هل حركت اليابان «الخط الأحمر» للين... أم تكبلها «تكلفة الإنقاذ»؟

العملة بأدنى مستوى منذ 40 عاماً... ومعركة طوكيو زادت صعوبة

شاشات تظهر حركة الين مقابل الدولار في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
شاشات تظهر حركة الين مقابل الدولار في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

هل حركت اليابان «الخط الأحمر» للين... أم تكبلها «تكلفة الإنقاذ»؟

شاشات تظهر حركة الين مقابل الدولار في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
شاشات تظهر حركة الين مقابل الدولار في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

خلال الساعات الأخيرة، لم يعد السؤال في أسواق المال العالمية: متى ستتدخل اليابان لإنقاذ عملتها؟ بل أصبح: هل ما زال التدخل قادراً على تغيير مسار الين؟ فعندما اخترق الدولار مستوى 162 يناً للمرة الأولى منذ عام 1986، لم يتغير خطاب الحكومة اليابانية. وكررت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما العبارة نفسها التي استخدمتها طوكيو خلال الأشهر الماضية: «سنكون مستعدين لاتخاذ الإجراءات المناسبة في أي وقت». لكن الأسواق لم تبدُ مقتنعة، فبعد إنفاق قياسي بلغ 11.7 تريليون ين، أي ما يعادل أكثر من 72 مليار دولار، في تدخلات جرت بين أواخر أبريل (نيسان) وبداية مايو (أيار)، عاد الين إلى مستويات أضعف من تلك التي دفعت الحكومة إلى التدخل أصلاً. وهنا يبرز سؤال أكثر أهمية من سعر الصرف نفسه: «هل رفعت طوكيو بالفعل سقف تحملها لضعف الين، أم أن الأسواق هي التي رفعت تكلفة الدفاع عنه؟».

من «الخط الأحمر» إلى «المنطقة الرمادية»

لسنوات طويلة اعتادت الأسواق البحث عن «الخط الأحمر» الذي تتحرك عنده السلطات اليابانية. في عام 2022، تدخلت طوكيو عندما تجاوز الدولار مستوى 152 يناً. وبعد ذلك بعامين تقريباً، عادت للتدخل عندما اقترب السعر من 160 يناً، في واحدة من أكبر عمليات شراء الين في تاريخ البلاد... أما اليوم، وبعد وصول الدولار إلى أكثر من 162 يناً، فلم يتغير شيء سوى استمرار التحذيرات اللفظية.

هذا التطور دفع العديد من بيوت الاستثمار العالمية إلى الاعتقاد بأن الحكومة ربما لم تعد تنظر إلى مستوى 160 باعتباره الحد الذي يستوجب التدخل الفوري، بل أصبحت تراقب مستويات أعلى قد تمتد إلى نطاق 163 أو حتى 165 يناً للدولار، إذا استمرت الضغوط الحالية. ولا يعني ذلك بالضرورة أن طوكيو أصبحت تفضل ضعف العملة، وإنما ربما باتت أكثر حذراً في استخدام سلاح التدخل، بعدما اكتشفت أن فاعليته أصبحت محدودة مقارنة بما كانت عليه في الماضي.

شاشات تظهر حركة الين مقابل الدولار في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

لماذا لم يعد التدخل يخيف الأسواق؟

في السابق، كان مجرد تلميح وزارة المالية اليابانية إلى إمكانية التدخل كفيلاً بإجبار المضاربين على تقليص رهاناتهم ضد الين. فالتدخل الحكومي من شأنه أن يكبدهم خسائر فادحة مع الهبوط المفاجئ لسعر الين مقابل الدولار... لكن اليوم تغير المشهد؛ فالمتعاملون يعلمون أن الحكومة تستطيع إبطاء هبوط العملة، لكنها لا تستطيع تغيير الاتجاه الأساسي للسوق إذا بقيت العوامل الاقتصادية على حالها.

وتكمن المشكلة في أن قيمة العملات لا تحددها الحكومات وحدها، وإنما تحددها أيضاً فروق أسعار الفائدة وتدفقات رؤوس الأموال العالمية. ورغم أن بنك اليابان رفع أسعار الفائدة هذا الشهر، فإن الفائدة اليابانية لا تزال منخفضة للغاية مقارنة بنظيرتها الأميركية، وهو ما يبقي الدولار أكثر جاذبية للمستثمرين. وبالتالي، فإن أي ارتفاع مؤقت للين نتيجة تدخل حكومي يتحول سريعاً إلى فرصة جديدة للمستثمرين لشراء الدولار بأسعار أقل، بما يعني أن الحكومة هي التي ستتكبد خسائر فادحة لصالح المستثمرين في هذه الحالة... وهو ما يفسر سرعة تبخر أثر التدخلات الأخيرة.

