نواف الحوشان وتراجيديا العزاء... سينما قصيرة برؤية جديدة

المخرج السعودي تحدّث لـ«الشرق الأوسط» عن إيمانه بأن «الشخصيات» تسبق الحبكة نحو الفيلم الروائي الطويل

أسامة القس بطل فيلم «يوم العزاء الأول» (الشرق الأوسط)
أسامة القس بطل فيلم «يوم العزاء الأول» (الشرق الأوسط)
TT

نواف الحوشان وتراجيديا العزاء... سينما قصيرة برؤية جديدة

أسامة القس بطل فيلم «يوم العزاء الأول» (الشرق الأوسط)
أسامة القس بطل فيلم «يوم العزاء الأول» (الشرق الأوسط)

في صباح اليوم الأول للعزاء، يعود أب إلى منزل غادره قبل سنوات، حاملاً سؤالاً واحداً عن سبب وفاة ابنه. بهذه الحكاية يفتتح المخرج السعودي نواف الحوشان فيلمه القصير «يوم العزاء الأول»، الذي يبني توتره على العلاقات الإنسانية أكثر من الأحداث، متتبعاً رحلة أب يحاول فهم ما جرى داخل أسرته بعد حادث أليم. وعُرض الفيلم مؤخراً في مهرجان أفلام السعودية؛ حيث لفت الانتباه إلى موهبة الحوشان.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يرى الحوشان أن «يوم العزاء الأول» يُمثل محطة مهمة في مسيرته، وبداية لمرحلة يتطلع خلالها إلى إنجاز أول أفلامه الروائية الطويلة، موضحاً أن الفيلم جاء ثمرة إيمان فريق العمل بالمشروع أكثر من ارتباطه بإمكانات الإنتاج. ويتابع: «الفيلم بالنسبة لي بداية لما بعدها... أعمل حالياً على مشروع فيلم روائي طويل، وهذا هو هدفي الأساسي».

الفيلم، الذي صُوِّر في حي السويدي بمدينة الرياض، يبتعد عن بناء اللغز التقليدي، ليركز على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؛ حيث تتقاطع مشاعر الفقد والذنب والأسئلة المؤجلة، في رحلة يسعى خلالها الأب (أسامة القس) إلى معرفة ملابسات وفاة ابنه، ليكتشف في الوقت نفسه حقائق أخرى عن عائلته.

وجاء تنفيذ الفيلم بجهود مستقلة، بعد محاولات عديدة للحصول على دعم إنتاجي، قبل أن يُقرر فريق العمل المضي في المشروع. ويضيف: «كل شخص يعمل في السينما يملك مشروعاً ينتظر أن يرى النور؛ لذلك فضّلنا أن نصنع الفيلم ونواصل العمل، بدل انتظار الظروف المناسبة».

المخرج نواف الحوشان (الشرق الأوسط)

رحلة أب... واكتشاف عائلة

رغم أن أحداث الفيلم تبدأ بوفاة الابن، فإن الحوشان يرى أن الحكاية تنشغل بشخصية الأب أكثر من انشغالها بالوفاة نفسها، إذ يتتبع الفيلم التحولات التي يعيشها وهو يواجه أفراد أسرته واحداً تلو الآخر. ويضيف: «شدتني فكرة رحلة الأب داخل أجواء العزاء النجدي، وكأنه يمر بمراحل مختلفة من الفقد والبحث، في حين تخرج مشاعره تجاه الآخرين على هيئة مواجهة، أو محاولة لفهم ما حدث».

ويكشف أن الفكرة استندت إلى حالات عرفها في الواقع، ووجد صداها أيضاً أثناء التصوير، موضحاً: «مرّت عليّ حالات مشابهة، وحتى بعض الممثلين أخبروني بأنهم يعرفون قصصاً قريبة من هذه الحكاية؛ لذلك شعرت بأن السينما تستطيع الاقتراب من هذا الموضوع».

ورغم حساسية القضية المتعلقة بالتكتم على وفاة الابن بسبب الخوف من إلحاق العار بالعائلة، اتجه الحوشان إلى بناء فيلمه بعيداً عن الخطاب المباشر، مفضلاً أن تقود الشخصيات الحكاية بنفسها، في حين يصل المشاهد إلى استنتاجاته عبر تطور الأحداث.

