زيارة الشيباني تؤسس لشراكة استراتيجية مع لبنان

رسالة طمأنة حملها وزير الخارجية السوري إلى بيروت

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يحيي مستقبليه في مدينة طرابلس بشمال لبنان (أ.ف.ب)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يحيي مستقبليه في مدينة طرابلس بشمال لبنان (أ.ف.ب)
TT

زيارة الشيباني تؤسس لشراكة استراتيجية مع لبنان

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يحيي مستقبليه في مدينة طرابلس بشمال لبنان (أ.ف.ب)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يحيي مستقبليه في مدينة طرابلس بشمال لبنان (أ.ف.ب)

لم تكن زيارة وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إلى بيروت مجرد محطة سياسية ودبلوماسيّة؛ إذ جاءت في ظل تحولات كبرى تشهدها المنطقة وخصوصاً لبنان، وبدت بمثابة إعلان سوري واضح بأن دمشق الجديدة تسعى إلى إعادة بناء علاقتها مع لبنان على أسس مختلفة تماماً عن تلك التي حكمت حقبة الوصاية السورية طوال أكثر من أربعة عقود.

وبدا لافتاً أن لقاءات الشيباني في بيروت لم تقتصر على الرؤساء الثلاثة جوزيف عون ونبيه برّي ونواف سلام، بل شملت قيادات دينية وسياسية ورؤساء أحزاب، واعتبر رئيس «لقاء سيدة الجبل» النائب السابق فارس سعيد، أن الزيارة في هذا التوقيت «ليست منفصلة عن التطورات الإقليمية والدولية، وتأتي غداة الكلام الذي تكرر على لسان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والذي تحدث فيه عن أن الرئيس السوري أحمد الشرع سيتولى أمر (حزب الله) في بيروت»، ما دفع القيادة السورية إلى الدخول على خط التطورات اللبنانية بالتزامن مع زيارة المبعوث الأميركي ولقائه القيادات اللبنانية».

وأكد سعيد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة «تحمل في جوهرها رسائل طمأنة إلى مختلف المكونات اللبنانية، ولا سيما المسيحيين والشيعة، مؤكداً أن «سوريا الجديدة تختلف كلياً عن سوريا بشار الأسد، وليست بصدد إعادة تجربة آل الأسد في لبنان أو العودة إلى سياسة الوصاية التي حكمت العلاقات بين البلدين لعقود».

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (أ.ف.ب)

ورأى سعيد أن الإعلان عن تشكيل اللجنة العليا اللبنانية – السورية «يعدّ نقطة انطلاق فعلية نحو صياغة مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين، بعدما وضعت هذه اللجنة الأطر الناظمة للاتفاقات المستقبلية التي ستدير التعاون السياسي والأمني والاقتصادي بين بيروت ودمشق، بما يفتح الباب أمام طي صفحة الماضي بكل تعقيداته، والتأسيس لعلاقة شراكة بين دولتين مستقلتين تجمعهما الجغرافيا والمصالح المشتركة، لا الوصاية والإملاءات».

علاقات متوازنة

وجاءت هذه الزيارة بالتزامن مع حراك دولي تقوده الولايات المتحدة في المنطقة، ومع إعادة فتح ملفات شائكة تتصل بمستقبل لبنان وحدود النفوذ الإقليمي فيه، وكلام الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن دور سوري محتمل لـ«إنهاء ملفّ سلاح (حزب الله)». وفي هذا السياق، أرادت دمشق توجيه رسالة إلى اللبنانيين بأن مرحلة جديدة بدأت، عنوانها احترام سيادة الدولتين وإقامة علاقات متوازنة تقوم على المصالح المشتركة، وطمأنة جميع المكونات اللبنانية بعدم التدخل في شؤونهم الداخلية، كما تقول مصادر لبنانية مواكبة للزيارة.

ولم يمرّ تصريح الشيباني مرور الكرام عقب لقائه رئيس مجلس النواب نبيه بري، ولا سيما إعلانه أنه لا يمانع في الحديث مع «حزب الله» إذا اقتضت الحاجة. واعتبر سعيد أن هذا الموقف «يعكس حجم الانفتاح الذي تنتهجه الدولة السورية الجديدة تجاه جميع المكونات اللبنانية، بما فيها الثنائي الشيعي، ويؤكد أنها لا تتعامل بمنطق الانتقام من (حزب الله) على خلفية ما قام به في سوريا خلال السنوات الماضية».

