«شيء يشبه العيش» لنتالي معيكي... رحلة البحث عن الحب

ضمن لوحات معبِّرة تتناول الوجود الإنساني والصمود

رحلة من التجارب الشخصية تضعها نتالي معيكي في أعمالها (الشرق الأوسط)
رحلة من التجارب الشخصية تضعها نتالي معيكي في أعمالها (الشرق الأوسط)
TT

«شيء يشبه العيش» لنتالي معيكي... رحلة البحث عن الحب

رحلة من التجارب الشخصية تضعها نتالي معيكي في أعمالها (الشرق الأوسط)
رحلة من التجارب الشخصية تضعها نتالي معيكي في أعمالها (الشرق الأوسط)

تنفرج أساريرك وأنت تتجوّل في معرض «شيء يشبه العيش» لنتالي معيكي في غاليري «غاليريست» ببيروت. فمنذ اللحظة الأولى لدخولك صالة العرض، تستقبلك ألوان زاهية تنبض بالحياة، وتدعوك إلى الاقتراب من مجموعة لوحات تروي حكايات إنسانية متعددة. قد لا تدرك لأول وهلة موضوعاتها أو تستوعب عوالم شخصياتها المتخيلة. لكن ما إن تبتعد عنها قليلاً حتى تتضح تفاصيلها، وتنكشف أمامك قراءات جديدة تحملها الألوان والخطوط والمساحات.

حتى عناوين اللوحات التي نفّذتها معيكي بتقنية الأكريليك تبدو كأنها فصول من قصص شخصية تستلهمها من خبرات وتجارب عاشتها. فهي تتناول موضوعات الوحدة والمشاركة والعزلة والعودة إلى الذات.

تستخدم الألوان الزهرية لأنها تشبه بشرة المرأة (الشرق الأوسط)

أما شخصياتها فتجتمع وتستريح وتتعانق وتعيش ببساطة وسط عالم يلفُّه الغموض. تسكن لوحاتها حبكة فنية، تأخذ ناظرها إلى الماورائيات، وبينها: «كنا لا نزال متمسكين بالأمل»، و«لن ننتظرك»، و«الغرفة كانت لها ولكنها لم تحسم أمرها بعد». رسائل إنسانية متعددة تصوغها الفنانة بقالب أنثوي شفاف وتخرجها إلى العلن. كما توجهها إلى الرجل لعلّه يقترب أكثر من عالم المرأة. فيدرك كيف تفكِّر شريكة الحياة وما الذي تنشده في علاقتها بالآخر من حب واهتمام واحتواء.

تشير نتالي معيكي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الفكرة الأساسية التي تدور حولها أعمالها ترتبط بحقيقة الإنسان وما يخفيه خلف ملامحه الظاهرة. وتوضح: «غالباً ما نرى وجوه الناس من حولنا مشرقة وسعيدة، فيما يحملون في أعماقهم مشاعر مختلفة تماماً. فالإنسان يميل إلى إخفاء أوجاعه وكتمان ما يثقل قلبه، ولذلك؛ فإن الابتعاد قليلاً عن الصورة المباشرة يساعدنا على رؤية ما يختبئ خلفها وفهم ما يمر به الآخرون». وتتابع: «لذلك؛ أدعو الزوار إلى مشاهدة اللوحات من مسافة معينة قبل الاقتراب منها؛ لأن هذه المسافة تكشف عن حقيقتها بصورة أوضح. فالشخصيات التي تظهر فيها وصلت إلى حالاتها الراهنة عبر تجارب ومشاعر متعددة. وما يجمع بينها جميعاً هو بحثها الدائم عن الحب والاهتمام والتواصل الإنساني. إنها شخصيات تتوق إلى أن تُرى وتُفهم وأن تجد صلة حقيقية بالآخر».

