هل حركت اليابان «الخط الأحمر» للين... أم تكبلها «تكلفة الإنقاذ»؟

العملة بأدنى مستوى منذ 40 عاماً... ومعركة طوكيو زادت صعوبة

شاشات تظهر حركة الين مقابل الدولار في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
شاشات تظهر حركة الين مقابل الدولار في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

هل حركت اليابان «الخط الأحمر» للين... أم تكبلها «تكلفة الإنقاذ»؟

شاشات تظهر حركة الين مقابل الدولار في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
شاشات تظهر حركة الين مقابل الدولار في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

خلال الساعات الأخيرة، لم يعد السؤال في أسواق المال العالمية: متى ستتدخل اليابان لإنقاذ عملتها؟ بل أصبح: هل ما زال التدخل قادراً على تغيير مسار الين؟ فعندما اخترق الدولار مستوى 162 يناً للمرة الأولى منذ عام 1986، لم يتغير خطاب الحكومة اليابانية. وكررت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما العبارة نفسها التي استخدمتها طوكيو خلال الأشهر الماضية: «سنكون مستعدين لاتخاذ الإجراءات المناسبة في أي وقت». لكن الأسواق لم تبدُ مقتنعة، فبعد إنفاق قياسي بلغ 11.7 تريليون ين، أي ما يعادل أكثر من 72 مليار دولار، في تدخلات جرت بين أواخر أبريل (نيسان) وبداية مايو (أيار)، عاد الين إلى مستويات أضعف من تلك التي دفعت الحكومة إلى التدخل أصلاً. وهنا يبرز سؤال أكثر أهمية من سعر الصرف نفسه: «هل رفعت طوكيو بالفعل سقف تحملها لضعف الين، أم أن الأسواق هي التي رفعت تكلفة الدفاع عنه؟».

من «الخط الأحمر» إلى «المنطقة الرمادية»

لسنوات طويلة اعتادت الأسواق البحث عن «الخط الأحمر» الذي تتحرك عنده السلطات اليابانية. في عام 2022، تدخلت طوكيو عندما تجاوز الدولار مستوى 152 يناً. وبعد ذلك بعامين تقريباً، عادت للتدخل عندما اقترب السعر من 160 يناً، في واحدة من أكبر عمليات شراء الين في تاريخ البلاد... أما اليوم، وبعد وصول الدولار إلى أكثر من 162 يناً، فلم يتغير شيء سوى استمرار التحذيرات اللفظية.

هذا التطور دفع العديد من بيوت الاستثمار العالمية إلى الاعتقاد بأن الحكومة ربما لم تعد تنظر إلى مستوى 160 باعتباره الحد الذي يستوجب التدخل الفوري، بل أصبحت تراقب مستويات أعلى قد تمتد إلى نطاق 163 أو حتى 165 يناً للدولار، إذا استمرت الضغوط الحالية. ولا يعني ذلك بالضرورة أن طوكيو أصبحت تفضل ضعف العملة، وإنما ربما باتت أكثر حذراً في استخدام سلاح التدخل، بعدما اكتشفت أن فاعليته أصبحت محدودة مقارنة بما كانت عليه في الماضي.

شاشات تظهر حركة الين مقابل الدولار في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

لماذا لم يعد التدخل يخيف الأسواق؟

في السابق، كان مجرد تلميح وزارة المالية اليابانية إلى إمكانية التدخل كفيلاً بإجبار المضاربين على تقليص رهاناتهم ضد الين. فالتدخل الحكومي من شأنه أن يكبدهم خسائر فادحة مع الهبوط المفاجئ لسعر الين مقابل الدولار... لكن اليوم تغير المشهد؛ فالمتعاملون يعلمون أن الحكومة تستطيع إبطاء هبوط العملة، لكنها لا تستطيع تغيير الاتجاه الأساسي للسوق إذا بقيت العوامل الاقتصادية على حالها.