تطلعات اللبنانيين

وترى أغلبية القوى السياسية اللبنانية أن الموقف السوري الحالي لا يعبّر فقط عن إرادة القيادة الجديدة في دمشق، بل ينسجم أيضاً مع تطلعات غالبية اللبنانيين من مختلف الانتماءات السياسية والطائفية، الساعين إلى بناء علاقة طبيعية ومتوازنة مع سوريا تقوم على احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

واعتبر النائب بلال الحشيمي أن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان شكلت محطةً سياسيةً لافتة، عكست رغبةً حقيقية لدى شريحة واسعة من اللبنانيين في طيّ صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة في العلاقات اللبنانية – السورية، تقوم على الاحترام المتبادل، وحسن الجوار، وصون سيادة الدولتين، بما يحقق مصالح الشعبين الشقيقين.

أعلام لبنانية وسورية يحملها مستقبلو وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في مدينة طرابلس بشمال لبنان (أ.ف.ب)

وقال في بيان: «عبّر اللبنانيون، من خلال حفاوة الاستقبال، عن نضجٍ سياسي وإنساني يؤكد أنهم قادرون على التمييز بين إرث المرحلة السابقة وآفاق المرحلة الجديدة»، وأضاف: «الكثير من اللبنانيين عانوا من سياسات النظام السابق، كما دفع عدد كبير منهم أثماناً سياسية وشخصية بسبب وقوفهم إلى جانب تطلعات الشعب السوري في الحرية والكرامة والتغيير، وهم اليوم يتطلعون إلى علاقة مختلفة، عنوانها الثقة والتعاون والاحترام المتبادل».

وتابع: «انطلاقاً من هذا المناخ الإيجابي، فإننا نتطلع إلى مبادرات عملية من القيادة السورية الجديدة تُترجم هذا التحول، وفي مقدمها إعادة فتح الحدود أمام اللبنانيين بصورة طبيعية، وإلغاء رسم الدخول، وإعادة النظر في شرط الدعوات المسبقة، بما ينسجم مع خصوصية العلاقة التاريخية والجغرافية والإنسانية التي تجمع الشعبين».

زيارة طرابلس

وحظيت زيارة الشيباني إلى مدينة طرابلس (شمال لبنان) باهتمام كبير. وقال سعيد لـ«الشرق الأوسط» إن مدينة طرابلس «دفعت أثماناً باهظة نتيجة مواقفها المؤيدة للثورة السورية، كما تحملت تكلفة سياسية واقتصادية كبيرة خلال فترة النزوح السوري إليها». وشدد على أن طرابلس «أُغرِقت بالحرمان والإهمال لأنها مدينة ذات غالبية سنية عربية، وكانت سياسياً في مواجهة حكم آل الأسد؛ ولذلك فإن زيارة الشيباني تحمل أيضاً بُعداً معنوياً وسياسياً تجاه المدينة وأبنائها».


مقالات ذات صلة

سلام في جنوب لبنان: رسائل إلى الداخل والخارج

المشرق العربي رئيس الحكومة نواف سلام متحدثاً من مقر بلدية النبطية يوم الجمعة (رئاسة الحكومة)

سلام في جنوب لبنان: رسائل إلى الداخل والخارج

جاءت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى النبطية -وهي الثالثة له إلى الجنوب منذ توليه رئاسة الحكومة- في توقيت يحمل دلالات سياسية واضحة.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي جولة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن 3 يونيو الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

«اتفاق الإطار» بين لبنان وإسرائيل أمام امتحان التنفيذ

ينتقل النقاش اللبناني حول «اتفاق الإطار» مع إسرائيل من المبادئ التي قام عليها إلى امتحان التنفيذ، وسط تركّز الخلاف على ترتيب الخطوات وجدولها الزمني.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد عقب انفجار في المنصوري جنوب لبنان (رويترز) p-circle