تعالج في لوحاتها موضوعات الوحدة والعودة إلى الذات (الشرق الأوسط)

تحضر في أعمال معيكي الثنائيات والعلاقات الإنسانية والمجموعات المتشاركة للمشهد، في حين تتصدر المرأة وحدها لوحات أخرى. فهي بطلة روايات بصرية تروي هشاشتها وقوتها في آن معاً. وتطغى على أعمالها درجات الزهري والأحمر، كما في لوحتي «كل الحب كان حقيقياً، لكنه لم يكن كافياً»، و«اقتربنا كثيراً لدرجة أنه لم يتبقَّ شيء»، حيث يتحوَّل اللون عنصراً أساسياً في بناء المعنى ونقل المشاعر.

وتوضح الفنانة: «هذه الحالات تعبِّر عني، كما تعبِّر عن كثيرين خاضوا تجارب مشابهة. فنحن نتشارك أسلوب حياة متقارباً، ونحاول باستمرار مقاومة الألم كي نتابع طريقنا. وفي بعض اللوحات أحكي عن الوحدة، وعن ذلك الوهم الذي نعيش فيه ونعجز أحياناً عن التخلي عنه».

أما عن اختيارها هذه الألوان تحديداً، فتقول: «إنها ألوان ترتبط بالأنثى، وبنعومة بشرتها، كما تعكس عالمها الحالم والخيالي. إنها ألوان تنتمي إلى واقع يتكئ على الأحلام بقدر ما يتكئ على الحقيقة».

وتنجح معيكي بهذه المجموعة في استدراج المتلقي إلى مساحة من التأمل والمشاركة، فلا يكتفي بدور المشاهد، بل يتحوَّل شريكاً في البحث والتحليل واكتشاف المعاني الكامنة خلف الأشكال والألوان. لذلك؛ يصعب المرور أمام أعمالها مروراً عابراً، إذ تستوقف الزائر وتدفعه إلى التمعّن فيها أكثر من مرة.

وتعزّز معيكي هذا التفاعل عبر تقنية بصرية ذات بعد ثلاثي، فتمنح اللوحات عمقاً إضافياً وتفتح أمام العين مستويات متعددة من القراءة، فيقترب المتلقي تارة ويبتعد أخرى، باحثاً عن تفاصيل جديدة قد تُغيِّر فهمه العمل. فتبدو كل لوحة كأنها تُخفي حكاية لا تكشف عن أسرارها دفعة واحدة، بل تدعو إلى اكتشافها تدريجياً.

تطغى الأنثى على أعمال معيكي في معرضها «شيء يشبه العيش» (الشرق الأوسط)

وتعلّق الفنانة: «لا أحب أن يكتفي المتلقي بنظرة سريعة إلى اللوحة فيدرك أبعادها فوراً. أفضّل أن يُمضي وقتاً أمامها، وأن يطيل التأمل فيها؛ كي يكتشف القصة التي ترويها بنفسه. فالعلاقة بين العمل الفني والناظر إليه تشبه رحلة اكتشاف تتوضح خطوطها تدريجياً». وتتابع: «أقرب اللحظات إلى قلبي هي تلك التي تسبق اكتمال اللوحة وولادتها النهائية. ففي هذه المرحلة أكون منشغلة باستشراف الحالة التي أريد التعبير عنها وتجسيد المشاعر المرتبطة بها. إنها لحظة شديدة الحساسية وصعبة المنال. أحاول خلالها أن أترجم ما يختلج في داخلي إلى لغة بصرية قادرة على ملامسة الآخر».

وتعترف معيكي بتأثرها بعدد من كبار الفنانين التعبيريين، وفي مقدمهم ويليام دي كونينغ، وجورج بازيليتز. «يمكنني أن أمضي ساعات طويلة وأنا أتأمل لوحات دي كونينغ؛ لما تختزنه من تفاصيل وطبقات بصرية لا تنتهي. والأمر نفسه ينطبق على بازيليتز، الذي لطالما شدَّني أسلوبه الخاص في مقاربة اللوحة وتكوينها».

وتضيف: «لقد ترك الفنانان أثراً مباشراً في تجربتي الفنية، وهو تأثير يمكن ملاحظته بوضوح في أعمالي، ويحضر عبر طريقة بناء المشهد التشكيلي، أو في العلاقة التي أقيمها بين الشكل والتجريد، وبين الظاهر وما يختبئ خلفه من معانٍ ومشاعر».

