يحاول رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، من خلال تحركاته بين البيت الأبيض والكونغرس الأميركي، إقناع واشنطن بأن بغداد مستعدة لفتح صفحة جديدة وموثوقة في العلاقات، لا تقوم على الوجود العسكري ومكافحة الإرهاب فقط، وإنما على الاستثمار والطاقة والإصلاح المالي والتجاري، حسب مقربين من الوفد العراقي الذي يزور الولايات المتحدة حالياً.
فبعد لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعدداً من كبار مسؤولي الإدارة وكبار العسكريين في البنتاغون، عقد الزيدي لقاءات في مبنى «الكابيتول» الأربعاء، حيث اجتمع مع رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، الجمهوري برايان ماست، وأعضاء جمهوريين وديمقراطيين في اللجنة.
وركزت المحادثات على الإصلاح الاقتصادي، وتعزيز سيطرة الدولة على السلاح، وتطوير القطاع المصرفي، وتوفير بيئة أكثر أمناً وشفافية أمام الشركات الأميركية، كما استعرض الزيدي برنامج حكومته الاقتصادي الذي يستهدف تنشيط القطاعات لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر.
تأثير «الكونغرس»
حملت هذه الاجتماعات أهمية نظراً إلى دور الكونغرس في تحديد مسار المساعدات الأمنية للعراق والعقوبات والقيود المالية، فضلاً عن قدرته على التأثير في رغبة الشركات الأميركية في الاستثمار بالعراق.
وحاول الزيدي تقديم حكومته بوصفها شريكاً قادراً على الجمع بين متطلبات السيادة العراقية والمصالح الأميركية، وشدَّد على أن حكومته تتبنى سياسة خارجية متوازنة ومستقلة، وتهيئة المناخ لعمل الشركات الأميركية بأمان داخل العراق.
ووفقاً لمصادر مطلعة على المحادثات، أبدى أعضاء لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب من الحزبين تأييداً لتوسيع التعاون السياسي والاقتصادي بين البلدين، وزيادة الاستثمارات وتطوير آليات التمويل، وأقرّ المشرعون بالدور المحوري للعراق كعامل للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، غير أن الدعم السياسي في واشنطن يظل مشروطاً، بصورة ضمنية، بقدرة بغداد على تنفيذ التزاماتها الأمنية والمالية، وليس بمجرد الإعلان عنها.

بيئة معقدة
ويرى باحثون أميركيون أن التحدي الأكبر أمام الزيدي لا يكمن في الحصول على إشارات ترحيب من الإدارة أو الكونغرس، وإنما في ترجمتها إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ داخل بيئة سياسية واقتصادية شديدة التعقيد.
وأشار ديفيد شينكر، الباحث بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إلى أن الحكومة العراقية الجديدة تحتاج إلى فترة لإثبات قدرتها على التحرك، لكنه حذر من أن استمرار نشاط الفصائل المرتبطة بإيران سيقوّض علاقات بغداد مع الولايات المتحدة والدول العربية ويعرقل التنمية الاقتصادية، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء سيجد صعوبة في فرض مسار جديد، في ظل نفوذ الجماعات المسلحة داخل مؤسسات الدولة والائتلاف السياسي الذي أوصله إلى السلطة.
بهذا المعنى، تبدو لقاءات الكونغرس محاولة من الزيدي للحصول على «رصيد سياسي» أميركي يسمح له ببدء إصلاحات داخلية صعبة، إلا أن المشرعين الأميركيين سيقيسون نجاحه من خلال مؤشرات محددة، أبرزها منع الهجمات على المصالح الأميركية ودول المنطقة، وتشديد الرقابة على تحويلات الدولار، وإعادة هيكلة المصارف، ووقف استخدام مؤسسات الدولة لتمويل جماعات موالية لإيران.