قصف إسرائيلي وتفجير وحرق منازل في جنوب لبنان

واصل الجيش الإسرائيلي، اليوم السبت، تنفيذ غارات وعمليات قصف وتفجير وحرق منازل في مناطق متفرقة من جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي وفداً من بلدة دير ميماس الجنوبية (الوكالة الوطنية للإعلام)

عون: الجيش والقوى الشرعية المرجع الوحيد لأمن اللبنانيين

تقدّم ملف حصر السلاح ومرجعية الدولة في الجنوب مجدداً إلى واجهة المواقف السياسية اللبنانية، بالتزامن مع استمرار الغارات والقصف والتفجيرات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي لافتة رفعها أحد المعتصمين في سجن رومية تدعو لتطبيق قانون «العفو العام» (المركزية)

سجناء لبنان أمام الكارثة... سبع وفيات بانتظار قرار «الدستوري»

يضيق الوقت في سجن رومية المركزي، في حين يطول انتظار القرار المفترض أن يصدره المجلس الدستوري بالطعن الذي تقدّم به تكتل «لبنان القوي» لإبطال قانون العفو العام.

يوسف دياب (بيروت)

الحسكة: «المكوّن العربي» يشكو استمرار «هيمنة قسد»

انتشار لقوى الأمن الداخلي السورية خلال مظاهرات يوم الجمعة في الحسكة (مديرية الإعلام في الحسكة)
انتشار لقوى الأمن الداخلي السورية خلال مظاهرات يوم الجمعة في الحسكة (مديرية الإعلام في الحسكة)
TT

الحسكة: «المكوّن العربي» يشكو استمرار «هيمنة قسد»

انتشار لقوى الأمن الداخلي السورية خلال مظاهرات يوم الجمعة في الحسكة (مديرية الإعلام في الحسكة)
انتشار لقوى الأمن الداخلي السورية خلال مظاهرات يوم الجمعة في الحسكة (مديرية الإعلام في الحسكة)

أكد نائب محافظ الحسكة السورية، أحمد الهلالي، السبت، أن مطالب الأهالي، خلال المظاهرات التي خرجت الجمعة، «مشروعة». وعدّ أن توصيف الواقع اليوم بأنه ما زالت هناك سيطرة كاملة لـ«قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، المنحلة، على أجزاء واسعة من المحافظة «لا يعكس حقيقة المرحلة الحالية».

وقال الهلالي في تصريح إلى «الشرق الأوسط»: «خروج الأهالي في الحسكة للمطالبة بتعزيز حضور الدولة، وتوسيع انتشار مؤسساتها وقواها الأمنية هو تعبير عن مطلب واضح ومشروع، يتمثل في أن تكون مؤسسات الدولة والمرجعية القانونية الواحدة حاضرة في جميع مناطق المحافظة، وأن يحصل المواطن على الأمن والخدمات وعلى حقوقه من خلال مؤسسات الدولة».

وشهدت مدن وبلدات عدة في الحسكة، الواقعة غب أقصى شمال شرقي سوريا، خروج مظاهرات سلمية حاشدة عقب صلاة الجمعة، طالبت بفرض الأمن وسلطة الدولة وتعزيز حضور مؤسساتها في جميع مناطق المحافظة، وذلك وسط انتشار كثيف لقوى الأمن الداخلي لتعزيز الأمن والاستقرار والحفاظ على سلامة المشاركين والأهالي والممتلكات العامة والخاصة.

وجاءت هذه المظاهرات بعد الإعلان عن حل «قسد» أواخر أغسطس (آب) الماضي بموجب اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) 2026 المُوقَّع بين الحكومة السورية و«قسد»، والذي نصَّ على دمج مؤسسات «الإدارة الذاتية» السابقة، المدنية والأمنية والعسكرية، بهياكل الدولة. ومع استمرار تنفيذ عملية الدمج، يشكو عدد كبير من الأهالي من عدم وجود سيطرة فعلية للدولة السورية على أجزاء واسعة من المحافظة، بحسب ما يقول الناشط صهيب اليعربي من أبناء القبائل العربية في الحسكة والذي كان من أبرز الداعين إلى خروج مظاهرات الجمعة. وأشار اليعربي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «قسد» وعلى الرغم من إعلان حلها فإنها «لا تزال تحكم قبضتها المطلقة على مدن رئيسية كالحسكة والقامشلي والمالكية وعامودا والدرباسية والقحطانية والجوادية ومعبدة ورميلان».

