رائحة الشوكولاته الداكنة تقلل الشعور بالجوع

يعتقد أن التغيرات في إدراك الشهية قد تكون مرتبطة بما نتعلمه عن الروائح منذ الصغر (رويترز)
يعتقد أن التغيرات في إدراك الشهية قد تكون مرتبطة بما نتعلمه عن الروائح منذ الصغر (رويترز)
TT

رائحة الشوكولاته الداكنة تقلل الشعور بالجوع

يعتقد أن التغيرات في إدراك الشهية قد تكون مرتبطة بما نتعلمه عن الروائح منذ الصغر (رويترز)
يعتقد أن التغيرات في إدراك الشهية قد تكون مرتبطة بما نتعلمه عن الروائح منذ الصغر (رويترز)

وجدت دراسة جديدة أن استنشاق رائحة الشوكولاته الداكنة الغنية بالكاكاو يُقلل من الشعور بالجوع والرغبة في تناول الطعام، كما أنه يحسن من أداء المتدربين الرياضيين.

وأظهرت نتائج الدراسة المنشورة في مجلة «فرونتيرز إن فيزيولوجي» أن الشوكولاته الداكنة كان لها تأثيرات على مقاييس الشهية، وأدى استنشاق رائحتها باستمرار إلى إبلاغ المشاركين عن شعور أقل بالجوع، وانخفاض الرغبة في تناول الطعام، وزيادة الشعور بالشبع، كما انعكس ذلك على الأداء عند ممارسة التمرينات الرياضية.

وقال الدكتور محمد نشر الدين بن نهار الدين، الأستاذ المساعد في كلية علوم الرياضة والتمارين بجامعة مالايا الماليزية، والمؤلف الرئيسي للدراسة: «نعلم أن حاسة الشم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بشبكات الشهية والعاطفة في الدماغ، ولكن من المثير للدهشة أنه لم تُجرَ أي دراسة منهجية من قبل تتناول التفاعل الثلاثي بين حاسة الشم والشهية والقدرة الفعلية على أداء تمارين المقاومة».

وأضاف في بيان الخميس: «تعريض الرجال في أثناء التدريب الرياضي المتوسط ​​لرائحة الشوكولاته قبل وبين مجموعات تمارين المقاومة زاد بشكل ملحوظ من حجم تدريبهم الإجمالي دون زيادة الجهد المبذول».

أدى استنشاق رائحة الشوكولاته الداكنة إلى إضافة حوالي 18 تكراراً لتمارين تمديد الساق (آنشبيلاش)

وأوضح: «رؤية زيادة كبيرة في عدد التكرارات دون أن يشعر الرياضيون ببذل جهد أكبر تُعد نتيجة نفسية بيولوجية مثيرة للاهتمام».

وتشير هذه التأثيرات وفق نتائج الدراسة إلى «أن ترقب الطعام قد يكون له تأثيرات مُشابهة لتأثيرات تناوله الفعلي. وتُحاكي هذه التغييرات بشكلٍ كبيرٍ بعض التحولات النفسية والفسيولوجية التي تحدث عادةً عند تناول الطعام».

تأثيرات مختلفة

واختار الباحثون عينة الدراسة من 23 رجلاً من الرياضيين، ممن تتراوح أعمارهم بين أوائل ومنتصف العشرينات. قُسِّم المشاركون إلى ثلاث مجموعات، وقُدِّمت لكل مجموعة عينة من ثلاث روائح: شوكولاته داكنة سائلة تحتوي على 90 في المائة من الكاكاو، وشوكولاته بالحليب سائلة تحتوي على 60 في المائة من الكاكاو، وعينة ماء بوصفها عينة ضابطة.

لم يتناول المشاركون الطعام لمدة 10 ساعات على الأقل قبل أداء تمرين مدّ الساقين، وهو تمرين مقاومة يُؤدَّى بالجلوس ومدّ الساقين لرفع وزن للأعلى. وقُيِّم أداء تمرين مدّ الساقين قبل وأثناء التمرين.

