تضع الجزائر ملف تطهير أراضيها من الألغام ومخلفات التفجيرات النووية الفرنسية في قلب مسعى «مصالحة الذاكرة» مع باريس، وتطرحه شرطاً أساسياً لإرساء علاقات ثنائية طبيعية ومتوازنة بعدما مرت العلاقات بـ«عثرات» كثيرة كان سببها الرئيسي آلام الحقبة الاستعمارية، ومسائل الاعتراف بجرائم الاستعمار، والمطالبة باعتذار رسمي عنها.
وبعد مرور أزيد من 64 عاماً على الاستقلال، لا يزال ملف الألغام المضادة للأفراد الموروثة عن الحقبة الاستعمارية (1830 - 1962) يشغل حيزاً بارزاً في السياسة الخارجية الجزائرية.
فخلال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، المنعقدة حالياً في جنيف من 15 يونيو (حزيران) إلى 7 يوليو (تموز)، قال ممثل الجزائر الدائم إدريس لطرش إن هذه القضية «لا تنتمي فحسب إلى الذاكرة التاريخية أو المقاربة الأمنية، بل تظل رهاناً حقيقياً معاصراً لحقوق الإنسان، لا تزال تبعاته تثقل كاهل السكان بالحدود الشرقية والغربية»، حيث زرع الاستعمار 11 مليون لغم، وفق تقارير جزائرية حكومية.
ونقلت «وكالة الأنباء الجزائرية» عن لطرش قوله خلال مداخلة، يوم السبت، في اجتماع حول «آثار الألغام المضادة للأفراد على حقوق الإنسان» إن آثار الألغام المضادة للأفراد لا تقتصر على الخسائر البشرية المباشرة، بل تمتد لتشمل نطاقاً واسعاً من حقوق الإنسان الأساسية. وقال إن التجربة الجزائرية «صاغها إرث ثقيل من نحو 11 مليون لغم مضاد للأفراد، زرعها المستعمر الفرنسي على طول الحدود الشرقية والغربية».

وترى الجزائر، حسب السفير لطرش، أن مخلفات هذه المتفجرات «تتخطى الخسائر المادية المباشرة، لتطال استدامة الحق في الحياة والصحة والتنمية وحرية التنقل في المناطق التي شهدت هذا التلوث»؛ وتؤكد أن الألغام التي زرعها الاستعمار لا تزال تحصد الأرواح، رغم تطهير أراض شاسعة.
وقال لطرش: «وراء أرقام نزع الألغام تختبئ جراح جسدية، وإعاقات دائمة، وصدمات نفسية، وصعوبات اجتماعية تواجه الناجين وعائلاتهم».
وانتهاء عمليات التطهير لا يعني، حسب السلطات الجزائرية، نهاية مسؤولية فرنسا تجاه الضحايا، خاصة ما يتعلق بدفع التعويضات.
وقد خُصص اجتماع جنيف لبحث «دور مجلس حقوق الإنسان في تعزيز دعم ضحايا الألغام المضادة للأفراد»، بمشاركة عدة دول هي: جنوب أفريقيا، والمملكة المتحدة، والنمسا، وموزمبيق، وبيرو، وكرواتيا، ولبنان، وفانواتو، وأذربيجان، بالإضافة إلى منظمات دولية وإنسانية متخصصة في مكافحة الألغام، كمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وخدمة الأمم المتحدة لمكافحة الألغام، ووحدة دعم اتفاقية حظر الألغام، فضلاً عن منظمات غير حكومية كالحملة الدولية لحظر الألغام، ومركز جنيف الدولي لإزالة الألغام للأغراض الإنسانية.

وفي كلمته، شدد السفير الجزائري على أن «العمل ضد الألغام لا يمكن أن يقتصر على تدميرها، فمسار التحرر من الألغام لا ينتهي عند إزالة آخر لغم، بل يمتد ليشمل ضمان دعم شامل ومستدام للضحايا وإعادة إدماجهم الكامل في المجتمع».
والمعروف أن السلطات الاستعمارية الفرنسية أقامت «خط موريس» المكهرب، الذي يحمل اسم وزير الدفاع الفرنسي السابق آندريه موريس، على الحدود مع المغرب على امتداد 700 كيلومتر، ووضعته تحت مراقبة دائمة ابتداء من شهر يوليو 1957، من خلال زرع حقول من الألغام، وتم تعزيزه بـ«خط شال»، نسبة إلى الجنرال موريس شال، على الحدود الشرقية مع تونس وليبيا بطول 460 كيلومتراً بين 1958 و1960.
وفي 2019، رفعت الحكومة الجزائرية تقريراً إلى الأمم المتحدة يتناول «الجهود الجبارة المبذولة منذ عشرات السنين في مجال تطهير الأراضي المزروعة بالألغام»، مؤكدة أن المواد المتفجرة خلَّفت 4830 ضحية من المدنيين خلال الثورة (1954 - 1962)، و2470 ضحية بعد الاستقلال بسنوات قليلة، ومن ثم بلغت الخسائر البشرية 7300 قتيل حسب آخر إحصائية والتي صدرت عام 2021.
كما أشار التقرير إلى أن العدد الأكبر من ضحايا الألغام المضادة للأفراد تم تسجيله بالمناطق الحدودية الرئيسية المعنية، ابتداء من عام 1956، وبخاصة في ولايات الطارف وسوق أهراس وقالمة وتبسة بشرق البلاد، وولايات تلمسان والنعامة وبشار بالغرب.
وأبرز التقرير تفكيك أكثر من مليون لغم، وتطهير أكثر من 50 ألف هكتار من الأراضي زُرعت بها أشجار بعد تنظيفها.