أوراق نقدية من فئات مختلفة للين الياباني (رويترز)

تجارة بمليارات الدولارات ضد الين

والسبب الأكبر لاستمرار الضغوط على العملة اليابانية لا يرتبط بالمضاربة التقليدية فقط، بل بما يعرف في الأسواق باسم Carry Trade أو تجارة الفائدة. وتقوم هذه الاستراتيجية على اقتراض الأموال بالين، نظراً لانخفاض تكلفة الاقتراض في اليابان، ثم تحويلها إلى الدولار أو عملات أخرى تحقق عوائد أعلى. وتُعد هذه التجارة من أكثر الاستراتيجيات ربحية في أسواق العملات، ما دام بقي الفارق في أسعار الفائدة بين اليابان والولايات المتحدة واسعاً. لذلك، لا يرى كثير من المستثمرين في تدخل الحكومة اليابانية سوى عقبة مؤقتة، سرعان ما تزول بمجرد عودة العوامل الأساسية إلى فرض نفسها على السوق. ولهذا السبب أيضاً، فإن كل تدخل حكومي جديد يحتاج إلى مبالغ أكبر لتحقيق التأثير نفسه، بينما تتراجع مدة هذا التأثير تدريجياً.

نزيف مع كل تدخل

وأنفقت اليابان أكثر من 72 مليار دولار خلال أسابيع قليلة هذا العام للدفاع عن عملتها، وهو رقم غير مسبوق تقريباً في تاريخ تدخلاتها بسوق الصرف. لكن المفارقة أن هذه الأموال لم تمنع الين من العودة إلى مستويات أضعف. وهنا تظهر معضلة جديدة أمام صناع القرار؛ فإذا كان التدخل السابق قد كلف هذا المبلغ الضخم ولم يغير الاتجاه إلا لفترة قصيرة، فإن أي تدخل جديد سيحتاج على الأرجح إلى موارد أكبر لتحقيق النتيجة نفسها. بل إن بعض الاقتصاديين يرون أن التدخلات المتكررة قد تمنح المضاربين فرصة أفضل؛ لأنها توفر لهم نقاط دخول جديدة لشراء الدولار بأسعر أقل، ما يجعل الحكومة، من حيث لا تريد، توفر للسوق سيولة إضافية لاستكمال الاتجاه نفسه. ولذلك لم تعد القضية مرتبطة فقط بقدرة اليابان المالية، فهي تمتلك أحد أكبر احتياطيات النقد الأجنبي في العالم، وإنما أصبحت مرتبطة بمدى جدوى استخدام هذه الاحتياطيات في معركة قد لا يمكن حسمها عبر التدخل وحده..

شاشة تظهر حركة الين مقابل الدولار في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

هل رفعت الحكومة سقف التدخل فعلاً؟

ورغم تكهنات الأسواق، لا يوجد حتى الآن أي تصريح رسمي يشير إلى أن الحكومة اليابانية رفعت المستوى الذي تعدُّه مقلقاً لسعر صرف الين؛ فالسلطات لا تعلن عادة عن «خطوط حمراء» محددة، بل تؤكد باستمرار أن معيارها الأساسي هو سرعة تحركات السوق وطبيعتها، وليس رقماً معيناً لسعر الصرف. لكن في المقابل، فإن بقاء الدولار فوق مستوى 162 يناً من دون تدخل مباشر، رغم أنه تجاوز المستويات التي دفعت طوكيو للتحرك في السابق، عزز الاعتقاد لدى المستثمرين بأن السلطات أصبحت أكثر تسامحاً مع ضعف العملة، أو على الأقل أكثر حذراً في استخدام احتياطياتها للدفاع عنها.

ويرى محللون أن الحكومة لا ترغب في تكرار سيناريو أبريل (نيسان) الماضي، عندما أنفقت مليارات الدولارات لتنجح في إبطاء هبوط الين لبضعة أسابيع فقط، قبل أن تستأنف العملة مسارها النزولي.