سُجِّلت مشاعر الجوع والشبع والرغبة في تناول الطعام، بالإضافة إلى خطط تناول الطعام في المستقبل القريب، قبل بدء تمرين الساقين، وأثناء الجولات.

وأظهرت هذه القياسات أن نوعي الشوكولاته كان لهما تأثيرات واضحة، وإن كانت مختلفة، على مقاييس الشهية. فمقارنةً بعينات الماء والشوكولاته بالحليب، أدى استنشاق الشوكولاته الداكنة باستمرار إلى إبلاغ المشاركين عن شعور أقل بالجوع، وانخفاض الرغبة في تناول الطعام، وزيادة الشعور بالشبع قبل التمرين.

للشوكولاته الداكنة تأثيرات ملموسة على مقاييس الشهية (بيكسلز)

وفي المقابل، أبلغ من استنشقوا رائحة الشوكولاته بالحليب عن شعورهم براحة أكبر تجاه الرائحة مقارنةً بعينات الشوكولاته الداكنة والماء، ولكن دون أي تغييرات في الجوع أو الشهية.

ولم يؤثر استنشاق عينات الشوكولاته على مقاييس الشهية فحسب، بل على الأداء أيضاً.

وقال نهار الدين: «أدى استنشاق رائحة الشوكولاته الداكنة بنسبة 90 في المائة إلى إضافة حوالي 18 تكراراً لتمارين تمديد الساق للمشاركين، بينما أضافت رائحة الشوكولاته بالحليب بنسبة 60 في المائة حوالي تسعة تكرارات مقارنةً بعينة الماء».

كيف يمكن للرائحة أن تحاكي تناول الطعام؟

ويعتقد الباحثون أن هذه التغيرات في إدراك الشهية قد تكون مرتبطة بما نتعلمه عن الروائح منذ الصغر. تُولد الإشارات المكتسبة، مثل الأطعمة التي تناولناها سابقاً، توقعاتٍ حول ما يحدث بعد الأكل، وقد تُؤدي إلى تحوّلٍ من الشعور بالجوع إلى الشعور بالشبع.

ويقول نهار الدين: «تُعدّ رائحة الشوكولاته الداكنة إشارةً مكتسبةً لطعامٍ غنيٍّ ومرٍّ ومُشبعٍ للغاية، ما يُوهم الجسمَ بحالةٍ من الترقب والشبع. في المقابل، تعمل رائحة الشوكولاته بالحليب الأكثر حلاوةً بوصفها إشارة للمكافأة الحسية، إذ تُعزز حجم التدريب من خلال خلق بيئةٍ حسيةٍ مُمتعةٍ للغاية، بدلاً من تغيير إشارات الجوع الأيضية الأساسية».


مقالات ذات صلة

هل استنشاق الشوكولاته يُساعد على ممارسة التمارين لفترة أطول؟

صحتك شخص يؤدي تمارين رياضية (بكسلز)

هل استنشاق الشوكولاته يُساعد على ممارسة التمارين لفترة أطول؟

يثير السؤال بشأن موعد تناول الطعام قبل أداء التمارين أم على معدة فارغة؟ جدلاً واسعاً بين الرياضيين والباحثين على حدٍ سواء، حسب موقع «ايتنج ويل».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك  الجمع بين اللوز النيئ والشوكولاته أدى إلى انخفاض ملحوظ في عدد جزيئات البروتين الدهني منخفض الكثافة (LDL) الصغيرة والكثيفة (بيكسلز)

اللوز والشوكولاته الداكنة: كيف يؤثران على الكوليسترول عند تناولهما معاً؟

يُعرف كلٌّ من اللوز والشوكولاته الداكنة بفوائده الصحية عند تناوله بشكل منفرد، إذ يحتوي كل منهما على عناصر غذائية ومركبات نباتية مرتبطة بدعم صحة القلب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق عبوة من بسكويت «كيت كات» المغطى بالشوكولاته معروضة في صالة عرض شركة «نستله» السويسرية العملاقة للأغذية في مدينة فيفي (أرشيفية - أ.ف.ب)

