بسبب جنرال متقاعد... بوركينا فاسو تقطع علاقاتها مع فرنسا

تتهمه بالوقوف خلف قرار البرلمان الأوروبي حول الحريات في البلد الأفريقي

رئيس المجلس العسكري الحاكم في النيجر الجنرال عبد الرحمن تياني (يساراً) وإبراهيم تراوري قائد بوركينا فاسو خلال قمة دول الساحل بالنيجر في يوليو 2024 (إ.ب.أ)
رئيس المجلس العسكري الحاكم في النيجر الجنرال عبد الرحمن تياني (يساراً) وإبراهيم تراوري قائد بوركينا فاسو خلال قمة دول الساحل بالنيجر في يوليو 2024 (إ.ب.أ)
TT

بسبب جنرال متقاعد... بوركينا فاسو تقطع علاقاتها مع فرنسا

رئيس المجلس العسكري الحاكم في النيجر الجنرال عبد الرحمن تياني (يساراً) وإبراهيم تراوري قائد بوركينا فاسو خلال قمة دول الساحل بالنيجر في يوليو 2024 (إ.ب.أ)
رئيس المجلس العسكري الحاكم في النيجر الجنرال عبد الرحمن تياني (يساراً) وإبراهيم تراوري قائد بوركينا فاسو خلال قمة دول الساحل بالنيجر في يوليو 2024 (إ.ب.أ)

أعلنت بوركينا فاسو قطع العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا، وحمّلتها مسؤولية قرار صوّت عليه البرلمان الأوروبي الأسبوع الماضي ينتقد ما سماه «حملات القمع» و«تدهور الحريات الأساسية» في البلد الذي يحكمه مجلس عسكري منذ 2022.

بوركينا فاسو احتجت على قرار البرلمان الأوروبي ووصفته بأنه تدخل سافر في شؤونها الداخلية، خلال استدعاء وزير خارجيتها رئيسَ بعثة الاتحاد الأوروبي المعتمد لدى البلاد فيليب برونشين، قبل أن تقرر قطع العلاقات مع فرنسا بأثر فوري.

رئيس بوركينا فاسو إبراهيم تراوري خلال زيارة للعاصمة الروسية موسكو يوم 10 مايو 2025 (أ.ب)

جاء الإعلان في بيان قرأه وزير الاتصال بينغدويندي جيلبرت ويدراوغو عبر التلفزيون الحكومي، وبرره بأن «الشروط الأساسية لتعزيز علاقات قائمة على الاحترام المتبادل، والثقة المتبادلة، واحترام مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية والسيادة الوطنية، لم تعد متوفرة»، مشيراً إلى أن القرار جاء بعد «تقييم شامل للوضع الراهن للعلاقات الثنائية بين بوركينا فاسو وفرنسا».

واتهمت بوركينا فاسو فرنسا بالتورط فيما سمته «النشاط العدائي المستمر ضد مصالح بوركينا فاسو، وطموحاته النيوكولونيالية (الاستعمارية الجديدة)»، كما جددت اتهام باريس بدعم «شبكات التخريب والإرهاب» النشطة في منطقة الساحل. وأكدت بوركينا فاسو أن «هذا القرار لا يمس بأي حال من الأحوال الروابط التاريخية، والإنسانية، والثقافية، والاجتماعية التي تجمع بين الشعبين البوركينابي والفرنسي»، مشيرة إلى أنه يستهدف «حصرياً الإطار المؤسساتي للعلاقات بين الدولتين على الصعيد الدبلوماسي».

دورية لعناصر من الجيش المالي بالعاصمة باماكو في أغسطس 2020 (أ.ب)

رد فرنسا

وفي أول تعليق رسمي فرنسي على القرار، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية، باسكال كونفافرو، في بيان إن بلاده تأسف لهذا «القرار العدائي وغير المبرر، والذي يوضح الانحراف المقلق للسلطات البوركينابية». وأضاف: «إن الإجراءات المتبادلة اللازمة قيد المراجعة والدراسة حالياً». وأشار كونفافرو إلى أن فرنسا تراقب سلامة موظفي الحكومة الفرنسية والمواطنين في بوركينا فاسو، وحثهم على توخي أقصى درجات الحيطة والحذر.

وكانت فرنسا الشريك الأمني الأكبر لبوركينا فاسو حتى وقوع انقلاب عام 2022؛ إذ قام المجلس العسكري بعد ذلك بطرد مئات الجنود الفرنسيين الذين أُرسلوا لمحاربة الجماعات المتطرفة، وتشير وزارة الخارجية الفرنسية إلى وجود أكثر من 2000 فرنسي مسجلين في السجل القنصلي في بوركينا فاسو، في حين يعيش أكثر من 6000 مواطن بوركينابي في فرنسا.

