضرورية عند التعامل مع «إيبولا».

ج: هذا درسٌ بالغ الأهمية لحياتي وللجميع. لا يمكنك أبداً معرفة ما تحتويه عينة من مريض. قد لا يكون فيها شيء. وقد تكون «إيبولا»... لذا؛ فإن تجنب سوء الحظ هو أهم شيء في الحياة.

أُصبتُ ذات مرة ببكتيريا السل البقري (التي تُسبب السل في الماشية). ومع الإصابة بـ«كوفيد - 19»، انتهى بي المطاف في العناية المركزة. ولكن هذا كل شيء. أنا لستُ من هواة المخاطرة.

س: أنت مؤسس برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشري/الإيدز، ومع ذلك تعتقد أنه يجب إغلاق المنظمة.

ج: عندما أسستُ برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، كنتُ أعتقد دائماً أن عمره محدود. من جهة، الأمر مؤثر بعض الشيء لأنني كرّستُ 12 عاماً من حياتي له، سبعة أيام في الأسبوع، دون توقف. لكنني أعتقد أيضاً أننا في حاجة إلى إعادة النظر بجدية فيما يحتاج إليه العالم حقاً اليوم. نحن في وقت نحتاج فيه إلى اتباع نهج أكثر تكاملاً في مجال الصحة، وليس مجرد التركيز على كل مرض على حدة من خلال منظمة مستقلة. علينا أن نفكر في الناس والقضية، وليس في المؤسسات.

تهديدات كبيرة

س: لقد مرّت خمسون سنة منذ أن اكتشفتَ «إيبولا»، وأربعون سنة منذ عملك الأولي على فيروس نقص المناعة البشرية. لكن لا يزال كلاهما يشكل تهديداً كبيراً.

ج: في عام 1973، عندما كنتُ في سنتي الأخيرة في كلية الطب، ذهبتُ للتحدث مع الأساتذة، فيما يُعرف اليوم بالإرشاد المهني. قالوا إنه لا مستقبل لكم في مجال الأمراض المعدية. لدينا لقاحات، ومضادات حيوية، ومياه شرب نقية، وصرف صحي، وما إلى ذلك - كان هذا رأيهم.

لقد حققنا تقدماً هائلاً، لكن بإمكاننا فعل المزيد. كانت نقطة التحول بالنسبة لي هي أن فيروس نقص المناعة البشري أصبح قابلاً للعلاج. هناك أكثر من 30 مليون شخص تعتمد حياتهم اليومية على تناول حبة دواء؛ أليس هذا مذهلاً؟ لكننا ما زلنا لا نملك علاجاً لفيروس نقص المناعة البشري؛ وما زلنا لا نملك لقاحاً. وستظل هناك دائماً حالات انتقال للعدوى؛ لا يمكننا تجاهل ذلك. لكن علينا بذل كل ما في وسعنا حتى لا يتفاقم الوضع ويتحول إلى وباء.

أسباب انتشار وباء «إيبولا»

س: ينتشر وباء «إيبولا» الحالي بوتيرة أسرع من أي وباء سابق. هل تعتقد أنه من الممكن السيطرة عليه؟

ج: من الناحية النظرية، يُفترض أن يكون «إيبولا» من أسهل الأوبئة التي يمكن السيطرة عليها؛ لأنه يتطلب (للانتقال والإصابة) اتصالاً مباشراً بسوائل الجسم. وهو يختلف تماماً عن «كوفيد - 19»؛ إذ يكفي عزل المرضى وارتداء معدات الوقاية. في المجتمعات المزدهرة والقادرة على الصمود، تتوفر جميع هذه الأنظمة.

لكن السياق هو ما يجعل الأمر بالغ الصعوبة في الكونغو. فهذه منطقة عانت ويلات الصراع المسلح لعقود؛ لذا لا يمكن التنقل من مكان إلى آخر بسهولة. كما أن هناك عنفاً جنسياً. أما نظام الرعاية الصحية فلا يعمل بكفاءة؛ فهو غير مستعد للعزل والعلاج وتوعية الناس. وهناك الكثير من المعلومات المضللة. لكن هناك أيضاً عادات وطقوساً، كالجنازات، التي تُصبح خطيرة للغاية عند وفاة شخص مصاب بـ«إيبولا».