سرقة أكثر من 400 ألف قطعة شوكولاته «كيت كات» في إيطاليا

قالت شركة الأغذية السويسرية العملاقة «نستله» إنه تمت سرقة نحو 12 طناً أو أكثر من 400 ألف قطعة شوكولاته تحمل علامتها التجارية «كيت كات»

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الشوكولاته تُعد من الأطعمة الغنية بالسعرات الحرارية (بيكسلز)

الإفراط في الشوكولاته… 9 مخاطر صحية لا تتجاهلها

بالنسبة لمعظم الأشخاص، فإن تناول الشوكولاته باعتدال وضمن نظام غذائي متوازن ليس ضاراً، بل قد يقدّم بعض الفوائد الصحية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك قِطع من الشوكولاته الداكنة (د.ب.أ)

ماذا يحدث لجسمك عند تناول الشوكولاته الداكنة بانتظام؟

تحظى الشوكولاته الداكنة باهتمام متزايد من الباحثين وخبراء التغذية؛ لما قد تحمله من فوائد صحية، فهي تحتوي على نِسب عالية من الكاكاو ومضادات الأكسدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

إلهام إحساس: «رائد الفضاء المنسي» محاولة لاستعادة ما محاه الزمن

لم يجرِ المخرج أي تصحيحات على الصور للاحتفاظ بتأثير الزمن (الشركة المنتجة)
لم يجرِ المخرج أي تصحيحات على الصور للاحتفاظ بتأثير الزمن (الشركة المنتجة)
TT

إلهام إحساس: «رائد الفضاء المنسي» محاولة لاستعادة ما محاه الزمن

لم يجرِ المخرج أي تصحيحات على الصور للاحتفاظ بتأثير الزمن (الشركة المنتجة)
لم يجرِ المخرج أي تصحيحات على الصور للاحتفاظ بتأثير الزمن (الشركة المنتجة)

قال المخرج الأفغاني-البريطاني إلهام إحساس إن فكرة فيلمه الوثائقي القصير «رائد الفضاء المنسي» انطلقت من دهشته حين اكتشف أن رائداً أفغانياً وصل إلى الفضاء عام 1988، في حين لم يكن يعرف هذه القصة من قبل، شأنه شأن كثيرين. ودفعه ذلك إلى التساؤل عن القصص الأخرى التي غابت عن الذاكرة رغم أهميتها، مشيراً إلى أن رحلة رائد الفضاء عبد الأحد مومند شكّلت بالنسبة إليه مدخلاً لطرح أسئلة أوسع حول ما تحتفظ به ذاكرة الشعوب وما يُمحى من تاريخها.

وأضاف إلهام إحساس، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر تطبيق «زووم»، أن غياب قصة مومند لم يكن، في نظره، مجرد نتيجة لمرور الزمن، بل يعكس الطريقة التي تُصاغ بها الروايات عن أفغانستان؛ إذ ظلت البلاد حاضرة في الوعي العالمي من خلال الحروب والانهيارات والعناوين السياسية، في حين توارت القصص التي تجسّد إنجازاتها العلمية والثقافية.

المخرج الأفغاني إلهام إحساس (الشرق الأوسط)

ويروي فيلم «رائد الفضاء المنسي» قصة عبد الأحد مومند، أول رائد فضاء أفغاني والوحيد حتى الآن، الذي انطلق عام 1988 إلى محطة «مير» الفضائية، في مهمة شكّلت لحظة استثنائية في تاريخ بلاده. وخلال الرحلة، أعدّ الشاي الأفغاني لطاقم المحطة، كما أصبحت اللغة البشتونية، بحسب الفيلم، رابع لغة تُستخدم في الفضاء، بعدما تحدث بها مومند خلال اتصال بوالدته من المدار.