السبب المباشر

وتدهورت العلاقات بين فرنسا وبوركينا فاسو بشكل كبير بعد انقلاب 2022، وفي عام 2023 طالبت بوركينا فاسو باستدعاء السفير الفرنسي في واغادوغو، لوك هيلاد، وألغت اتفاقية عسكرية مع باريس، متمكنة من إنهاء وجود الجيش الفرنسي، الذي شارك لفترة طويلة في محاربة الإرهاب.

صورة جماعية لقادة دول «إيكواس» خلال قمتهم في أبوجا بنيجيريا يوم 15 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

وكان إبراهيم تراوري، الضابط الذي يحكم بوركينا فاسو، قد صرح في وقت سابق بأنه «لا يوجد قطع للعلاقات الدبلوماسية». علاوة على ذلك، تم تعليق عمل العديد من وسائل الإعلام الأجنبية، ومعظمها فرنسية، بشكل مؤقت أو نهائي، مثل «جون أفريك»، وقنوات «إل سي إي»، و«فرانس 24»، و«تي في 5 موند»، وإذاعة فرنسا الدولية. كما طُرِدت من بوركينا فاسو مراسِلات صحيفتَي «ليبيراسيون» و«لوموند». إلا أن كل هذه التراكمات كانت تحتاج إلى ما سماه مدير الأخبار في تلفزيون بوركينا فاسو الحومي باسكال كانيه «القشة التي قصمت ظهر البعير»، وهي ما اعتبره قرار البرلمان الأوروبي الأخير، والدور الفرنسي المحوري في التصويت عليه واعتماده.

الرئيس الغاني جون ماهاما لدى زيارته أحد مواطنيه المصابين في الهجوم الذي شنه متشددون بشمال بوركينا فاسو الأسبوع الماضي (رويترز)

كانيه قرأ افتتاحية على التلفزيون الرسمي، ليل الجمعة/السبت، كانت تحت عنوان «وكان لا بد لما كان متوقعاً أن يحدث»، كشف فيها عن السبب المباشر لقرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا، مشيراً إلى أن «هذه الخطوة ليست رد فعل اندفاعياً، بل هي نتاج تحليل واعٍ وصارم للانحرافات في علاقة ثنائية أصبحت سامة إلى أبعد الحدود».

وقال كانيه إن «بوركينا فاسو لن تكتفي بعد الآن بالخنوع في صمت أمام تحركات النظام الفرنسي، ومحاولات ضغطه، ومواقفه المتعجرفة والاستعمارية الجديدة»، مشيراً إلى أن بيان الحكومة «وإن لم يذكر ذلك صراحة، فإن القشة التي قصمت ظهر البعير هي بلا شك القرار الأخير الصادر عن البرلمان الأوروبي، والذي أوعز به جنرال فرنسي أصبح نائباً برلمانياً».

ويشير هُنا إلى الجنرال الفرنسي المتقاعد كريستوف غومارت، الذي أصبح نائباً في البرلمان الأوروبي عن حزب الشعب الأوروبي، وينتمي سياسياً إلى حزب «الجمهوريون» اليميني الفرنسي، ويشغل منصب نائب رئيس لجنة الأمن والدفاع في البرلمان الأوروبي، وسبق أن كان مدير الاستخبارات العسكرية الفرنسية، وهو معروف بمواقفه المتشددة تجاه الأنظمة العسكرية في منطقة الساحل.

غضب واغادوغو

قبل صدور قرار قطع العلاقات مع فرنسا، وجّهت حكومة بوركينا فاسو (الخميس) مذكرة إلى بعثة الاتحاد الأوروبي في واغادوغو، تطلب فيها من البرلمان الأوروبي «السحب الفوري» للقرار الذي صوّت عليه حول وضع الحريات في البلاد، مبررة ذلك بأنه مبني على «تقرير مجتزأ ومغرض وعارٍ من الصحة ومجافٍ للحقيقة بشكل متعمد».

وقالت بوركينا فاسو في المذكرة: «في حال عدم الاستجابة لهذا الطلب، فإن البرلمان الأوروبي سيتحمل المسؤولية الكاملة عن التدهور الطويل الأمد الذي سيلحق بالتعاون بين بوركينا فاسو ومؤسسات المفوضية الأوروبية».

ماليون يدعمون الانقلاب في باماكو عام 2020 (أ.ب)

وكان البرلمان الأوروبي قد صوت الأسبوع الماضي بأغلبية ساحقة على قرار ينتقد حل سلطات بوركينا فاسو الأحزاب السياسية، وتعليق نشاط مئات منظمات المجتمع المدني، وجاء في القرار أن «حرية الصحافة مهددة بشكل خطير» في بوركينا فاسو، داعياً إلى «رفع القيود المفروضة على وسائل الإعلام والسماح للصحافيين بالعمل بحرية».

