تستعد مدينة هيوستن بولاية تكساس الأميركية لاحتضان فصل جديد من فصول الإثارة المونديالية يوم السبت، الرابع من يوليو (تموز) 2026، حين يجدد المنتخب المغربي الموعد مع نظيره الكندي في صدام مكرر وبحسابات تكتيكية معقدة لحساب الدور ثمن النهائي (دور الـ16) من نهائيات كأس العالم 2026.
وتأتي هذه الموقعة المرتقبة بعد أن نجح «أسود الأطلس» في صياغة ملحمة جديدة وكتابة صفحة فريدة في السجلات المونديالية، محققين إنجازاً تاريخياً غير مسبوق كأول منتخب عربي يتجاوز الأدوار الإقصائية الأولى ويصل إلى ثمن النهائي لمرتين متتاليتين (قطر 2022 وأميركا 2026).
وتعيد هذه المواجهة ذكريات ملحمة الدوحة ولكن بطموحات مشتركة لمنتخبين يرفضان الاستسلام في كبرى المواعيد العالمية، ويسعيان إلى حجز مقعد في الدور ربع النهائي.
تفوق مغربي مطلق بالأرقام عبر التاريخ
يكشف سجل التاريخ الكروي بين المنتخبين عن أفضلية مغربية كاملة على مدار أربع مواجهات جمعت بينهما تاريخياً، حيث حقق «أسود الأطلس» ثلاثة انتصارات وتعادلاً واحداً، بينما لم يتذوق الكنديون طعم الفوز أبداً.
وخلال هذه اللقاءات، زار الهجوم المغربي الشباك الكندية في 10 مناسبات، بينما استقبل الدفاع المغربي 4 أهداف فقط، مما يوضح الفجوة التاريخية الرقمية بين الطرفين قبل صدام السبت المرتقب.
بدأت الحكاية في الرابع والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1984 في لقاء ودي شهد غزارة تهديفية انتهى لصالح المغرب بنتيجة ثلاثة أهداف مقابل هدفين، ثم اللقاء الثاني في الأول من يونيو (حزيران) عام 1994 بمونتريال الكندية وانتهى بالتعادل الإيجابي بهدف لمثله وسجل للمغرب حينها أحمد البهجة.
أما المواجهة الثالثة فقد جرت في الحادي عشر من أكتوبر عام 2016 بالملعب الكبير بمراكش، واكتسح فيها الأسود نظيرهم الكندي برباعية نظيفة شهدت تسجيل النجم حكيم زياش لثنائية مميزة.
وجاءت الموقعة الرابعة والأبرز في الأول من ديسمبر (كانون الأول) عام 2022 على أرضية ملعب «الثمامة» بالدوحة ضمن دور المجموعات لمونديال قطر، وحينها حسم المغرب الصدارة بفوزه بنتيجة هدفين مقابل هدف واحد، حيث افتتح حكيم زياش التهديف مبكراً في الدقيقة الرابعة، وعزز يوسف النصيري التقدم في الدقيقة الثالثة والعشرين، بينما جاء هدف كندا الوحيد عبر نيران صديقة بواسطة المدافع نايف أكرد في الدقيقة الأربعين.
معركة «مونتيري» التاريخية ومسار الأسود نحو ثمن النهائي

يدخل المنتخب المغربي، تحت قيادة مدربه محمد وهبي، هذه الموقعة بثقة كبيرة عقب تجاوزه عقبة الدور الـ32 بملحمة تكتيكية مذهلة جرت أطوارها في مدينة مونتيري المكسيكية، وكان الأسود قد تأهلوا من المجموعة الثالثة برصيد 7 نقاط عقب تعادل مثير مع البرازيل بهدف لمثله، وفوز على اسكوتلندا بهدف نظيف، واكتساح لمنتخب هايتي بأربعة أهداف مقابل هدفين، ليضربوا موعداً نهارياً حارقاً مع طواحين هولندا في الدور الإقصائي الأول.
وفي ملعب مونتيري، فرض المغرب نفوذه التكتيكي بنسبة استحواذ بلغت 70 في المائة، وأكمل اللاعبون 801 تمريرة ناجحة شلت حركة المدرسة الهولندية.

وبعد نهاية الوقتين الأصلي والإضافي بالتعادل الإيجابي بهدف لمثله، ابتسمت ركلات الترجيح للأسود بنتيجة ثلاثة مقابل اثنين، حيث تقمص الحارس المخضرم ياسين بونو دور البطل بتصديه لركلة الجزاء الحاسمة التي نفذها الهولندي كريسينسيو سومرفيل، قبل أن يبصم إسماعيل صيباري على ركلة العبور التاريخية نحو هيوستن.
مسيرة بونو... من مهد مونتريال إلى عرين الوداد والعالمية