وتكمن المشكلة في أن وزارة المالية اليابانية تستطيع شراء الين وبيع الدولار، لكنها لا تستطيع تغيير العامل الأساسي الذي يقود السوق؛ فالمستثمر الذي يقترض بالين بفائدة تقارب 1 في المائة، ثم يستثمر في سندات أميركية بعائد يتجاوز 4 في المائة، لن يغيّر استراتيجيته بسبب تدخل مؤقت في سوق الصرف. وهنا تظهر معضلة السياسة الاقتصادية اليابانية. فبحسب الخبراء، إذا أرادت الحكومة وقف هبوط الين بشكل دائم، فإن الطريق الأكثر فاعلية يتمثل في رفع أسعار الفائدة بصورة أكبر، بما يقلص فجوة العوائد مع الولايات المتحدة... لكن هذا الخيار يحمل تكلفة باهظة.

وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما في مؤتمر صحافي سابق بالعاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

لماذا لا يرفع بنك اليابان الفائدة بقوة؟

على عكس معظم الاقتصادات الكبرى، لا تزال اليابان تعيش إرث ثلاثة عقود من النمو الضعيف والانكماش، كما أنها تمتلك أعلى دين عام بين الاقتصادات المتقدمة؛ إذ يتجاوز 240 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وأي ارتفاع سريع في أسعار الفائدة يعني زيادة مباشرة في تكلفة خدمة هذا الدين، فضلاً عن الضغط على الشركات والأسر التي اعتادت الاقتراض بتكاليف متدنية لعقود. ولهذا السبب، يواصل بنك اليابان رفع الفائدة بوتيرة بطيئة ومدروسة، حتى وإن كان ذلك يحد من قدرته على دعم العملة.

وبعبارة أخرى، فإن السياسة النقدية اليابانية تبدو مقيدة باعتبارات داخلية، في وقت تتحرك فيه أسواق العملات وفق اعتبارات عالمية.

المضاربون يختبرون «عتبة الألم»

في كل مرة تؤجل فيها الحكومة التدخل، تزداد قناعة المستثمرين بأن بإمكانهم دفع الدولار إلى مستويات أعلى. وهذا ما يصفه بعض المحللين بـ«اختبار عتبة الألم»؛ أي محاولة معرفة النقطة التي تصبح عندها السلطات مستعدة لتحمل التكلفة السياسية والمالية للتدخل. ولا يتعلق الأمر فقط بمستوى 162 أو 163 يناً، بل أيضاً بسرعة التراجع وحجم التقلبات اليومية. فإذا جاء ضعف الين تدريجياً، قد تفضّل الحكومة الانتظار. أما إذا شهدت السوق تحركات حادة ومضاربات عنيفة، فقد يكون التدخل أكثر ترجيحاً، حتى لو كان السعر أقل من مستويات تاريخية.

شاشة تظهر حركة الين مقابل الدولار في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

دروس من الماضي

منذ تسعينات القرن الماضي، شهدت اليابان تدخلات عديدة في سوق الصرف، لكن التجارب السابقة تكشف عن أن نجاحها كان دائماً مرتبطاً بوجود عوامل اقتصادية داعمة. ففي عام 1998، ساعدت التدخلات على استقرار الين؛ لأنها تزامنت مع تغيرات في السياسة النقدية العالمية. وفي 2011، جاء التدخل بشكل منسق مع مجموعة السبع بعد زلزال وتسونامي فوكوشيما، ما عزز تأثيره. أما التدخلات الأحادية، كما حدث في 2022 و2024 و2026، فقد نجحت في تهدئة السوق مؤقتاً، لكنها لم تتمكن من تغيير الاتجاه الأساسي للعملة. ويؤكد ذلك أن التدخل، مهما بلغ حجمه، يظل أداة لكسب الوقت أكثر منه وسيلة لعكس المسار.

إلى أين يتجه الين؟

يربط معظم المحللين الاتجاه المقبل للعملة اليابانية بعدة عوامل؛ أبرزها بيانات الاقتصاد الأميركي، ومسار أسعار الفائدة لدى الاحتياطي الفيدرالي، وأي إشارات جديدة من بنك اليابان بشأن تشديد السياسة النقدية.