وطالب النواب الأوروبيون بإجراء «تحقيقات مستقلة في جميع المزاعم المتعلقة بالجرائم وانتهاكات حقوق الإنسان»، وأكدوا أن «مكافحة الإرهاب يجب أن تُجرى في ظل الاحترام الكامل للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني»، معربين عن «قلق بالغ إزاء النفوذ الروسي في بوركينا فاسو منذ طرد القوات الأوروبية».

وبعد هذا القرار استدعت حكومة بوركينا فاسو رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي وأبلغته الاستياء من القرار، معتبرة أنه مبني على «معلومات مغلوطة» و«جهل بالجهود» التي تبذلها البلاد في مجال مكافحة الإرهاب.

وحمّلت بوركينا فاسو المسؤولية للنائب الفرنسي كريستوف غومارت، معتبرة أن حديثه عن بلد لم يزره وتقديمه أرقاماً حوله «يعدان بمنزلة تدنيس لقدسية البرلمان الأوروبي بإلقاء خطاب يحمل نزعة استعمارية جديدة».


مقالات ذات صلة

مقتل أكثر من 50 عنصراً من قوات الأمن في النيجر بهجومين

أفريقيا جنود من النيجر (رويترز - أرشيفية)

مقتل أكثر من 50 عنصراً من قوات الأمن في النيجر بهجومين

قال مصدران أمنيان إن أكثر من 50 فرداً من قوات الأمن في النيجر لقوا حتفهم في هجومين وقعا في غرب الدولة الواقعة بمنطقة الساحل.

«الشرق الأوسط» (داكار)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أكد أن قرار حل حزب «العمال الكردستاني» علامة فارقة في طريق «تركيا خالية من الإرهاب» (الرئاسة التركية)

إردوغان: قرار حل «الكردستاني» علامة فارقة للسلام في تركيا

أكد الرئيس رجب طيب إردوغان أن معيار تركيا ليس الهوية العرقية؛ بل الإرهاب والعنف والتهديدات لأمنها القومي، وأن الأكراد إخوة للأتراك وعاشوا معاً ألف عام.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي طوابير لسوريين في مطار حلب الدولي (هيئة الطيران المدني)

آلاف السوريين يواجهون تبعات قانونية وقضائية معقدة

لا تزال التهم القضائية الصادرة بحق آلاف السوريين خلال فترة حكم النظام البائد، تطارد الناشطين والسياسيين الذين يكتشفون وجود أحكام غيابية لا تزال سارية بحقهم.

منصور حسين (دمشق)
أفريقيا عناصر أمن في أبوجا عاصمة نيجيريا 12 يونيو الماضي (رويترز)

مقتل 5 أشخاص بهجوم إرهابي في نيجيريا

مقتل 5 أشخاص في هجوم إرهابي في نيجيريا والجيش يحبط هجوما لبوكو حرام ويعتقل 4 إرهابيين.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يتحدث خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

الشرع: سوريا باشرت «رحلة التعافي والنهوض» إيذاناً بنهاية 47 عاماً من العزلة

قال الشرع إنه «في رحلة الصراع السورية بين الخير والشر، وضعت الحرب أوزارها وتوقف نزيف الدم، وتوقف الهدم والدمار، وبدأت سوريا رحلة التعافي والنهوض».

علي بردى (نيويورك)

إريتريا لا تستبعد حرباً مع إثيوبيا

أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

إريتريا لا تستبعد حرباً مع إثيوبيا

أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)

أفاد المستشار الإعلامي لسفارة إريتريا في القاهرة، حبيب محمد عثمان، أمس، بأن بلاده لا تستبعد حرباً مع إثيوبيا. وعن اتهامات إثيوبيا لإريتريا بزعزعة استقرارها، قال عثمان لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما تقوله أديس أبابا حالياً ادعاءات غير مقبولة ولا يقبلها الواقع، لأن إريتريا لم تعلن أنها تريد أن تغزو إثيوبيا، أو أي إقليم من الأقاليم الإثيوبية، أو تهديد أديس أبابا، وإنما العكس هو الموجود».

وجاءت هذه التصريحات تزامناً مع إعلان قوات موالية للحكومة الإثيوبية السيطرة على بلدة ألاماتا الاستراتيجية في إقليم تيغراي، شمال البلاد، في تطور ميداني قد يغيّر موازين القوى.

ويتزامن التقدم العسكري مع اتساع رقعة القتال إلى إقليمي عفر وأمهرة المجاورَين، وسط اتهامات متبادلة بالتدخل الخارجي ومخاوف من انهيار اتفاق السلام الذي أنهى حرباً أهلية دامية قبل أقل من أربع سنوات.