تتجاوز مباراة السبت المقبل الإطار التكتيكي البحت لتلامس بُعداً درامياً وإنسانياً مثيراً يجسده حامي العرين المغربي ياسين بونو.
فالحارس العالمي مولود في مدينة مونتريال الكندية عام 1991 لأبوين مغربيين، وكان يملك الأهلية القانونية الكاملة لتمثيل المنتخب الكندي والدفاع عن ألوانه في المحافل الدولية. غير أنه عاد في سن مبكرة جداً وهو في الثانية من عمره رفقة عائلته إلى أرض الوطن، لينشأ ويترعرع في المغرب الذي احتضن موهبته الأولى.
بدأ بونو مسيرته الكروية الملهمة من بوابة مدرسة نادي الوداد الرياضي البيضاوي، حيث تدرج في فئاته السنية وشق طريقه حتى الوصول إلى الفريق الأول ليصنع لنفسه اسماً واعداً في الملاعب الأفريقية.
فتح تألقه مع الوداد أبواب الهجرة نحو القارة العجوز، فخاض رحلة احترافية أوروبية مرصعة بالذهب والألقاب رفقة أندية إسبانية عريقة على غرار أتلتيكو مدريد، وريال سرقسطة، وجيرونا، وصولاً إلى كتابة التاريخ مع إشبيلية والتتويج بلقب الدوري الأوروبي، قبل أن يقرر خوض تحدٍّ جديد بالانتقال إلى صفوف الهلال السعودي في ملاعب آسيا.
ولأن بونو اختار منذ البداية نداء القلب وعشق الوطن الأم، فإنه يتحول اليوم إلى الصخرة العاتية التي تتحطم عليها أحلام البلد الذي أبصر فيه النور.
وتأتي هذه المواجهة وحامي العرين في قمة توهجه الذهني والبدني بعد قيادته للأسود لتجاوز عقبة هولندا، ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفاق ألفونسو ديفيز في حوار كروي مثير يعرف الحارس المغربي تفاصيله النفسية جيداً ويعي تماماً كيف يذود عن مرماه ضد رغبة الكنديين.
الثورة الكندية وأصحاب الأرض يكتبون التاريخ

على الجانب الآخر، يعيش المنتخب الكندي تحت قيادة المدرب الأميركي المخضرم جيسي مارش أزهى عصوره الكروية بعد أن نجح في فك عقدته التاريخية في المونديال الحالي.
واستهل الكنديون مشوارهم في المجموعة الثانية بالتعادل مع البوسنة والهرسك بهدف لمثله، ثم حققوا فوزهم الأول تاريخياً في كأس العالم باكتساح قطر بنتيجة عريضة قوامها ستة أهداف نظيفة شهدت «هاتريك» للمهاجم جوناثان ديفيد، قبل الخسارة أمام سويسرا بثلاثة أهداف لهدف والتأهل في الوصافة بأربع نقاط.

وفي دور الـ32 بمدينة لوس أنجليس، فجر الكنديون مفاجأة مدوية بإقصاء منتخب جنوب أفريقيا بهدف قاتل في الأنفاس الأخيرة من المباراة وتحديداً في الدقيقة الثالثة والتسعين بصعقة من لاعب الوسط ستيفن أوستاكيو.
وأعلن هذا الفوز رسمياً عن ولادة جيل كندي جديد يختلف كلياً عن فريق 2022، ويمزج بكفاءة عالية بين السرعة البدنية المفرطة والانضباط التكتيكي الصارم على أرضية الميدان.

الأفضل والأوفر حظاً... لغة الحواسيب تميل للمغرب
حسب المؤشرات الرقمية والتوقعات الصادرة عن مراكز التحليل الرياضي العالمي قبل موقعة هيوستن، فإن المنتخب المغربي يُعد الطرف الأفضل والأوفر حظاً لإنهاء المباراة والتأهل بنسبة تصل إلى 52.5 في المائة.
وفي المقابل، تبلغ نسبة فوز المنتخب الكندي في الوقت الأصلي 20.2 في المائة فقط، في حين تقف نسبة التعادل والذهاب إلى الأشواط الإضافية وركلات الترجيح عند حد 27.3 في المائة.
وتستند هذه الأفضلية النظرية إلى عامل الخبرة المونديالية المتراكمة لنجوم المغرب الممارسين في الصف الأول للأندية الأوروبية الكبرى بقيادة أشرف حكيمي وإسماعيل الصيباري.

تتجلى هذه الفلسفة في المزيج البشري المتناغم داخل كتيبة الأسود التي تجمع بتوازن فريد بين النجوم الذين صقلوا مهاراتهم في المدارس الكروية الأوروبية، والإنتاج التكويني المحلي الفريد والباهر المتمثل في «أكاديمية محمد السادس لكرة القدم».
هذه المنشأة الرياضية العالمية التي دشنها الملك محمد السادس عام 2008 باتت المحرك الفعلي ومصنع النجوم لنهضة الكرة المغربية، حيث واصل خريجوها من طينة يوسف النصيري ونايف أكرد وعز الدين أوناحي كتابة التاريخ والإلهام للأجيال الجديدة الصاعدة.

هذا التلاحم يذوب عشقاً في قميص الوطن، في مواجهة طموح كندي جامح يتسلح بنجم بايرن ميونخ ألفونسو ديفيز لإحداث مفاجأة تقلب كل هذه التوقعات الرقمية رأساً على عقب.

