10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)
علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)
TT

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)
علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)

بعد مرور عشرة أعوام على استفتاء 23 يونيو (حزيران) 2016، الذي مهّد لخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، لا يزال «بريكست» واحداً من أكثر الملفات إثارة للانقسام في الحياة السياسية البريطانية، وسط استمرار الجدل حول ما إذا كان قد حقق الوعود التي رفعها مؤيدوه أم فرض على البلاد تكلفة اقتصادية وسياسية تجاوزت المكاسب التي وعد بها.

ففي ذلك اليوم، صوّت 51.9 في المائة من البريطانيين لمصلحة مغادرة الاتحاد الأوروبي، مقابل 48.1 في المائة للبقاء، في نتيجة عكست انقساماً جغرافياً وسياسياً واجتماعياً امتد أثره إلى اليوم. ورغم أن المملكة المتحدة لم تغادر الاتحاد الأوروبي رسمياً إلا في 31 يناير (كانون الثاني) 2020، فإن السنوات اللاحقة أظهرت أن آثار القرار لا تُقاس بمجرد الانفصال القانوني، بل بمدى قدرة البلاد على تحقيق الأهداف التي قامت عليها حملة الخروج.

ورفع مؤيدو «بريكست» خلال حملة الاستفتاء ثلاثة وعود رئيسية: استعادة السيادة التشريعية والخروج من سلطة مؤسسات الاتحاد الأوروبي، واستعادة السيطرة على الحدود وخفض مستويات الهجرة، وإطلاق اقتصاد أكثر تنافسية عبر تحرير بريطانيا من القيود التنظيمية الأوروبية وإبرام اتفاقات تجارية جديدة حول العالم. وبعد عقد كامل، تشير غالبية الدراسات الصادرة عن مراكز أبحاث بريطانية مستقلة إلى أن الصورة جاءت أكثر تعقيداً؛ إذ تحققت بعض المكاسب السياسية والمؤسساتية، بينما بقيت الحصيلة الاقتصادية والتجارية موضع جدل واسع.

أسطول من سفن الصيد نظمه السياسي البريطاني المؤيد للخروج من الاتحاد الأوروبي نايجل فاراج يبحر في نهر التايمز تحت شعار «أسطول الصيد من أجل الخروج» بجوار مبنى البرلمان في لندن 15 يونيو 2016 (إ.ب.أ)

ويذهب مركز «المملكة المتحدة في أوروبا المتغيرة» UK in a Changing Europe البريطاني الذي يُعد من أبرز المراجع الأكاديمية البريطانية المتخصصة في دراسة تداعيات «بريكست» والعلاقات البريطانية – الأوروبية، إلى أن تقييم التجربة لا يمكن اختزاله في وصفها بالنجاح أو الفشل؛ لأن آثارها امتدت إلى الاقتصاد والدستور والعلاقة بين مكوّنات المملكة المتحدة ومكانة بريطانيا الدولية. ويخلص المركز إلى أن المملكة المتحدة استعادت بالفعل حرية أوسع في رسم سياساتها، لكنها أصبحت في المقابل تواجه تحدي إدارة علاقة جديدة مع أكبر شريك اقتصادي وجغرافي لها أي الاتحاد الأوروبي.

كما يرى «معهد الحكومة» Institute for Government وهو مركز دراسات بريطاني متخصص في تقييم السياسات العامة، أن «بريكست» منح الحكومات البريطانية صلاحيات تشريعية وتنظيمية أوسع، لكنه لم يلغ حقيقة أن الاقتصاد البريطاني سيظل مرتبطاً بدرجة كبيرة بالسوق الأوروبية، ما يفرض على لندن الموازنة باستمرار بين الاستقلال السياسي ومتطلبات التجارة.

وتشير استطلاعات الرأي الحديثة إلى تزايد التشكيك البريطاني في حصيلة «بريكست» بعد مرور عقد على الاستفتاء، في وقت تميل فيه غالبية الدراسات الاقتصادية إلى اعتبار أن تكلفة الانفصال كانت أكبر من المكاسب التي تحققت حتى الآن.

مؤيدون للعودة إلى الاتحاد الأوروبي خلال إحياء ذكرى مرور عشر سنوات على تصويت بريطانيا لصالح مغادرة الاتحاد... لندن 20 يونيو 2026 (رويترز)

اقتصاد أقل ديناميكية

يشكّل الاقتصاد المعيار الأكثر استخداماً في تقييم حصيلة «بريكست» بعد عشرة أعوام، إلا أن معظم الخبراء يحذّرون من صعوبة عزل تأثيره عن الأزمات العالمية التي شهدها العقد الأخير، وفي مقدمتها جائحة كورونا والحرب الروسية - الأوكرانية وأزمة الطاقة والتضخم.

ومع ذلك، ترى غالبية مراكز الأبحاث الاقتصادية البريطانية أن الخروج من الاتحاد الأوروبي ترك أثراً سلبياً دائماً على النمو والاستثمار والإنتاجية. فحسب «المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية» NIESR البريطاني، أصبح اقتصاد المملكة المتحدة أصغر حجماً مما كان يمكن أن يكون عليه لو بقيت المملكة المتحدة داخل الاتحاد الأوروبي، نتيجة انخفاض حجم التجارة والاستثمار وتراجع إنتاجية الشركات.