عدد الوفيات لأسباب أخرى قابلة للعلاج يفوق بكثير عدد الوفيات الناجمة عنه

كما نعلم أن عدد الوفيات لأسباب أخرى قابلة للعلاج يفوق بكثير عدد الوفيات الناجمة عن «إيبولا» نفسها. هذا يُشلّ نظام الرعاية الصحية برمته. لدينا معدلات وفيات أمهات أعلى بكثير، ووفيات أطفال بسبب الملاريا أو الحوادث. علينا أن نضمن توفير هذا النوع من الرعاية المنتظمة، ليس فقط لإنقاذ الأرواح، بل أيضاً لاستعادة الثقة في النظام الصحي. ولهذا السبب؛ يساورني قلق بالغ من أن يستمر هذا التفشي لفترة طويلة. لكن سيتم احتواؤه يوماً ما.

* خدمة «نيويورك تايمز»


حين تكشف الصورة مرضاً لم نبحث عنه… الذكاء الاصطناعي يمنح الأشعة «قراءة ثانية»

صور الصدر المقطعية... معلومات تتجاوز السؤال الأول
صور الصدر المقطعية... معلومات تتجاوز السؤال الأول
TT

حين تكشف الصورة مرضاً لم نبحث عنه… الذكاء الاصطناعي يمنح الأشعة «قراءة ثانية»

صور الصدر المقطعية... معلومات تتجاوز السؤال الأول
صور الصدر المقطعية... معلومات تتجاوز السؤال الأول

قد يخضع المريض لتصوير مقطعي لفحص رئتيه، بينما تحمل الصورة نفسها علامات لسرطان في المريء لم يكن موضع البحث. فهل يستطيع الذكاء الاصطناعي التقاط هذه العلامات، وإضافة فرصة للكشف عن المرض من دون تصوير جديد؟

هذا ما اختبرته دراسة نُشرت في دورية «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine) في 22 سبتمبر (أيلول) 2026، بعد أن طوّر الباحثون نظاماً أسموه «إيغل» (EAGLE) لتحليل صور الصدر المقطعية من دون مادة تباين، بحثاً عن سرطان المريء، وآفات ما قبل السرطان.

وتفتح الدراسة احتمالاً لإضافة «قراءة ثانية» إلى فحص موجود بالفعل. لكن قيمة هذه القراءة تتوقف على دقتها، وعلى ما إذا كانت نتائجها ستقود إلى فحوص وقرارات تفيد المريض.

مرض يصعب البحث عنه مبكراً

يصعب تمييز الآفات الصغيرة في المريء بالتصوير المقطعي، بسبب طبيعته الأنبوبية، وقابليته للانطواء، والحركة. ويظل التنظير مهماً للكشف والتشخيص لدى الفئات المناسبة، لكنه إجراء أكثر تدخلاً. لذلك اختبر الباحثون إمكان الاستفادة من صور الصدر المتاحة بالفعل لرصد علامات تستدعي فحصاً إضافياً.

دُرّب «إيغل» على بيانات 6813 مريضاً من مركزين طبيين، ثم جرى التحقق من أدائه عبر 12 مركزاً في ثلاث دول، شملت أكثر من 80 ألف شخص.

وفي مجموعات الاختبار الخارجية، بلغت حساسية اكتشاف السرطان 90 في المائة، والنوعية 98.5 في المائة، أي قدرته على تصنيف الحالات السلبية تصنيفاً صحيحاً. لكن حساسية اكتشاف الآفات ما قبل السرطانية كانت أقل، وبلغت 52.5 في المائة. وشملت الدراسة أيضاً اختبارات مستقبلية، وفي بيئات واقعية، مما يوسّع التقييم دون أن يحسم جدوى استخدامه للفحص السكاني.