ويستعيد الفيلم هذه القصة من خلال المزج بين المواد الأرشيفية والذاكرة الشخصية والموسيقى الأفغانية، وعُرض عالمياً للمرة الأولى ضمن فعاليات الدورة الـ79 من مهرجان «لوكارنو السينمائي» في سويسرا.

وأضاف أن «المشروع شهد تحولاً كبيراً خلال مراحل الإعداد، بعدما عثرتُ على صورة فوتوغرافية قديمة لوالدي، الذي كان يعمل صحافياً في كابل، خلال إجرائه مقابلة مع عبد الأحد مومند عقب عودته من رحلته الفضائية». وأوضح أن الفيلم بدأ بوصفه رحلة بحث عن رائد الفضاء، قبل أن تتحول تلك الصورة إلى نقطة الارتكاز الأساسية فيه؛ إذ فتحت الباب أمام قصة أخرى تتعلق بعائلته، وبالعلاقة بين الذاكرة الشخصية والمنفى والتاريخ.

وأكد أن حضور والده في الحكاية غيّر طبيعة الفيلم بالكامل؛ إذ لم تعد القصة تقتصر على البحث عن شخصية تاريخية، بل أصبحت تتناول أيضاً تاريخ عائلته وتجربة اقتلاعها من الوطن، وكيف حملت ذكرياتها معها إلى المنفى. وقال إن «هذا التحول دفعني إلى إعادة بناء الفيلم والتخلي عن أشهر من العمل، بعدما اكتشفت أن المادة نفسها تقودني إلى مسار مختلف وأكثر صدقاً من الفكرة الأولى التي انطلق منها المشروع».

المخرج انطلق من لقاء سابق بين والده ورائد الفضاء الأفغاني (الشركة المنتجة)

وأكد المخرج الأفغاني-البريطاني أنه كثيراً ما تساءل عن الصورة التي كان يمكن أن تبدو عليها أفغانستان لو ظلت رحلة مومند حاضرة في الذاكرة الدولية، معتبراً أن «ارتباط اسم البلاد بإنجاز علمي وإنساني كان سيمنحها حضوراً مختلفاً في مخيلة العالم، وربما أسهم أيضاً في تغيير نظرة الآخرين إلى الأفغان خارج وطنهم، بعيداً عن الصورة النمطية التي تربط بلادهم بالحروب».

وأوضح أن المنفى يحتل مكانة أساسية في الفيلم، انطلاقاً من قناعته بأن الابتعاد عن الوطن قد يجعل العودة إليه أشد استحالة من الوصول إلى الفضاء نفسه. وأضاف: «يستطيع الإنسان أن ينظر إلى السماء كل يوم، لكنه قد يعجز عن العودة إلى المكان الذي وُلد فيه. هذا الشعور يمثّل جوهر تجربة الشتات التي يعيشها ملايين الأشخاص، وليس الأفغان وحدهم».

وأكد المخرج أنه تعمّد الإبقاء على الخدوش والعيوب في المواد الأرشيفية التي استعان بها، لكونها جزءاً من الحكاية وليست عيوباً ينبغي إخفاؤها. ورأى أن إزالة آثار الزمن عن تلك الصور كانت ستفقدها جزءاً من معناها؛ لأن الفيلم يتناول، في جوهره، تأثير الزمن في البشر والأماكن والذاكرة، مشيراً إلى أن ما تحمله اللقطات القديمة من نقص وفراغات يعكس أيضاً الكيفية التي تستقر بها الذكريات داخل الإنسان.

عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «لوكارنو» (الشركة المنتجة)

وأضاف أن «الموسيقى الأفغانية وُظفت بوصفها جزءاً من البناء السردي للعمل؛ إذ اعتمد الفيلم على 3 أغنيات أفغانية قديمة لتقسيمه إلى فصول». ورأى أن الموسيقى تمتلك قدرة على نقل ذاكرة المكان ومشاعره تفوق قدرة الكلمات، كما تستحضر لدى أبناء الشتات إحساساً فورياً بالانتماء؛ لذلك أدت دوراً أساسياً في تشكيل إيقاع الفيلم وبنيته.