وفي الوقت نفسه، حرص على أن يحتفظ الفيلم بجانب تشويقي يرافق الرحلة منذ بدايتها، وعن ذلك يقول: «أعجبتني فكرة التحقيق... الأب يبحث عن الحقيقة من خلال الحوار مع أبنائه، وهذا منح الفيلم إيقاعاً مختلفاً، وجعل رحلة البحث جزءاً أساسياً من بناء القصة».

ولم يتوقف اهتمامه عند تطور الأحداث، بل امتد إلى التفاصيل البصرية التي تمنح كل مشهد إحساسه الخاص، بدءاً من معطف الأب الأسود الذي يرافقه طوال الفيلم، ويجعله أشبه بمظهر المُحقق، وصولاً إلى أماكن وقوف الشخصيات وجلوسها داخل الكادر، بحيث تحمل الصورة جزءاً من المعنى، إلى جانب الحوار.

مشهد عشاء العزاء في الفيلم حيث يتساءل الحضور عن وفاة الابن (الشرق الأوسط)

النص يقود... ثم يأتي الممثلون

ورغم محدودية الميزانية، ضم «يوم العزاء الأول» أسماء معروفة، يتقدمها أسامة القس، وعهود السامر، إلى جانب الكاتب الصحافي محمد السحيمي، الذي يخوض تجربته التمثيلية الأولى. ويرى الحوشان أن نقطة الانطلاق كانت النص الذي نجح في إقناع الممثلين بالمشروع منذ قراءته الأولى.

ويقول: «عندما يكون النص متماسكاً، يتحمس له الممثل... أسامة القس تحديداً معروف بانتقائيته، ولم تجمعني به أي علاقة سابقة، لكنه قرأ النص، وآمن بالفيلم، وقرر المشاركة، وكذلك بقية الممثلين».

ويؤكد أن نجاح الفيلم اعتمد على 3 عناصر متكاملة؛ النص، والأداء، واختيار الممثل المناسب لكل شخصية. ويضيف: «بعد الانتهاء من كتابة السيناريو شعرت بأنه يحمل أجواء تحقيق بوليسي، لكن هذا النوع من القصص يحتاج إلى أداء إنساني قريب من الناس، لأن الحميمية تنبع من الشخصيات أكثر من الأحداث».

ومن هنا، جاء اهتمامه الكبير بمرحلة اختيار الممثلين التي استغرقت النصيب الأكبر من التحضير للفيلم. ويوضح: «كنا نبحث عن عائلة تبدو حقيقية، فيها انسجام، ولهجة واحدة، وأعمار متقاربة، لأن المشاهد يصدق العلاقات قبل أن يصدق الأحداث، خاصة مع ميزانية محدودة».

ويكشف الحوشان عن أن اختياره لأسامة القس جاء بعد متابعته أداءه في فيلم «أغنية البجعة» للمخرجة هناء العمير، إذ وجد فيه الممثل الأقرب إلى الشخصية التي كتبها. ويقول: «شدني صدقه في الأداء، وانفعالاته الطبيعية، وشعرت بأنه الأنسب للدور. وخلال التصوير كان ملتزماً جداً، ومتحمساً للمشروع، رغم الفترة الطويلة التي أمضيناها في البروفات».

وحول مشاركة الكاتب الصحافي محمد السحيمي، والذي يجسد شخصية عم الأسرة، يستعيد الحوشان بداية معرفة به، قائلاً: «كنت أقرأ مقالاته منذ عام 2010، وكان يعجبني حسه الساخر، ثم التقيته قبل سنوات، وشعرت بأنه يملك حضوراً يمكن أن يناسب أحد مشروعاتي مستقبلاً».

الكاتب الصحافي محمد السحيمي في تجربته التمثيلية الأولى (الشرق الأوسط)

كاميرا تراقب الشخصيات

ورغم أن «يوم العزاء الأول» يحمل في بنيته خيطاً بوليسياً، فإن الحوشان اتجه بصرياً إلى أسلوب أكثر هدوءاً، يضع الشخصيات في مقدمة الصورة، ويترك الكاميرا تندمج معها، بدلاً من أن تستعرض حضورها. وامتد هذا التوجه إلى تفاصيل أخرى داخل الصورة، مثل توزيع الشخصيات، وطريقة الوقوف والجلوس، وحركة الأب داخل المنزل. ويوضح: «كل اختيار بصري كان يحمل إحساساً معيناً. أحياناً يقف الأب في حين يجلس الابن، أو يحتل أحدهما موقعاً أعلى من الآخر داخل الكادر. هذه التفاصيل تمنح المشهد معناه، وتساعد المشاهد على الشعور بالتوتر الذي تعيشه الشخصيات».