وتكمن المشكلة في أن قيمة العملات لا تحددها الحكومات وحدها، وإنما تحددها أيضاً فروق أسعار الفائدة وتدفقات رؤوس الأموال العالمية. ورغم أن بنك اليابان رفع أسعار الفائدة هذا الشهر، فإن الفائدة اليابانية لا تزال منخفضة للغاية مقارنة بنظيرتها الأميركية، وهو ما يبقي الدولار أكثر جاذبية للمستثمرين. وبالتالي، فإن أي ارتفاع مؤقت للين نتيجة تدخل حكومي يتحول سريعاً إلى فرصة جديدة للمستثمرين لشراء الدولار بأسعار أقل، بما يعني أن الحكومة هي التي ستتكبد خسائر فادحة لصالح المستثمرين في هذه الحالة... وهو ما يفسر سرعة تبخر أثر التدخلات الأخيرة.

أوراق نقدية من فئات مختلفة للين الياباني (رويترز)

تجارة بمليارات الدولارات ضد الين

والسبب الأكبر لاستمرار الضغوط على العملة اليابانية لا يرتبط بالمضاربة التقليدية فقط، بل بما يعرف في الأسواق باسم Carry Trade أو تجارة الفائدة. وتقوم هذه الاستراتيجية على اقتراض الأموال بالين، نظراً لانخفاض تكلفة الاقتراض في اليابان، ثم تحويلها إلى الدولار أو عملات أخرى تحقق عوائد أعلى. وتُعد هذه التجارة من أكثر الاستراتيجيات ربحية في أسواق العملات، ما دام بقي الفارق في أسعار الفائدة بين اليابان والولايات المتحدة واسعاً. لذلك، لا يرى كثير من المستثمرين في تدخل الحكومة اليابانية سوى عقبة مؤقتة، سرعان ما تزول بمجرد عودة العوامل الأساسية إلى فرض نفسها على السوق. ولهذا السبب أيضاً، فإن كل تدخل حكومي جديد يحتاج إلى مبالغ أكبر لتحقيق التأثير نفسه، بينما تتراجع مدة هذا التأثير تدريجياً.

نزيف مع كل تدخل

وأنفقت اليابان أكثر من 72 مليار دولار خلال أسابيع قليلة هذا العام للدفاع عن عملتها، وهو رقم غير مسبوق تقريباً في تاريخ تدخلاتها بسوق الصرف. لكن المفارقة أن هذه الأموال لم تمنع الين من العودة إلى مستويات أضعف. وهنا تظهر معضلة جديدة أمام صناع القرار؛ فإذا كان التدخل السابق قد كلف هذا المبلغ الضخم ولم يغير الاتجاه إلا لفترة قصيرة، فإن أي تدخل جديد سيحتاج على الأرجح إلى موارد أكبر لتحقيق النتيجة نفسها. بل إن بعض الاقتصاديين يرون أن التدخلات المتكررة قد تمنح المضاربين فرصة أفضل؛ لأنها توفر لهم نقاط دخول جديدة لشراء الدولار بأسعر أقل، ما يجعل الحكومة، من حيث لا تريد، توفر للسوق سيولة إضافية لاستكمال الاتجاه نفسه. ولذلك لم تعد القضية مرتبطة فقط بقدرة اليابان المالية، فهي تمتلك أحد أكبر احتياطيات النقد الأجنبي في العالم، وإنما أصبحت مرتبطة بمدى جدوى استخدام هذه الاحتياطيات في معركة قد لا يمكن حسمها عبر التدخل وحده..

شاشة تظهر حركة الين مقابل الدولار في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

هل رفعت الحكومة سقف التدخل فعلاً؟

ورغم تكهنات الأسواق، لا يوجد حتى الآن أي تصريح رسمي يشير إلى أن الحكومة اليابانية رفعت المستوى الذي تعدُّه مقلقاً لسعر صرف الين؛ فالسلطات لا تعلن عادة عن «خطوط حمراء» محددة، بل تؤكد باستمرار أن معيارها الأساسي هو سرعة تحركات السوق وطبيعتها، وليس رقماً معيناً لسعر الصرف. لكن في المقابل، فإن بقاء الدولار فوق مستوى 162 يناً من دون تدخل مباشر، رغم أنه تجاوز المستويات التي دفعت طوكيو للتحرك في السابق، عزز الاعتقاد لدى المستثمرين بأن السلطات أصبحت أكثر تسامحاً مع ضعف العملة، أو على الأقل أكثر حذراً في استخدام احتياطياتها للدفاع عنها.