وعزا غياب قصص الإنجازات العلمية في الدول التي شهدت حروباً إلى أن هذه الإنجازات تربك الصورة النمطية التي اعتاد العالم أن يرى من خلالها تلك البلدان. وأضاف أن «التركيز على العلماء والمبدعين وصنّاع الثقافة يكشف حجم ما خسرته هذه المجتمعات، ويقدّم صورة أكثر اكتمالاً عنها، بدلاً من اختزالها في مشاهد الصراع وحدها».

وأشار إلى أن أحد أهداف الفيلم يتمثَّل في تعريف الأجيال الأفغانية الجديدة بعبد الأحد مومند، معرباً عن أمله في أن يمنحها العمل شعوراً بالفخر والانتماء، وأن يدفعها إلى إدراك أن تاريخ بلادها لا يقتصر على الحروب، بل يضم أيضاً شخصيات استطاعت تحقيق إنجازات استثنائية، رغم الظروف التي مرّت بها أفغانستان.


فيرا بولياكوفا - ماكي تعيد اكتشاف عالم بوشكين من بوابة الحب الأول

حصد العرض على إشادات نقدية عدة (إدارة المهرجان)
حصد العرض على إشادات نقدية عدة (إدارة المهرجان)
TT

فيرا بولياكوفا - ماكي تعيد اكتشاف عالم بوشكين من بوابة الحب الأول

حصد العرض على إشادات نقدية عدة (إدارة المهرجان)
حصد العرض على إشادات نقدية عدة (إدارة المهرجان)

قالت المخرجة البيلاروسية فيرا ألكساندروفنا بولياكوفا - ماكي، مخرجة العرض «جينيا + تانيا = حب» (Zhenya + Tanya = Love)، الفائز بجائزة أفضل عرض في الدورة الـ33 من مهرجان «القاهرة الدولي للمسرح التجريبي»، إن العمل يقوم على الربط بين ألكسندر بوشكين وعصرنا الراهن، وكذلك بين المتفرج وخشبة المسرح.

وأشارت إلى أن الراوي يمثّل، في جوهره، دليلاً يقود الجمهور عبر مسار الرواية، ويصل بين عالم الرواية وزمننا المعاصر، وبين الممثلين والمتفرجين، ليشكِّل طبقة أساسية ومتعددة المستويات في بنية العرض.

وأضافت بولياكوفا-ماكي، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أن رواية «يفغيني أونيجين» الشعرية تمثّل جزءاً من الأدب الروسي الكلاسيكي الذي يدرسه كل طالب تقريباً في الصف التاسع. وأوضحت أنها أرادت ألا تتحول هذه الحكاية إلى مجرد واجب منزلي ممل، بل أن تجد صداها في قلوب الشباب؛ فالجميع يعرف معنى الحب الأول، وما يحمله من مشاعر رقيقة وقوية، وكيف يمكن لهذه التجربة أن تؤثر في تكوين الإنسان، خصوصاً في سنوات شبابه الأولى.

نال العرض الجائزة الكبرى في المهرجان (إدارة المهرجان)

وتدور أحداث العرض في عالم «يفغيني أونيجين» وعلاقاته بالشخصيات المحيطة به، وفي مقدمتها الحب الأول ومشاعر «تاتيانا» تجاهه، إلى جانب علاقته بصديقه «لينسكي»، وما يتصل بها من أحداث تنتهي بالمبارزة.

ويعيد العرض تقديم الحكاية من خلال التمثيل والحركة والموسيقى، مع إسناد دور محوري إلى الراوي، الذي يصبح شاهداً مباشراً على الوقائع قبل أن يختفي، فتنتقل قيادة الحكاية إلى «أونيجين».