ويذهب «معهد الحكومة» إلى نتيجة مشابهة؛ إذ يشير إلى أن الاقتصاد البريطاني لم يشهد القفزة التي توقّعها أنصار «بريكست» بعد التحرر من تشريعات الاتحاد الأوروبي، بل بقي النمو الاقتصادي ضعيفاً مقارنة بما كان مأمولاً، فيما لم تظهر حتى الآن مكاسب اقتصادية واسعة ناجمة عن الاستقلال التنظيمي.

وفي المقابل، لا ينكر عدد من الاقتصاديين المؤيدين لـ«بريكست» هذه الصعوبات، لكنهم يعتبرون أنها تمثل تكلفة انتقالية أكثر منها نتيجة دائمة. ويرى باحثون في مركز «بوليسي إكستشينج» Policy Exchange البريطاني، أن الحكم على التجربة لا يزال سابقاً لأوانه؛ لأن المكاسب المرتبطة بحرية التشريع وإصلاح الاقتصاد تحتاج إلى سنوات أطول حتى تظهر بشكل كامل، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والابتكار المالي.

رئيس الوزراء البريطاني حينها بوريس جونسون وهو أحد أبرز مؤيدي «بريكست» يلقي كلمة أمام مؤيديه قبل صعوده إلى حافلة حملته الانتخابية للانتخابات العامة في مانشستر - إنجلترا 15 نوفمبر 2019 (أ.ب)

التجارة... السوق الأقرب بقيت الأهم

كان أحد أبرز الوعود التي رفعها مؤيدو الخروج أن تتمكن بريطانيا من تعويض السوق الأوروبية عبر اتفاقات تجارة حرة مع الاقتصادات الكبرى حول العالم. وقد وقّعت لندن بالفعل اتفاقيات مع دول عدة، بينها أستراليا ونيوزيلندا واليابان، وانضمت إلى «الاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ» (CPTPP)، وهي اتفاقية تجارة حرة ضخمة ومتعددة الأطراف تضم 12 دولة مطلة على المحيطين الهندي والهادئ، كما أبرمت المملكة المتحدة اتفاقاً تجارياً طال انتظاره مع الهند.

غير أن مركز «المملكة المتحدة في أوروبا المتغيرة» يرى أن هذه الاتفاقيات، على أهميتها السياسية، لا تستطيع تعويض حجم العلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي، الذي بقي أكبر شريك تجاري للمملكة المتحدة بفارق كبير. فالقرب الجغرافي وتشابك سلاسل التوريد يجعلان السوق الأوروبية ذات أهمية يصعب الاستبدال بها أسواقاً أبعد جغرافياً.

وتوصل «معهد الحكومة» إلى خلاصة مشابهة، مفادها أن الشركات البريطانية أصبحت تواجه بعد «بريكست» إجراءات جمركية وتنظيمية أكثر تعقيداً عند التصدير إلى الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك التصاريح الصحية وإجراءات المطابقة والوثائق الجمركية، وهو ما أدى إلى زيادة تكلفة التجارة، خصوصاً بالنسبة إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة التي لا تمتلك الموارد الإدارية الكافية للتعامل مع هذه المتطلبات.

كما أشارت شبكة «سي إن إن» الأميركية، في مراجعة بمناسبة مرور عشرة أعوام على الاستفتاء، إلى أن قطاع النقل والخدمات اللوجستية البريطاني تمكن تدريجياً من التكيف مع القواعد الجديدة، إلا أن ذلك جاء بعد سنوات من الاضطرابات وارتفاع التكاليف، في حين لا تزال شركات بريطانية عديدة تعدّ التجارة مع أوروبا أكثر تعقيداً مما كانت عليه قبل الخروج من الاتحاد.

ورغم ذلك، يرى مؤيدو «بريكست» أن تقييم الاتفاقات التجارية لا ينبغي أن يقتصر على أرقام السنوات الأولى؛ إذ يؤكد «معهد الشؤون الاقتصادية» Institute of Economic Affairs البريطاني، أن امتلاك المملكة المتحدة حرية إبرام اتفاقياتها التجارية الخاصة يمثّل مكسباً استراتيجياً طويل الأمد، حتى لو لم تنعكس آثاره الاقتصادية بصورة كاملة حتى الآن.

الحي المالي في مدينة لندن - بريطانيا 16 يناير 2026 (رويترز)

الاستثمار والقطاع المالي... لندن ما زالت قوية ولكن

كانت مكانة مدينة لندن المالية من أبرز القضايا التي أثيرت قبل تنفيذ «بريكست»؛ إذ حذّر كثيرون من احتمال فقدان العاصمة البريطانية موقعها بوصفها المركز المالي الأول في أوروبا.

وبعد عشرة أعوام، تشير المعطيات إلى أن هذه المخاوف لم تتحقق بالكامل، لكنها لم تكن بلا أساس أيضاً. فحسب «معهد الحكومة»، لا تزال لندن واحدة من أكبر المراكز المالية العالمية، محتفظة بموقعها في أسواق العملات والتأمين والخدمات المصرفية الدولية، إلا أن جزءاً من النشاط المالي انتقل إلى مراكز أوروبية مثل باريس وأمستردام ودبلن ولوكسمبورغ.

كما يشير «المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية» إلى أن حالة عدم اليقين التي رافقت مفاوضات الخروج، ثم تطبيق النظام التجاري الجديد، أثّرت في قرارات الاستثمار في المملكة المتحدة لدى عدد من الشركات الدولية، وهو ما انعكس على وتيرة الاستثمار التجاري مقارنة باقتصادات متقدمة أخرى.