وينتمي «يوم العزاء الأول» إلى الدراما الاجتماعية الواقعية، بيد أن الحوشان يرفض ربط نفسه بنوع سينمائي واحد، ويرى أن الموضوع هو الذي يقود شكل الفيلم، وليس العكس. ويتابع: «أحياناً ينجح مخرج في فيلم كوميدي، فتتجه شركات الإنتاج والمستثمرون إلى طلب أعمال مشابهة، لأن هذا هو الأسهل... أما بالنسبة لي، فالذي يحدد الاتجاه هو النص، وليس التصنيف. وما يشغلني فعلاً هو الموضوع، والشخصيات، وجودة القصة».

ويكشف عن أن مشروعاته المقبلة تسير في أكثر من اتجاه، مضيفاً: «أعمل حالياً على كتابة مشروعات مختلفة، من بينها فيلم كوميدي؛ لذلك لا أفضّل أن أحصر نفسي في لون واحد». ويرى أن تنوع التجارب جزء من تطور المخرج، وأن كل قصة تفرض أدواتها وطريقتها الخاصة في السرد، بصرف النظر عن تصنيفها.

الأب يتوسط أبناءه في الفيلم لحظة التحقق من وفاة الابن (الشرق الأوسط)

الفيلم الطويل... الخطوة التالية

وبعد مشاركة «يوم العزاء الأول» في عدد من المهرجانات، يتجه تركيز الحوشان نحو إنجاز أول أفلامه الروائية الطويلة، بالتعاون مع المنتج أنس سفيان، عادّاً أن هذه هي المرحلة الطبيعية التالية في مسيرته. ومضى قائلاً: «تركيزي الآن على الفيلم الطويل. نعمل على مشروع واحد، ونأمل أن يرى النور قريباً».

وفي المقابل، يرى أن الفيلم القصير يؤدي دوراً مختلفاً داخل الصناعة، وأردف: «الأفلام القصيرة تجد جمهورها في المهرجانات غالباً، في حين يمنح الفيلم الروائي الطويل فرصة للوصول إلى جمهور أوسع، سواء في دور السينما أو عبر المنصات».

وبينما يستعد لخطوته المقبلة في السينما الروائية الطويلة، يختم الحوشان حديثه بالإشارة إلى أنه يرى أن أكثر ما يبحث عنه في أعماله هو قصة تمنح شخصياتها مساحة كافية للحياة، لأن الجمهور، في النهاية، يتذكر الإنسان قبل أن يتذكر النوع السينمائي الذي ينتمي إليه الفيلم.


مقالات ذات صلة

الطيران المدني السعودي: إصابة 3 أشخاص في استهداف مطارَي جازان ونجران

الخليج الطيران المدني السعودي: إصابة 3 أشخاص في استهداف مطارَي جازان ونجران

الطيران المدني السعودي: إصابة 3 أشخاص في استهداف مطارَي جازان ونجران

أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني السعودية أن مطار الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي في جازان، ومطار نجران الدولي، تعرضا، مساء الاثنين، لاعتداءين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن (الشرق الأوسط)

«التحالف» ينفذ عملية عسكرية في الحديدة لحماية أمن الملاحة

أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن أن قواته البحرية نفَّذت عملية عسكرية بمحافظة الحديدة ضمن أهدافه لحماية أمن الملاحة البحرية بمضيق باب المندب.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج المشاركون في الاجتماع الطارئ للجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية لحلف مكة الدفاعي (واس) p-circle 00:21

«حلف مكة» يُفعِّل الردع الجماعي ضد الاعتداءات على السعودية

قال الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي، إن اجتماع «حلف مكة الدفاعي» أكد تفعيل الردع الجماعي ضد الاعتداءات على المملكة والمشاعر المقدسة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج السعودية جددت دعوتها المجتمع الدولي لتقديم الدعم الكامل للحكومة الشرعية اليمنية لمواجهة الحوثيين (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن)

السعودية: الحوثيون اختاروا التصعيد ورفض السلام

أكدت السعودية أن الميليشيا الحوثية الإرهابية اختارت التصعيد العسكري المستمر، ورفض السلام، مُجددة دعم المملكة السياسي والعسكري للحكومة اليمنية لإنهاء الانقلاب.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج جاسم البديوي الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة الخارجية اليمنية (التعاون الخليجي)