لكن الهلالي، نائب محافظ الحسكة، أعرب في إطار تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، عن اعتقاده بأن توصيف الواقع اليوم بأنه ما زالت هناك «سيطرة كاملة لقسد» على أجزاء واسعة من المحافظة «لا يعكس حقيقة المرحلة الحالية، خصوصاً بعد إعلان مظلوم عبدي (قائد قسد) حلها».

وأوضح: «نحن أمام مسار انتقل من مرحلة التفاهمات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، وقد شهدت المحافظة خلال الأشهر الماضية خطوات جوهرية في هذا الاتجاه، سواء على مستوى المؤسسات المدنية أو العسكرية والأمنية، وصولاً إلى إعلان حل (قسد) في 25 أغسطس الماضي، وما تبعه من إجراءات لتسريع عملية الدمج».

وبالنسبة لاتفاق 29 يناير، فقد تمَّ قطع شوط كبير في تنفيذه، لكن التنفيذ الكامل، بحسب الهلال، لا يعني مجرد إعلان سياسي، وإنما يحتاج إلى استكمال إجراءات إدارية وأمنية وعسكرية دقيقة، تشمل تدقيق البيانات، وتحديد الاحتياجات، وتنظيم الكوادر، وتثبيت المرجعيات القانونية والإدارية والأمنية بصورة نهائية. وهذه بطبيعتها، بحسب ما أضاف، عملية تحتاج إلى «إجراءات متدرجة وليست قراراً يُنفَّذ في يوم واحد». وأوضح أن اتفاق 29 يناير نصَّ أساساً على دمج المؤسسات المدنية في الدولة، ودمج العناصر العسكرية والأمنية ضمن وزارتَي الدفاع والداخلية، وتسلم الدولة المؤسسات والمعابر والموارد وفق الآليات المتفق عليها.

وتابع أن الملفات المتبقية هي في جوهرها ملفات تنفيذية وليست خلافاً على مبدأ وحدة الدولة؛ وفي مقدمها استكمال ترتيبات الأمن الداخلي، وتفعيل مؤسسات الدولة والدوائر الخدمية والقضائية، واستكمال تنظيم أوضاع العناصر المشمولة بالدمج، وتوحيد المرجعية الأمنية والإدارية، إضافة إلى ملفات مرتبطة بالعودة الآمنة للمهجَّرين، وإزالة مخلفات الحرب والألغام. ولفت الهلالي إلى أنه «في الجانب الأمني تحديداً، بدأ انتشار قوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية ضمن خطة مرحلية لتغطية الاحتياجات الأمنية في المحافظة، وإعادة تفعيل المخافر والشرطة وانتشار أمن الطرق، وهو مسار يتوسَّع تدريجياً».

المكوّن العربي

وحسب اليعربي، يشكو «المكوّن العربي»، الذي يمثل الأغلبية في المحافظة، من تضييق مستمر وحملات اعتقال من قبل ما تسمى «الشبيبة الثورية» المحسوبة على «قسد» المنحلة. لكن الهلالي شدَّد، في تصريحه، على رفض الدولة بشكل واضح تعرُّض «المكوّن العربي» لتضييق ممنهج أو اعتقالات على أساس الانتماء العربي، وعلى رفضها أي انتهاك بحق أي مواطن، عربياً كان أم كردياً أم من أي مكون آخر، موضحاً أن «معيارنا في المرحلة المقبلة هو القانون، ولا يمكن أن يكون هناك أمن أو إدارة خارج مؤسسات الدولة، ولا يمكن السماح لأي مجموعة أو تنظيم بأن يمارس صلاحيات أمنية أو إدارية خارج المرجعية الرسمية».

وأضاف: «بخصوص ما يُثار عن (الشبيبة الثورية) أو أي مجموعات أخرى، فإن موقفنا واضح: انتهاء أي نفوذ أو نشاط أمني أو شبه عسكري خارج مؤسسات الدولة هو جزء أساسي من استكمال الدمج وإنهاء الازدواجية التي عانت منها المحافظة لسنوات»، مشدداً على أن «الدولة لا تعمل بمنطق استبدال جهة بجهة، وإنما تعمل على إنهاء تعدد المرجعيات بالكامل، بحيث يكون السلاح والقرار الأمني والإداري ضمن مؤسسات الدولة حصراً».