وتختم معيكي حديثها قائلة: «أردت لزائر المعرض أن يحلم وأن يتمسك بالأمل، وأن يشارك شخصيات لوحاتي تجاربها المختلفة مع الحياة. قد تكون هذه التجارب حلوة أو مرّة، لكنها جميعاً تركت أثراً في أصحابها. كما أردت أن يخوض الزائر رحلة بحث وتأمل بعيداً من واقع يرزح تحت ثقل الهموم والحروب والأسى. فالفن بالنسبة إليّ مساحة للتنفس ولإعادة اكتشاف الذات، وفرصة لفتح نافذة على عالم أرحب وأعمق إنسانية».


مقالات ذات صلة

«تحت سماء واحدة»... فسحة لفناني الجنوب اللبناني في بيروت

يوميات الشرق شجرة من حياة مُستعادة (الشرق الأوسط)

«تحت سماء واحدة»... فسحة لفناني الجنوب اللبناني في بيروت

يبقى الفنّ قادراً على وَصْل الناس وحماية الرابط بينهم حين تتبدّل الأمكنة وتضيق الخيارات...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)

كنوز المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية إلى النور

تحت عنوان «الإسكندرية... هوية وثقافة عبر الزمن»، نظم المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية أول معرض أثري مؤقت له منذ إعادة افتتاحه.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق محمد سهيل يفتّش في الجسد عن أثر الآخر (الشرق الأوسط)

محمد سهيل يُعيد رسم معنى الاكتمال

عالم مكتظّ بأجساد ناقصة، لكنه ليس عالماً مستسلِماً للنقص.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق ماهر عطّار وموريال واكد في معرض «خارج الإطار» للمصوّرين الناشئين (أرت ديستريكت)

بين البترون وبيروت... الفنّ التصويري والتشكيلي في تحية ومبادرة

المبادرة وُلدت من مبدأ بسيط: «إذا كنتَ لا تستطيع أن تزورنا، فنحن نزورك»...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق «الأبد هو الآن» يربط الحضارة بالفنون المعاصرة (لوحة من النسخة الماضية فيسبوك)

فنانات عالميات يتصدرن النسخة السادسة من «الأبد هو الآن»

يتعامل معرض «الأبد هو الآن» مع هضبة الجيزة بوصفها موقعاً أثرياً ومشهداً ثقافياً حياً يواصل إلهام البحث الفني والخيال المعاصر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

117 سنة من الحياة... أكبر معمِّرة في العالم تكشف سر عمرها المديد

إيثيل كاترهام أكبر امرأة في العالم (أ.ب)
إيثيل كاترهام أكبر امرأة في العالم (أ.ب)
TT

117 سنة من الحياة... أكبر معمِّرة في العالم تكشف سر عمرها المديد

إيثيل كاترهام أكبر امرأة في العالم (أ.ب)
إيثيل كاترهام أكبر امرأة في العالم (أ.ب)

في عالم تتعدد فيه النصائح والوصفات المرتبطة بطول العمر، يبدو أن سر العيش حتى سن متقدمة جداً قد يكون أبسط مما يتخيل كثيرون. فمع وصولها إلى عامها الـ117، تستعد إيثيل كاترهام للاحتفال بعيد ميلادها، حاملةً معها قصة حياة امتدت لأكثر من قرن وشهدت أحداثاً وتحولات تاريخية كبرى، إلى جانب نصيحة بسيطة تقول إنها كانت من أسباب وصولها إلى هذا العمر: تجنّب الجدال.

وتستعد كاترهام، أكبر معمرة في العالم، للاحتفال بعيد ميلادها الـ117 اليوم الجمعة، بعد عام حافل بالتجارب واللحظات المميزة، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وأصبحت إيثيل كاترهام أكبر معمرة في العالم في أبريل (نيسان) 2025، عقب وفاة الراهبة البرازيلية إيناه كانابارو لوكاس عن عمر ناهز 116 عاماً.

وبعد فترة قصيرة من حصولها على اللقب، كشفت كاترهام عن سرها البسيط والعميق في آنٍ واحد لطول عمرها، قائلة إن تجنّب الجدال كان جزءاً من نهجها في الحياة.