وأوضحت المخرجة أن الرواية، رغم مرور نحو 200 عام على كتابتها، لا تزال تتحدث عن الإنسان المعاصر وعن كل واحد منا، مشيرة إلى أن مهمتها تمثلت في تكييف الحكاية وتقديمها بلغة بصرية يستطيع جمهور اليوم فهمها. وأضافت أن سرد القصة كان مهماً بالنسبة إليها، لكن الاعتماد على النص نفسه لم يكن ضرورياً دائماً لتحقيق هذا الهدف.

المخرجة البيلاروسية فيرا بولياكوفا-ماكي (إدارة المهرجان)

وقالت بولياكوفا-ماكي إن «العديد من المشاهد الكبيرة في العرض بُنيت باستخدام اللغة البصرية والحركية، وكذلك الموسيقى»، موضحة أن «من أهم العناصر التي لم تكن ترغب في فقدانها المونولوجان الأخيران؛ لأنهما يكشفان عن فكرة العرض ومقصده».

وأضافت أنها حرصت أيضاً على الحفاظ على الشكل الشعري للعمل؛ إذ كُتب النص بالوزن اليَمْبي الرباعي الفريد، وكان من شأن أي تدخل فيه أن يُخل بالقافية والإيقاع والبنية المقطعية. ولفتت إلى أنها أرادت كذلك الاحتفاظ بالمشاهد التي اختارتها من نص بوشكين بأكبر قدر ممكن من الاكتمال، وبالحجم الذي وضعه المؤلف.

وأوضحت أنها، عندما كانت تحذف مشهداً أو تنقله إلى صيغة أخرى، كانت تحرص على ترجمته إلى لغة الحركة والتشكيل الجسدي. وأضافت أن «هذا الأسلوب سمح بالحفاظ على جوهر المادة الأصلية، وفي الوقت نفسه إعادة صياغتها بلغة مسرحية معاصرة لا تعتمد على الكلمة وحدها».

وأشارت المخرجة إلى أن «أحد أصعب الأمور بالنسبة إلى الممثلين كان التمكن من النص الشعري، والقدرة على أدائه بمرونة وطبيعية، كما يتحدثون في حياتهم اليومية». وأكدت أن ذلك كان صعباً بالفعل، خصوصاً أن السرد في نص بوشكين يأتي على لسان راوٍ لا تُحدَّد هويته يُنظر إليه بوصفه صديقاً مقرّباً من بطل الرواية، وهو ما دفعها إلى التفكير في طريقة تجعل السرد أكثر قرباً من الحدث والجمهور.

العرض البيلاروسي يستعيد إحدى روائع بوشكين (إدارة المهرجان)

وأوضحت أن «هذا الراوي، في النسخة المسرحية، لم يعد شخصية بعيدة عن الأحداث، بل أصبح حاضراً داخل الموقف نفسه وشريكاً فيه». وأضافت: «قررت أن أجعله أحد أفراد دائرة الصداقة التي تضم أونيجين ولينسكي، وأن يكون حاضراً بالفعل لحظة المبارزة. فهو شاهد على الحب الأول، وكان موجوداً في الحفل، ويعرف شخصياً ما حدث، وليس لأنه سمع القصة من شخص آخر، وهو ما جعله أكثر التصاقاً بالأحداث».

وقالت إن «عصا التتابع» تنتقل بعد ذلك إلى «أونيجين»، ليتولى قيادة الجزء الأخير من الحكاية، موضحة أن «هذا القرار كان ضرورياً حتى لا يبدو نص بوشكين منفصلاً عن الحدث، أو مجرد مادة وصفية تُروى للجمهور من الخارج».

وأضافت بولياكوفا-ماكي أن اللغة الموسيقية تمثّل بالنسبة إليها وسيلة تعبيرية شديدة القوة؛ لكونها تتمتع بحس سمعي، ولأن الموسيقى تؤثر فيها أحياناً بدرجة أكبر من النص؛ ولذلك خصّت كل شخصية رئيسية في العرض بأغنية تعبّر، من دون الاستعانة بكلمات المؤلف، عما تشعر به الشخصية في تلك اللحظة، معتبرة أن هذا الأسلوب قد يكون أشد قوة وتأثيراً.