وفضَّل الهلالي عدم إعطاء موعد نهائي لاستكمال عملية الدمج. وأضاف: «نحن نعمل وفق جدول تنفيذي ومراحل متتابعة، وكلما أُنجزت الملفات الإدارية والأمنية والفنية انتقلنا إلى المرحلة التالية، لكن الاتجاه السياسي والتنفيذي محسوم: محافظة الحسكة جزء من الدولة السورية، ومؤسسات الدولة هي المرجعية الوحيدة، وهذا ما نعمل على تثبيته عملياً على الأرض».

وأعرب عن اعتقاده أن مظاهرات الجمعة «تحمل أيضاً رسالة إيجابية، فالمواطن في الحسكة، بمختلف مكوناته، يريد الأمن والاستقرار وعودة المؤسسات والخدمات، ويريد أن يرى الدولة حاضرةً إلى جانبه. وهذه مسؤوليتنا، وسنواصل العمل على تحقيقها بهدوء وبالتدرج، وبما يحفظ أمن الأهالي وحقوق جميع مكونات المحافظة دون استثناء».

ويأخذ «المكون العربي» في الحسكة على الحكومة تهميش أبنائه في عمليات الانتساب إلى جهاز قوى الأمن الداخلي، في حين تم بموجب عمليات الدمج استيعاب 5 إلى 6 آلاف عنصر من «قسد». وقال اليعربي، في هذا الإطار، إن «محافظة الحسكة تحتاج فعلياً لقرابة 20 ألف عنصر أمني لضبطها، وهنا يبرز تساؤل منطقي حول المانع من استيعاب 15 ألف عربي لردم الفجوة وخلق توازن حقيقي يحفظ حقوق الأغلبية ويدير المنطقة بواقعية بعيداً عن احتكار السلطة الأمنية». وأضاف: «الدولة السورية تستطيع السيطرة على الحسكة وضمن الاتفاق، وذلك بتطويع أبناء المنطقة العرب وعدم الاكتفاء بعناصر قسد».

وكشف اليعربي عن تحضيرات تجري حالياً لخروج مظاهرات في المحافظة، يوم الجمعة المقبل، تحت شعار «لا عَلم إلا عَلم الوطن» وسيتم خلالها رفع علم سوريا الوطني الجامع لجميع المكونات.


المستوطنون يبدأون حربهم على موسم الزيتون بسلسلة هجمات وقتل وضرب

مزارع فلسطيني يحاول إخماد النيران في عصيرة القبلية جنوب نابلس بعد هجمات للجيش ومستوطنين (أ.ف.ب)
مزارع فلسطيني يحاول إخماد النيران في عصيرة القبلية جنوب نابلس بعد هجمات للجيش ومستوطنين (أ.ف.ب)
TT

المستوطنون يبدأون حربهم على موسم الزيتون بسلسلة هجمات وقتل وضرب

مزارع فلسطيني يحاول إخماد النيران في عصيرة القبلية جنوب نابلس بعد هجمات للجيش ومستوطنين (أ.ف.ب)
مزارع فلسطيني يحاول إخماد النيران في عصيرة القبلية جنوب نابلس بعد هجمات للجيش ومستوطنين (أ.ف.ب)

بدأ المستوطنون في الضفة الغربية حربهم السنوية ضد موسم الزيتون بقتل فلسطيني وجرح آخرين في سلسلة هجمات في مناطق واسعة، ما يهدد الموسم الذي ينتظره الفلسطينيون بفارغ الصبر.

وقتل المستوطنون بهاء النتشة (19 عاماً) في هجوم على بلدة كوبر شمال رام الله يوم الجمعة، وجرحوا آخرين في هجمات واسعة السبت، حيث نفذوا منذ الصباح، في اليوم الذي يعتبر «مقدساً» بالنسبة لليهود ولا يتحركون خلاله، سلسلة هجمات أعنفها في قرية أوصرين قرب نابلس، التي اقتحموها بأعداد كبيرة، مستهدفين منازل القرية ومركبات الفلسطينيين وقاطفي الزيتون.