ويرى محللون أن الحكومة لا ترغب في تكرار سيناريو أبريل (نيسان) الماضي، عندما أنفقت مليارات الدولارات لتنجح في إبطاء هبوط الين لبضعة أسابيع فقط، قبل أن تستأنف العملة مسارها النزولي.

وتكمن المشكلة في أن وزارة المالية اليابانية تستطيع شراء الين وبيع الدولار، لكنها لا تستطيع تغيير العامل الأساسي الذي يقود السوق؛ فالمستثمر الذي يقترض بالين بفائدة تقارب 1 في المائة، ثم يستثمر في سندات أميركية بعائد يتجاوز 4 في المائة، لن يغيّر استراتيجيته بسبب تدخل مؤقت في سوق الصرف. وهنا تظهر معضلة السياسة الاقتصادية اليابانية. فبحسب الخبراء، إذا أرادت الحكومة وقف هبوط الين بشكل دائم، فإن الطريق الأكثر فاعلية يتمثل في رفع أسعار الفائدة بصورة أكبر، بما يقلص فجوة العوائد مع الولايات المتحدة... لكن هذا الخيار يحمل تكلفة باهظة.

وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما في مؤتمر صحافي سابق بالعاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

لماذا لا يرفع بنك اليابان الفائدة بقوة؟

على عكس معظم الاقتصادات الكبرى، لا تزال اليابان تعيش إرث ثلاثة عقود من النمو الضعيف والانكماش، كما أنها تمتلك أعلى دين عام بين الاقتصادات المتقدمة؛ إذ يتجاوز 240 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وأي ارتفاع سريع في أسعار الفائدة يعني زيادة مباشرة في تكلفة خدمة هذا الدين، فضلاً عن الضغط على الشركات والأسر التي اعتادت الاقتراض بتكاليف متدنية لعقود. ولهذا السبب، يواصل بنك اليابان رفع الفائدة بوتيرة بطيئة ومدروسة، حتى وإن كان ذلك يحد من قدرته على دعم العملة.

وبعبارة أخرى، فإن السياسة النقدية اليابانية تبدو مقيدة باعتبارات داخلية، في وقت تتحرك فيه أسواق العملات وفق اعتبارات عالمية.

المضاربون يختبرون «عتبة الألم»

في كل مرة تؤجل فيها الحكومة التدخل، تزداد قناعة المستثمرين بأن بإمكانهم دفع الدولار إلى مستويات أعلى. وهذا ما يصفه بعض المحللين بـ«اختبار عتبة الألم»؛ أي محاولة معرفة النقطة التي تصبح عندها السلطات مستعدة لتحمل التكلفة السياسية والمالية للتدخل. ولا يتعلق الأمر فقط بمستوى 162 أو 163 يناً، بل أيضاً بسرعة التراجع وحجم التقلبات اليومية. فإذا جاء ضعف الين تدريجياً، قد تفضّل الحكومة الانتظار. أما إذا شهدت السوق تحركات حادة ومضاربات عنيفة، فقد يكون التدخل أكثر ترجيحاً، حتى لو كان السعر أقل من مستويات تاريخية.

شاشة تظهر حركة الين مقابل الدولار في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

دروس من الماضي

منذ تسعينات القرن الماضي، شهدت اليابان تدخلات عديدة في سوق الصرف، لكن التجارب السابقة تكشف عن أن نجاحها كان دائماً مرتبطاً بوجود عوامل اقتصادية داعمة. ففي عام 1998، ساعدت التدخلات على استقرار الين؛ لأنها تزامنت مع تغيرات في السياسة النقدية العالمية. وفي 2011، جاء التدخل بشكل منسق مع مجموعة السبع بعد زلزال وتسونامي فوكوشيما، ما عزز تأثيره. أما التدخلات الأحادية، كما حدث في 2022 و2024 و2026، فقد نجحت في تهدئة السوق مؤقتاً، لكنها لم تتمكن من تغيير الاتجاه الأساسي للعملة. ويؤكد ذلك أن التدخل، مهما بلغ حجمه، يظل أداة لكسب الوقت أكثر منه وسيلة لعكس المسار.

