جنوب لبنان المعلّق بين «مضيق علي الطاهر» ومضيق هرمز

«الشرق الأوسط» جالت بين ركام البيوت الجنوبية وانقسامات البيت اللبناني

عمارة حوّلها القصف الإسرائيلي إلى ركام (الشرق الأوسط)
عمارة حوّلها القصف الإسرائيلي إلى ركام (الشرق الأوسط)
TT

جنوب لبنان المعلّق بين «مضيق علي الطاهر» ومضيق هرمز

عمارة حوّلها القصف الإسرائيلي إلى ركام (الشرق الأوسط)
عمارة حوّلها القصف الإسرائيلي إلى ركام (الشرق الأوسط)

هذه الحجارة الصغيرة كانت جدراناً. كانت سقوفاً أوهمت ساكنيها أنها ستردّ عنهم حرّ الصيف وبرد الشتاء وغدر الرياح. سقوف تحتضن الأم تحتها أطفالها. وتطبخ لهم ما يردّ الجوع. ومنها كانوا يذهبون إلى مدارسهم ويكبرون تحت نظر آبائهم وابتسامات الأجداد والصور المعلّقة على الحيطان. كانت كذلك قبل هبوب الإعصار ولم تعد.

هذه الحجارة الصغيرة كانت عمارات توهّم ساكنوها أنها مقرهم الدائم وملجأهم الآمن. يشرح لك زميلك. الشقة المبقورة والمحترقة تعني أن مسيّرة استهدفتها في عملية اغتيال. تلة الركام تعني أن مقاتلة اقتلعت المبنى ومن لم يسعفهم الحظ في الهرب. تحدّق في الركام المختلط بخطوط الكهرباء. هذه بقايا شرفة كانت تصلح لارتشاف الشاي والتقاط الأنفاس بعد العمل في الحقل أو الحديقة. وهذه بقايا أسرّة كانت تصلح للنوم، وربما للأحلام. وهذه ركوة قهوة فقدت وظيفتها إلى الأبد. وهذه بقايا شبابيك ماتت مع جدرانها. ما أصعب الإقامة على مقربة من رجل اسمه بنيامين نتنياهو. تضاعفت الصعوبة بعد «طوفان السنوار».

دمار في موقع قصفته إسرائيل في الجنوب (الشرق الأوسط)

نصحنا جندي في الجيش اللبناني بعدم الاقتراب أكثر. هذه الطريق تؤدي إلى تلة علي الطاهر. حوّلها الاحتلال منطقة للقتل. لا يرحم أي جسم متحرك فيها. وفي الجنوب كلام أن تلة علي الطاهر التي اقترب الجيش الإسرائيلي من أطرافها، تحتضن أنفاقاً وغرف عمليات لمقاتلي «حزب الله». وأن الجيش الإسرائيلي يستعد للانقضاض عليها فور تراخي الضوابط التي فرضها دونالد ترمب على تحركاته. ارتدى موضوع علي الطاهر رمزية غير عادية. يعتقد خبراء أن إسرائيل قد لا تتردد في دفع الخسائر التي تستلزمها السيطرة على التلة.

أخذنا بنصيحة الجندي وقلنا نكتفي بتفقد جروح المدينة وبينها أسواقها التجارية التي نفّذ جيش الاحتلال قراراً بإعدامها في ما يشبه استحداث مقبرة جماعية. فجأة سمعنا طنيناً آتياً من الفضاء. قال زميلي ثائر عباس إنها المسيّرة الإسرائيلية. راحت المسيّرة تحوم وكأنها تذكّر المقيمين تحتها بأنهم يعيشون تحت رحمتها. وأنها تملك حق شطبهم ساعة تشاء. وأنها قادرة على رصد حركاتهم وإحصاء أنفاسهم. سمعت من قبل أزيز المسيّرة فوق بيروت، لكن صوتها على مقربة من علي الطاهر يجعل صوتها أقرب إلى حركة السكاكين في الشرايين. إنها تذكّر المقيم تحتها بأن يد الاحتلال طويلة. تذكّره بأنه خسر الحرب.