وفي حال بقيت الفجوة الكبيرة في العوائد بين الدولار والين، فمن المرجح أن تستمر الضغوط على العملة اليابانية، حتى لو شهدت السوق تدخلات متقطعة من السلطات. أما إذا بدأت الفائدة الأميركية في التراجع، أو اتجه بنك اليابان إلى خطوات أكثر جرأة، فقد تتغير المعادلة تدريجياً. ولم تعد المعركة عند رقم محدد لسعر الين مقابل الدولار؛ بل عند المصداقية. فالتحدي الأكبر يكمن في الحفاظ على مصداقية سياسة التدخل، بعدما أثبتت التجارب الأخيرة أن الأسواق قادرة على امتصاص أثر مليارات الدولارات خلال أسابيع قليلة.

ولهذا، لم يعد السؤال المطروح في غرف التداول: هل ستتدخل طوكيو؟ بل أصبح: هل ما زال تدخلها قادراً على تغيير اتجاه السوق، أم أنه أصبح مجرد استراحة قصيرة في مسار يحدده فارق الفائدة أكثر مما تحدده احتياطيات النقد؟

وهنا ربما تكمن المفارقة الأكبر؛ فكلما ارتفعت تكلفة الدفاع عن الين، أصبح اتخاذ قرار التدخل أكثر صعوبة، فيما تزداد جرأة المضاربين على اختبار حدود قدرة الحكومة اليابانية على مواصلة هذه المعركة.


مقالات ذات صلة

الديزل الأميركي يتجاوز 6 دولارات لأول مرة

الاقتصاد لافتة في محطة وقود بولاية كاليفورنيا الأميركية تُظهِر تخطي سعر الديزل مستوى 6 دولارات للغالون للمرة الأولى في التاريخ (أ ب)

الديزل الأميركي يتجاوز 6 دولارات لأول مرة

تجاوز متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة مستوى 6 دولارات للغالون للمرة الأولى في التاريخ.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد رجل يتابع شاشة تعرض سعر الين مقابل الدولار في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

اليابان تنسق سوق الصرف مع واشنطن وتستعد لرفع الفائدة

قالت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما إن الحكومة ستواصل التواصل الوثيق مع واشنطن لضمان تحركات منظمة في سوق العملات.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

«نيكي» يتراجع متأثراً برهانات الفائدة وأسعار النفط

تراجع مؤشر «نيكي» الياباني يوم الجمعة وسط مخاوف متجددة بشأن رفع أسعار الفائدة الأميركية وارتفاع حاد في أسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد ناطحات سحاب في الحي المالي بمدينة لندن (رويترز)

الاقتصاد البريطاني ينمو 0.4 % في يوليو متجاوزاً التوقعات

أظهرت بيانات صادرة عن مكتب الإحصاء الوطني يوم الجمعة أن الاقتصاد البريطاني نما بنسبة 0.4 في المائة في يوليو (تموز)، وهي وتيرة أقوى بكثير من المتوقع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رجل يمر أمام مقر الاحتياطي الفيدرالي في العاصمة الأميركية واشنطن (رويترز)

النفط الصاعد يدفع عوائد السندات الأميركية نحو 5 %

دفعت موجة بيع واسعة في أسواق السندات العالمية عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات إلى الاقتراب من مستوى 5 بالمائة.

«الشرق الأوسط» (عواصم)

تصاعد مخاطر الطاقة يعزز توجه «المركزي الأوروبي» لمزيد من رفع الفائدة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

تصاعد مخاطر الطاقة يعزز توجه «المركزي الأوروبي» لمزيد من رفع الفائدة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

مهد اثنان من صناع السياسة في البنك المركزي الأوروبي يوم الجمعة الطريق أمام مزيد من الزيادات في أسعار الفائدة، في حال استمرار ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب، وما قد يترتب عليه من ارتفاع في أسعار سلع أخرى في منطقة اليورو.

وكان البنك المركزي الأوروبي قد رفع تكاليف الاقتراض يوم الخميس للمرة الثانية هذا العام، بمقدار 25 نقطة أساس، بما يتماشى مع التوقعات، ليصل به إلى الحد الأعلى للنطاق المحايد المقدر، وهو النطاق الذي لا يحفز الاقتصاد ولا يبطئه، فيما أفادت مصادر لـ«رويترز» بأن صناع السياسة يتوقعون مزيداً من تشديد السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة، مع احتمال اتخاذ إجراء بهذا الصدد في وقت مبكر قد يكون في أكتوبر (تشرين الأول).

وأقر مسؤولون في البنكين المركزيين الألماني والإستوني بهذا الاحتمال يوم الجمعة، مع تأكيدهما أن أي خطوة ستعتمد على تطورات أسعار النفط والغاز.