إلى أين يتجه الين؟

يربط معظم المحللين الاتجاه المقبل للعملة اليابانية بعدة عوامل؛ أبرزها بيانات الاقتصاد الأميركي، ومسار أسعار الفائدة لدى الاحتياطي الفيدرالي، وأي إشارات جديدة من بنك اليابان بشأن تشديد السياسة النقدية.

وفي حال بقيت الفجوة الكبيرة في العوائد بين الدولار والين، فمن المرجح أن تستمر الضغوط على العملة اليابانية، حتى لو شهدت السوق تدخلات متقطعة من السلطات. أما إذا بدأت الفائدة الأميركية في التراجع، أو اتجه بنك اليابان إلى خطوات أكثر جرأة، فقد تتغير المعادلة تدريجياً. ولم تعد المعركة عند رقم محدد لسعر الين مقابل الدولار؛ بل عند المصداقية. فالتحدي الأكبر يكمن في الحفاظ على مصداقية سياسة التدخل، بعدما أثبتت التجارب الأخيرة أن الأسواق قادرة على امتصاص أثر مليارات الدولارات خلال أسابيع قليلة.

ولهذا، لم يعد السؤال المطروح في غرف التداول: هل ستتدخل طوكيو؟ بل أصبح: هل ما زال تدخلها قادراً على تغيير اتجاه السوق، أم أنه أصبح مجرد استراحة قصيرة في مسار يحدده فارق الفائدة أكثر مما تحدده احتياطيات النقد؟

وهنا ربما تكمن المفارقة الأكبر؛ فكلما ارتفعت تكلفة الدفاع عن الين، أصبح اتخاذ قرار التدخل أكثر صعوبة، فيما تزداد جرأة المضاربين على اختبار حدود قدرة الحكومة اليابانية على مواصلة هذه المعركة.


مقالات ذات صلة

انقسامات بين أكبر اقتصادات العالم بشأن فائض الإنتاج

الاقتصاد الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير يتحدث خلال اليوم الثاني من المؤتمر الوزاري للتجارة لمجموعة العشرين في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن - 1 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

انقسامات بين أكبر اقتصادات العالم بشأن فائض الإنتاج

قال مكتب الممثل التجاري الأميركي إن «عدداً قليلاً» من وزراء التجارة في مجموعة العشرين رفضوا دعوات الولايات المتحدة للحد من فائض الطاقة الإنتاجية الصناعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد منظر عام لميدان تقسيم في إسطنبول (رويترز)

أزمة صناديق الاستثمار تدفع تركيا لتعديل قوانين الأسواق

تتحرك تركيا لتعديل قانون أسواق رأس المال في محاولة لاحتواء الاضطرابات التي ضربت جزءاً من قطاع صناديق الاستثمار

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
الاقتصاد محطة للوقود في العاصمة الألمانية برلين (رويترز)

أوروبا تتحرك لاحتواء أزمة الديزل وتهديدات واشنطن

تصاعدت المواجهة بين أوروبا والولايات المتحدة حول أزمة الوقود العالمية، الجمعة، بعدما رفض الاتحاد الأوروبي تهديداً أميركياً بحظر صادرات الديزل.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد عاملات في مصنع لتعبئة التمور بمدينة بني خالد بتونس (إ.ب.أ)

أسعار الغذاء العالمية تقترب من ذروة 4 سنوات

ارتفعت أسعار الغذاء العالمية خلال سبتمبر (أيلول) إلى أعلى مستوياتها في نحو 4 سنوات، مع تزايد تأثير اضطرابات الشحن والمخاوف المناخية على أسواق المحاصيل

«الشرق الأوسط» (روما)
الاقتصاد مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

اليابان تعلن انتهاء عصر التيسير المفرط

أعلنت الحكومة اليابانية انتهاء المرحلة التي كان فيها الاقتصاد بحاجة إلى سياسة نقدية مفرطة في التيسير لدفع التضخم إلى الارتفاع

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

«وكالة الطاقة الدولية»: الدول الأعضاء ضخَّت 325 مليون برميل من مخزونات النفط

صهاريج لتخزين النفط في ميناء بهامبورغ (رويترز)
صهاريج لتخزين النفط في ميناء بهامبورغ (رويترز)
TT