مبنى تحول إلى ركام (الشرق الأوسط)

تسمع في النبطية أن قسوة ما عاشته، على رغم فظاعته، أقل بكثير مما لحق بالقرى الحدودية التي تقيم الآن في قبضة الجيش الإسرائيلي. الجيش الذي تفنن في محو القرى بشكل كامل أو شبه كامل ليجعل عودة سكانها مستحيلة. لم يترك سقفاً. ولم يترك جداراً. ولم ينس اغتيال الأشجار وأعمدة الكهرباء. تخاف حين تسمع أن مشهد عشرات القرى الحدودية يذكّر بمشاهد غزة. وتسمع أيضاً أن جثثاً لا تزال تقيم تحت الركام في القرى المطحونة، وأن المسيّرات تنهال على الجرافات إن حاولت الاقتراب لإعادة الجثث إلى أحبائها ليكفّنوها بمناديل دموعهم وحفنات تراب. ما أقسى أن يتحول الوطن قبراً أو مشروع قبر.

فتح رجل يعرف الخريطة وراح يستعرض أسماء القرى وما بقي منها. تخوّف من جولة جديدة تتقدم فيها القوات الإسرائيلية إلى علي الطاهر، وهو ما قد يغريها بالتقدم أكثر إلى تلال أخرى. ذكّرنا الرجل أن أطماع إسرائيل في لبنان قديمة، خصوصاً في مياهه.

ويمكن أن يسمع الزائر أن مصير «مضيق علي الطاهر» مرتبط بمصير مضيق هرمز. والحقيقة أن المتابع لا يحتاج إلى من يذكّره بالخيط الإيراني الذي يربط جنوب لبنان بالأزمة الكبرى في الإقليم. الأمر يتعدى ورود لبنان في البند الأول من مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية ومن باب وقف النار.

دمار واسع أمام مستشفى جبل عامل في جنوب لبنان (الشرق الأوسط)

الخيط الإيراني ليس وليد مذكرة التفاهم. إنه أعمق وأقدم. ففي الطريق إلى صور ومنها إلى النبطية تطالعك صور تحكي القصة. صور حسن نصر الله ورفاقه. وصور الخميني وخامنئي الأب ومعه خامنئي الابن وصور قاسم سليماني. بالإضافة إلى صور نبيه بري الذي مررنا قرب معقله في المصيلح الذي سبق أن زرناه وحاورناه فيه.

حزنت وأنا أراقب جنوداً من الجيش اللبناني الذي دمّر الجيش الإسرائيلي مواقعه في جنوب الليطاني وقتل عشرات من جنوده. قصّة الجيش مأساة في بلاد قصتها مأساة. ما أصعب أن يكون الجيش قوياً في بلاد هشّة. بلاد يرافقها الانقسام منذ ولادتها ولا يغيب أمام كل استحقاق وطني كبير. لا يعاني الجيش اللبناني نقصاً في الكفاءة أو الشجاعة. افتقر دائماً إلى وسادة صلبة من القرار السياسي الجامع. يُستدعى دائماً إلى مهمات شائكة تفوق قدرته وتجهيزه وفي غياب قرار سياسي بلا التباسات.

بائع خضار أمام أبنية مهدمة في مدينة صور (رويترز)

لم تبدأ القصة في السنوات الأخيرة. بدأت حين وقّع قائد الجيش اللبناني الراحل العماد إميل بستاني «اتفاق القاهرة» مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات. يومها تنازلت السلطة اللبنانية مرغمة عن جزء من السيادة لتفادي حرب داخلية ستأتي لاحقاً. كلّف لبنان عملياً بأن يبقى جبهة مفتوحة ضد إسرائيل فيما صمتت الجبهات الأخرى، ولا سيما في الجولان السوري، خصوصاً بعد حرب 1973. هكذا علق جنوب لبنان على خط التوتر العالي المتمثل بالنزاع العسكري مع إسرائيل. في 1982 غزت إسرائيل لبنان واحتلّت بيروت. ولدت «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» (جمول) ثم أمر حافظ الأسد بشطبها في منتصف الثمانينات لمصلحة «المقاومة الإسلامية» التي يمثّلها «حزب الله». وهكذا تحوّلت الحدود اللبنانية - الإسرائيلية حدوداً إيرانية - إسرائيلية كانت حرب 2006 إحدى حلقاتها.

على مدى عقود كانت المأساة اللبنانية مبقعة بالانهيارات والاغتيالات. ضريح كمال جنبلاط. وضريح بشير الجميل. وضريح رينيه معوض. وضريح رفيق الحريري. تم قطع رأس كل من حاول استعادة القرار اللبناني ولو من مواقع مختلفة وعلى طريقته.

