«طرق المعرفة»... فنانون سعوديون يعبرون من الجمال إلى البحث

معرض صيف 2026 يجمع الفنون البصرية والوسائط الرقمية في تجربة بحثية

لقطة من أعمال ظلال باسودان في معرض صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون (تصوير: تركي العقيلي)
لقطة من أعمال ظلال باسودان في معرض صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون (تصوير: تركي العقيلي)
TT

«طرق المعرفة»... فنانون سعوديون يعبرون من الجمال إلى البحث

لقطة من أعمال ظلال باسودان في معرض صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون (تصوير: تركي العقيلي)
لقطة من أعمال ظلال باسودان في معرض صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون (تصوير: تركي العقيلي)

يستكشف أكثر من 30 فناناً وفنانة من السعوديين والمقيمين في المملكة مفهوم الفنّ أداةً للبحث وإنتاج المعرفة، عبر أكثر من 45 عملاً فنياً تحتضنها النسخة الرابعة من معرض صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون لصيف 2026، التي أطلقها معهد مسك للفنون بعنوان «طرق المعرفة: الفن بحث متعدّد التخصّصات»، جامعاً تجارب تتقاطع فيها الفنون البصرية، والتصوير، والفيديو، والأعمال التركيبية، والوسائط الرقمية.

ويطرح المعرض رؤى فنية تنطلق من التساؤل والتجربة نحو البحث والاستكشاف وبناء المعنى. كما تستعرض الأعمال تقاطعات بين الفن والمجالات الاجتماعية والثقافية، من خلال ممارسات معاصرة تُحاكي العلاقة بين الصورة، والصوت، والحركة، والنصّ.

جانب من زوار معرض صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون (تصوير: تركي العقيلي)

وتحدّث عدد من الفنانين المشاركين عن أعمالهم وتجاربهم، كاشفين عن القصص والأفكار التي تقف وراءها، وذلك خلال جولة لـ«الشرق الأوسط» في المعرض، وكيف تحوَّلت التجربة الشخصية والبحث الفني إلى أعمال تستكشف الذاكرة، والهوية، والتراث، والمعرفة.

الفنان سامي الحسين المُشارك في المعرض بلوحة «رقصة الصقور» (تصوير: تركي العقيلي)

«رقصة الصخور»

وأعرب أحد رواد الحركة التشكيلية في المنطقة الشرقية، سامي الحسين، عن سعادته بالمشاركة في المعرض، وقال: «هذه المبادرات تُشكّل دعماً حقيقياً للفنان السعودي، من خلال توفير بيئة احترافية للعرض، إلى جانب جمهور يمتلك ذائقة فنية مختلفة تُسهم في إثراء تجربة الفنان».

وأوضح أن هذه ليست مشاركته الأولى مع معهد مسك للفنون، إذ سبق أن شارك، قبل نحو 4 سنوات، بمجموعة من الأعمال، فيما يشارك هذا العام بعمل يحمل عنوان «رقصة الصخور». وكشف عن الفكرة وراءه قائلاً: «ينطلق من إعادة تقديم الصخور بصورة مختلفة عما اعتاده المتلقّي. فالصخور ترتبط في أذهاننا بالجمود، والخشونة، والثبات، لكنني حاولت أن أمنحها ليونة وحركة، وأجعلها تبدو كأنها ترقص. وتضم خلفية اللوحة ألواناً ذات طابع روحاني تعكس حالة نفسية هادئة، فيما ترتكز الصخور على قاعدة تمنحها الإحساس بالثبات، رغم الحركات والانحناءات التي تُوحي بالرقص. كما يتضمّن العمل حمامتَيْن ترمزان إلى الحرية، والسلام، والاستقرار».