مزارع فلسطيني يقطف الزيتون من أرضه في قرية بيتا جنوب نابلس (إ.ب.أ)

وأظهرت لقطات فيديو مستوطنين وهم يقتحمون القرية، كما أظهرت صور من المكان مصابين بينهم فلسطيني في الخمسينيات من عمره مضرجاً بدمائه بعد الاعتداء عليه وعلى آخرين بالهراوات.

وعنونت وسائل إعلام إسرائيلية، بينها «القناة 12» و«معاريف»، حول فقدان السيطرة والفوضى في الضفة الغربية. وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن عدداً من الفلسطينيين أصيب في هجمات شنّها مستوطنون في الضفة الغربية خلال موسم قطف الزيتون، بينهم رجل في الخمسينيات من عمره تعرّض للضرب المبرح بالهراوات قرب نابلس.

وأضافت الصحيفة: «تأتي التقارير عن الهجمات الأخيرة في ظل سلسلة من أعمال العنف التي ارتكبها (شباب التلال)، وهي أعمال لا تزيد من صعوبة مهمة الجيش فحسب، بل تزيد أيضاً من العبء الثقيل الملقى على عاتق الجنود، وتثير مخاوف بشأن إشعال الضفة الغربية، وتزيد الضغط الدولي على إسرائيل، مع تزايد التحذيرات بشأن عقوبات إضافية قيد التخطيط».

مستوطنون مقنّعون خلال مهاجمتهم المزارعين الفلسطينيين في قرية بيتا (إ.ب.أ)

ولاحقاً أكد الجيش الإسرائيلي هجوم المستوطنين على أوصرين. وقال في بيان إنه «يحقق ويدين الأحداث»، وإنه «بدأ عمليات البحث عن مثيري الشغب الذين فروا قبل وصوله» إلى أوصرين.

وأضاف: «يدين الجيش الإسرائيلي بشدة مثل هذه الأحداث، ويؤكد أنها تضر بجهود الدفاع في المنطقة».

وهذه ليست أول إدانة من الجيش الإسرائيلي لهجمات المستوطنين، لكنه على الأرض لا يمنعها عملياً. ومنذ أسابيع طويلة قبل موسم الأعياد اليهودية صعّد المستوطنون هجماتهم في الضفة إلى الحد الذي حذر معه الجيش من أن الضفة «ستنفجر في نهاية المطاف».

وأبلغ قادة الجيش الإسرائيلي مراراً المستوى السياسي بأن الوضع في الضفة «مقلق وقد ينفجر في أي لحظة». وقال مسؤولو الجيش علناً إنهم ضد هذه الهجمات، لكن على الرغم من ذلك تستمر هجمات المستوطنين بشكل متصاعد.

وهاجم المستوطنون السبت أيضاً قرية بورين، جنوب نابلس، واستهدفوا المزارعين أثناء قطفهم ثمار الزيتون، واستولوا على معدات زراعية، وثمار زيتون، وأصابوا ثلاثة فلسطينيين.

كما هاجموا المزارعين في بلدة بيتا القريبة. وفي وقت لاحق أصيب مواطن يبلغ من العمر 47 عاماً جراء اعتداء جيش الاحتلال عليه بالضرب في نفس البلدة.

وسُجلت هجمات كذلك السبت في بلدة المغير شمال شرق مدينة رام الله، وفي جنوب قلقيلية، وفي بلدة سبسطية شمال غرب نابلس، وفي برية أبو ديس جنوب شرق القدس، وفي قرية رنتيس شمال غرب رام الله، وأحرق المستوطنون أشجار زيتون وأصابوا مزارعين.

مجموعة أخرى من المستوطنين خلال مهاجمتهم قاطفي الزيتون في قرية بيتا جنوب نابلس (إ.ب.أ)

وجاء تصعيد المستوطنين، الذي أصبح تقليدياً، في الوقت الذي ينتظر الكثير من المزارعين في الضفة الغربية هذا الموسم بفارغ الصبر، بعدما جاء موسم العام الماضي مخيباً للآمال.