وبالنسبة لـ«معهد الحكومة»، فإن القطاع المالي البريطاني أظهر قدرة كبيرة على التكيّف، إلا أن فقدان بعض الامتيازات المرتبطة بالنفاذ المباشر إلى السوق الأوروبية أدى إلى إعادة توزيع جزء من الأنشطة المالية داخل الاتحاد الأوروبي، من دون أن يفقد حي المال في لندن مكانته العالمية.

متظاهرون مؤيدون للاتحاد الأوروبي يعبرون جسر واترلو خلال احتجاج في لندن 20 يونيو 2026 بمناسبة الذكرى العاشرة لتصويت بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي (رويترز)

التضخم والجنيه... بين «بريكست» والأزمات العالمية

من أكثر القضايا التي أثارت جدلاً خلال السنوات الأخيرة مسألة تأثير «بريكست» في مستويات التضخم وتكلفة المعيشة. ويؤكد معظم الاقتصاديين أن تحميل «بريكست» وحده مسؤولية ارتفاع الأسعار سيكون تبسيطاً مفرطاً، لأن العالم شهد خلال الفترة نفسها سلسلة من الصدمات الكبرى، بدءاً من جائحة كورونا وصولاً إلى الحرب في أوكرانيا وأزمة الطاقة.

لكن «المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية» يشير إلى أن الخروج من الاتحاد الأوروبي ساهم في زيادة الضغوط التضخمية من خلال ارتفاع تكاليف الاستيراد والتجارة، إلى جانب تراجع قيمة الجنيه الإسترليني مقارنة بما كان يمكن أن تكون عليه في سيناريو البقاء داخل الاتحاد.

ويتفق «معهد الحكومة» مع هذا التقييم، ويرى أن ارتفاع تكاليف التجارة مع أوروبا انعكس على أسعار عدد من السلع، وإن كان من الصعب تحديد النسبة الدقيقة التي يمكن إرجاعها إلى «بريكست» وحده.

وبالنسبة إلى المواطن البريطاني، أصبحت تكلفة المعيشة أحد المعايير الرئيسية لتقييم تجربة «بريكست». ولذلك، لم يعد النقاش العام يقتصر على شعارات السيادة أو الاستقلال، بل بات يرتبط بصورة متزايدة بقدرة الأسر على مواجهة ارتفاع الأسعار، ومستوى الأجور، وفرص العمل، وهي ملفات طغت على الخطاب السياسي خلال السنوات الأخيرة.

ناشط مؤيد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يضع زراً مؤيداً للخروج أثناء مشاركته في مظاهرة خارج مبنى البرلمان في وستمنستر - لندن 28 مارس 2019 (أ.ف.ب)

الهجرة... الوعد الذي لم يتحقق

شكّل ملف الهجرة أحد أهم العوامل التي دفعت ملايين البريطانيين إلى التصويت لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016. فقد تعهّد قادة حملة «بريكست» بأن مغادرة الاتحاد ستمنح لندن سيطرة كاملة على حدودها، وستؤدي إلى خفض أعداد المهاجرين بصورة ملموسة بعد إنهاء مبدأ حرية تنقل المواطنين الأوروبيين.

وبعد عشرة أعوام، تظهر الصورة أكثر تعقيداً. فحسب مراجعة نشرتها «سي إن إن»، ارتفع صافي الهجرة بعد «بريكست» إلى مستويات قياسية خلال السنوات الأولى من تطبيق النظام الجديد، قبل أن يبدأ بالتراجع تدريجياً مع تشديد سياسات التأشيرات والهجرة. ويعزو خبراء هذا الارتفاع إلى اعتماد الحكومة البريطانية بصورة أكبر على استقدام عمال من خارج الاتحاد الأوروبي لسد النقص في قطاعات الصحة والرعاية الاجتماعية والتعليم والخدمات.

ويرى مركز «المملكة المتحدة في أوروبا المتغيرة» أن «بريكست» غيّر طبيعة الهجرة أكثر مما خفّضها. فبينما انخفضت الهجرة القادمة من دول الاتحاد الأوروبي، ارتفع عدد الوافدين من آسيا وأفريقيا ودول الكومنولث (رابطة تضم بريطانيا ومعظم دول الإمبراطورية البريطانية السابقة) ما يعني أن المملكة المتحدة انتقلت من نظام يقوم على حرية الحركة الأوروبية إلى نظام هجرة عالمي يعتمد على المهارات واحتياجات سوق العمل.

ويخلص «معهد الحكومة» إلى أن الحكومة البريطانية استعادت بالفعل السيطرة القانونية على سياسة الهجرة، وهو أحد أبرز وعود حملة الخروج، إلا أن هذا لم يؤدِّ تلقائياً إلى خفض أعداد الوافدين؛ لأن الاقتصاد البريطاني ظل بحاجة إلى اليد العاملة الأجنبية في قطاعات حيوية.

كما نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية عن استطلاعات رأي أن جزءاً من الناخبين الذين أيّدوا «بريكست» باتوا يعدّون أن مشكلة الهجرة غير النظامية لم تتحسن بالشكل الذي كانوا يتوقعونه، رغم التغييرات الكبيرة التي طرأت على نظام التأشيرات والحدود.