وقال يواخيم ناجل، رئيس البنك المركزي الألماني، إن البنك المركزي الأوروبي قد يحتاج إلى رفع أسعار الفائدة إلى مستوى من شأنه أن يؤدي إلى كبح الاقتصاد بشكل طفيف.

وصرح لشبكة «سي إن بي سي» في مقابلة قائلاً: «لن أستبعد احتمال اضطرارنا للدخول في نطاق تقييدي طفيف، ولكن كما قلت، يعتمد الأمر بشكل كبير على كيفية تطور أسعار الطاقة، وكيفية تطور مشهد الأسعار خلال الشهر المقبل ربما».

وبدأت أسواق المال في تسعير احتمال إجراء ثلاث زيادات أخرى على الأقل في أسعار الفائدة من قبل البنك المركزي الأوروبي خلال العام المقبل، فيما تتوقع مؤسسات «غولدمان ساكس» و«سيتي غروب» و«باركليز» أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مجدداً في ديسمبر (كانون الأول)، بينما يتوقع «سيتي» رفعاً إضافياً في مارس (آذار) 2027.

وقال أولو كاسيك، محافظ البنك المركزي الإستوني، إن هذه التوقعات «مفهومة» في ضوء الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود، وخطر ارتفاع أسعار المواد الغذائية أيضاً.

وذكر في تدوينة له أن «التطورات الأخيرة في أسواق الطاقة، على سبيل المثال، تشير إلى احتمال أن تكون الزيادة في أسعار الغاز والوقود أكبر بكثير ولمدة أطول مما كان متوقعاً في التقديرات».

كما حذر بريموز دولينك، محافظ البنك المركزي السلوفيني، في تدوينة له من «ارتفاع تكاليف الطاقة والكهرباء خلال أشهر الخريف والشتاء».

وكان البنك المركزي الأوروبي قد رفع قليلاً يوم الخميس توقعاته للنمو والتضخم، لكن هذه التوقعات لم تأخذ في الحسبان التحركات الأخيرة في أسعار الطاقة. وأدى الصراع المستمر منذ ستة أشهر في الشرق الأوسط إلى تدهور آفاق التضخم والنمو في منطقة اليورو، فيما دفعت تجدد الهجمات بين الولايات المتحدة وإيران أسعار النفط الخام إلى تجاوز 100 دولار للبرميل، ما يهدد بمزيد من الضغوط الصعودية على أسعار المستهلكين.

ويتوقع البنك المركزي الأوروبي بقاء التضخم أعلى من مستهدفه البالغ 2 في المائة لفترة ممتدة، فيما قال «باركليز» إن قرار رفع الفائدة، الذي وصفه بأنه «لا يحتاج إلى تفكير»، يعكس استمرار تركيز صناع السياسة على كبح التضخم، الذي لا يتوقع البنك المركزي الأوروبي عودته إلى مستهدفه قبل أواخر عام 2027.

وقال «غولدمان ساكس» إن رفع الفائدة في ديسمبر سيدفع أسعار الفائدة إلى «منطقة تقييدية بشكل طفيف».

وقال اقتصاديون في «سيتي»: «كلما طال أمد بقاء التضخم عند مستويات مرتفعة، زادت مخاطر تحوله إلى ظاهرة متأصلة في الاقتصاد».

وكان البنك المركزي الأوروبي قد رفع تكاليف الاقتراض بقوة خلال السنوات الماضية في مسعى لكبح التضخم، إلا أن المسؤولين شددوا بصورة متزايدة على أن قرارات السياسة النقدية ستظل مرتبطة بالبيانات الاقتصادية.

وحسب بيانات «إل إس إي جي»، تسعّر الأسواق حالياً احتمالاً يبلغ 93.9 في المائة لرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر.

ومن المقرر أن يعقد البنك اجتماعه المقبل في 29 أكتوبر. وتتجه الأنظار أيضاً إلى اجتماعَي «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي وبنك اليابان المرتقبين الأسبوع المقبل، واللذين قد يعززان اتجاه التشديد النقدي عالمياً إذا ألمح صناع السياسة إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.