صورة واحدة... أكثر من سؤال طبي

تُطلب صورة الصدر عادة للإجابة عن سؤال محدد، مثل وجود كتلة في الرئة، أو التهاب. لكن «إيغل» يختبر إمكان الاستفادة منها للبحث عن مرض آخر.

وقد رصد النظام بعض الأورام التي فاتت القراءة السريرية الأصلية، وأظهر تحليل صور سابقة لبعض الحالات علامات أمكنه التعرف عليها قبل التشخيص بأشهر. وهذه نتائج تشير إلى فرصة محتملة للكشف المبكر، لكنها لا تثبت وحدها تحسّن نتائج العلاج. بهذا المعنى، تضيف «القراءة الثانية» معلومات إلى فحص موجود، من دون تعريض المريض لتصوير جديد.

فحص واحد بجهاز تصوير مقطعي... فرص إضافية للكشف

من فحص سرطان الرئة إلى المريء؟

اختبر الباحثون «إيغل» أيضاً على صور الصدر المقطعية منخفضة الجرعة، والمستخدمة في فحص سرطان الرئة. ويشير ذلك إلى إمكان توسيع فائدة بعض برامج الفحص القائمة للكشف عن علامات سرطان المريء دون تصوير إضافي.

لكن النتائج لا تجعل التصوير المقطعي بديلاً عن التنظير، كما أنها لا تكفي لتبرير فحص عامة السكان بالخوارزمية. فتطبيقها يتطلب تحديد من يُحال إلى التنظير، وحجم الإنذارات الكاذبة، وتكاليف متابعتها، وأثرها النفسي، وإثبات أن الكشف المبكر يحسّن النتائج الصحية على المدى الطويل.

المراجعة الطبية أساس تفسير الأشعة

حين تساعد الخوارزمية اختصاصي الأشعة

اختبر الباحثون أيضاً أداء اختصاصي الأشعة عند الاستعانة بـ«إيغل». وحسّنت المساعدة قدرتهم على اكتشاف بعض الآفات المبكرة، لكن قوة النموذج منفرداً لم تنعكس بالكامل على أدائهم عند استخدامه.

وتشير هذه النتيجة إلى أن نجاح الأداة يتطلب أكثر من دقة الخوارزمية؛ فهو يعتمد أيضاً على طريقة عرض نتائجها، وتدريب الطبيب على تفسيرها، وقدرته على مراجعتها. لذلك ينبغي تقييم أداء الطبيب والأداة معاً، كما سيعملان في الممارسة اليومية.

ماذا تخبئ صور الأرشيف؟

إذا أكدت دراسات إضافية جدوى هذا النهج، فقد تتيح إعادة تحليل بعض الصور المحفوظة في المستشفيات بحثاً عن علامات لم تكن موضع اهتمام عند إجراء الفحص.

لكن العودة إلى الأرشيف تحتاج إلى ضوابط واضحة: كيف تُحمى خصوصية المريض عند استخدام صوره لغرض جديد؟ ومن يراجع النتائج، ويتولى إبلاغه، ومتابعته؟ فاكتشاف علامة محتملة لا يكتسب قيمة سريرية إلا إذا تبعته مراجعة طبية، ومسار متابعة مناسب.

من «الصورة» إلى «المعلومة»

تفتح الدراسة احتمالاً يتجاوز سرطان المريء: أن يقدم الفحص الواحد معلومات تساعد على الإجابة عن أسئلة طبية متعددة.

لكن قيمة «القراءة الثانية» ستُقاس بما تضيفه إلى صحة المريض، ومدى قدرتها على توجيه فحوص وقرارات مفيدة، مع الحد من الإنذارات غير الضرورية.

وهكذا يصبح السؤال: ما الذي يمكن أن تكشفه الصورة أيضاً، وأيّ اكتشاف يستحق أن نتصرف بناءً عليه؟