ناشطة مؤيدة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (يمين) ترفع لافتة أمام مؤيدين للبقاء في الاتحاد الأوروبي خارج البرلمان في لندن 27 فبراير 2019 (أ.ب)

الرأي العام... انقسام مستمر لكن المزاج تغيّر

تكشف استطلاعات الرأي عن تحوّل واضح في تقييم البريطانيين لتجربة «بريكست» بعد مرور عقد على الاستفتاء.

فحسب استطلاع أجرته مؤسسة «يوغوف» YouGov - وهي شركة بريطانية متخصصة في استطلاعات الرأي وأبحاث السوق - بمناسبة مرور عشرة أعوام على الاستفتاء، يرى 57 في المائة من البريطانيين أن التصويت للخروج كان قراراً خاطئاً، مقابل نحو 30 في المائة فقط يعتبرونه قراراً صائباً. كما يعتقد 61 في المائة أن «بريكست» كان فشلاً حتى الآن، في حين لا تتجاوز نسبة من يرونه نجاحاً 12 في المائة. وفي المقابل، أظهر الاستطلاع أيضاً أن البريطانيين لا يبدون متحمسين لإعادة خوض معركة العضوية الأوروبية؛ إذ يؤيد 55 في المائة العودة إلى الاتحاد الأوروبي من حيث المبدأ، لكن هذه النسبة تنخفض بصورة ملحوظة إذا كانت العودة ستعني التخلي عن الاستثناءات التي كانت تتمتع بها بريطانيا سابقاً، مثل البقاء خارج منطقة اليورو أو منطقة شنغن.

ويرى باحثون في مركز «المملكة المتحدة في أوروبا المتغيرة» أن هذا التحوّل يعكس تغيّر أولويات الناخب البريطاني، الذي بات يركّز بصورة أكبر على النمو الاقتصادي وتحسين الخدمات العامة وتكلفة المعيشة، بدلاً من النقاشات المرتبطة بالهوية والسيادة التي هيمنت على حملة عام 2016.

لافتتا «البقاء» و«الخروج» من الاتحاد الأوروبي في إحدى حانات وسط لندن قبيل استفتاء «بريكست» 22 يونيو 2016 (إ.ب.أ)

جيل جديد يعيد النظر في «بريكست»

ومن أبرز المتغيرات التي برزت خلال العقد الأخير الفجوة الواضحة بين الأجيال. فقد نشرت صحيفة «الغارديان» نتائج استطلاع أجراه مركز دراسات «مور إن كومون» More in Common البريطاني، أظهرت أن نحو 60 في المائة من البريطانيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و28 عاماً سيصوّتون للعودة إلى الاتحاد الأوروبي إذا أتيحت لهم الفرصة، مقابل نسبة محدودة من هذه الفئة تفضّل البقاء خارج التكتل.

ويشير الاستطلاع إلى أن هذا الجيل، الذي كان كثير من أفراده أصغر من أن يشارك في استفتاء 2016، ينظر إلى «بريكست» من زاوية مختلفة، ترتبط بفرص الدراسة والعمل والتنقل داخل أوروبا أكثر من ارتباطها بقضايا السيادة الوطنية.

ومع ذلك، لا يبدو أن الشباب البريطاني يرغب في إعادة فتح معركة الاستفتاء من جديد؛ إذ يرى كثيرون منهم أن الأولوية ينبغي أن تكون لتحسين العلاقة مع أوروبا ومعالجة الأزمات الاقتصادية الداخلية، بدلاً من العودة إلى سنوات الانقسام السياسي التي أعقبت الاستفتاء.

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث إلى وسائل الإعلام خارج مقر رئاسة الوزراء في لندن 22 يونيو 2026... تبنّت حكومة ستارمر سياسة تقارب مع الاتحاد الأوروبي دون العودة إلى عضوية الاتحاد (أ.ب)

أوروبا... علاقة جديدة بدلاً من العودة إلى الاتحاد

لم يقتصر تغيّر المواقف من «بريكست» على الداخل البريطاني، بل امتد إلى القارة الأوروبية أيضاً.

فقد نقلت «الغارديان» عن استطلاع أجراه «المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية» (ECFR) أن غالبية مواطني الدول الأوروبية التي شملها الاستطلاع تؤيد عودة المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي إذا رغبت لندن في ذلك مستقبلاً، في حين أبدى عدد كبير من البريطانيين تأييدهم لإقامة علاقة أكثر تقارباً مع بروكسل.

لكن، وفقاً لتحليل نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية، فإن هذا التقارب يصطدم باعتبارات سياسية واضحة. فمنذ وصول حكومة كير ستارمر إلى السلطة في المملكة المتحدة، تبنّت لندن سياسة تقوم على «إعادة ضبط» العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، لكنها في الوقت نفسه أكدت أنها لا تنوي العودة إلى السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي أو حرية تنقّل الأشخاص.

ويشير مركز «المملكة المتحدة في أوروبا المتغيرة» إلى أن هذه السياسة تعكس إدراكاً متزايداً لدى الطرفين بأن العلاقة المستقبلية ستقوم على التعاون العملي في ملفات التجارة والدفاع والطاقة والبحث العلمي، من دون المساس بالقرار البريطاني القاضي بالبقاء خارج الاتحاد.