الديزل الأميركي يتجاوز 6 دولارات لأول مرة

لافتة في محطة وقود بولاية كاليفورنيا الأميركية تُظهِر تخطي سعر الديزل مستوى 6 دولارات للغالون للمرة الأولى في التاريخ (أ ب)
لافتة في محطة وقود بولاية كاليفورنيا الأميركية تُظهِر تخطي سعر الديزل مستوى 6 دولارات للغالون للمرة الأولى في التاريخ (أ ب)
TT

الديزل الأميركي يتجاوز 6 دولارات لأول مرة

لافتة في محطة وقود بولاية كاليفورنيا الأميركية تُظهِر تخطي سعر الديزل مستوى 6 دولارات للغالون للمرة الأولى في التاريخ (أ ب)
لافتة في محطة وقود بولاية كاليفورنيا الأميركية تُظهِر تخطي سعر الديزل مستوى 6 دولارات للغالون للمرة الأولى في التاريخ (أ ب)

تجاوز متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة مستوى 6 دولارات للغالون للمرة الأولى في التاريخ، في تطور يهدِّد برفع تكاليف النقل والشحن وسلاسل الإمداد، وإضافة موجة جديدة من الضغوط التضخمية على أكبر اقتصاد في العالم، بعدما اجتمعت تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع النفط مع الهجمات الأوكرانية على مصافي التكرير الروسية.

وبلغ متوسط سعر الغالون الأميركي، الذي يعادل نحو 3.785 لتر، مستوى قياسياً عند 6.06 دولار الجمعة، وفق بيانات «الجمعية الأميركية للسيارات». ويعادل ذلك نحو 1.60 دولار للتر، ويضع السعر فوق الذروة التاريخية التي سجَّلها الديزل خلال أزمة الطاقة العالمية في 2022.

حاجز تاريخي

ويكتسب تجاوز مستوى 6 دولارات أهمية أكبر بالنسبة للاقتصاد الأميركي، لأن الديزل يمثل الوقود الأساسي للشاحنات التي تنقل السلع بين الولايات والموانئ والمخازن والمتاجر، فضلاً عن استخدامه في قطاعات الزراعة والبناء والصناعة والنقل بالسكك الحديدية.

وبالتالي، فإن ارتفاع سعره لا يبقى محصوراً في محطات الوقود، وإنما ينتقل تدريجياً إلى تكاليف المنتجات والغذاء والخدمات اللوجيستية.

وجاءت القفزة الأخيرة بالتزامن مع عودة النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل. وبلغ خام برنت 105.62 دولار للبرميل خلال تعاملات الجمعة، بينما سجل خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 101.10 دولار. ورغم تراجعهما خلال الجلسة، ظل الخامان مرتفعين بنحو 13 في المائة خلال الأسبوع، في أكبر مكاسب أسبوعية، منذ منتصف يوليو (تموز).

وتصاعدت المخاوف مع استمرار القيود على حركة الناقلات عبر مضيق هرمز، وتزايد الهجمات على السفن، فضلاً عن اتساع التهديدات إلى البحر الأحمر. كما ساهمت الهجمات الأوكرانية على منشآت التكرير الروسية في زيادة الضغوط على أسواق المنتجات النفطية.

ذروة 2022

وتعيد الأسعار الحالية إلى الذاكرة أزمة 2022، عندما أحدثت الحرب الروسية - الأوكرانية اضطراباً واسعاً في تجارة الطاقة العالمية.

ووفق البيانات التاريخية لـ«إدارة معلومات الطاقة الأميركية»، ارتفع متوسط سعر الديزل الأسبوعي في الولايات المتحدة إلى مستوى قياسي سابق بلغ نحو 5.81 دولار للغالون، في يونيو (حزيران) 2022.

وقبل ذلك، كانت الأزمة المالية العالمية وطفرة أسعار السلع في 2008 قد دفعت الديزل إلى مستويات غير مسبوقة آنذاك، عندما تجاوز متوسطه 4.7 دولار للغالون في يوليو، بالتزامن مع اقتراب النفط الخام من 150 دولاراً للبرميل.

وبذلك، مرَّت سوق الديزل الأميركية بثلاث موجات تاريخية رئيسية خلال أقل من عقدين، هي صدمة النفط في 2008، ثم أزمة الطاقة المرتبطة بالحرب في أوكرانيا عام 2022، وصولاً إلى أزمة 2026 التي دفعت السعر للمرة الأولى فوق 6 دولارات.