إزالة ركام أبنية دمرها القصف الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

في طريق العودة تذكّرت جنوبياً دار بيني وبينه حوار على مدى ما يزيد على ثلاثة عقود. إنه محسن إبراهيم، الجنوبي الذي كان أميناً عاماً لـ«منظمة العمل الشيوعي» و«الحركة الوطنية اللبنانية». اعترف إبراهيم أن «الحركة الوطنية حمّلت لبنان ما يفوق طاقته حين ذهبت بعيداً في احتضان المقاومة الفلسطينية». وفاجأني ذات يوم حين قال لي «إن حزب الله يحمّل لبنان أيضاً ما يفوق طاقته». وهو كان يتكلم بعد سنوات من اغتيال رفيق الحريري وتدخل الحزب عسكرياً في سوريا لإنقاذ نظام بشار الأسد.

في طريق العودة، رأينا موكباً لـ«اليونيفيل» يغادر إلى غير رجعة. كان الحضور الدولي في منطقة الحدود اللبنانية - الإسرائيلية مفيداً أحياناً لكنه كان عاجزاً دائماً. فقد عاشت هذه القوة الدولية تحت انتهاكات إسرائيلية لا قدرة لها على منعها وفوق أنفاق لـ«حزب الله» كانت تُعدّ للحرب المقبلة ولم تكن قادرة إلا على تجاهلها.

يعيش لبنان اليوم مأزقاً أشد صعوبة من كل ما عاشه. بعد «طوفان السنوار» اختار «حزب الله» الذهاب إلى «إسناد غزة». وبعد اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي اختار الذهاب إلى حرب «الثأر» له. ونتيجة الحربين ماثلة في احتلال أجزاء من جنوب لبنان. غيّرت إسرائيل بعد «الطوفان» عقيدتها العسكرية. لم تعد تقبل التعايش مع ما تسميه أخطاراً قبالة حدودها. اختارت العبور إلى أراضي الآخرين وإقامة «مناطق آمنة». واضح أنها اتخذت قراراً بإخراج لبنان من الشق العسكري في النزاع معها. ترافق ذلك مع إرادة دولية بمطالبة لبنان ببسط سيطرته على كامل أراضيه بقواه الشرعية وحدها. وهذا يعني نزع سلاح «حزب الله» أو حصره وفق الصيغة الملطّفة. وواضح أن لا الحزب يقبل ذلك ولا إيران تقبل. إصرار «حزب الله» على الاحتفاظ بسلاحه أطلق مشاعر التباعد والحديث عن صيغ أخرى للتعايش أو الطلاق المخفف. جنوب لبنان معلّق على الحبل الممتد بين مضيق علي الطاهر ومضيق هرمز. ولبنان معلّق على ملامح أزمة مكوّنات تُنذر بتأكيد أن لبنان خسر الحرب في جنوبه، وأنه يستعد لخسارتها أيضاً في عاصمته.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

العرقوب بين التوغلات الإسرائيلية وغياب الاحتلال المباشر

المشرق العربي لافتة تشير إلى اتجاه مزارع شبعا على الحدود بين لبنان وإسرائيل وسوريا (المركزية)

العرقوب بين التوغلات الإسرائيلية وغياب الاحتلال المباشر

تفرض التحركات الإسرائيلية المتكررة في منطقة العرقوب، عند السفوح الغربية لجبل الشيخ والمحاذية لمزارع شبعا، واقعاً أمنياً مختلفاً عن مناطق أخرى في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الاقتصاد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مستقبلاً بعثة صندوق النقد الدولي برئاسة راميريز (إكس)

صندوق النقد: اقتصاد لبنان سينكمش بقوة في 2026 وسط تضخم مرتفع

توقع صندوق النقد الدولي، ​الجمعة، أن يشهد النشاط الاقتصادي في لبنان انكماشاً كبيراً في 2026، وذلك ‌في ‌ظل ​استمرار ‌الصراع ⁠في ​الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي جنود لبنانيون ينتشرون عند أطراف بلدة دير ميماس في جنوب لبنان بعد تقدّم قوات إسرائيلية باتجاه البلدة ونشر دبابات وإلقاء قنابل صوتية (أ.ف.ب)

«الميكانيزم» تحتوي احتكاكاً عسكرياً لبنانياً - إسرائيلياً

شهدت أطراف بلدة دير ميماس بجنوب لبنان، الجمعة، توتراً ميدانياً مباشراً بين الجيش اللبناني والقوات الإسرائيلية، بعدما تقدمت قوة إسرائيلية في اتجاه نقطة مستحدثة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)

لبنان يضغط لتمديد «اليونيفيل»... ويتمسك بمظلة أممية في الجنوب

يكثف لبنان تحركه السياسي والدبلوماسي للإبقاء على مظلة أممية بجنوب البلاد، بالتوازي مع حشد الدعم للجيش، وسط مساعٍ لبنانية-فرنسية لإعادة النظر في دور «اليونيفيل».