«انعكاسات فنية»... جسور من اللون بين السعودية والبوسنة

الفنانتان السعودية والبوسنية في افتتاح المعرض بالقاهرة (الشرق الأوسط)
الفنانتان السعودية والبوسنية في افتتاح المعرض بالقاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«انعكاسات فنية»... جسور من اللون بين السعودية والبوسنة

الفنانتان السعودية والبوسنية في افتتاح المعرض بالقاهرة (الشرق الأوسط)
الفنانتان السعودية والبوسنية في افتتاح المعرض بالقاهرة (الشرق الأوسط)

تحت عنوان: «انعكاسات فنية»، استضافت قاعة نقابة الفنون التشكيلية في دار الأوبرا المصرية معرضاً فنياً ثنائياً، يقدّم تجربة بصرية تقوم على حوار بين ثقافتين، وتجربتين إبداعيتين متميزتين؛ إحداهما للفنانة السعودية عايدة التركستاني، والأخرى للفنانة البوسنية أديسا سويكيتش.

وفي المعرض، الذي نظّمه ملتقى عيون للفنون، تتجاور خصوصية التجربة مع رحابة الفن، وتتعدد الرؤى، والأساليب، فيما يجمعها شغف واحد بالبحث عن الجمال، والتعبير عن الإنسان من خلال الصورة، واللون.

ويحمل عنوان المعرض دلالة عميقة؛ فالانعكاس ليس مجرد صورة تتكرر على أسطح الأشياء، بل هو أثر داخلي لما يراه الفنان، ويعيشه، ويشعر به.

لوحة تعتمد على فن البورتريه بأسلوب خاص (الشرق الأوسط)

من هنا تتحول الأعمال المعروضة إلى انعكاسات للذاكرة، والوجدان، والثقافة، والتجربة الإنسانية، لتمنح المتلقي فرصة للتأمل، واكتشاف ما وراء الشكل الظاهر، وفقاً لمنظّم المعرض، الفنان مصطفى السكري، الذي أضاف لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا اللقاء الفني، الذي يجمع تجربتين تنتميان إلى بيئتين وثقافتين مختلفتين، من البوسنة والسعودية، مزيداً من الدلالات، والقيمة، بما تحمله كل واحدة منهما من ثراء حضاري، وبصري، وإنساني. وفي هذا التنوع تتجسد إحدى أهم قيم الفن التشكيلي، وهي قدرته على بناء جسور التواصل بين الشعوب، وتحويل الاختلاف إلى مساحة للمعرفة، والحوار، والجمال».

وتقول الفنانة السعودية عايدة التركستاني إن هذا المعرض يعبِّر عن مراحل مختلفة من مسيرتها الفنية، وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أنها ترى أن وجه الإنسان هو أكثر ما يعبّر عن المشاعر؛ لذلك جاءت البورتريهات التي تجسّد مشاعر المرأة من أبرز أعمالها. وتوضح: «تركّز لوحات المعرض على تعبيرات العين؛ فهي التي يظهر فيها الفرح، والحزن، والأسى، والعين تتكلم حتى لو لم يتكلم الإنسان».

وعن خصوصية البيئة السعودية في أعمالها، تقول: «هناك لوحات تظهر فيها الهوية السعودية من خلال الألوان الهادئة، والعناصر التراثية، فضلاً عن التركيز على الأسرة، والمرأة بصفتها نصف المجتمع». وتلفت إلى أنها اعتمدت على شغفها بالفن، لا على الدراسة الأكاديمية؛ لذلك جاءت لوحاتها معبّرة عن مشاعر المرأة، وحضورها في المجتمع عموماً.