«وكالة الطاقة الدولية»: الدول الأعضاء ضخَّت 325 مليون برميل من مخزونات النفط

صهاريج لتخزين النفط في ميناء بهامبورغ (رويترز)
صهاريج لتخزين النفط في ميناء بهامبورغ (رويترز)

أعلنت «وكالة الطاقة الدولية»، السبت، أن الدول الأعضاء أفرجت حتى الآن عن 325 مليون برميل من النفط ومشتقاته من المخزونات الاستراتيجية، من أصل 400 مليون تعهَّدت بضخها في مارس (آذار)، بعيد اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.

يأتي ذلك غداة موافقة دول مجموعة السبع، بالاتفاق مع الوكالة الدولية، على الإفراج فوراً عن 100 مليون برميل من وقود الديزل والنفط الخام لتخفيف المخاوف بشأن إمدادات الطاقة العالمية الناجمة عن تداعيات الحرب.

ولم توضح مجموعة السبع ما إذا كانت الـ100 مليون برميل تشمل الـ75 مليوناً المتبقية من التعهُّد السابق، أم أنها ستكون إضافة إليها.


قادة أفارقة يدعون من مصر إلى الاستفادة من رؤوس أموال القارة

السيسي خلال افتتاحه «منتدى العلمين - أفريقيا» (رئاسة الجمهورية)
السيسي خلال افتتاحه «منتدى العلمين - أفريقيا» (رئاسة الجمهورية)
TT

قادة أفارقة يدعون من مصر إلى الاستفادة من رؤوس أموال القارة

السيسي خلال افتتاحه «منتدى العلمين - أفريقيا» (رئاسة الجمهورية)
السيسي خلال افتتاحه «منتدى العلمين - أفريقيا» (رئاسة الجمهورية)

دعا قادة أفارقة خلال قمة للأعمال في مصر، السبت، إلى تعبئة الموارد المالية في القارة، مؤكدين أن أفريقيا قادرة على «تحقيق نتائج أفضل بكثير» في تمويل نموها وتقليل اعتمادها على التمويل الخارجي.

وجمع اللقاء، الذي يستمر 3 أيام في مدينة العلمين المصرية على البحر المتوسط، أكثر من 20 رئيس دولة وممثلين عن حكومات، إلى جانب قادة أعمال ومصرفيِّين ومؤسسات تنموية.

وقال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح «منتدى العلمين - أفريقيا» في نسخته الأولى، إن القطاع الخاص في أفريقيا لا يزال المحرِّك الاقتصادي الرئيسي للقارة، إذ يمثِّل أكثر من 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

لكنه أشار إلى أن الشركات الأفريقية لا تزال أكثر ارتباطاً بالأسواق خارج القارة منها بالدول المجاورة.

وقال: «من اللافت أن نحو 85 في المائة من معاملات القطاع الخاص الأفريقي تتم مع شركات من خارج القارة»، مضيفاً أن المنتدى يهدف إلى مساعدة الشركات الأفريقية على تحديد الفرص الأقرب إليها وبناء شراكات عابرة للحدود.

وقال رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، إن تقدماً تحقق، لكن أفريقيا لا تزال تملك إمكانات كبيرة غير مستغَلة. وأضاف: «في عام 2024، بلغت التجارة البينية الأفريقية 220 مليار دولار، ما يمثل 14.4 في المائة من تجارة قارتنا».

ونمت التجارة بين الدول الأفريقية بنسبة 12.4 في المائة في 2024، بعدما سجَّلت انكماشاً بنسبة 5.9 في المائة في العام السابق.

وعدَّ يوسف ذلك أمراً مشجِّعاً، لكنه أضاف أن «أفريقيا قادرة على تحقيق نتائج أفضل بكثير».

ومن المقرر أن يصبح المنتدى حدثاً يُعقَد كل عامين بتفويض من الاتحاد الأفريقي، مع التركيز على البنية التحتية والتجارة والزراعة والرعاية الصحية والتعدين والتكنولوجيا والطاقة المتجددة.