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتوسط العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيس اللبناني جوزيف عون خلال افتتاح اجتماع «مسار العقبة» لدعم الجيش اللبناني في فندق الأنفاليد بباريس (أ.ف.ب)

مؤتمر دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن يعيد طرح معادلة الأمن بين الداخل والحدود

يفتح انعقاد الاجتماع التحضيري في باريس، الخميس، للمؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية، النقاش حول ما تحتاج إليه المؤسستان في المرحلة المقبلة.

صبحي أمهز (بيروت)

عبدي يبحث في حلب عودة الأكراد واستكمال الدمج بعد حل «قسد»

من اللقاء في مركز محافظة حلب (سانا)
من اللقاء في مركز محافظة حلب (سانا)
TT

عبدي يبحث في حلب عودة الأكراد واستكمال الدمج بعد حل «قسد»

من اللقاء في مركز محافظة حلب (سانا)
من اللقاء في مركز محافظة حلب (سانا)

بحث محافظ حلب السورية، عزّام الغريب، السبت، مع مستشار رئاسة الجمهورية ‏مصطفى (مظلوم) خليل عبدي، آلية استكمال عملية دمج المؤسسات العسكرية والخدمية والمدنية غداة حل «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)».‏

وأفادت وكالة «سانا» الرسمية بأن اللقاء الذي جرى في مبنى محافظة حلب، بحضور عدد من المعنيين، تضمن مناقشة ‏ملف عودة الأهالي المهجّرين (الأكراد) إلى عدد من مناطق المحافظة.‏

وتستكمل الجهات الحكومية إنجاز الملفات الإنسانية والإدارية والخدمية، إلى جانب ‏إجراءات دمج المؤسسات التي كانت تابعة لـ«قسد» التي أعلن حلها في 25 أغسطس (آب) الماضي ‏واندماجها الكامل في مؤسسات الدولة.‏

وجاء الإعلان بعد 17 شهراً و15 يوماً من توقيع اتفاق 10 مارس (آذار) 2025، الذي وضع ‏أساساً ‏لمسار دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا، ضمن مؤسسات ‏الدولة، ‏وصولاً إلى استكمال الاندماج العسكري والأمني والإداري.‏

وكان محافظ حلب، المهندس عزّام الغريب، قد عقد في 29 أغسطس الماضي ‏اجتماعاً موسعاً مع محافظ الحسكة نور الدين أحمد، ومحافظ دير الزور زياد العايش، ‏وقائد الفيلق الثاني العميد عواد محمد الجاسم، ومعاون وزير الدفاع للمنطقة الشرقية ‏سيبان حمو.‏

وبحث الاجتماع دور محافظة حلب في أعمال لجنة الدمج الرئاسية خلال الفترة الماضية، ‏لا سيما ملف عودة المهجرين إلى مدنهم وقراهم، إلى جانب الخطط المستقبلية ‏والترتيبات الأمنية والخدمية والميدانية والإدارية اللازمة لتسهيل عودة الأهالي خلال ‏المرحلة المقبلة.‏


«حبوب مخدرة» تُسقط متخابراً مع إسرائيل في غزة

رجال الدفاع المدني يخمدون حريقاً في سيارة أُصيبت بغارة إسرائيلية بمدينة غزة السبت (رويترز)
رجال الدفاع المدني يخمدون حريقاً في سيارة أُصيبت بغارة إسرائيلية بمدينة غزة السبت (رويترز)
TT

«حبوب مخدرة» تُسقط متخابراً مع إسرائيل في غزة

رجال الدفاع المدني يخمدون حريقاً في سيارة أُصيبت بغارة إسرائيلية بمدينة غزة السبت (رويترز)
رجال الدفاع المدني يخمدون حريقاً في سيارة أُصيبت بغارة إسرائيلية بمدينة غزة السبت (رويترز)

لم يكن يعلم الشاب الغزي (ن) أن تعاطيه مواد مخدرة أحدثت حالة من الهلوسة عنده، ستكشف عن سر حمله لأكثر من عام، يتعلق بتخابره مع جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك»، الذي جنّده لمهام أمنية بهدف ملاحقة نشطاء من الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية.