وأشار إلى أنّ إنجاز اللوحة استغرق أكثر من شهر ونصف الشهر، مرَّت خلالها بمراحل متتابعة من الإضافة، والحذف، وإعادة التوازن بين العناصر، مؤكداً أنّ العمل الفني لا يُولد دفعة واحدة، وإنما يتطوّر تدريجياً حتى يصل إلى صورته النهائية. وتأتي علاقته بالفنّ ضمن تجربة تمتد أكثر من 35 عاماً؛ إذ بدأ الرسم منذ الصغر، وخاض تجارب مع خامات وتقنيات متعدّدة، من بينها الرصاص، والألوان المائية، والباستيل، والزيت، فيما يعتمد اليوم على ألوان الأكريليك في تنفيذ أعماله.

وأشاد الحسين بالحركة الفنية السعودية، وما يقدّمه الفنانون الشباب من أفكار وتجارب، مؤكداً أنه يلمس تطوّراً كبيراً في مستوى الأعمال، وقال: «أدعو الفنانين إلى التريُّث وعدم الاستعجال في عرض أعمالهم حتى تخرج بأفضل صورة».

يستكشف أكثر من 30 فناناً وفنانة مفهوم الفنّ أداةً للبحث وإنتاج المعرفة (تصوير: تركي العقيلي)

«جناح أوراق النصريين» و«انعكاس»

من جانبها، قالت عضوة هيئة التدريس في جامعة جدة والمتخصصة في الفن الإسلامي، ظلال باسودان، لـ«الشرق الأوسط»، إن مشاركتها في معرض صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون جاءت عبر 3 أعمال خزفية، وأضافت: «تُجسّد هذه الأعمال جزءاً من مشروعي البحثي خلال مرحلة الدكتوراه، الذي ركز على قصر الحمراء في إسبانيا، وتحديداً على الخزف الذي ازدهر في عهد الدولة النصرية داخل القصر». وأوضحت أنّ المشروع انطلق من دراسة جماليات الخزف الإسلامي، وسعى في الوقت عينه إلى تقديم رؤية معاصرة، مضيفةً: «كانت رسالتي الأساسية إنتاج خزف إسلامي معاصر يحافظ على هويته التاريخية، ويُواكب الممارسات الفنية المعاصرة محلّياً وعالمياً».

وتحمل هذه الأعمال الفنّية عنوان «مزهرية جناح أوراق النصريين»، ونُفّذت باستخدام البورسلين والطين الورقي وتقنيات الحفر بالليزر، إلى جانب عملَين خزفيَّين آخرَين يستكملان المشروع البحثي نفسه تحت عنوان «انعكاس»، ويستندان إلى أنماط هندسية ثلاثية البُعد و5 قطع من الطين الورقي.

وأثنت على الدور الذي تؤدّيه «مسك» في دعم الحركة الفنية السعودية، وتهيئة منصات تتيح للفنانين عرض مشاريعهم البحثية والإبداعية. كما أشادت بمستوى الأعمال المشاركة في المعرض، الذي يمثّل تجربة تُثري الممارسة الفنّية، وتوسّع شبكة العلاقات المهنية بين الفنانين من مختلف مناطق السعودية. وتحظى ظلال باسودان بمسيرة أكاديمية فنية، إذ درست الفنون الإسلامية في كلية التربية بجامعة الملك عبد العزيز، قبل أن تكمل دراسة الدكتوراه في جامعة لوفبرا بالمملكة المتحدة، مشيرة إلى أنّ تخصّصها يجمع بين الفنون الإسلامية وفنّ الخزف.

لوحة «جلسة بنات» للفنانة منيرة الذيب في المعرض (تصوير: تركي العقيلي)

«جلسة بنات»... محاكاة شعور الغربة

واستعرضت الفنانة منيرة الذيب لوحة بعنوان «جلسة بنات»، تستلهم تجربة شخصية مرتبطة بالشعور بالغربة والوحدة، رغم الوجود بين أفراد العائلة. وأخبرت «الشرق الأوسط» أنّ اللوحة تصور جلسة منزلية تجمعها بشقيقاتها: «تعكس إحساساً داخلياً لازمني منذ الطفولة، يتمثّل في الشعور بأنني غريبة بين أقرب الناس إليّ، قبل أن أدرك لاحقاً أنّ هذا الإحساس كان ذاتياً أكثر من كونه واقعاً». وأضافت: «حرصتُ على تجسيد هذه الفكرة بلغة بصرية هادئة، بعيداً عن الطابع القاتم، لذلك اعتمدت ألواناً ناعمة وخافتة تبرز حساسية المشاعر التي تتناولها اللوحة».