لكن المقارنة بين هذه الفترات تتطلب الأخذ في الاعتبار التضخم، فالدولار في 2008 كان يتمتع بقوة شرائية أكبر من اليوم؛ ما يجعل التكلفة الاقتصادية الحقيقية لبعض الذرى السابقة أعلى مما توحي به المقارنة الاسمية وحدها. ومع ذلك، يظل مستوى 6.06 دولار أعلى سعر اسمي مسجَّل للديزل الأميركي.

لماذا الديزل أكثر حساسية؟

لا يتحرك سعر الديزل بالتوازي التام مع النفط الخام؛ فإلى جانب تكلفة الخام، يعتمد السعر على قدرة مصافي التكرير والمخزونات والطلب الموسمي وتكلفة النقل وهوامش التكرير.

ولهذا يمكن أن ترتفع أسعار الديزل حتى بوتيرة أسرع من النفط عندما تتعرض المصافي أو إمدادات المنتجات المكررة للاضطراب. وهذا ما يجعل الهجمات على المصافي الروسية عاملاً إضافياً إلى جانب أزمة حرب إيران.

كما أن الولايات المتحدة ليست معزولة عن سوق الديزل العالمية، حتى مع كونها منتجاً رئيسياً للنفط. فالمنتجات المكررة تتدفق بين الأسواق وفق الأسعار والطلب، وبالتالي تؤدي الاختناقات العالمية إلى رفع قيمة الوقود الأميركي أيضاً.

واقتصادياً، يمثل ارتفاع الديزل ما يشبه ضريبة غير مباشرة على الشركات والمستهلكين. فشركات النقل البري تواجه زيادة فورية في فاتورة الوقود، بينما تحاول تمرير جانب منها إلى العملاء من خلال رسوم الشحن. وتواجه المزارع تكلفة أعلى لتشغيل المعدات ونقل المحاصيل، في حين ترتفع نفقات شركات البناء والتوزيع.

يأتي ذلك في توقيت حساس للسياسة النقدية الأميركية؛ إذ دفعت قفزة النفط المستثمرين بالفعل إلى زيادة رهاناتهم على رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة لمواجهة التضخم.

أما المسار المقبل للأسعار، فسيتوقف بدرجة كبيرة على مدة اضطراب الإمدادات. فإذا تحسَّنت حركة الناقلات عبر مضيق هرمز وتراجعت أسعار النفط، يمكن أن تنحسر الضغوط سريعاً. لكن استمرار الخام فوق 100 دولار، بالتزامن مع اضطرابات التكرير قد يبقي الديزل فوق مستوياته التاريخية.

وبعد أن كانت ذروة 2022 تمثل المعيار الذي تقاس إليه أزمات الوقود الأميركية، رسم تجاوز 6 دولارات للغالون خطاً جديداً. والخطر الأكبر لا يكمن في الرقم القياسي ذاته، بل في المدة التي سيظل خلالها وقود الاقتصاد الأميركي عند هذه المستويات، ومدى انتقال تكلفته من خزانات الشاحنات إلى أسعار السلع وفواتير المستهلكين.


سندات اليورو تتجه لأسوأ موجة بيع أسبوعية منذ مارس

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
TT

سندات اليورو تتجه لأسوأ موجة بيع أسبوعية منذ مارس

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

تراجعت أسعار السندات الحكومية في منطقة اليورو يوم الجمعة، فيما اتجه سوق الديون العالمي نحو تسجيل أسوأ موجة بيع أسبوعية منذ اندلاع الحرب الإيرانية، متأثراً بارتفاع أسعار الطاقة الذي يدفع البنوك المركزية إلى التحرك بسرعة لمكافحة التضخم.

وكان البنك المركزي الأوروبي قد رفع أسعار الفائدة في منطقة اليورو بمقدار ربع نقطة مئوية يوم الخميس، كما كان متوقعاً، مع رفع توقعاته للتضخم وخفض توقعاته للنمو الاقتصادي، وفق «رويترز».

وقد تؤدي بيانات تضخم أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة، المقرر صدورها في وقت لاحق يوم الجمعة، إلى تعزيز التوقعات بأن يرفع «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة خلال اجتماعه الأسبوع المقبل. كما يعقد بنك اليابان اجتماعاً الأسبوع المقبل، وسط توقعات واسعة النطاق بأن يرفع هو الآخر تكاليف الاقتراض.