تأكيد خليجي على دعم جهود تحقيق أمن واستقرار اليمن

أكد مجلس التعاون الخليجي، الاثنين، على موقفه الثابت والراسخ في دعم اليمن ومساندة كل ما من شأنه الحفاظ على أمنه واستقراره وسيادته ووحدة أراضيه.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

فلورنس بيو تضيء «شرق عدن» رغم سواد شخصية «كاثي»

الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)
الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)
TT

فلورنس بيو تضيء «شرق عدن» رغم سواد شخصية «كاثي»

الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)
الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)

هواة المسلسلات المقتبسة عن أعمالٍ أدبيّة من العيار الثقيل، سيستمتعون من دون أدنى شكّ بـ«شرق عدن» East of Eden على «نتفليكس». يُعيد العمل الدراميّ بحلقاته الـ7 رواية الكاتب الأميركي الحائز على جائزة نوبل جون ستاينبيك (1902- 1968) إلى الشاشة، متعاملاً معها بوفاءٍ وسخاء. فنحن أمام مسلسلٍ ما عاد يُصنَع الكثير من طرازه الهوليووديّ الرفيع؛ بدءاً بالنص المقتبس بأناقةٍ عن الكتاب، وبالحقبة التاريخية المنقولة بحذافيرها (1862 - 1918)، إلى الصورة المحترفة تقنياً وجماليّةً، مروراً بالمواقع والأزياء والموسيقى، وليس انتهاءً بأداء الممثلين الذي يُثري الشاشة بعيداً عن أي مبالغةٍ أو استفاضة.

من بين هؤلاء، تلمع فلورنس بيو كشهبٍ لاهبٍ يمتدّ من أول المسلسل إلى آخره، صانعةً من كل ما لا يمتُّ للبطولة بصِلة بطولةً بحدّ ذاتها. ففي شخصيتها، تحمل «كاثي» جميع مقوّمات البطلة المضادّة أو ما يُعرَف بـanti hero، غير أنّ الممثلة البريطانية تجعلها مضيئةً رغم سوادها، ومُبهرةً رغم وحشيّتها، وبرّاقةً رغم تشوّهاتها الكثيرة، ومحبوبةً رغم كل أسباب الكُره التي تجتمع فيها.

كاثي هي أوّل صوتٍ يُسمَع في المسلسل. تقول: «أعتقد أن هناك وحوشاً تُولَد في هذا العالم لأبوين بشريَين. قد يولد الطفل سليماً تماماً، لكنه يفتقر إلى الطيبة أو الضمير». لن نستنتج سوى لاحقاً أنها كانت تتحدّث عن نفسها، وهي مرميّة كجثّة مضرّجة بالدماء عند عتبة عائلة «تراسك».

في البيت المعتم في ولاية كونيتيكت، والذي أضنته سنواتٌ من الصراع الصامت حيناً والصارخ أحياناً بين الأخوَين «آدم» و«تشارلز» الشبيهَين بنسخةٍ مستحدثة عن قاييل وهابيل، تستعيد كاثي عافيتها تدريجياً. بعنايته ورقّته وحبّه النقيّ، يُعيدها الأخ البكر آدم تراسك إلى الحياة، بينما يحذّره أخوه غير الشقيق تشارلز من الاسترسال في حبّها لأنه يبصر ما هو مخبّأ خلف ملامحها الملائكيّة البريئة.

على شفير الموت وغارقةً في دمها تصل كاثي إلى منزل آل تراسك (نتفليكس)

يجب الانتظار بضع حلقات لاكتشاف ما الذي حلّ بكاثي فوصلت غارقةً في دمها إلى منزل آل تراسك. كما ترفع الحلقات التالية تدريجياً الغطاء عن ماضيها، منذ الطفولة التي تحمل آثار صدمةٍ لا يُشار إليها سوى تلميحاً، مروراً بعلاقتها بأستاذها في المدرسة والذي انتحر بسببها، وصولاً إلى حَرقها بيت والدَيها والقضاء عليهما عن سابق تصوّر وتصميم، قبل أن تهرب إلى مكانٍ مجهول.