في تلك الليلة الظلماء، تناول (ن)، مواد مخدرة، وكان قبلها بوقت قصير قد تلقى اتصالاً من مشغّله ضابط المخابرات الإسرائيلية، يطلب منه إرسال صور لمكان ما يخص مأوى لناشط في أحد الفصائل الفلسطينية البارزة والفاعلة، عبر تطبيق الماسنجر في «فيسبوك»، لكن المتخابر بعد أن تناول تلك المواد لم يكن في وعيه، وبدلاً من إرسال تلك الصور لمشغله، نشرها على حائط حسابه الشخصي في «فيسبوك».

فلسطينيون يحملون جثمان القيادي في «كتائب القسام» نائل أبو عبيد بعد اغتياله بغارة إسرائيلية في خان يونس بغزة 16 سبتمبر 2026 (أ.ب)

قصة حقيقية

هذه التفاصيل لم تكن مجرد قصة خيالية، بل هي أحداث يمكن وصفها بـ«المثيرة» والتي أدت إلى اعتقال المتخابر بعدما رأى أحد أقربائه ما نشره على «فيسبوك»، فاستعجل الاتصال بالشخص الذي صوَّر المكان الخاص به، وأبلغه بما جرى، في وقت حاول أشخاص تنبيه المتخابر نفسه لما نشره من صور اعتقدوا أنها بالخطأ، فقام بحذفها لاحقاً، إلا أنه لم يكن يعلم أن صاحب الشأن قد وصلت إليه المعلومة.

فلسطينيون اتخذوا ملجأ بجوار منزل متضرر من القصف الإسرائيلي على قطاع غزة (أرشيفية - أ.ب)

ويقول مصدر أمني مطلع على التفاصيل لـ«الشرق الأوسط»، إنه تم تجهيز كمين له لاعتقاله، فحاول الفرار إلى الخط الأصفر، جنوب قطاع غزة، بعدما علم من ضابط المخابرات الإسرائيلية بما تم إعداده له لاعتقاله، ليتبين لاحقاً أنه قام بزرع جهاز تنصت صغير في المكان الذي كان يوجد به ذلك الناشط في أحد الفصائل. وهو أمر اعترف به بنفسه خلال التحقيقات معه.

ويوضح المصدر أن سرعة التصرف أدت إلى اعتقاله قبل فراره، مبيناً أن اعتقاله والتحقيق معه وانهياره سريعاً كشف عن تورطه في اغتيال 12 ناشطاً في الفصائل الفلسطينية على مدار عام من تجنيده.

استغلال الظروف

ويشير المصدر إلى أن كثيراً من المتخابرين سقطوا في وحل التخابر لصالح المخابرات الإسرائيلية، بسبب حاجتهم إلى المال، ولكن غالبيتهم بسبب تعاطيهم المواد المخدرة، وكذلك إسقاطهم من متخابرين آخرين أو ضباط مخابرات استغلوا ظروفهم المادية أو الحياتية والاجتماعية والعلاقات المحرمة، لتجنيدهم.

ويؤكد المصدر أنه على الرغم من الظروف الأمنية الصعبة والملاحقة المستمرة من إسرائيل لنشطاء الفصائل الفلسطينية ورجال الشرطة والأجهزة الأمنية، فإن عمليات الملاحقة مستمرة للمتخابرين، وكذلك للمتعاونين أو العاملين مع العصابات المسلحة.

إعدامات سابقة

وأعدمت حركة «حماس» منذ أسابيع، متخابراً اعترف بأنه تسبب في اغتيال عز الدين الحداد، القائد العام لـ«كتائب القسام» الجناح المسلح للحركة، والذي كان قد اغتيل منتصف مايو (أيار) الماضي، بعد قصف مركبة كان يقودها في مدينة غزة.

وكان ذلك المتخابر قد اعتقل بعد يوم واحد فقط من اغتيال الحداد، بعدما كان يتجول داخل مجمع الشفاء الطبي ويحاول الحصول على معلومات بشأن أسماء ضحايا ومصابين، وبعدما شوهد أكثر من مرة في مكان اغتيال الحداد وكذلك في أماكن معينة.