دولة خالية من الفساد
وقد التقى الزيدي أيضاً سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، وأكد له بأن العراق يدخل مرحلة جديدة تهدف إلى بناء دولة ذات سيادة وخالية من الفساد ومدعومة باقتصاد مستدام، محدداً مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة أولويات رئيسية.
وأشار إلى أن العراقيين سيلمسون نتائج ملموسة خلال العام المقبل، لا سيما في قطاعي الطاقة والاستثمار، مستعرضاً خططاً لإعادة هيكلة قطاعي المصارف والتأمين، إلى جانب إجراء تغييرات في الأنظمة الضريبية والجمركية.
في المقابل، أبدى بيسنت دعمه لتحويل مسار العلاقة من الانخراط العسكري إلى الاستثمار والنمو الاقتصادي، مؤكداً استعداد واشنطن لمساعدة العراق في تذليل عقبات التنمية ووضع جدول زمني للإصلاحات.
شركات النفط
وتوجه الزيدي، الخميس، إلى هيوستن بولاية تكساس، التي تُعدّ عاصمة صناعة الطاقة الأميركية، للقاء مسؤولين في شركات نفط وغاز كبرى.
وتمثل هذه المحطة الجانب العملي من رسالته السياسية؛ إذ يريد العراق جذب شركات أميركية إلى تطوير الحقول، وزيادة إنتاج الغاز، وتحسين شبكات الكهرباء، وإقامة مسارات جديدة لتصدير النفط بعيداً عن نقاط الاختناق الإقليمية.
ووفقاً لجدول الزيارة، يجري الزيدي والوفد المشارك معه محادثات مع شركات، بينها «شيفرون» و«إكسون موبيل» و«إتش كي إن إنرجي»، إلى جانب تعاون مرتقب مع «جنرال إلكتريك» لتطوير إنتاج الكهرباء ونقلها. وقد اتخذت الحكومة إجراءات لتخفيف بعض المتطلبات التنظيمية أمام الشركات الأميركية، في محاولة لتغيير الانطباع السائد بأن السوق العراقية شديدة التعقيد بسبب البيروقراطية والنزاعات القانونية والمخاطر الأمنية.
ويقول المحللون إن شركات الطاقة في هيوستن تبحث عن ضمانات تتجاوز الوعود السياسية. فهي تريد عقوداً واضحة، وقدرة على تحويل الأرباح، وحماية المنشآت والعاملين، وآلية مستقرة لتسوية النزاعات، فضلاً عن وضوح العلاقة بين بغداد وإقليم كردستان في ملفات النفط والغاز. ويظل طموح زيادة الإنتاج مرتبطاً أيضاً بقيود حصص «أوبك بلس»؛ وهو ما يجعل نجاح استراتيجية الزيدي رهناً بالموازنة بين جذب الاستثمارات والالتزام بتعهدات العراق النفطية.
أفاد مصدر بأن من المتوقع أن يوقع العراق أكثر من 18 اتفاقية مع الولايات المتحدة تشمل قطاعات السياسة والاقتصاد والصناعة والطاقة والنفط والتعليم والرعاية الصحية والاستثمار والدفاع، فضلاً عن اتفاقيات إضافية جرى إعدادها بالفعل لتوقيعها خلال الأيام المقبلة.
العراق وسوريا
من جانب آخر، أشار مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية إلى أن الولايات المتحدة تدعم جهود العراق وسوريا لإعادة إحياء خط أنابيب للنفط الخام بين البلدين؛ وهو ما من شأنه أن يقلل من تأثير عرقلة إيران إمدادات النفط عبر مضيق هرمز.
وأضاف المسؤول للصحافيين أن الولايات المتحدة تتوقع من الشركات الأميركية القيام بدور في تسريع عملية إعادة بناء خط كركوك- بانياس، الذي خرج في معظمه من الخدمة منذ تعرضه لأضرار خلال الغزو الأميركي للعراق عام 2003. وسيمتد خط الأنابيب المعاد تأهيله من حقول النفط العراقية قرب كركوك إلى الساحل الغربي لسوريا.