وأشارت إلى أنّ الحمامة تُعدّ عنصراً متكرّراً في أعمالها الفنية، وتمثّل بالنسبة إليها شخصية طفولية تبحث دائماً عن الاهتمام والاحتواء. وفي هذه اللوحة تحديداً، تظهر الحمامات متشابهة، فيما تبدو الفتاة في منتصف التكوين مختلفة عن محيطها، في إشارة إلى حالة الانفصال الداخلي التي يعبّر عنها العمل، موضحةً أنّ إنجاز اللوحة استغرق نحو شهر ونصف الشهر، تخلّلته مراحل متكررة من التعديل، والإضافة، والحذف، حتى وصلت إلى صورتها النهائية.

معلّم الفنون طارق السهلي يتجوَّل في المعرض (تصوير: تركي العقيلي)

من قاعة الدرس إلى صالة العرض

واستهلَّ معلّم الفنون في مدارس الخندق الأهلية بالمدينة المنورة، الفنان طارق علي السهلي، حديثه لـ«الشرق الأوسط» عن مشاركته الأولى في معرض صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون، قائلاً: «أعتزّ أن تكون هذه البداية في أحد أبرز الصروح الثقافية والفنية في السعودية». وأوضح أن العمل الذي يشارك به يمثّل سبورة مدرسية حقيقية استخدمها مع طلابه خلال حصص إضافية لمادة الفنون، وعُرضت كما هي من دون أن تُمحى، لتحتفظ بكل ما كُتب عليها، وتكون جزءاً من ذاكرة المكان والعملية التعليمية. وأضاف: «تتجاوز السبورة كونها وسيلة للتدريس، إذ تُجسّد حالة من التساؤل والترقُّب، وتحمل آثار نظرات الطلاب الذين جلسوا أمامها يوماً بعد آخر، كما تستحضر ما شهدته من دروس وأفكار وتجارب، لتتحوّل إلى عمل فنّي يوثّق لحظات عابرة بقيت آثارها حاضرة».

ورأى السهلي أنّ الاهتمام الذي يوليه معهد مسك للفنون يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية هذا المجال، مشيراً إلى أنّ التربية الفنية لا تقل أهمية عن بقية المواد الدراسية، لِما لها من دور في بناء الوعي الثقافي وتنمية الإبداع، إلى جانب إسهامها في دعم مستهدفات «رؤية السعودية 2030» من خلال الاستثمار في الثقافة والفنون.

ويستمر المعرض في صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون بالعاصمة الرياض حتى الأول من أغسطس (آب)، ويرافقه برنامج من الجلسات الحوارية والأنشطة الثقافية، يتيح للزوار التفاعل مع الأعمال المشاركة واستكشاف أبعادها البحثية والإبداعية. ويأتي امتداداً لجهود معهد مسك للفنون في تمكين الفنانين عبر منظومة تجمع بين التعليم، والممارسة، والخبرات متعددة التخصصات، فيما تستعرض صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون التجارب الفنية المعاصرة التي تعكس الحراك الثقافي المتنامي في السعودية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

معرض فني يحاكي ثورات مصر في ذكرى «30 يونيو»

يوميات الشرق أحد الأعمال الفنية المشاركة في المعرض (وزارة الثقافة)

معرض فني يحاكي ثورات مصر في ذكرى «30 يونيو»

عبر رصد ملامح الشخصية المصرية في بيئات مختلفة، جاء معرض «30 يونيو... رؤى تشكيلية»، ليجسد معاني متنوعة تشير إلى تلاحم وتكاتف المصريين في وقت الأزمات والثورات.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق مقتنيات قديمة بمعرض «مصر الجديدة زمان» (الشرق الأوسط)

معرض بقصر البارون يوثق بدايات حي «مصر الجديدة»

بمناسبة مرور 121 عاماً على إنشاء حي مصر الجديدة (شرق القاهرة)، استضاف قصر البارون معرضين يوثّقان لتراث الحي العريق.