وعلى مدار الحرب وبعد وقف إطلاق النار، نُفذ عديد من عمليات الإعدام لغزيين ثبت تخابرهم وتسببهم بمقتل قيادات ونشطاء في الفصائل الفلسطينية بعدما تم اكتشافهم في ظروف مختلفة.

فلسطيني ينقِّب الخميس عن أشياء بين أنقاض مبنى سكني انهار بعد تضرره في قصف إسرائيلي سابق بمدينة غزة (أرشيفية - رويترز)

ويوضح مصدر أمني آخر لـ«الشرق الأوسط»، أن غالبية المتخابرين يكونون من خارج الفصائل الفلسطينية، في حين أن بعضهم يكون على علاقة مع الشخص المستهدف سواء بقرابة أو من الجيران أو من بيئة اجتماعية معينة، أو حتى يكون شخصاً لا علاقة له به، كما كان الحال بين الحداد والمتخابر الذي تسبب في اغتياله.

ضحايا وتصعيد متواصل

في سياق آخر، أُعلن في قطاع غزة، السبت، مقتل 4 فلسطينيين بغارات إسرائيلية على مناطق متفرقة، من بينهم طفلة أُعلنت وفاتها متأثرةً بجروح حرجة أُصيبت بها ظهر أمس، إثر إطلاق نار شمال مخيم النصيرات وسط القطاع.

ومن بين القتلى، شاب قُصفت مركبته قبيل عصر السبت، في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، وأُصيب 7 بينهم حالة حرجة في الحادثة نفسها، فيما قُتل الشاب بصير البرش، نجل منير البرش، مدير عام وزارة الصحة بغزة، بعد أن استهدفته طائرة مسيَّرة بصاروخ واحد غرب مخيم جباليا شمال القطاع، فيما قُتل شاب آخر بغارة مماثلة في شارع مشتهى بحي الشجاعية، وهو المكان الذي تعرَّض لاحقاً لقصف من طائرات حربية.

جهود الإنقاذ جارية بعد انهيار مبنى كان قد تضرر جراء قصف إسرائيلي سابق في مدينة غزة (رويترز)

وقصفت المدفعية الإسرائيلية عدة مناطق، فيما أطلقت آليات ومسيَّرات النار في أكثر من مرة، مما أدى لإصابة بعض الفلسطينيين خصوصاً قرب الخط الأصفر. وسط عمليات نسف عنيفة نُفِّذت في مناطق متفرقة من القطاع.

وتوغلت عدة آليات عسكرية إسرائيلية برفقة آليات هندسية في المنطقة الواقعة ما بين بلدة المصدر ومخيم المغازي شرق وسط قطاع غزة، تزامناً مع عمليات تجريف وإطلاق نار متقطع في تلك المناطق، مما أدى إلى إصابة شاب وسيدة بجروح، بينهم الأخيرة التي وُصفت حالتها بالخطيرة، ويحاول الأطباء في مستشفى شهداء الأقصى إنقاذ حياتها.

كان 5 فلسطينيين قد قُتلوا في سلسلة غارات وعمليات إطلاق نار يوم الجمعة، من بينهم ناشطان في «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس»، قُتلا في غارتين منفصلتين في ساعات المساء، بينهم الشاب محمد الرفاعي، الناجي الوحيد من أفراد عائلته بعدما كانت إسرائيل قد قتلت والديه وأشقاءه وشقيقاته بقصفين سابقين خلال الحرب في منزل ومركز إيواء كانوا يوجدون به.

انهيار جزئي لمبانٍ

في سياق آخر، أعلن الدفاع المدني أنه أنقذ عائلتين، السبت، بعدما انهارت منزلاهما بشكل جزئي في مدينة غزة، مشيراً إلى أن طواقمه تمكنت من إنقاذ شاب آخر سقط عليه سطح منزل عائلته المتضرر في حي الزيتون، جنوب مدينة غزة.

وأعلن الجهاز، الجمعة، إنقاذ عائلة أخرى إثر تضرر منزلها الذي تعيش فيه بحي الصبرة، جنوب مدينة غزة.

وكان 21 فلسطينياً قد لقوا مصرعهم، فيما تم إنقاذ العشرات بعد انهيار مبنى مكون من 6 طوابق بمنطقة الصبرة.