وشهدت عائدات السندات في أكبر سبعة اقتصادات في العالم (مجموعة السبع) أكبر ارتفاع لها هذا الأسبوع منذ بدء الحرب في أواخر فبراير (شباط). وتأثرت العائدات لأجل عامين بشكل خاص، إذ سارع المستثمرون إلى أخذ الاحتمالات المتزايدة لرفع صناع السياسات تكاليف الاقتراض، من طوكيو إلى واشنطن وأوتاوا، في الحسبان، بهدف مواجهة الارتفاع الضار في معدلات التضخم.

وارتفعت عائدات السندات الألمانية لأجل عامين بمقدار 3 نقاط أساس إضافية يوم الجمعة لتصل إلى 3.208 في المائة، وهو أعلى مستوى لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، مسجلة زيادة إجمالية تقارب 23 نقطة أساس هذا الأسبوع، وهي أكبر زيادة منذ الأسبوع الأول للحرب في أوائل مارس (آذار).

وفي المتوسط، ارتفعت عائدات السندات لأجل عامين في دول مجموعة السبع بنحو ربع نقطة مئوية هذا الأسبوع، وهي أكبر زيادة منذ ذلك الأسبوع نفسه، بينما ارتفعت عائدات السندات لأجل 10 سنوات بنحو 20 نقطة أساس، مدفوعة بزيادة قدرها 25 نقطة أساس في عائدات السندات الفرنسية. وفي غضون ذلك، تقترب عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات من مستوى 5 في المائة للمرة الأولى منذ أكتوبر 2023، وهو مستوى مرتفع سُجل سابقاً في عام 2007.

وقد تضررت السندات قصيرة الأجل بشدة هذا الأسبوع، إلا أن صناع السياسات والمستثمرين يراقبون عن كثب عوائد السندات طويلة الأجل، التي تعكس ثقة المستثمرين في الأوضاع المالية طويلة الأمد للحكومات.

وقال موهيت كومار، المحلل الاستراتيجي في بنك «جيفريز»: «لقد ابتعدنا عن الاستثمار في السندات طويلة الأجل، التي تتأثر بشدة بتغيرات أسعار الفائدة، منذ شهر يوليو. وما زلنا لا نميل إلى شراء السندات طويلة الأجل. ومع ذلك، قد تشهد أسعار الفائدة انفراجة مؤقتة إذا جاءت بيانات مؤشر أسعار المستهلكين اليوم عند مستويات معتدلة».

وأضاف: «تتموضع السوق حالياً في مراكز بيع، أي مراهنة على ارتفاع العوائد وانخفاض الأسعار، فيما يتعلق بأسعار الفائدة. لكن هذه المراكز تحتاج إلى محفز، ولا تزال رؤيتنا تشير إلى أن بيانات مؤشر أسعار المستهلكين اليوم واجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع المقبل قد يشكلان هذا المحفز».

وسجلت عوائد السندات الألمانية القياسية لأجل 10 سنوات، التي ارتفعت بمقدار 17 نقطة أساس هذا الأسبوع، ارتفاعاً طفيفاً بمقدار نقطة أساس واحدة خلال اليوم لتصل إلى 3.5087 في المائة.

وصرحت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، بأن قرار رفع أسعار الفائدة يوم الخميس كان «خطوة بديهية لا تقبل الجدل»، وحذرت من أن عودة التضخم إلى مستواه المستهدف البالغ 2 في المائة، والتي يُتوقع الآن أن تحدث بحلول نهاية عام 2027، قد تتأخر أكثر من ذلك.

وذكرت مصادر مطلعة على المناقشات أن توقعات التضخم قد تدهورت إلى درجة تجعل من المرجح اتخاذ المزيد من إجراءات التشديد النقدي، وهو خيار قد يُطرح للنقاش في أقرب وقت ممكن بحلول 29 أكتوبر.

وتشير بيانات أسواق المال إلى أن المتداولين يتوقعون أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة ثلاث مرات إضافية بحلول مارس المقبل، مع احتمال رفعها للمرة الرابعة بحلول يونيو.

وعلى صعيد منطقة اليورو، ارتفعت العوائد بشكل واسع النطاق؛ إذ بلغ عائد السندات الإيطالية لأجل 10 سنوات 4.383 في المائة، بزيادة نقطة أساس واحدة، بينما سجلت السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات عائداً قدره 4.429 في المائة، لتظل مستقرة خلال اليوم، لكنها سجلت ارتفاعاً إجمالياً قدره 24 نقطة أساس هذا الأسبوع، وهي أكبر زيادة أسبوعية منذ منتصف مايو (أيار).