جانب من أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

ويضم المعرض نحو 40 عملاً فنياً، وتتداخل فيه المدارس، والأساليب الحديثة والمعاصرة مع الأساليب التقليدية. ويظهر الأسلوب التعبيري جلياً في أعمال الفنانة السعودية، متداخلاً أحياناً مع الحس السريالي، أو الرمزي. فيما يبدو التجريد والتناغم اللوني واضحين في أعمال الفنانة البوسنية أديسا سويكيتش، التي قدّمت أعمالاً تنطوي على هوية بصرية مختلفة.

وتقول سويكيتش إنها تحب الفن، وتمارسه منذ طفولتها، وقد اعتادت، على مدى 15 عاماً، الترحال، والتنقل بين دول عديدة، من بينها السعودية. وفي كل مكان تزوره تحمل معها شغفها بالفن، وترسم الأماكن والشخوص بأسلوبها المفضّل.

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «التجريد هو السمة الأساسية لأعمالي، وإن كنت أحب التنويع، والتنقل بين أدوات وخامات مختلفة، لكي أعبّر في لوحاتي عمّا أشعر به، مستلهمةً رحلاتي المتنوعة حول العالم».

لوحة من المعرض تنتصر للمرأة وحضورها في المجتمع (الشرق الأوسط)

وأكدت أن تنوّع الألوان وحوارها على سطح اللوحة يمنحانها فرصة للتعبير عن نفسها، والتحرر من قيود الحياة اليومية، والانفتاح على أفق جمالي مغاير للتفاصيل المألوفة.

وبالتزامن مع هذا المعرض، استضافت قاعة صلاح طاهر بدار الأوبرا معرضاً آخر بعنوان: «انعكاسات فنية 2»، بمشاركة 3 فنانات مصريات، هن: أماني فكري، وجيهان بدران، وإسراء عبد اللطيف، في تجربة تشكيلية تجمع بين اختلاف الرؤى، وتنوّع الأساليب، ووحدة الشغف بالفن.

وفيما تهتم الفنانة جيهان بدران بالطبيعة، وتمزجها بعناصر تراثية، وأحياناً بتيمات مستوحاة من الحضارة المصرية القديمة، في محاولة للجمع بين عوالم ورؤى مختلفة، وصوغ عالمها الفني الخاص، وفق ما تقول لـ«الشرق الأوسط»، تنطلق الفنانة أماني فكري من المرأة بوصفها التيمة الأكثر تعبيراً عن جماليات الفن بالنسبة إليها. في حين ترسم الفنانة إسراء عبد اللطيف نماذج مختلفة من البورتريه و«خيال المآتة»، ضمن رؤية فنية تعتمد على الرمزية، وقراءة ما وراء العمل بأبعاده النفسية، والروحية، والجمالية المتنوعة.

من لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

ووفق الفنان مصطفى السكري، «يُعدّ المعرض مساحة للحوار البصري بين 3 تجارب نسائية، تتخذ من اللوحة مرآةً للذات، والواقع، والذاكرة، ومن اللون لغةً قادرة على التعبير عن حالات إنسانية وجمالية تتجاوز حدود الشكل المباشر».

وتقدّم كل فنانة عالمها التشكيلي الخاص، حاملةً معها تجربتها، ورؤيتها، ومفرداتها البصرية، لتتجاور الأعمال داخل المعرض كما تتجاور الأصوات المختلفة في قصيدة واحدة؛ فلا تلغي أي تجربة خصوصية الأخرى، بل تتيح لها فرصة الحوار، والتكامل.

وتتجلى قيمة المعرض في هذا التنوع الذي يفتح أمام المتلقي أكثر من نافذة للتأمل؛ فمن الأعمال ما يدعوه إلى قراءة اللون، ومنها ما يستوقفه أمام التكوين، وما يأخذه إلى عوالم الذاكرة، والوجدان، لتصبح اللوحة، في النهاية، تجربةً شعوريةً قبل أن تكون بناءً بصرياً.