محمد الكفراوي (القاهرة )
لمسات الموضة من عرض «دولتشي آند غابانا» (إ.ب.أ)

عودة «الكلاسيكية» بنفحة استعراضية

أدرك المصممون ودور الأزياء أن الأزمات السياسية والاقتصادية المتتالية تجعل سوق الرفاهية لا يستحمل المبالغات والجرأة الفنية

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق رحلة من التجارب الشخصية تضعها نتالي معيكي في أعمالها (الشرق الأوسط)

«شيء يشبه العيش» لنتالي معيكي... رحلة البحث عن الحب

تنفرج أساريرك وأنت تتجوّل في معرض «شيء يشبه العيش» لنتالي معيكي في غاليري «غاليريست» ببيروت...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق يستمر المعرض لغاية 4 يوليو (الشرق الأوسط)

«المعرض الفني الجماعي»... حكايات بصرية معلّقة بين الحلم واليقظة

بتقنيات تتراوح بين الأكريليك والزيت والنحت و«الميكسد ميديا»، يأخذ المعرض زواره في رحلة بصرية تتنقل بين الواقع والخيال.

فيفيان حداد (بيروت)

«دايبين في صوت الست» تفسد «موسم الهجوم» على أم كلثوم

أم كلثوم (إكس)
أم كلثوم (إكس)
TT

«دايبين في صوت الست» تفسد «موسم الهجوم» على أم كلثوم

أم كلثوم (إكس)
أم كلثوم (إكس)

جاء الإعلان عن مشاركة العرض المسرحي المصري «أم كلثوم... دايبين في صوت الست»، الذي يستعيد سحر «كوكب الشرق»، خلال فعاليات الدورة الـ40 من مهرجان «جرش» التي ستقام بالأردن في الفترة من 23 يوليو (تموز) حتى 2 أغسطس (آب) المقبل، ليفسد «موسم الهجوم» على «سيدة الغناء العربي» في الفترة الأخيرة من قبل البعض.

وقبل أيام تعرضت أم كلثوم، لاتهامات شخصية اعتبرها جمهورها غير مقبولة، بينما أكدت أسرتها اتخاذ إجراءات قانونية ضد كاتبها الذي أعلن اعتذاره رسمياً عما بدر منه، مؤكداً عبر حسابه على موقع «فيسبوك» أن هدفه كان إنصاف أم كلثوم الإنسان والظاهرة، وفق تعبيره.

وتعليقاً على مشاركة مسرحية «أم كلثوم»، في «جرش»، الذي سيقام تحت عنوان «إرث يمتد... أجيال تلتقي»، كتبت حسابات المهرجان بالسوشيال ميديا: «لم تكن أم كلثوم مجرد صوت، بل كانت ذاكرة أمة، وحكاية زمن ما زالت تُروى... في عرض مسرحي غنائي ضخم، تعود (كوكب الشرق) إلى خشبة المسرح في رحلة تستحضر أبرز محطات حياتها، وأشهر أغانيها، والعصر الذهبي للموسيقى العربية».

الكاتب والشاعر المصري الدكتور مدحت العدل، مؤلف العرض ومنتجه، أكد أن هدفه من تقديم سيرة «أم كلثوم» مسرحياً يرجع لكونها أيقونة فنية تحدت الزمن، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «فكرت في تقديم سيرتها بمسرحية موسيقية بعد التطرق لها من قبل بالتلفزيون والسينما».