وبعدما ركَّزت طويلاً على الشرق الأوسط والبحر المتوسط، تتجه مصر بشكل متزايد جنوباً؛ سعياً إلى استعادة نفوذها في قارة وسَّعت فيها الصين وقوى خليجية، لا سيما الإمارات، حضورها الاقتصادي والسياسي.

ويقدر مسؤولون الاستثمارات المصرية في أفريقيا بنحو 14 مليار دولار، بما في ذلك مشروع جوليوس نيريري للطاقة الكهرمائية في تنزانيا بقيمة 3 مليارات دولار.

قطاع السيارات الأفريقي

شهدت فعاليات المنتدى جلسة بعنوان «تحليل معمق للسياسات: سياسات صناعة السيارات» ضمن فعاليات «منتدى الاستثمار في قطاع السيارات بأفريقيا»، الذي عُقد في مدينة العلمين يومَي 2 و3 أكتوبر (تشرين الأول)، وركز على «إطلاق العنان لإمكانات صناعة السيارات في أفريقيا في ظلِّ اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA)».

جمع المنتدى - الذي نظَّمه البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد (Afreximbank) بالتنسيق مع الرابطة الأفريقية لمصنعي السيارات، ووزارة الاستثمار والتجارة الخارجية المصرية - نخبة من كبار صناع السياسات والمؤسسات المالية ومصنعي المعدات الأصلية وقادة الصناعة؛ وذلك لبحث سبل جذب مزيد من الاستثمارات في قطاع السيارات، وتعزيز القدرات التصنيعية، وبناء سلاسل قيمة إقليمية أكثر تنافسية.

وأكدت الدكتورة جيهان صالح، المستشارة الاقتصادية في شركة «لينكس» للاستشارات والأبحاث الاقتصادية، التي تشارك في برنامج تنمية صناعة السيارات في مصر، أن السؤال لم يعد يتمحور حول ما تريد أفريقيا تحقيقه، بل حول كيفية الانتقال من مرحلة الطموح إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.

وأشارت خلال مشاركتها في الجلسة إلى أنه «في حين تعمل الدول الأفريقية على تطوير سياساتها الصناعية وسياسات قطاع السيارات الخاصة بها، فإن الاستراتيجيات الوطنية لا يمكن أن تعمل بمعزل عن بعضها بعضاً إذا كان الهدف هو بناء صناعة سيارات أفريقية متكاملة حقاً. لذا، فإن تعزيز مواءمة السياسات، وتوحيد اللوائح والمعايير، وتحديد خرائط واضحة لقدرات كل دولة - بدءاً من المواد الخام والمكونات ووصولاً إلى التصنيع والمهارات والطاقة والخدمات اللوجستية والوصول إلى الأسواق - يُعدُّ أمراً جوهرياً لربط الاستراتيجيات الوطنية في سلسلة قيمة قارية تنافسية».

كما سلَّطت مداخلة الدكتورة جيهان الضوء على مبدأ مهم هو: لا توجد دولة أفريقية واحدة بحاجة إلى بناء سلسلة القيمة الكاملة للسيارات بمفردها؛ إذ تكمن فرصة أفريقيا في دمج قدراتها المتنوعة ومزاياها النسبية لتشكيل منظومة إقليمية أكثر إنتاجية ومرونة وتنافسية ضمن سلاسل القيمة العالمية للسيارات.

وترى شركة «لينكس» للاستشارات، أن هذه النقاشات تكتسب أهميةً خاصةً في ظلِّ التحولات الجذرية التي تشهدها صناعة السيارات على الأصعدة التكنولوجية والجيوسياسية وسلاسل التوريد.

وأضافت: «عكست مناقشات المنتدى هذه التحديات، بما في ذلك تطوير الموردين وتوطين الصناعة، وتشتت الأطر التنظيمية، وتوحيد الإجراءات الجمركية والمعايير، وتنفيذ سياسات قطاع السيارات، ومركبات الطاقة الجديدة، وتطوير سلاسل التوريد والقيمة الإقليمية».