وبرز هذا التوجه بصورة خاصة بعد الحرب الروسية - الأوكرانية؛ إذ شهد التعاون الأمني والدفاعي بين لندن والعواصم الأوروبية زخماً متزايداً، رغم استمرار الانفصال المؤسسي بين الجانبين.

صورة عامة لمبنى البرلمان الاسكوتلندي في إدنبرة - اسكوتلندا 3 مايو 2024 (رويترز)

اسكوتلندا... تداعيات تتجاوز الاقتصاد

لم تكن تداعيات «بريكست» متشابهة في جميع أنحاء المملكة المتحدة. ففي اسكوتلندا، التي تتمتع ببرلمان وحكومة محليين، وصوّتت بنسبة 62 في المائة لمصلحة البقاء في الاتحاد الأوروبي، لا يزال كثير من الاسكوتلنديين ينظرون إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي باعتباره قراراً فُرض عليهم رغم إرادة أغلبية الناخبين.

وتشير صحيفة «لوموند» إلى أن المخاوف التي عبّر عنها كثير من المسؤولين والاقتصاديين الاسكوتلنديين قبل الاستفتاء تحققت جزئياً، خصوصاً فيما يتعلّق بالصادرات ونقص اليد العاملة والعلاقة مع السوق الأوروبية.

كما أعاد «بريكست» إحياء النقاش حول مستقبل الاتحاد البريطاني نفسه؛ إذ يرى بعض أنصار الاستقلال الاسكوتلندي أن الخروج من الاتحاد الأوروبي عزّز مبررات تنظيم استفتاء جديد على استقلال اسكوتلندا، بينما تؤكد الحكومة البريطانية أن نتيجة استفتاء الاستقلال عام 2014، الذي صوّت فيه أغلبية الاسكوتلنديين لمصلحة البقاء ضمن المملكة المتحدة، لا تزال سارية، وأن الأولوية ينبغي أن تكون لتعزيز الوحدة الداخلية لبريطانيا.

ولفت باحثون في «معهد الحكومة» إلى أن «بريكست» كشف تعقيدات النظام الدستوري البريطاني، وأعاد طرح أسئلة تتعلّق بتوزيع الصلاحيات بين الحكومة المركزية والإدارات المحلية في اسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية.

متظاهرون يرفعون لافتات مؤيدة لأوروبا في احتجاج مناهض لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في ميدان ترافالغار بوسط لندن 28 يونيو 2016 (أ.ف.ب)

السيادة... الإنجاز الذي يتمسك به مؤيدو «بريكست»

ورغم الانتقادات الاقتصادية، لا يزال مؤيدو «بريكست» يعتبرون أن التجربة حققت أهم أهدافها، والمتمثل في استعادة السيادة الوطنية.

فحسب «معهد الحكومة»، استعادت المملكة المتحدة صلاحيات واسعة في مجالات التشريع والسياسة التجارية والهجرة والزراعة والصيد، بعدما انتقلت هذه الاختصاصات مجدداً إلى البرلمان والحكومة البريطانيين.

ويشير مركز «بوليسي إكستشينج» إلى أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي منحها هامشاً أوسع لتعديل قوانينها وسياساتها الاقتصادية والتنظيمية بعيداً عن الأطر التي كانت ملزمة بها داخل الاتحاد. ويرى المركز أن الحكم النهائي على نجاح «بريكست» لا ينبغي أن يستند فقط إلى نتائج السنوات الأولى بعد الخروج، بل إلى قدرة الحكومات البريطانية المقبلة على تحويل هذه الصلاحيات الجديدة إلى مكاسب اقتصادية وسياسية ملموسة.

لكن باحثين بريطانيين يرَون أن استعادة السيادة القانونية لا تعني بالضرورة التحرر من القيود الاقتصادية والجغرافية؛ لأن حجم التجارة مع الاتحاد الأوروبي وتشابك المصالح بين الطرفين يفرضان استمرار قدر كبير من التنسيق والتوافق.

كلمة «بريكست» Brexit أمام العلم البريطاني... بعد عشرة أعوام على الاستفتاء لا تزال حصيلة الخروج من الاتحاد الأوروبي موضع جدل في المملكة المتحدة (أ.ف.ب)

بين الاستقلال والاعتماد المتبادل

بعد عشرة أعوام على استفتاء عام 2016، انتقل الجدل في بريطانيا من الانقسام حول قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي إلى تقييم حصيلته والبحث عن أفضل السبل لإدارة العلاقة المستقبلية مع أوروبا.

فقد استعادت المملكة المتحدة صلاحيات تشريعية وسياسية واسعة شكّلت الهدف الرئيسي لأنصار «بريكست». إلا أن غالبية الدراسات الاقتصادية واستطلاعات الرأي التي نُشرت بمناسبة الذكرى العاشرة للاستفتاء تشير إلى أن هذه المكاسب لم تُترجم حتى الآن إلى فوائد اقتصادية ملموسة، وأن تكلفة الانفصال في مجالات التجارة والاستثمار والنمو جاءت أعلى مما توقعه كثير من مؤيدي الخروج.

وربما تكمن أبرز مفارقات العقد الأول بعد «بريكست» في أن لندن وبروكسل، بعدما أمضتا سنوات في التفاوض على شروط الانفصال، عادتا اليوم إلى البحث عن صيغ جديدة للتعاون في التجارة والدفاع والطاقة والبحث العلمي. لذلك، يبدو أن النقاش البريطاني لم يعد يتمحور حول إعادة فتح معركة الخروج أو العودة إلى الاتحاد الأوروبي، بل حول كيفية بناء علاقة أكثر براغماتية مع أقرب الشركاء وأكثرهم تأثيراً، بما يوازن بين متطلبات السيادة الوطنية والاعتماد الاقتصادي المتبادل الذي لا تزال تفرضه الجغرافيا وتشابك المصالح.