مسرحية أم كلثوم تعرض في مهرجان جرش (إدارة المهرجان)

ويرى مدحت العدل أن فكرة وجود أم كلثوم في وجدان الناس واجتماعهم عليها حتى بعد رحيلها سؤال يطرح نفسه باستمرار: «ما السرّ في ذلك؟»، مضيفاً: «على الرغم أن أغنياتها صعبة وثقيلة وطويلة، فإن أجيالاً كثيرة اجتمعت على حبّها».

وقال مدحت العدل إن الهدف الرئيسي من تقديم عرض «أم كلثوم»، الموسيقي الغنائي الاستعراضي الإنساني، هو الشباب لتعريفهم بها وبأصولها وتاريخها الفني العريق.

وعن تفاصيل العرض، أوضح: «قدّمنا تجربة مختلفة عادت بنا لسنوات طويلة مضت، يجد المشاهد نفسه خارج الزمن»، مشيراً إلى أن عرض «أم كلثوم» في «جرش» يعدّ الأول خارج حدود مصر، وأنه بصدد تقديمها في دول عدة قريباً، من بينها الكويت وقطر.

فريق عمل المسرحية (الشركة المنتجة)

وأكد العدل أن الهجوم الذي طال أم كلثوم أخيراً هدفه تصدر «الترند»، ووصفها بأنها مثل الهرم، لن تتأثر بأي اعتداء، فهي رمز من رموز مصر والعالم العربي ويجب احترامها.

وأشار مدحت العدل أنه بصدد تحضير مشروعه المسرحي الجديد عن «العندليب» عبد الحليم حافظ، مشيراً إلى أنه يطمح أيضاً لتقديم سيرة نجوم عدة من «الزمن الجميل» مسرحياً، مثل ليلى مراد، وشادية، وفريد الأطرش، ومحمد فوزي.

وكشف العدل عن أمنيته الشخصية في تقديم عرض مسرحي عن مشوار الفنانة اللبنانية فيروز، مؤكداً أن فيروز أيقونة عربية، ورمز فني كبير.

وبدوره، أكّد الناقد الفني المصري طارق الشناوي أن ما قيل في حق أم كلثوم أخيراً مليء بالضربات السامة، لافتاً إلى أن «حق النقد مكفول للجميع، لكن ما كتب لم يكن هجوماً، بل هو تشويه ورأي سلبي، واستخدام أسلحة غير أخلاقية ومرفوضة».

وأضاف الشناوي لـ«الشرق الأوسط» أن «استنفار جمهورها العريض واستنكارهم لما قيل كان رائعاً، مؤكداً أن الاحتفاء بأم كلثوم في (جرش) أو غيره من المهرجانات أمر بديهي، فهي دائماً مكرمة، ولا يخلو حفل من إعادة تقديم أغنياتها، ويكفي أن فنّها يتردد صداه رغم مرور أكثر من 80 عاماً عليه، واسمها ما زال قادراً على الحياة».


«مركز ذاكرة الثقافة» يبدأ أعماله لتدوين ورقمنة وصون الحكاية السعودية

شعار «مركز ذاكرة الثقافة السعودية» (وزارة الثقافة)
شعار «مركز ذاكرة الثقافة السعودية» (وزارة الثقافة)
TT

«مركز ذاكرة الثقافة» يبدأ أعماله لتدوين ورقمنة وصون الحكاية السعودية

شعار «مركز ذاكرة الثقافة السعودية» (وزارة الثقافة)
شعار «مركز ذاكرة الثقافة السعودية» (وزارة الثقافة)

يبدأ «مركز ذاكرة الثقافة السعودية» أعماله لتدوين ورقمنة وصون الحكاية السعودية بكل تفاصيلها؛ من الفنون الشعبية والأزياء التراثية، إلى التحولات الأدبية والاجتماعية.

ونشرت جريدة «أم القرى» الرسمية، في عددها الصادر الجمعة، تفاصيل الترتيبات التنظيمية لـ«مركز ذاكرة الثقافة السعودية»، بعد موافقة مجلس الوزراء السعودي على تحويل الوحدة التنظيمية بوزارة الثقافة المسمّاة بـ«الأرشيف الثقافي» إلى مركز متخصص يرتبط مباشرة بوزير الثقافة، ويستهدف بناء مرجعية وطنية معرفية داعمة للهوية الثقافية السعودية.