حكاية الزيتون...

وينتظر الفلسطينيون موسم الزيتون بفارغ الصبر، خاصة أن الضفة تنتج أحد أجود زيوت الزيتون في العالم. ويتراوح إنتاج زيت الزيتون في الأراضي الفلسطينية من 15 إلى 30 ألف طن كل عام، ويصدّر جزء منه إلى الخارج.

وهناك أشجار في فلسطين عمرها آلاف السنين منذ عهد الرومان. وتوجد عدة أصناف للزيتون في فلسطين، أشهرها النبالي والسوري والنبالي المحسن والمليسي والبري والرصيصي.

جنود إسرائيليون يطلبون من مزارعين فلسطينيين ترك أرضهم في بيتا (إ.ب.أ)

وتشارك العائلات بأكملها في قطف الزيتون وتتعاون فيما بينها، لكن منذ أعوام طويلة يستغل المستوطنون قرب كثير من القرى المنتجة للزيت من المستوطنات، ووقوعها تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، لينفذوا هجماتهم ضد المزارعين، مدفوعين بالنزعة الانتقامية العامة، وفتاوى دينية لحاخامات، بينهم مردخاي إلياهو، الذي أفتى بأن «هذه الأرض (يهودا والسامرة/ الضفة الغربية) هي ميراث شعب إسرائيل، وإن غُرست من قبل الأغيار فإن المزروعات من شجر أو ثمر تصبح ملكاً لنا؛ لأن ملكية الأرض لنا وليست لهم».

ومع قتلهم النتشة يكون المستوطنون قد قتلوا 30 فلسطينياً هذا العام في هجمات يُعتقد أنها ستتصاعد في موسم الزيتون الذي يمتد حتى منتصف الشهر المقبل.


سلام في جنوب لبنان: رسائل إلى الداخل والخارج

رئيس الحكومة نواف سلام متحدثاً من مقر بلدية النبطية يوم الجمعة (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة نواف سلام متحدثاً من مقر بلدية النبطية يوم الجمعة (رئاسة الحكومة)
TT

سلام في جنوب لبنان: رسائل إلى الداخل والخارج

رئيس الحكومة نواف سلام متحدثاً من مقر بلدية النبطية يوم الجمعة (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة نواف سلام متحدثاً من مقر بلدية النبطية يوم الجمعة (رئاسة الحكومة)

جاءت زيارة رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، إلى مدينة النبطية في جنوب البلاد، يوم الجمعة، في توقيت يحمل دلالات سياسية واضحة، علماً بأنها زيارته الثالثة إلى الجنوب منذ توليه رئاسة الحكومة، في فبراير (شباط) 2025.

أتت الزيارة بعد جولة سلام في نيويورك وواشنطن؛ حيث حمل معه ملف الجنوب والانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار ودور الدولة، ليعود ويؤكد من النبطية أن ما يقوله في الخارج هو نفسه ما يقوله في الداخل. وبين استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وتداعيات الحرب على الجنوب، بدت الزيارة محاولة لإرسال رسائل في اتجاهين: إلى الداخل اللبناني، ولا سيما البيئة الجنوبية، وإلى المجتمع الدولي حول الدور الذي تريد الدولة أن تؤديه في المرحلة المقبلة.

الجنوب يرحِّب بالدولة

وتقول مصادر نيابية في كتلة «التنمية والتحرير» التي يرأسها رئيس البرلمان نبيه بري، إن «من الطبيعي أن تكون الدولة حاضرة إلى جانب الناس، إلا أن نجاح أي مشاريع إنمائية أو اجتماعية أو غيرها يبقى مرتبطاً أولاً بوقف الحرب والتدمير؛ خصوصاً أن النبطية خط تماس» مع مناطق الانتشار الإسرائيلي في الجنوب.

وتضيف المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن أي مشروع أو حضور للدولة في الجنوب يجب أن يترافق مع «مواكبة وتكثيف الجهد لإلزام إسرائيل بوقف حربها على كل الجنوب، وضمناً النبطية»، معتبرة أن الأولوية في هذه المرحلة هي لتأمين مقوّمات الحياة والعودة للسكان. وتقول إن النظر إلى الزيارة من الجانب العملي هو الأساس، بعيداً عن تحويل المشاريع التي أُعلن عنها إلى مادة لمواقف سياسية أو سجالات وهجمات على وسائل التواصل الاجتماعي؛ لأن «ما يهمنا أن يطمئن الناس، ويتم تأمين مقوّمات حياتهم وعودتهم إلى الجنوب».