هذه كاثي في الـ14 من عمرها. ارتكبت كل ذلك وهي بعدُ طفلةً بوجهِ ملاك. أما عندما تحلّ ضيفةً على بيت الشقيقَين، فهي شابّة في سن الـ19، تحمل كل أسرار الكون في عينيها المتقلّبتَين بين أقصى الخير وأقصى الشرّ. وفلورنس بيو بارعةٌ في أداء تلك التقلّبات، كما لو كانت شيطاناً وملاكاً في آن، تفصل بينهما بلمحةِ بصر. تسكن كاثي في رأس الممثلة، تتلبّس روحَها، وكأنّ بيو تستمتع بكلِ كلمةٍ تنطقها بلسان الشخصية، وبكل حركة من جسمها، وبكل لفتة عين، وحتى بكلّ دقيقة صمت.

هي العروس في بيت تراسك، المحبوبة التي تتسبّب بمزيدٍ من الشرخ بين أخوَين أمضيا طفولتهما وشبابهما في منافسةٍ على إرضاء والدَيهما. وعندما رحلَ الأب الديكتاتور، دخل البيتَ من هو أكثر منه توحُّشاً: كاثي، زوجة آدم.

كاثي في صورة الزفاف التي تجمعها بعريسها آدم وشقيقه تشارلز (نتفليكس)

بين كاثي والشرّ عقدٌ مفتوح، لا تنتهي مدّة صلاحيّته. في كاليفورنيا التي يقصدُها الثنائيّ بحثاً عن بدايةٍ جديدة، تفتتح الرحلة بمحاولة إجهاض نفسها. ثم تغرق في اكتئابٍ حادّ بعد فشل المحاولة. تدّعي الإصابة بمرضٍ متوارث عندما يسألها الطبيب عن سبب فعلتها، وفي اليوم الذي تضع توأمها لا تلتفتُ حتى إليهما. ترفض إرضاعهما ورعايتهما قاطعةً أي صلةٍ بينها وبين الأمومة. وما إن تجدَ الظرف مواتياً، حتى توضّب حقيبتها وتغادر البيت هاجرةً طفليها وزوجها المصاب برصاصة أطلقتها هي.

مع كل فصلٍ جديد من فصول كاثي، يظنّ المُشاهد أنها بلغت أقصى الوحشيّة وأنّ طريق التوبة لا بدّ سيبدأ. غير أنها تغرق في المزيد، كأن تختار بملء إرادتها العودة إلى عالمٍ لطالما انتمت إليه، وهو عالم بائعات الهوى. تدخل بيتاً للدعارة مع مخطّطٍ للتخلّص من مالكتِه واحتلال مكانها. لا شرّ يستعصي على كاثي، فكلّ ما يسهّل الوصول مبرَّرٌ بالنسبة إليها.

تهجر كاثي زوجها وطفلَيها للعمل في بيت دعارة (نتفليكس)

في حواراتها الداخلية، تقدّم كاثي تبريراتٍ لكلّ أفعالها، وأغرب ما في الأمر أنّ المُشاهد سيَجد نفسَه متورّطاً معها إلى درجة التصديق والتعاطف. أداء فلورنس بيو المغناطيسيّ يوثّق تلك العلاقة بين الجمهور وكاثي، كما أنّ ماضيها الأشبَه بلُغز وطفولتها المجروحة يغطّيان «خطاياها» جزئياً. يُضاف إلى ذلك كَمٌّ هائلٌ من الصدق والصراحة، فكاثي لا تُنكر أمام الآخرين ولا أمام نفسها أنها امرأةٌ بلا قلب. هي متصالحة مع الشرّ الذي يسكنها والذي أوصلها في أحد الأيام إلى الاقتراح على زوجها أن يرمي طفليهما في البئر.

لا توفّر سُمّاً ولا تزويراً ولا سلاحاً للوصول إلى هدفها: تريد أن تصبح امرأةً مستقلّة مادياً، لا تستندُ إلى أي رجلٍ كي تعيش.

في عالم كاثي... الغاية تبرّر الوسيلة حتى لو كانت الوسيلة سُمّاً تقتل به ضحاياها (نتفليكس)

إذا كان معظم شخصيات الحكاية قد ورثَ وحشيّته عن الآباء والأجداد، فإنّ المفارقة شاءت أن ترث كاتبة العمل ومخرجتُه زوي كازان هي الأخرى مهمة إحياء القصة عن جدّها المخرج المخضرم إيليا كازان.