وفي ظل تسارع وتيرة التحديث، يطرح المركز نفسه كمرجعية وطنية أولى، يضمن أن تتصل جسور النهضة الواعدة بالجذور، وأن تستمد منها القوة والتميز والخصوصية الثقافية.

صون الهوية ورقمنة التراث الوطني

وفقاً للمادة الثالثة من التنظيم الجديد، يتطلع المركز إلى تحقيق حزمة من الأهداف الاستراتيجية التي تتمحور حول حفظ وصون وإبراز الذاكرة الثقافية للمملكة، وتوثيق ورقمنة وإدارة التراث الثقافي الوطني وأرشفته، إضافة إلى إتاحة عناصر التراث وتعزيز التكامل والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

ويمنح التنظيم الجديد المركز صلاحيات واسعة للإشراف على «المنصة الرقمية الوطنية»، المعنية بحفظ أصول التراث الثقافي وإتاحتها، بالإضافة إلى إدارة «السجل المركزي» وقاعدة بيانات مركزية لحماية التراث بصيغته الرقمية، بما في ذلك التراث السعودي الموجود خارج المملكة.

12 اختصاصاً لتعزيز الحضور الثقافي

حددت المادة الرابعة من الترتيبات التنظيمية 12 اختصاصاً رئيسياً للمركز، جاء أبرزها رسم السياسات وتتمثل في وضع الخطط والبرامج والمشروعات والمعايير ذات الصلة بمجالات اختصاصه.

ومن اختصاصاته جمع وفهرسة البيانات التي تركز على حصر وتوثيق وأرشفة التراث الثقافي من القطاعين العام والخاص والأفراد، وتنظيم تداوله وإتاحته للجمهور.

ويختص المركز بقياس الامتثال الثقافي، من خلال رفع تقرير دوري لمؤشر قياس مستوى نضج وامتثال الجهات (الحكومية، الخاصة، وغير الربحية) في رقمنة التراث ورصد التحديات.

ومن اختصاصات المركز المد الثقافي الدولي، وتنظيم المؤتمرات والندوات وجلسات العمل والاشتراك فيها داخل المملكة وخارجها.

حوكمة رفيعة المستوى برئاسة وزير الثقافة

تضمّن الهيكل الإداري للمركز حوكمة دقيقة لضمان أعلى مستويات الأداء؛ حيث نصّت المادتان الخامسة والسادسة على تشكيل لجنة إشرافية برئاسة وزير الثقافة، وتضم في عضويتها ممثلين (لا تقل مراتبهم عن المرتبة الثانية عشرة أو ما يعادلها) من هيئة التراث، ودارة الملك عبد العزيز، ومكتبة الملك فهد الوطنية، والمركز الوطني للوثائق والمحفوظات، والهيئة السعودية للملكية الفكرية، إضافة إلى ثلاثة من ذوي الخبرة والاختصاص (تكون عضويتهم لمدة 3 سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة).

وتتولى هذه اللجنة الإشراف الكامل على إدارة شؤون المركز، وإقرار السياسات والخطط، واعتماد المعايير والقواعد المنظمة، وقبول الهِبات والتبرعات والمِنح.

وأشارت المادة السابعة إلى أن اللجنة الإشرافية تجتمع 3 مرات في السنة على الأقل، مع إمكانية عقد الاجتماعات والتصويت على القرارات «من بُعد» باستخدام الوسائل التقنية الحديثة أو تمرير القرارات.

كما سيتولى إدارة شؤون المركز التنفيذية مدير عام، يجري تعيينه وإعفاؤه بقرار من وزير الثقافة، ويكون مسؤولاً عن إعداد السياسات والمبادرات، ومتابعة تنفيذ القرارات، وتمثيل المركز أمام الجهات القضائية والإدارية.