وقالت: «لا أجادل أحداً أبداً، بل أستمع، وأفعل ما يحلو لي».

وتقيم كاترهام حالياً في دار رعاية هولمارك ليكفيو في لايت ووتر- ساري بإنجلترا، حيث ستقضي يوم ميلادها المميز برفقة أفراد عائلتها وأصدقائها.

وفي بيان لها، قالت: «شكراً لكم جميعاً على تهانيكم الرقيقة بمناسبة عيد ميلادي. حتى في سن 117، عشتُ العديد من التجارب الجديدة هذا العام، من مداعبة حيوان اللاما إلى الإمساك بيد الملك».

وكان الملك البريطاني تشارلز قد زار كاترهام في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، بعد وقت قصير من احتفالها بعيد ميلادها الـ116، وخلال اللقاء أمسك بيدها بينما كان يعرّف بنفسه.

وخلال لقائها بالملك تشارلز، استرجعت كاترهام ذكريات تعود إلى عام 1969، عندما حضرت مراسم تنصيبه أميراً لويلز، وكان حينها في الحادية والعشرين من عمره. وقالت له خلال اللقاء: «كانت جميع الفتيات مغرمات بك ويتمنين الزواج منك».

إيثيل كاترهام ولدت في 21 أغسطس 1909 في مقاطعة هامبشاير البريطانية (أ.ب)

حياة امتدت لأكثر من قرن

وُلدت إيثيل كاترهام في 21 أغسطس (آب) 1909 في شيبتون بيلينجر، في مقاطعة هامبشاير، وذلك قبل أربع سنوات تقريباً من اندلاع الحرب العالمية الأولى، وكانت ثاني أصغر أفراد أسرة مكوّنة من ثمانية أشقاء.

وتُعد كاترهام آخر من تبقى من رعايا الملك إدوارد السابع، الذي توفي في مايو (أيار) 1910، أي بعد أقل من عام على ولادتها.

وفي عام 1927، سافرت كاترهام إلى الهند وهي في الثامنة عشرة من عمرها، حيث عملت مربية للأطفال لدى عائلة عسكرية حتى بلغت الحادية والعشرين.

وفي عام 1931، التقت بزوجها نورمان خلال حفل عشاء في المملكة المتحدة. وكان نورمان ضابطاً في الجيش البريطاني برتبة مقدم، وتوفي عام 1976.

وعاش الزوجان في سالزبوري قبل أن ينتقلا، بحكم ظروف عمله، إلى جبل طارق ثم هونغ كونغ. وخلال إقامتها في هونغ كونغ، أسست كاترهام روضة أطفال، كما أنجبت ابنتين، توفيتا قبلها.

وامتدت سمة طول العمر أيضاً إلى أفراد آخرين من عائلتها؛ إذ عاشت إحدى شقيقاتها، غلاديس، حتى بلغت 104 أعوام.

نشاط حتى سن متقدمة

وعلى الرغم من تقدمها الكبير في السن، حافظت كاترهام على قدر من الاستقلال والنشاط لسنوات طويلة. فقد واصلت قيادة السيارة حتى بلغت 97 عاماً، كما استمتعت بلعب الورق (البريدج) خلال سنواتها المائة.

وفي عام 2020، نجت كاترهام من الإصابة بفيروس «كوفيد - 19»، وكانت تبلغ من العمر آنذاك 110 أعوام.

ومع بلوغها 117 عاماً، تواصل كاترهام تسجيل فصل جديد في قصة حياتها الاستثنائية، بعدما عاشت خلال أكثر من قرن أحداثاً وتحولات عالمية عديدة، من الحربين العالميتين إلى التطورات الهائلة التي شهدها العالم في مجالات التكنولوجيا والطب والنقل والاتصالات.

ومع ذلك، لا تحمل كاترهام وصفة معقدة لطول العمر، بل تختصر فلسفتها في الحياة في تجنّب الجدال، والعيش بالطريقة التي تختارها لنفسها.