مجموعة السبع تقر سحب 100 مليون برميل من مخزونات الديزل والنفط

من المقرر أن تجتمع مجموعة السبع مع وكالة الطاقة الدولية لتنسيق السحب من المخزونات في المرحلة المقبلة (رويترز)
من المقرر أن تجتمع مجموعة السبع مع وكالة الطاقة الدولية لتنسيق السحب من المخزونات في المرحلة المقبلة (رويترز)
TT

مجموعة السبع تقر سحب 100 مليون برميل من مخزونات الديزل والنفط

من المقرر أن تجتمع مجموعة السبع مع وكالة الطاقة الدولية لتنسيق السحب من المخزونات في المرحلة المقبلة (رويترز)
من المقرر أن تجتمع مجموعة السبع مع وكالة الطاقة الدولية لتنسيق السحب من المخزونات في المرحلة المقبلة (رويترز)

اتفقت دول مجموعة السبع، مساء الجمعة، على سحب 100 مليون برميل من الديزل والنفط الخام من احتياطات الطوارئ، في خطوة رحب بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ظل مساعيه لتهدئة الارتفاع الحاد في أسعار الوقود المرتبط بالحرب مع إيران.

وأشعل الصراع أكبر عملية سحب من مخزونات الطوارئ في التاريخ، نسقتها وكالة الطاقة الدولية في مارس (آذار).

وقالت مجموعة السبع في بيان مشترك: «مع الأخذ في الاعتبار الالتزامات التي جرى الوفاء بها بالفعل، سننفذ التزاماتنا من خلال سحب منسق عبر وكالة الطاقة الدولية يبلغ 100 مليون برميل».

وأضافت أن العملية ستبدأ على الفور وتستمر أربعة أشهر، مع سحب كبير ومبكر عن الديزل خلال 20 يوماً من جانب دول مجموعة السبع وشركائها.

ولم يحدد البيان توزيعاً لكميات النفط الخام والديزل وغيرها من المنتجات المقرر السحب منها، ولم يذكر الدول التي ستشارك.

وأضاف البيان: «سنجتمع في إطار وكالة الطاقة الدولية في الأيام المقبلة لمناقشة إمكان إجراء عمليات إضافية للسحب (من احتياطات) الديزل حسب الضرورة».

وكتب ترمب في منشور على منصة «تروث سوشال» بعد القرار: «وافقت أوروبا للتو على سحب كمية هائلة من مخزونها الضخم من وقود الديزل. وستبدأ العملية على الفور».

ويسعى الرئيس الأميركي إلى خفض أسعار الوقود المحلية قبل انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني).

وقال لصحافيين في البيت الأبيض، قبيل مغادرته إلى ولاية ألاباما، إن الولايات المتحدة لن تفرض حظراً على تصدير الديزل. وأشار إلى أن هذه الخطة لم تكن مطروحة بجدية من الأساس، وذلك رغم أنه ذكر مراراً خلال الأسبوعين الماضيين بأن فرض حظر كهذا كان قيد الدراسة وأنه يؤيد الفكرة.

وأضاف ترمب: «لدى أوروبا مخزون كبير من الديزل، وستقدم إسهاماً عالمياً رئيسياً، وكذلك سنفعل نحن. لن نفرض حظراً على التصدير، بل سنقوم بما يتعين علينا القيام به».

كانت حرب إيران قد أدت في مارس إلى أكبر عملية سحب من المخزونات الطارئة على الإطلاق، إذ سحبت الدول 400 مليون برميل بتنسيق من وكالة الطاقة الدولية.

ونقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر مطلعة يوم الخميس قولها، إن إدارة ترمب أبلغت في وقت سابق ألمانيا وفرنسا بضرورة السحب من مخزونات الديزل المخصصة للطوارئ، وإلا فستواجهان حظراً أميركياً محتملاً على صادراته.

وقال بيان مجموعة السبع إن الدول الأعضاء ستمتنع عن فرض قيود على صادرات منتجات الطاقة فيما بينها.

وقالت ثلاثة مصادر مطلعة على مناقشات حكومات دول الاتحاد الأوروبي، وفقاً لـ«رويترز»، إن الحكومات بحثت يوم الجمعة مقترحاً فرنسياً يقضي بأن تسحب الدول الأوروبية 50 مليون برميل من الديزل، وأن تسحب الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية 50 مليون برميل من النفط الخام.