عام 1955، قدّم كازان الجدّ رواية ستاينبيك على هيئة فيلم سينمائي من بطولة جيمس دين. وبعد أكثر من 70 سنة، أعادت الحفيدة الحكاية إلى الشاشة مع تعديلاتٍ ليس أوّلها وضع شخصية كاثي في الصدارة، بعد أن كانت مهمّشة في الفيلم. فقد تعمّدت زوي كازان عصرنة السرديّة بما يتماشى مع الزمن الحاليّ. رغم حفاظها على الإطار التاريخي ووفائها لتفاصيل الكتاب، فقد ألقت الضوء على زوايا جديدة آخذةً في الاعتبار النسويّة التي يجسّدها تَحَرُّر كاثي، وإن بشكلٍ مشبوه. كما منحت المخرجة بُعداً إنسانياً حتى للشخصيات الأكثر شراً، وذلك من خلال إثارة التعاطف معها على قاعدة أنّ كل شرّيرٍ هو في الأساس ضحيّة لشرٍ أكبر منه.

الصراع الأبدي بين الخير والشرّ في قلب الحكاية (نتفليكس)

حاز مسلسل East of Eden على ثناء النقّاد وإعجاب المُشاهدين، بدليل أنه تَصدّر فوراً قوائم «نتفليكس» للأعمال الأكثر مشاهدةً. إنها دراما ناجحة شكلاً ومضموناً، لكن فلورنس بيو منحتها مزيداً من البريق. يكفي أن تغيب كاثي عن مشهد حتى يبهت، مهما كانت أحداثه مثيرة.


استطلاع يعيد محيي إسماعيل للأضواء في حلة «الضابط الإسرائيلي»

محيي إسماعيل في فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي» (فيسبوك)
محيي إسماعيل في فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي» (فيسبوك)
TT

استطلاع يعيد محيي إسماعيل للأضواء في حلة «الضابط الإسرائيلي»

محيي إسماعيل في فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي» (فيسبوك)
محيي إسماعيل في فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي» (فيسبوك)

مع الاحتفالات المصرية بانتصارات السادس من أكتوبر (تشرين الأول) في الحرب ضد إسرائيل، استعاد عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» الأفلام التي تناولت الحرب، ومن قبلها حرب السنوات الست المعروفة بـ«حرب الاستنزاف»، وظهر اسم الفنان المصري محيي إسماعيل ضمن استطلاع «سوشيالي» حول أفضل الممثلين الذين جسّدوا دور «الضابط الإسرائيلي».

ولمع اسم محيي إسماعيل تحت الأضواء «السوشيالية»، وتصدر «الترند» على «إكس» في مصر، الاثنين، مع نشر مقاطع من أفلام سينمائية وأخرى وثائقية عن حرب أكتوبر، ونشر صور أربعة فنانين قدموا دور «الضابط الإسرائيلي» في السينما، وهم: محيي إسماعيل في فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي»، ويحيى الفخراني في فيلم «إعدام ميت»، وشريف منير في فيلم «أولاد العم»، وإياد نصار في فيلم «الممر».

وجاءت أغلبية التعليقات مرجحة كفة الفنان محيي إسماعيل باعتباره أكثرهم إتقاناً للدور، وكتب أحد المتابعين: «طبعاً كهيئة وأسلوب محيي إسماعيل استطاع أن يقنع المشاهدين بدوره كضابط إسرائيلي لدرجة أني كنت معتقداً وأنا صغير أنه إسرائيلي بالفعل؛ لتشابهه الكبير معهم، وخاصة في الأنف المعقوف».

وكتب متابع آخر: «رغم أن يحيى الفخراني من أقوى الممثلين، فإن الدور لم يناسبه ولم يكن مقنعاً إطلاقاً بسبب تكوينه الجسدي، ولم تشفع له عيونه الملونة»، مضيفاً: «محيي إسماعيل رهيب في التقمص والتجسيد، وساعده في ذلك هيئته الجسدية وشكله، بينما إياد نصار وكذلك شريف منير ممثلين كويسين لكن بيمثلوا».

ويرى الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن أن «الأفلام التي تم إنتاجها في السنوات التالية لحرب أكتوبر كان لها وقع حماسي على الجمهور في وقتها، لكنها إلى الآن تأخذ منحى آخر، ربما هناك جيل جديد لا يعرف عن محيي إسماعيل سوى لقطاته الكوميدية، ولا يعرف قدراته التمثيلية الكبيرة».