مقالات ذات صلة

وزير المالية البريطاني يتوقع تمويل إجراءات الموازنة عبر زيادة الضرائب أو خفض الإنفاق

الاقتصاد وزير المالية البريطاني جون هيلي خلال المؤتمر السنوي لحزب العمال في ليفربول (رويترز)

وزير المالية البريطاني يتوقع تمويل إجراءات الموازنة عبر زيادة الضرائب أو خفض الإنفاق

أفادت صحيفة «فاينانشال تايمز»، الأربعاء، بأن وزير المالية البريطاني يتوقع تمويل الإجراءات الواردة بموازنة الشهر الحالي من خلال زيادة الضرائب أو زيادة الإنفاق

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد عملات معدنية من الجنيه الإسترليني في الماء (رويترز)

الإسترليني يتراجع أمام اليورو بعد بلوغه ذروة 16 شهراً

تراجع الجنيه الإسترليني قليلاً أمام اليورو، يوم الثلاثاء، بعدما سجل في الجلسة السابقة أعلى مستوى له في نحو 16 شهراً، مدعوماً بتراجع المخاوف المالية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)

صندوق النقد يدعو بريطانيا إلى الالتزام بخطط خفض العجز المالي

حذر صندوق النقد الدولي، الثلاثاء، بريطانيا من ضرورة الالتزام بخطط خفض العجز المالي، في وقت تتزايد فيه الاقتراضات الحكومية في اقتصادات أخرى.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الاقتصاد تفاح وفواكه طازجة معروضة للبيع في متجر «تيسكو إكسترا» في تشيشونت (رويترز)

تضخم أسعار البقالة في بريطانيا يتسارع إلى 2.5 % في أكتوبر

تسارع تضخم أسعار البقالة في بريطانيا إلى 2.5 في المائة خلال الأسابيع الأربعة المنتهية في 4 أكتوبر (تشرين الأول)، مقارنةً بـ2.3 في المائة في تقرير الشهر الماضي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد وزير المالية البريطاني جون هيلي خلال المؤتمر السنوي لحزب العمال في ليفربول (رويترز)

معهد الدراسات المالية البريطاني: هيلي أمام خيارات صعبة في أول موازنة

حذّر معهد الدراسات المالية البريطاني من أن وزير المالية جون هيلي سيحتاج إلى تدبير زيادات ضريبية أو خفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

عائلة بريطاني قتله نمر تنتقد تداول فيديو الحادثة بعد إعادة ترمب نشره

مدخل «حديقة يوركشاير للحياة البرية» في دونكاستر ببريطانيا حيث توفي رجل إثر إصابته بجروح خطيرة داخل حظيرة نمر يوم 10 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
مدخل «حديقة يوركشاير للحياة البرية» في دونكاستر ببريطانيا حيث توفي رجل إثر إصابته بجروح خطيرة داخل حظيرة نمر يوم 10 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
TT

عائلة بريطاني قتله نمر تنتقد تداول فيديو الحادثة بعد إعادة ترمب نشره

مدخل «حديقة يوركشاير للحياة البرية» في دونكاستر ببريطانيا حيث توفي رجل إثر إصابته بجروح خطيرة داخل حظيرة نمر يوم 10 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
مدخل «حديقة يوركشاير للحياة البرية» في دونكاستر ببريطانيا حيث توفي رجل إثر إصابته بجروح خطيرة داخل حظيرة نمر يوم 10 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

قالت عائلة الشاب البريطاني وليام تشابمان، الذي قتله نمر في حديقة للحياة البرية، إن «المحتوى الإعلامي المسيء للغاية، يسبب لهم ألماً شديداً»، وذلك بعد أن أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، نشر مقطع الفيديو الخاص بالحادثة، والمنتشر على نطاق واسع.

وأفادت وكالة الأنباء البريطانية (بي إيه ميديا)، اليوم (الأربعاء)، بأن ترمب قام مساء أمس (الثلاثاء)، بنشر مقطع فيديو يظهر فيه تشابمان وهو يتعرّض لهجوم مميت من جانب نمر في «حديقة يوركشاير للحياة البرية»، لمتابعيه على منصته «تروث سوشيال»، والبالغ عددهم 13 مليوناً.

كما نشرت عائلة الشاب (23 عاماً)، مساء الثلاثاء، رثاءً له وصفته فيه بأنه كان «شاب ذكي، وودود، ومحبوب»، منتقدة ردود الفعل التي وردت على الإنترنت تجاه وفاته، ومتسائلة عن الدور الخاص «بالمرض النفسي الحاد الذي ظل يعاني منه لعدة أعوام»، والأدوية القوية التي كان يتناولها، في الحادثة.

وكتب الرئيس الأميركي، إلى جانب مقطع الفيديو القصير، الذي ظهر فيه النمر وهو يعض تشابمان ويخدشه بينما كان جالساً، دون أن يُظهر لحظة قتله، رسالة موقَّعة تقول: «لا تعبثوا مع الطبيعة أبداً!».