ووفق التنظيمات الجديدة، تتكون الموارد المالية للمركز من الاعتمادات المخصصة له ضِمن ميزانية وزارة الثقافة، إضافة إلى الهبات، والتبرعات، والمِنح، والوصايا، وريع الأوقاف التي تقبلها اللجنة الإشرافية.

ونصّت مواد التنظيم على إيداع جميع إيرادات المركز في حساب الخزينة الموحد بالبنك المركزي السعودي، على أن يخضع منسوبو المركز للأنظمة واللوائح المعمول بها في وزارة الثقافة، والعمل بهذه الترتيبات فور نشرها في الجريدة الرسمية.


لويز باغنال: الرسوم المتحركة تشهد طفرة عالمية عبر دمج الواقع و«الفانتازيا»

مخرجة الفيلم لويز باغنال (الشركة المنتجة)
مخرجة الفيلم لويز باغنال (الشركة المنتجة)
TT

لويز باغنال: الرسوم المتحركة تشهد طفرة عالمية عبر دمج الواقع و«الفانتازيا»

مخرجة الفيلم لويز باغنال (الشركة المنتجة)
مخرجة الفيلم لويز باغنال (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الآيرلندية لويز باغنال إن الشغف الكبير بكتاب الأطفال الشهير «جوليان حورية بحر» (Julián is a Mermaid) للكاتبة جيسيكا لوف، كان المحرك الأساسي وراء حماسها لتقديم فيلم «الأنيميشن» الجديد «جوليان» بعد رحلة عمل شاقة وملهمة، موضحة أن فكرة تحويل العمل إلى فيلم رسوم متحركة طويل بدأت تتبلور في ذهنها فور رؤيتها للكتاب لأول مرة، بعدما شعرت بـ«شرارة خاطفة» جعلتها تدرك على الفور أن هذه القصة الفريدة تمتلك كافة الإمكانات البصرية والدرامية لتتوسع وتتحول إلى تجربة سينمائية تناسب الشاشة الكبيرة.

وأضافت لويز باغنال في مقابلة عبر «زووم» مع «الشرق الأوسط» بعد عرض فيلمها في مهرجان «أنسي الدولي لأفلام الرسوم المتحركة» بفرنسا، خلال يونيو (حزيران) الماضي، أن وسيط الرسوم المتحركة ثنائية الأبعاد كان الخيار البديهي والوحيد منذ البداية لمحاكاة الجماليات البصرية والرسومات اليدوية البديعة التي تميز بها الكتاب الأصلي، لافتة إلى أنها شعرت فيه بحرية إخراجية هائلة للغوص في العالم الداخلي لبطل العمل، ورؤية كافة التفاصيل بعينَيه.

وأكدت أن «الأنيميشن» يسمح بالارتقاء بالواقع المحيط وجعله أكثر إشراقاً وحيوية وتنوعاً بالألوان ليعكس براءة الطفل، «فضلاً عن قدرته على الدمج السلس والدقيق بين عناصر السحر والخيال الفانتازي وبين الواقع المعيش في الفيلم دون أي انقطاع بصري»، على حد تعبيرها.

شهد مهرجان «أنسي» بفرنسا العرض العالمي الأول للفيلم (الشركة المنتجة)

ولفتت إلى أن الإنتاج واجه تحديات بالغة في بداية الطريق، لعل أبرزها كيفية اقتباس كتاب مصور قصير جداً يتكون من 36 صفحة فقط، وتوسيعه إلى نص روائي طويل يمتد لنحو 85 دقيقة.

تدور أحداث الفيلم حول الطفل الصغير «جوليان»، الذي يقضي فصل الصيف في مدينة نيويورك برفقة جدته «أبويلا» التي لا يعرفها كثيراً، وهناك يتسع أمامه العالم في قلب الأحياء الشعبية ببروكلين، فيكتشف شقتها العتيقة المليئة بالكنوز العائلية، ويتعرف بعمق على تراثه الكاريبي الغني ومجتمعه المحيط.

