تستعد الولايات المتحدة لإحياء الذكرى الـ250 لتأسيسها، في وقت تعيش فيه حالة من الاستقطاب السياسي الحاد داخلياً، وتواجه تحديات متزايدة خارجياً. مشهد انعكس على احتفالات اعتاد الأميركيون أن ينظروا إليها كرمز للوحدة الوطنية، ومناسبة تجمعهم على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم حول فكرة واحدة: حب البلاد والاعتزاز بها. لكن أميركا في عهد دونالد ترمب الثاني تبدو مختلفة. فالرئيس السابع والأربعون لم يكتفِ بجعل الذكرى محطة وطنية كبرى، بل أحاطها بسلسلة من الخطوات المثيرة للجدل، من طرح أوراق نقدية تحمل صورته، إلى وضعها على جوازات السفر التذكارية، وصولاً إلى إنشاء لجنة خاصة للاحتفالات موازية لتلك التي أقرها الكونغرس.
يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، المشهد الأميركي في ذكرى تأسيس البلاد الـ250 والانقسامات السياسية العميقة، وما إذا كان «الحلم الأميركي» قادراً على الصمود في وجه التحديات المتصاعدة.
عصر ذهبي؟
افتتح ترمب احتفالات التأسيس بحدث كبير في المتنزه الوطني يستمر عشرة أيام، وشاركت فيها ولايات عدة، فيما رفضت بعض الولايات الديمقراطية المشاركة. وقال ترمب إن «أميركا عادت»، متباهياً بـ«إنقاذ البلاد» التي دخلت في «عصرها الذهبي» على حد تعبيره.
احتفالات وانقسامات بالولايات المتحدة في عيدها الـ250 pic.twitter.com/2WpNMqAwEH
— صحيفة الشرق الأوسط (@aawsat_News) June 27, 2026
ويتحدث ماليك أبدول، مستشار الحملات الانتخابية الجمهورية، عن الانقسامات العميقة في البلاد التي تطغى على المشاهد الاحتفالية، مشيراً إلى استطلاعات الرأي التي تدل على تفاوت كبير بين نظرة الجمهوريين للبلاد ورأي الديمقراطيين فيها. وقال: «إذا كنت جمهورياً، فأنت تعتقد أن البلد في حالة رائعة. قد تكون لديك بعض الانتقادات لدونالد ترمب، لكنك تميل أكثر إلى الاعتقاد بأن البلاد تسير على ما يرام. أما إذا كنت ديمقراطياً تكره دونالد ترمب، وهي حال أغلبية الديمقراطيين، فإنك تعتقد أن البلاد كانت أفضل في عهد جو بايدن. هذه الأرقام هي صورة مصغرة عن وضع البلاد».
أما جاكوب لونغ، مستشار الحملات الانتخابية الديمقراطية، فانتقد تصريحات ترمب بأن «أميركا عادت»، مُشيراً إلى أن الحقائق لا تدعم هذا التصريح. وقال لونغ إن الولايات المتحدة تقف عند مفترق طرق، مشيراً إلى القلق الاقتصادي الهائل في الوقت الحالي الذي يعود سببه جزئياً إلى القرارات والسياسات التي اتخذها الرئيس الأميركي، على حد قوله. ويضيف: «أعتقد أن الناس يواجهون صراعاً حقيقياً مع بلد لا يرى الكثيرون أنفسهم جزءاً منه في الوقت الحالي، أو لا يشعرون فيه بالترحيب، ولا يشعرون أنه البلد الذي يعرفونه».

ويعزو كايسي بورغات، مدير برنامج الشؤون التشريعية في جامعة جورج واشنطن، سبب هذا الشعور إلى أن ترمب «لا يحاول حتى التظاهر بأنه يحاول أن يكون رئيساً لجميع الأميركيين»؛ لأن «كل كلمة ينطق بها، وكل تغريدة ينشرها، وكل إجراء يتخذه بصفته رئيساً، يصب في مصلحة فصيل واحد من الحزب الجمهوري وهو (ماغا)».
ويقول بورغات محذراً: «نحن في مرحلة مهمة مع الذكرى الـ250 لتأسيس بلدنا، حيث ننظر إلى مبادئنا التأسيسية وما يعنيه أن تكون أميركياً، وأن نتخلى عن تسمياتنا الحزبية ولو ليوم واحد أو لشهر واحد أو خلال الاحتفال الذي نقيمه. لكننا لا نستطيع فعل ذلك». وأشار بورغات إلى خطاب ترمب الذي افتتح فيه فعاليات الاحتفالات، وتحدّث فيه عن إنقاذ البلاد «ليس من عدو أجنبي أو من تهديد خارجي، بل من الداخل، من الطرف الآخر، أي الديمقراطيين، وأبناء الوطن الأميركيين أنفسهم». وأضاف: «هذا النوع من الرسائل ليس مفاجئاً؛ لأننا نشهده منذ أكثر من عقد من الزمن الآن. لكنه يتعارض مع المبادئ التأسيسية التي خُضنا هذه الثورة من أجلها، وهي حرية التعبير عن الذات، وأن مجرد اختلافنا في الرأي لا يجعلنا ضعفاء، بل أقوياء. هذه ليست الرسالة التي نسمعها من الرئيس أو من هذه الإدارة».
ويُوجّه أبدول أصابع اللوم إلى الديمقراطيين في هذا النهج، فيُذكّر بتاريخ البلاد، وينتقد معاملة الديمقراطيين للرئيس الجمهوري السابق جورج بوش، والمرشح الجمهوري السابق ميت رومني. ويسخر قائلاً: «فكرة أن دونالد ترمب هو سبب انحراف كل شيء وفساده مثيرة للعجب. أعتقد أن هذه رواية مريحة لكثير من الناس في اليسار»، واعتبر أبدول أن البلاد منقسمة منذ فترة طويلة، قبل عهد ترمب، مضيفاً: «إن آخر مرة شهدنا فيها وحدة على الصعيد الوطني كانت مباشرة بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، ولم نشهدها منذ ذلك الحين».
تململ جمهوري