أما لقب أكبر معمرة في التاريخ، فما زال من نصيب الفرنسية جان كالمينت، التي عاشت حتى بلغت 122 عاماً و164 يوماً، وفقاً لموسوعة «غينيس» للأرقام القياسية.


دراسة تحذّر: بعض أشجار المدن قد تزيد تلوث الهواء مع ارتفاع الحرارة

شجرة صفصاف باكية تظهر في حديقة هادئة في سانت نيوتس بإنجلترا (بيكسلز)
شجرة صفصاف باكية تظهر في حديقة هادئة في سانت نيوتس بإنجلترا (بيكسلز)
TT

دراسة تحذّر: بعض أشجار المدن قد تزيد تلوث الهواء مع ارتفاع الحرارة

شجرة صفصاف باكية تظهر في حديقة هادئة في سانت نيوتس بإنجلترا (بيكسلز)
شجرة صفصاف باكية تظهر في حديقة هادئة في سانت نيوتس بإنجلترا (بيكسلز)

لطالما ارتبطت الأشجار والمساحات الخضراء في المدن بتحسين جودة الهواء وتلطيف درجات الحرارة، باعتبارها من أهم الوسائل الطبيعية للحد من آثار التلوث والحرارة المرتفعة. غير أن دراسة حديثة تكشف جانباً آخر من هذه المعادلة، إذ تشير إلى أن بعض أنواع الأشجار قد تطلق مركبات متطايرة تسهم، في ظروف معينة، في زيادة تلوث الهواء وتكوين الأوزون على مستوى سطح الأرض، وهو ما قد يستدعي إعادة النظر في طريقة اختيار أنواع الأشجار المستخدمة في التخطيط الحضري، لا في أهمية المساحات الخضراء نفسها، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وبينما تُسهم المساحات الخضراء في المدن في امتصاص الملوثات الغازية وتلطيف الأجواء، تُطلق بعض الأشجار أيضاً مركبات عضوية متطايرة قد تكون شديدة التفاعل كيميائياً، ويمكن أن تُسهم في تكوين الأوزون على مستوى سطح الأرض، وهو أحد ملوثات الهواء الضارة بالصحة.

ويشير باحثون من جامعة جينان في الصين إلى أن هذه المركبات المتطايرة تشبه في طبيعتها بعض المركبات الموجودة في الدهانات ومنتجات التنظيف وأبخرة الوقود.

ويقول العلماء إن ارتفاع درجات حرارة المناخ العالمي يجعل فهم هذه الانبعاثات الصادرة عن الأشجار، والتي غالباً ما يجري تجاهلها عند دراسة مصادر تلوث الهواء في المدن، أمراً أكثر أهمية.

وفي أحدث دراسة، أنشأ الباحثون نظاماً للمراقبة المباشرة للانبعاثات على منصة ترتفع 102 متراً (335 قدماً) فوق سطح الأرض، في أعلى برج الأرصاد الجوية في بكين، إلى جانب إجراء قياسات في مختبر يقع عند قاعدة المبنى.

وتتبّع العلماء الإشارات الكيميائية في الغلاف الجوي عدة مرات في الثانية، مسجلين بذلك ما وصفوه بـ«نَفَس» المدينة الكيميائي لحظة بلحظة، بما أتاح لهم رصد التغيرات في تركيبة الهواء ومتابعة مصادر المركبات المنبعثة.

وقاس الباحثون انبعاثات المركبات العضوية المتطايرة بدقة، وتمكنوا من تتبع مصادرها المختلفة، بما في ذلك الأشجار وحركة المرور والمنتجات الكيميائية وعمليات الطهي والأنشطة المنزلية.

وخلصت الدراسة إلى أن مادة الأيزوبرين الكيميائية، الموجودة أيضاً في المطاط الطبيعي، تُعد من أهم المركبات التفاعلية التي جرى رصدها، وأن الأشجار كانت المصدر الرئيسي لمعظم انبعاثاتها.

الحرارة تزيد من نشاط الانبعاثات

وتشير النتائج إلى أن الطقس الحار يزيد من انبعاثات المركبات العضوية المتطايرة في المدن، مما قد يجعل تأثير بعض الأشجار في جودة الهواء أكثر وضوحاً خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة.