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام خلال زيارته مدينة النبطية إلى جانب عدد من الوزراء والنواب (الوكالة الوطنية للإعلام)

ورغم بعض الحملات التي شنَّها مناصرون لـ«حزب الله» على سلام، مقابل ترحيب لافت من شريحة واسعة من أهالي الجنوب، تؤكد المصادر أن الزيارة كانت موضع ترحيب من مختلف الأطراف، مشيرة إلى حضور رئيس بلدية النبطية المحسوب على «حزب الله»، إضافة إلى عدد كبير من النواب والوزراء. وترى أن ما يحتاج إليه الجنوب في هذه المرحلة هو «وحدة الموقف اللبناني لمواجهة العدوان الإسرائيلي المستمر»، وأن خطوات من هذا النوع من شأنها تقوية الموقف الداخلي، بدلاً من فتح سجالات سياسية حولها.

لكن المصادر تتوقف عند استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، مشيرة إلى أنه «بعد ساعات من مغادرة الرئيس سلام، عادت الغارات إلى النبطية، وعادت التفجيرات في الجنوب». وترى أن استمرار هذه الاعتداءات يحمل رسالة إلى الدولة مفادها أن «إسرائيل لا تريد حضور الدولة» في الجنوب.

رسالة الدولة إلى الداخل والخارج

في المقابل، يضع المحلل السياسي علي الأمين زيارة سلام في سياق سياسي أوسع، معتبراً أنها «من أهم الزيارات التي قام بها سلام إلى الجنوب». ويلفت إلى أن رئيس الحكومة هو «أكثر مسؤول زار الجنوب منذ ترؤسه الحكومة، في وقت غاب فيه زعماء الجنوب عن ساحته».

ويقول الأمين لـ«الشرق الأوسط»: «ظهر سلام خلال زيارته النبطية واقعياً وصريحاً»؛ إذ لم يحاول تقديم صورة وردية عن الوضع؛ بل تحدث عن الجنوب بوصفه أمام نكبة تحتاج إلى مواجهة، سواء نكبة الاحتلال أو نكبة الدمار. وتابع بأن سلام دعا الأهالي والمجتمع الجنوبي إلى التعاون، والمساهمة في دعم وترسيخ مشروع الدولة، بما يمهد لـ«مسار متكامل يقوم على التحرير وإعادة الإعمار».

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام متفقداً مركز أمن عام النبطية (الوكالة الوطنية للإعلام)

ويربط الأمين ذلك بما طرحه سلام حول اعتماد «الخيارات الأقل تكلفة»، في إشارة إلى المسار التفاوضي، معتبراً أن «المفاوضات هي الخيارات الأقل تكلفة».

وفي هذا السياق، يرى الأمين أن سلام حدد الأهداف بوضوح: تحرير الجنوب، وإعادة الإعمار. كما أعاد التذكير بالقرار 1701. ومن هنا يقرأ حديثه عن المفاوضات بوصفه «جزءاً من مسار أوسع؛ فإذا لم تؤدِّ المفاوضات إلى تحقيق الأهداف ففي جعبتنا خيارات أخرى».

ويعتبر الأمين أن زيارة سلام إلى النبطية ومواقفه من هناك تمثل «نقلة نوعية في مسار حضور الدولة في الجنوب». وبهذا المعنى، يرى أن الرسالة موجهة إلى الداخل اللبناني، ولا سيما البيئة الشيعية، وإلى المجتمع الدولي أيضاً. ويوضح: «يعطي رئيس الحكومة بزيارته ومواقفه مؤشرات إلى أن مسار الدولة يتقدم أكثر وأكثر، وبالتالي المطلوب في المقابل تنفيذ اتفاق الإطار، والتزام إسرائيل بالانسحاب، ووقف الاعتداءات، بما يتيح للدولة أن تمارس دورها بصورة أكبر».