لا تقتصر الانقسامات على مستوى الحزبين، بل تمتد لقاعدة الحزب الجمهوري. فرغم نفوذ ترمب القوي، فإن الاستطلاعات تُظهر تدهوراً مستمراً في شعبيته، وهو أمر يقلق الحزب الجمهوري خاصة في ظل السياسات التي يعتمدها الرئيس الأميركي والتي يعتبر البعض من الجمهوريين أنها تُقوّض الحزب. ويشير أبدول إلى حالة من الإحباط في صفوف الحزب؛ لأن ترمب يتّخذ قرارات لاسترضاء قاعدة «ماغا» الشعبية.
وقد طفت هذه الخلافات على السطح مع زيارة ترمب للكونغرس هذا الأسبوع، ومواجهته عدداً من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين الذين حاولوا تحديه لكنهم سرعان ما تراجعوا. ويقول أبدول إن «هناك خوفاً عاماً في كل من اليسار واليمين... واحتمال انتقاد رئيس الحزب ضئيل للغاية. لهذا السبب لم نرَ ذلك في عهد جو بايدن ولن نرى ذلك في عهد دونالد ترمب. لكن في حالة ترمب، فهو يتحلى بميزة انتقامية وهو مستعد لاستخدامها». لكن أبدول توقع أن يعمد بعض الجمهوريين إلى تحدي ترمب في الفترة المقبلة مع دخوله في فترة «البطة العرجاء» في حال خسر السيطرة على مجلسي الكونغرس في الانتخابات النصفية.
ويتفق لونغ مع هذا الطرح، فيقول إن «ترمب أصبح بشكل متزايد رجلاً يائساً ورئيساً عاجزاً يرى أن أهميته تتضاءل يوماً بعد يوم. صحيح أنه لا يزال يتمتع بنفوذ قوي على ناخبي الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، لكن هذا النفوذ آخذ في التقلص. وهؤلاء الأعضاء في الكونغرس لديهم فترة ولاية محددة، أي أنهم سيواصلون الخدمة لسنوات بعد انتهاء ولاية ترمب. وهم يعلمون أن رئاسته تنتهي في يناير (كانون الثاني) 2029. لذلك فإن أعضاء الكونغرس الجمهوريين سيضطرون إلى اتخاذ قرارات من أجل مستقبلهم السياسي؛ لأنهم يدركون أن مدة بقائهم في مناصبهم أطول من المدة التي لدى الرئيس حالياً».

ويعتبر لونغ أن الرئيس المقبل سيكون أمامه «عمل شاق» لإصلاح ما فعله ترمب في المؤسسات الأميركية، وإعادة الثقة المفقودة بين الأميركيين، مشيراً إلى أن هذه الإصلاحات ستتطلب وقتاً طويلاً وقدراً كبيراً من العمل لإعادة بناء البنية المادية لتشكيل هذه المؤسسات لتعمل لصالح الشعب مرة أخرى.
وهنا يحذر بورغات من المشهد الأميركي الحالي، واحتمال انهيار الديمقراطية الأميركية، فيقول: «إذا ما نظرنا إلى تاريخ الديمقراطيات التي فشلت قبلنا، نجد أن الفشل يحدث عندما تتوقف عن الاستثمار في المؤسسات، عندها تخسر الانتخابات وترفض الاعتراف بالنتيجة ونقل السلطة سلمياً. في الوقت الحالي، هذا ما يحصل. وما أخشاه الآن مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي هو التصريحات المستمرة بوجود غش، والدعوات المستمرة بعدم الثقة في النظام الانتخابي، وبضرورة الاستيلاء على أنظمة الانتخابات للحفاظ عليها. هذا أمر خطير. وسيزداد خطورة مع اقتراب انتخابات عام 2028، حيث ستكون المخاطر أعلى مما هي عليه الآن».