المستوطنون يواصلون هجماتهم بالضفة الغربية... والجيش الإسرائيلي يوسع عملياته العسكرية

مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون بحقل في حين يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)
مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون بحقل في حين يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

المستوطنون يواصلون هجماتهم بالضفة الغربية... والجيش الإسرائيلي يوسع عملياته العسكرية

مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون بحقل في حين يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)
مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون بحقل في حين يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

كثَّف المستوطنون الإسرائيليون من هجماتهم بحق الفلسطينيين في مناطق الضفة الغربية، ونفَّذوا عمليات ومحاولات أخرى لإحراق منازل وممتلكات في قرى وبلدات عدة، تزامناً مع توسيع الجيش الإسرائيلي عملياته بمناطق مختلفة، وتنفيذ اعتقالات طالت العشرات، في الأيام القليلة الماضية.

وشنَّ المستوطنون، اليوم (السبت)، هجوماً على قرية برقا، شرق رام الله وسط الضفة الغربية، من ثلاث جبهات، بهدف تشتيت انتباه المواطنين الذين يتصدون لهجماتهم باستمرار، مستهدفين منازل الفلسطينيين وممتلكاتهم، وتسببوا بإصابة مسن.

مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون بحقل في حين يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأطلق مستوطنون الرصاص الحي صوب منازل المواطنين في منطقة شعب اللوز بقرية المغير، شمال شرقي رام الله، دون أن يُبلَّغ عن أي إصابات، فيما اقتحمت قوات عسكرية منزلين في القرية، واحتجزت أفراد عائلة أحدهما واستجوبتهم.

وقطع مستوطنون آخرون خط المياه المغذي لقرية أدقيقة في بادية يطا، جنوب الخليل؛ ما أدى إلى حرمان نحو 700 مواطن من المياه.

وكان 5 شبان فلسطينيين أُصيبوا، الجمعة، إثر هجوم المستوطنين بالحجارة على مركبتهم قرب مدخل قرية يبرود شرق رام الله، فيما أصيب فتاة بشظايا رصاص حي أطلق من قبل مستوطن تجاهها في بلدة عقربا جنوب نابلس. بينما أُصيب مواطن إثر اعتداء على عدد من العائلات في منطقة خربة علان بالجفتلك، شمال أريحا، والأغوار.

مستوطنون يرفعون أعلاماً إسرائيلية على طريق رئيسي يؤدي إلى مدينة جنين بعدما أعادوا بناء مستوطنات في المنطقة (أرشيفية - إ.ب.أ)

كما هاجم آخرون منشأة صناعية، وبركساً يعود لفلسطيني في بلدة بيتا جنوب نابلس، في وقت اقتحم مستوطنون منطقة برك سليمان السياحية الواقعة بين بلدة الخضر وقرية أرطاس، جنوب بيت لحم، وقرية عين سينيا، شمال رام الله، وحي الطيرة في المدينة؛ حيث تجولوا بين منازل الفلسطينيين، ونفَّذوا أعمالاً استفزازية، وسط الصراخ وإلقاء الشتائم على المواطنين.

وهاجمت مجموعة أخرى من المستوطنين المزارعين الفلسطينيين، واعتدوا عليهم في منطقة واد الشنار ببلدة حلحول، شمال الخليل، واحتجزوا عدداً منهم، ونكَّلوا بهم، أثناء محاولتهم الوصول إلى أراضيهم.

ووثَّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 4914 اعتداءً للمستوطنين منذ مطلع 2026، وحتى نهاية أغسطس (آب) الماضي، مبينةً أن تلك الاعتداءات ألحقت أضراراً مباشرة بـ164 فلسطينياً، بينهم 20 طفلاً و17 امرأة، وطالت أعمال التخريب 21508 أشجار، بينها 19375 شجرة زيتون.

السفير الأميركي مايك هاكابي على سطح منزل في ترمسعيا بالضفة الغربية التي تعرضت لهجمات من مستوطنين في 3 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

هاكابي والاستيطان

وفي السياق، ذكرت صحيفة «هآرتس» العبرية، الجمعة، أن السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، يُعدّ صاحب النفوذ الأكبر في جماح التوسع الاستيطاني بالضفة، لا سيما فيما يتعلق بكل ما يحدث في القرى الفلسطينية التي يقطنها فلسطينيون يحملون الجنسية الأميركية، وهو أمر أكده مسؤول أمني إسرائيلي في حديث للصحيفة.