خطة أميركية أوروبية من 4 نقاط لإنهاء حرب أوكرانيا

سيارة تحترق بعد غارة روسية على منطقة في إقليم خاركيف وسط تصاعد حرب أوكرانيا (أ.ب)
سيارة تحترق بعد غارة روسية على منطقة في إقليم خاركيف وسط تصاعد حرب أوكرانيا (أ.ب)
TT

خطة أميركية أوروبية من 4 نقاط لإنهاء حرب أوكرانيا

سيارة تحترق بعد غارة روسية على منطقة في إقليم خاركيف وسط تصاعد حرب أوكرانيا (أ.ب)
سيارة تحترق بعد غارة روسية على منطقة في إقليم خاركيف وسط تصاعد حرب أوكرانيا (أ.ب)

وسط تصاعد التوتر بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، على خلفية إبرام واشنطن صفقة لتوريد الديزل من روسيا، وتلويح البيت الأبيض أيضاً بقطع الدعم الاستخباراتي الحيوي المقدم إلى كييف، لكن هذه الخلافات الأخيرة قد تحجب تطوراً أكثر أهمية، يتمثل في تحرك الولايات المتحدة وأوروبا تدريجياً نحو بلورة مقترح سلام مشترك، من شأنه أن يوفر مزايا مالية وأمنية لكل من أوكرانيا وروسيا، تمهيداً للتوصل إلى تسوية إقليمية تنهي الحرب.

وذكر الكاتب ديفيد إغناشيوس، في مقال بصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، أنه تحدث إلى مسؤول أميركي مطلع على المفاوضات الجارية في هذا الشأن، وقد أخبره أن مناقشة هذا التحرك الدبلوماسي تمت خلال اجتماع استمر 6 ساعات، عُقد يوم الجمعة الماضي في ولاية فلوريدا، واستضافه المبعوثان الأميركيان جاريد كوشنر وستيف ويتكوف.

وشارك في الاجتماع مسؤولون أوكرانيون وممثلون عن بريطانيا وفرنسا وألمانيا.

وبحسب المسؤول، حاول المفاوضون الأميركيون صياغة حزمة تعالج احتياجات ما بعد الحرب لكل من أوكرانيا وروسيا، بطريقة تنهي حمام الدم وتضمن وضعاً أفضل للبلدين.

وتضمنت الخطة المقترحة 4 ركائز أساسية لإنهاء الحرب هي:

*إعادة إعمار أوكرانيا

ستكون إعادة إعمار أوكرانيا هي الركيزة الأولى، إذ أشار إغناشيوس إلى أن البنك الدولي وشركة الاستثمار «بلاك روك» (BlackRock) يسعيان لوضع إطار عمل لتلبية الاحتياجات المالية الأوكرانية المتعددة، والتي تشمل إعادة بناء المناطق المدمرة في البلاد، وتوفير المزايا لعائلات الجنود القتلى والجرحى، وإنعاش الاقتصاد المنهار.

وقد طلب المفاوضون من كييف تقديم تقديرات مفصلة لتكاليف إعادة الإعمار، وضمانات بعدم نهب هذه الأموال من قبل المنتفعين في مرحلة ما بعد الحرب. وبحسب إغناشيوس، لم يقدم الأوكرانيون أرقاماً محددة حتى الآن، لكن من المتوقع أن يفعلوا ذلك خلال الأيام القليلة المقبلة، ما لم تنهر جهود السلام.

*ضمانات أمنية لمنع تجدد الحرب

ستكون الضمانات الأمنية العنصر الأساسي الثاني، حيث ستحصل أوكرانيا على تعهد من الولايات المتحدة والدول الأوروبية بالرد عسكرياً في حال شنت روسيا هجوماً جديداً، وهو ما وصفه المسؤول الأميركي الي تحدث إلى إغناشيوس بأنه يشبه الحماية التي يوفرها حلف شمال الأطلسي (الناتو) لأعضائه.

وأشار المسؤول إلى أن روسيا ستتفاوض أيضاً على اتفاقيات مع أوروبا تعالج مخاوفها الأمنية، وإن لم تتضح بعد تفاصيل ما قد تنطوي عليه هذه الاتفاقيات.

*التكامل الاقتصادي بين روسيا وأوكرانيا وأوروبا من خلال اتفاقية للطاقة

قد يتضمن ذلك إنشاء خط أنابيب لنقل النفط والغاز الروسيين إلى أوروبا، مع تقاسم الأرباح بين أوكرانيا وروسيا.

وذكر المسؤول الأميركي أن خطاً كهذا من شأنه أن يخفض تكاليف الطاقة في أوروبا بشكل كبير.

كما تتضمن الخطة تحديد آليات وجدول زمني لرفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا، بما يمنح موسكو فرصة لاستعادة الوصول طويل الأجل إلى الأسواق الأوروبية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يسار) ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

*وقف إطلاق النار عند خطوط السيطرة الحالية

ستكون هذه الركيزة الأكثر صعوبة وتعقيداً، إذ تتطلب موافقة روسيا، التي بدأت الحرب آملةً في السيطرة على كامل أوكرانيا، على وقف إطلاق النار عند خطوط المواجهة الحالية بين القوات الروسية والأوكرانية، أو «خطوط السيطرة» كما يصفها المفاوضون.

ويعني ذلك عملياً قبول أوكرانيا ببقاء الأراضي التي تسيطر عليها روسيا تحت السيطرة الروسية في إطار التسوية، بما يشمل مناطق متنازعاً عليها في إقليم دونباس.