الفنان محيي إسماعيل اشتهر بالأدوار المركبة (فيسبوك)

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «مثل هذه المناسبات والاستطلاعات من شأنها إعادة تسليط الضوء على مواهب كبيرة في هذه المناسبات مثل الفنان أحمد زكي الذي قدم دور الجندي أكثر من مرة، وغيره من الفنانين، لتكون بمنزلة إعادة تقييم أو رد اعتبار لفنانين موهوبين لم يحظوا بفرص كبيرة تبرز حجم موهبتهم».

ويرى المتخصص في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي معتز نادي أن «الاستطلاعات على (السوشيال ميديا) يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في إعادة أسماء فنية وأعمال قديمة إلى دائرة الاهتمام؛ لأنها تحول الذاكرة الجماعية إلى تفاعل مباشر وقابل للقياس»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «عندما تسأل الجمهور مثلاً عن أفضل ممثل جسّد الدور الفلاني في الذكرى الفلانية، أو عن الفيلم الأكثر ارتباطاً بحرب أكتوبر، فأنت لا تجمع أصواتاً فقط؛ فهي محاولة لدفع الناس إلى استدعاء مشاهد وأسماء ربما غابت عن التداول لسنوات».

ويلفت نادي إلى أن «قوة هذه الاستطلاعات تكمن في أنها قد تعيد ممثلاً قديماً إلى واجهة النقاش، وتدفع جيلاً أصغر إلى البحث عنه ومشاهدة أعماله، فتتحول الذكرى إلى دورة محتوى جديدة تشمل فيديوهات قصيرة (ريلز)، ومقاطع أرشيفية، وقصصاً عن النجوم، ومقارنات بين اختيارات الأجيال».

ويقترح نادي التعامل مع النتائج باعتبارها مؤشراً على المزاج والتفاعل، لا استطلاعاً علمياً ممثلاً للمجتمع كله، فـ«القيمة الحقيقية أنها تكشف ما الذي لا يزال حياً في الذاكرة الشعبية، وما الذي يمكن إعادة تقديمه رقمياً بلغة تناسب الجمهور الحالي، في ظل سعي البعض للتعامل مع الذكرى بأدوات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يمكن ملاحظته على (تايم لاين) المنصات هذا العام كـ(ترند) تحطيم خط بارليف بخراطيم المياه»، على حد تعبيره.


قضايا المرأة تسيطر على الأعمال الجديدة بدراما «الأوف سيزون»

منى زكي في مسلسل «طالع نازل» (حسابها على فيسبوك)
منى زكي في مسلسل «طالع نازل» (حسابها على فيسبوك)
TT

قضايا المرأة تسيطر على الأعمال الجديدة بدراما «الأوف سيزون»

منى زكي في مسلسل «طالع نازل» (حسابها على فيسبوك)
منى زكي في مسلسل «طالع نازل» (حسابها على فيسبوك)

تسيطر قضايا المرأة على الأعمال الدرامية الجديدة التي تعرضها المنصات الرقمية ضمن أعمال «الأوف سيزون» والتي يتواصل عرضها حتى ما قبل الموسم الرمضاني المقبل، وذلك عبر ثلاث نجمات يتصدرن بطولتها وهن يسرا ومنى زكي ومنة شلبي، ويواجهن من خلالها مشكلات تتعلق بالخيانة الزوجية والضغوط المجتمعية التي تواجه المرأة، والجرائم التي قد ترتكبها.

وتترقب يسرا عرض مسلسل «قلب شمس» الذي يعيدها للدراما بعد غياب عامين منذ مسلسل «روز وليلى» الذي عُرض 2024، ويشاركها بطولة «قلب شمس» المخرج محمد سامي بصفته ممثلاً لأول مرة، وهو أيضاً مؤلف ومخرج المسلسل الذي تدور أحداثه في 12 حلقة، ويشارك في بطولته كل من درة، وسوسن بدر، وإنجي المقدم، ومحمود قابيل، ومنة فضالي، ومن إنتاج مها سليم، وتدور الأحداث في إطار اجتماعي تشويقي رومانسي ويركز على الأسرة والعلاقات الإنسانية من خلال بطلته شمس التي تواجه أزمات عدة، وتطل الفنانة إلهام شاهين في ظهور خاص عبر مشهد واحد، ويغني المطرب بهاء سلطان شارة البداية والنهاية للمسلسل، الذي من المقرر عرضه ديسمبر (كانون الأول) القادم عبر منصة «يانغو بلاي».