ووفقاً للصحيفة العبرية، فإن السفارة الأميركية والضباط الأميركيين المسؤولين أيضاً عن تدريب قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية يبذلون جهوداً حثيثة في رصد أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون، ويطالبون الحكومة والجيش الإسرائيلي باتخاذ خطوات للحد من المضايقات التي قد تنطلق من بؤر استيطانية ومزارع رعوية محددة.

وكان هاكابي، وهو مسيحي متديِّن، من أبرز الداعمين للاستيطان لسنوات، لكن ما رآه على أرض الواقع، في العام الماضي، هزَّه بشدة. وقد عبَّر عن ذلك في تصريحات علنية، وفي العديد من الاتصالات غير الرسمية.

كما تقول «هآرتس»، مضيفةً: «هذا كافٍ لإثارة قلق القيادة السياسية في إسرائيل ورؤساء المجالس الإقليمية للمستوطنين، الذين يخشون فقدان الدعم الأميركي، ويخشون تدهور علاقاتهم مع السفير. أما مثيرو العنف أنفسهم، فهم أقل اكتراثاً، ويستمرون في هجماتهم، كما جرى عدة مرات في الأسبوع الأخير».

وتقول الصحيفة: «أما ممثلو الدول الأوروبية في إسرائيل، فهم أكثر إحباطاً من الأميركيين، وتأثيرهم على ما يجري على الأرض ضئيل، ويجد السفراء والملحقون العسكريون من الدول الكبرى والمهمة صعوبة حتى في الحفاظ على علاقات عمل مستمرة وفعالة مع وزارتي الخارجية والدفاع في إسرائيل...».

عمليات موسَّعة

يأتي تكثيف المستوطنين هجماتهم، على وقع عمليات عسكرية واسعة تستمر لساعات طويلة في عدة مناطق من الضفة الغربية ومخيمات القدس الشرقية، بحجة ملاحقة المسلحين واعتقالهم، ومصادرة أي أسلحة، وتفجير المخارط والسيطرة عليها.

مستوطنون وجنود إسرائيليون مسلّحون في بلدة حوارة بالضفة الغربية المحتلة (أرشيفية - أ.ف.ب)

واعتقلت القوات الإسرائيلية، يوم الخميس، في عمليات واسعة، عشرات الفلسطينيين، وطالت الاعتقالات بلدة حجة، شرق قلقيلية، ومخيم العين في نابلس، وبلدتَي علار وصيدا شمال طولكرم، وبلدة كوبر في رام الله، وبلدة حلحول شمال الخليل. وحقَّقت مع المعتقلين داخل منازل حوَّلتها لثكنات عسكرية بعد إخلائها من سكانها.

ووُصفت تلك العمليات فلسطينياً بأنها عمليات مصغرة من تلك التي طالت مخيمات شمال الضفة الغربية، وغيَّرت معالم تلك المخيمات، خصوصاً في جنين وطولكرم، وسط تهديدات إسرائيلية مستمرة بعمليات أخرى تطال مخيمات جديدة.

وفي السابع من الشهر الحالي، قال وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، إن سياسة قواته في الضفة قائمة على مواجهة ما وصفه بـ«الإرهاب الفلسطيني»، وتطوير وتعزيز الاستيطان اليهودي، والحفاظ على الاستقرار الأمني القائم على اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لمنع تدهوره، وأنه في حال كان هناك أي تهديد أمني قائم فسيتم إخلاء سكان المدن والقرى التي تنطلق منها أي هجمات، والقضاء على «المخربين»، وتدمير جميع البنية التحتية لهم، وبقاء الجيش الإسرائيلي في تلك المناطق والسيطرة عليها، كما فعل بمخيمات شمال الضفة، وأنشأ مناطق أمنية بغزة ولبنان.

من جهة أخرى، بحث نائب رئيس دولة فلسطين، حسين الشيخ، مع مفوّضة الاتحاد الأوروبي لشؤون المتوسط، دوبرافكا شويتسا، هاتفياً، الجمعة، التطورات المحلية والإقليمية والدولية، وسبل تعزيز التعاون والدعم الأوروبي للفلسطينيين، مثمّناً ما قدمه الاتحاد من دعم لهم، متطرقاً للوضع الكارثي بغزة، وتصاعد إرهاب المستوطنين في الضفة، واستمرار التوسُّع الاستعماري والاستيلاء على الأراضي، وما يشكله ذلك من تهديد لأمن واستقرار للفلسطينيين ولإمكانية تحقيق السلام وحل الدولتين.