وتتمثل إحدى العقبات في أن «خط السيطرة» غير محدد بدقة، نظراً للتغيرات الطفيفة التي تطرأ على الجبهة بشكل شبه يومي.


ألمانيا: بدء محاكمة ضابط أوكراني سابق بتهمة التخطيط لهجمات «نورد ستريم»

الضابط الأوكراني السابق سيرهي كيه (وسط) يظهر بين محاميه قبل بدء محاكمته بشأن تفجير خط أنابيب «نورد ستريم» (أ.ف.ب)
الضابط الأوكراني السابق سيرهي كيه (وسط) يظهر بين محاميه قبل بدء محاكمته بشأن تفجير خط أنابيب «نورد ستريم» (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا: بدء محاكمة ضابط أوكراني سابق بتهمة التخطيط لهجمات «نورد ستريم»

الضابط الأوكراني السابق سيرهي كيه (وسط) يظهر بين محاميه قبل بدء محاكمته بشأن تفجير خط أنابيب «نورد ستريم» (أ.ف.ب)
الضابط الأوكراني السابق سيرهي كيه (وسط) يظهر بين محاميه قبل بدء محاكمته بشأن تفجير خط أنابيب «نورد ستريم» (أ.ف.ب)

مَثل ضابط أوكراني سابق أمام محكمة ألمانية، اليوم الأربعاء، بتهمة المساعدة في التخطيط للهجمات التي استهدفت خطَّي أنابيب غاز «نورد ستريم» في بحر البلطيق قبل أربع سنوات، في واحدة من كبرى عمليات التخريب بأوروبا.

ويواجه الرجل، الذي يُشار إليه باسم سيرهي كيه، بموجب قوانين حماية الخصوصية الألمانية، اتهامات بارتكاب جرائم حرب، على خلفية استهدافه أهدافاً مدنية أثناء خدمته في الجيش الأوكراني.

كما وجه الادعاء العام الألماني إليه اتهامات بالتسبب في انفجار باستخدام متفجرات، وتدمير بنية تحتية، وتعطيل الخدمات العامة.

القضاة يستعدّون لبدء جلسات محاكمة الضابط الأوكراني السابق سيرهي كيه بشأن تفجير خط أنابيب «نورد ستريم» (أ.ف.ب)

وتُعقد المحاكمة، التي تحظى بمتابعة واسعة أمام المحكمة الإقليمية العليا، في مدينة هامبورغ شمال ألمانيا.

ووفقاً للائحة الاتهام، كان سيرهي كيه أحد العسكريين الذين وضعوا خطة، نيابة عن السلطات الحكومية الأوكرانية، لتدمير خطَّي الأنابيب اللذين أُنشئا لنقل الغاز الطبيعي الروسي إلى ألمانيا، بهدف ظاهري يتمثل في الحد من الموارد المالية الروسية المخصصة للحرب، وذلك بعد فترة وجيزة من بدء روسيا غزوها الشامل لأوكرانيا.

ويُتهم سيرهي كيه بقيادة فريق ضم عدداً من الغواصين المحترفين ورُبان سفينة وخبيراً في المتفجرات، ويُشتبه في أنهم نقلوا كميات كبيرة من المتفجرات العسكرية شديدة القوة إلى المياه قبالة جزيرة بورنهولم الدنماركية، على متن يخت شراعي استأجروه في مدينة روستوك شمال ألمانيا.

وبالقرب من بورنهولم، يُشتبه في أن الفريق ثبّت عبوات ناسفة مزوّدة بمؤقِّتات على خطَّي أنابيب الغاز في قاع البحر، وانفجرت هذه العبوات، في 26 سبتمبر (أيلول) 2022، مما ألحق أضراراً جسيمة بخطَّي نورد ستريم 1 و2.

وعُثر لاحقاً على أربعة مواضع لتسرُّب الغاز في ثلاثة من الأنابيب الأربعة.

الضابط الأوكراني السابق سيرهي كيه (وسط) يظهر بين محاميه قبل بدء محاكمته بشأن تفجير خط أنابيب «نورد ستريم» (أ.ف.ب)

وأُلقي القبض على سيرهي كيه، في نهاية أغسطس (آب) 2025، أثناء قضائه عطلة مع أسرته على ساحل البحر الأدرياتيكي في إيطاليا، ثم سُلم إلى ألمانيا بعد ثلاثة أشهر، حيث وُضع رهن الحبس الاحتياطي.

وفي حين حمَّل مراقبون دوليون موسكو المسؤولية، في البداية، كثّف المحققون بحثهم في احتمال تورط أجهزة الأمن الحكومية الأوكرانية، رغم أن أوكرانيا تعدُّ ألمانيا من أقرب حلفائها، وفقاً لما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس».

وتُجرى محاكمة المشتبَه به، الذي يُعتقد أنه العقل المدبر المفترَض للهجوم، وسط إجراءات أمنية مشددة في المحكمة الإقليمية العليا بهامبورغ.

وتجمَّع محتجّون مؤيدون لأوكرانيا خارج المحكمة، ورفعوا لافتات حملت عبارات؛ من بينها «روسيا دولة إرهابية»، مكتوبة باللون الأحمر، بينما كان المتقاضون يدخلون المبنى، وفقاً لـ«أسوشييتد برس».