يسرا والمخرج محمد سامي والممثل عمر شريف في كواليس تصوير مسلسل «قلب شمس» (الشركة المنتجة)

بينما ينطلق عرض مسلسل «طالع نازل» من بطولة منى زكي ومحمد شاهين 10 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، ويفتح المسلسل ملف العلاقات الزوجية بحسب «برومو» العمل الذي طرحته منصة «شاهد» التي تنفرد بعرضه حصرياً، حيث يُخبر محمد شاهين زوجته «نور» التي تؤدي دورها منى زكي بزواجه من أخرى قبل عامين وأن زوجته الجديدة تعرف بزواجه، وتسأله في ظل صدمتها لماذا لم يخبرها برغبته أن يكون مع امرأة أخرى فيقول لها إنه يريد أن يكمل معها حتى لو اختار أن يكمل مع الأخرى.

ويؤدي محمد شاهين شخصية موسيقي ناجح، فيما تؤدي منى زكي شخصية سيدة أعمال، وتبدو حياتهما مستقرة، ويتفقان على عدم الإنجاب برغم أن الزوجة تخفي رغبة عميقة في إنجاب طفل، لكن حياتها تنهار فجأة على وقع اعتراف زوجها بزواجه سراً، فتخوض صراعاً نفسياً بين حبها وكرامتها يدفعها إلى الانتقام.

ويشارك في بطولة المسلسل مريم الخشت، وليلى عز العرب، وحمزة دياب، وهو من تأليف سماء أحمد عبد الخالق وإنجي القاسم وإخراج هاني خليفة.

منة شلبي في مسلسل «عنبر الموت» (الشركة المنتجة)

ويلتقي الثنائي المؤلفة مريم نعوم والمخرج كريم الشناوي مع الفنانة منة شلبي من خلال مسلسل التشويق والإثارة «عنبر الموت» الذي تعرضه حصرياً منصة «شاهد» 12 نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، ويعرض العمل لقصة حقيقية وقعت بمدينة الإسكندرية أواخر التسعينات وتحولت لقضية رأي عام، بعدما تم اتهام ممرضة تدعى عايدة بقتل أحد المرضى عمداً ومحاولة قتل 30 مريضاً آخرين بعقار مميت، وتؤدي منة شلبي شخصية «نادية» المتهمة بقتل المرضى، ويشارك في بطولة المسلسل علي قاسم، ورشدي الشامي، وبسمة، وأحمد خالد صالح، وحليم الجندي.

وبحسب الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين فإن وجود ثلاثة من النجمات في موسم «الأوف سيزون» يؤكد قوة جذب هذا التوقيت لأعمال درامية، وأنه صار أفضل من توقيت رمضان الذي «لا يسمح بمشاهدة جيدة لكثرة الأعمال المعروضة التي لا يحظى بعضها بمشاهدات أصلاً ويتعرض وصناعه للظلم، وفق قوله. مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «البطلات الثلاث قدمن في أعمالهن كثيراً من قضايا وهموم المرأة، وقد نجحن في تقديمها عبر قصص متباينة في أعمال سابقة». مشيراً إلى أن «قضايا المرأة عديدة وتتطلب أعمالاً فنية أكثر بشرط أن تُقدم بإتقان، وهو ما يعول عليه أولاً في السيناريو والمعالجة التي يقدمها، الأمر الذي سيتضح مع عرض هذه المسلسلات».

وترى الناقدة صفاء الليثي أن «الرهان الأكبر في وجود نجمات كبار يكون على السيناريو ومدى قدرته على طرح جديد وجيد بعيداً عن المباشرة»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «وجود هؤلاء النجمات الثلاث يضمن وجود أعمال تتسم بالعمق والألق الفني بذكائهن الفني وقدرتهن على اختيار الأفضل»، وتابعت: «بالنسبة للثنائي مريم نعوم وكريم الشناوي أثق بأن مسلسل (عنبر الموت) سيتضمن دراسة جيدة للشخصيات وللحادث المستمد منه العمل، وأتوقع أن يميل محمد سامي للميلودراما في مسلسله مع يسرا»؛ لافتة إلى أن العبرة بالمشاهدة وليس بالتوقعات.

وبعيداً عن هذه الأعمال الدرامية الثلاثة، تنتظر مسلسلات أخرى دورها في العرض بموسم «الأوف سيزون» من بينها «طاهر المصري» لخالد النبوي، و«ظروف غامضة» لأمير كرارة، و«قتل اختياري» لأحمد خالد صالح وركين سعد، و«شاهد قبل الحذف» لتارا عماد وعلي الطيب.