ويرصد الفيلم رحلة الطفل ومفاجأته الكبرى عندما يكتشف في أعماق خياله أنه في الحقيقة حورية بحر، ليبدأ في استكشاف رغباته والتعبير عن ذاته بحرية مستقلة، مستعيناً بمخيلته الخصبة ودعم عائلته، وسط أجواء تحتفي بقوة الخيال والتقبل الإنساني.

وأكدت المخرجة أن «البحث عن الأصالة والواقعية في تفاصيل النص فرضت الاستعانة بالكاتب جولياني تافيراس لصياغة السيناريو؛ نظراً لخبرته الشخصية كأميركي من أصول دومينيكانية نشأ في بروكلين؛ مما مكّنه من صبغ الأحداث ببعد صادق، وتعميق صلة جوليان بتراثه وثقافته الأفرو-كاريبية، من خلال تفاصيل دقيقة تشمل الموسيقى، والأطعمة، والمفردات الإسبانية التي تتحدث بها الجدة».

ولفتت إلى أن طبيعة العمل كإنتاج مشترك معقد بين أربع دول (آيرلندا، ولوكسمبورغ، وكندا، والدنمارك) زادت من الصعوبات اللوجستية؛ إذ كان يتم تحريك أجزاء من الفيلم في بلد، في حين تتم المؤثرات والتركيب في بلد آخر عبر مساحات زمنية مختلفة، مما تطلب تنسيقاً هائلاً وإبقاء الجميع على المسار نفسه للحفاظ على وحدة الرؤية الفنية، لا سيما في التتابعات البصرية المعقدة، والمشاهد التي يغوص فيها «جوليان» تحت الماء وسط حركات التحول السحرية ومؤثرات الرسوم الدقيقة.

الفيلم تضمن قصة خيالية في ثوب عصري (الشركة المنتجة)

وقالت إن «التحدي الأكبر على مستوى البناء الدرامي كان يتلخص في الحفاظ على الطفل (جوليان) في مركز الأحداث والمحرك الرئيسي للحبكة»، لافتة إلى أن فريق العمل كان كلما تعمق في كتابة تفاصيل شخصية الجدة «أبويلا» وجد أنها تزداد جاذبية وثراءً بشكل قد يغري بالاسترسال في قصتها، مما فرض عليهم خلق توازن درامي محكم يضمن إبراز العلاقة المتنامية والروابط العاطفية القديمة بين الجدة والحفيد دون أن تطغى تفاصيل ماضي الجدة على رحلة التطور الشخصية للبطل.

وأبدت باغنال اقتناعها بأن الإخراج الناجح يعتمد على المرونة والتعاون الإيجابي، وترك مساحة للأفكار كي تتنفس وتتطور من خلال تجارب وذكريات المبدعين المشاركين في صناعة العمل.

حافظت المخرجة على التوازن في العلاقة بين الجدة والحفيد (الشركة المنتجة)

وعن مشاركتها في مهرجان «أنسي الدولي»، أعربت لويز باغنال عن سعادتها الكبيرة واعتزازها بقبول الفيلم ليحظى بعرضه العالمي الأول في المهرجان، معتبرة الأمر بمنزلة حلم تحقق؛ كونها اعتادت حضور المهرجان منذ أن كانت طالبة قبل عشرين عاماً، والعودة إليه بفيلمها الروائي الطويل الأول كانت لحظة استثنائية، واستكمالاً لمسيرتها المهنية.

وشددت على أن «النظرة النمطية لأفلام التحريك تشهد تغيراً ملحوظاً في الآونة الأخيرة بالمهرجانات والمسابقات الرسمية، مع تراجع الفكرة القديمة بأنها موجهة للأطفال فقط لصالح تصنيفها كـتجربة عائلية متكاملة تجمع الصغار والبالغين معاً»، مستشهدة بالطفرة الكبيرة في إنتاج أعمال رسوم متحركة للبالغين بقوالب الخيال العلمي، مما يؤكد مرونة وقوة هذا الوسيط السينمائي، وقدرته على استيعاب كل الأنواع الدرامية بجدارة.