ووجد العلماء أن معدل التفاعل الكيميائي للمركبات المتطايرة المنبعثة من أشجار المدن يزداد بنحو سبعة إلى ثمانية أضعاف عند ارتفاع درجات الحرارة من 20 إلى 35 درجة مئوية.

وخلصت الدراسة إلى أن انبعاثات الأيزوبرين في بكين كانت الأعلى بين المدن التي شملتها الدراسة، إذ اقتربت من المستويات المسجلة في الغابات المعتدلة.

ويرى الباحثون أن ذلك يعود، بشكل رئيسي، إلى أنواع الأشجار التي زُرعت في بكين، والتي تضم أنواعاً معروفة بقدرتها على إصدار الأيزوبرين.

وتُعرف نسبة كبيرة من الأشجار المحلية في بكين بأنها تُصدر الأيزوبرين، ومن بينها الصفصاف الباكي (Salix babylonica) والحور الأبيض الصيني (Populus tomentosa).

وكتب العلماء: «قد تنطبق هذه النتيجة على مدن أخرى في شمال الصين، كما يتضح من متوسط انبعاثات مماثل أو حتى أكبر مُقدّر لمدينتي هاربين وتشانغتشون، حيث زرعت هاتان المدينتان أشجار الصفصاف والحور على نطاق واسع خلال العقود الماضية».

ويقول الباحثون إن العديد من المدن الأخرى في آسيا وأوقيانوسيا قد تواجه أيضاً ضغوطاً مماثلة على جودة الهواء نتيجة انبعاثات الأشجار، ولا سيما في ظل ارتفاع درجات الحرارة الذي قد يزيد من نشاط هذه المركبات وتفاعلاتها الكيميائية في الغلاف الجوي.

ومع ذلك، يحذر العلماء من أن نتائج الدراسة لا تعني الدعوة إلى تقليل المساحات الخضراء في المدن أو إزالة الأشجار المعمّرة، إذ تظل الأشجار والمساحات الخضراء عنصراً مهماً في تحسين البيئة الحضرية. وإنما تشير النتائج إلى أهمية اختيار أنواع الأشجار بعناية عند تخطيط المساحات الخضراء، مع إعطاء الأولوية للأنواع ذات القدرة الأقل على إطلاق المركبات العضوية المتطايرة التي قد تسهم في تدهور جودة الهواء.


«شبح لوكربي» يعود عبر «نتفليكس»

مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرَّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)
مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرَّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)
TT

«شبح لوكربي» يعود عبر «نتفليكس»

مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرَّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)
مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرَّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)

أعاد عرض المسلسل «The Bombing of Pan Am 103» المُنْتَج بالتعاون بين هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ومنصة «نتفليكس»، شبح تفجير طائرة «بان إم» فوق بلدة لوكربي أواخر عام 1988.

وسلّط المسلسل الذي ركَّز على تفاصيل التحقيقات المشتركة بين الاسكوتلنديين والأميركيين، الضوء على فرضية «الخيط الإيراني - الفلسطيني»؛ حيث ظهرت الإشارة إلى مروان خريسات في سياق «العثور على شظايا الراديو المفخخ» ومقارنتها بالقنابل التي صمَّمها خريسات وصودرت في ألمانيا. وأعاد هذا الطرح الجدل القديم إلى نقطة الصفر: هل كان خريسات هو الصانع الحقيقي للقنبلة التي انفجرت فوق اسكوتلندا؟

وظلَّ خريسات، الذي وُصف في أدبيات الاستخبارات الغربية بـ«صانع القنابل البارع» لصالح «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة» بقيادة أحمد جبريل، لغزاً متحركاً لعقود؛ إذ اعتقلته ألمانيا الغربية ثم أطلقت سراحه، وطارده «الموساد» الإسرائيلي، قبل أن ينتهي به المطاف مكفَّناً بأسراره في العاصمة الأردنية، حيث تُوفي عن عمر ناهز الـ70 عاماً. وبعد وفاته، نفت ابنته تورطه في العملية.