مقتل أكثر من 50 عنصراً من قوات الأمن في النيجر بهجومين

جنود من النيجر (رويترز - أرشيفية)
جنود من النيجر (رويترز - أرشيفية)
TT

مقتل أكثر من 50 عنصراً من قوات الأمن في النيجر بهجومين

جنود من النيجر (رويترز - أرشيفية)
جنود من النيجر (رويترز - أرشيفية)

قال مصدران أمنيان إن أكثر من 50 فرداً من قوات الأمن في النيجر لقوا حتفهم في هجومين وقعا في غرب الدولة الواقعة بمنطقة الساحل، حيث ينشط متشددون، من بينهم أعضاء في الفرع الإقليمي لتنظيم «داعش»، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأفاد المصدران بأن قافلة تابعة للدرك تعرضت لكمين بالقرب من بلدة أبالا-فيلينجي يوم الأربعاء الماضي. وأضافا أن هجوماً منفصلاً وقع في بيرني-نكوني أودى بحياة أكثر من 30 جندياً يوم السبت. وأشارا إلى أن الهجومين نفّذهما إرهابيون، دون الخوض في التفاصيل.

وقالت مجموعة «سايت إنتليجنس غروب»، اليوم (الاثنين)، إن الفرع التابع لتنظيم «داعش» في غرب أفريقيا، والمعروف باسم «تنظيم داعش - ولاية الساحل»، أصدر أمس (الأحد) بيانين أعلن فيهما مسؤوليته عن الهجومين.

وهاجم التنظيم المطار المدني وقاعدة جوية عسكرية في العاصمة نيامي في يناير (كانون الثاني)، ما يسلط الضوء على عدم إحراز الحكومة تقدماً يُذكر في مواجهة الجماعات المتمردة. ويقود الجيش الحكومة التي استولت على السلطة في انقلاب 2023.

وهاجم جنود متمردون في النيجر المطار ومقر الرئاسة في الشهر الماضي، ما أدى إلى اندلاع مواجهة مع القوات الموالية للحكومة التي كانت مدعومة بقوات من «فيلق أفريقيا»، وهي قوة شبه عسكرية يسيطر عليها الكرملين.

ويقول محللون ومصادر أمنية إن الإحباط يتزايد داخل وحدات الجيش في الخطوط الأمامية بعد الخسائر المتكررة أمام المتمردين، لا سيما في غرب النيجر.


الجيش الإثيوبي يعلن السيطرة على بلدة ألاماتا الاستراتيجية في تيغراي

أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

الجيش الإثيوبي يعلن السيطرة على بلدة ألاماتا الاستراتيجية في تيغراي

أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)

أعلنت قوات موالية للحكومة الإثيوبية، يوم الاثنين، السيطرة على بلدة ألاماتا الاستراتيجية في إقليم تيغراي، شمال البلاد، في تطور ميداني قد يغيّر موازين القوى مع تجدّد المواجهات بين الجيش الاتحادي و«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي». ويتزامن التقدم العسكري مع اتساع رقعة القتال إلى إقليمَي عفر وأمهرة المجاورَين، وسط اتهامات متبادلة بالتدخل الخارجي ومخاوف من انهيار اتفاق السلام الذي أنهى حرباً أهلية دامية قبل أقل من أربع سنوات.

ألاماتا في قبضة القوات الموالية للحكومة

قالت «قوة سلام تيغراي»، وهي جماعة مسلحة موالية للحكومة الإثيوبية، يوم الاثنين، إن الجيش الاتحادي والقوات المتحالفة معه تمكنوا من السيطرة على بلدة ألاماتا، الواقعة جنوب عاصمة الإقليم ميكيلي بنحو 120 كيلومتراً، بعد هجوم شنّته قوات المعارضة الأسبوع الماضي.

ونشرت الجماعة مقطعاً مصوراً عبر صفحتها على «فيسبوك» يُظهر جنوداً يسيرون في شوارع البلدة ويلوّحون بالأعلام الإثيوبية. وأكد مصدران دبلوماسيان السيطرة على البلدة، في حين قال مصدر ثالث إن القوات الموالية للحكومة دخلتها، دون أن يتضح ما إذا كانت قد أحكمت سيطرتها عليها بالكامل، وفق ما ذكرت وكالة «رويترز».

وتكتسب ألاماتا أهمية استراتيجية باعتبارها مركزاً رئيسياً لإمداد القوات بالغذاء والوقود، فضلاً عن موقعها بالقرب من الحدود الجنوبية لتيغراي مع إقليم أمهرة. ومن شأن السيطرة عليها أن تتيح للقوات الاتحادية تعزيز تقدمها شمالاً باتجاه ميكيلي، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى احتواء الهجوم الذي تشنه قوات «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي».

هجوم المعارضة يمتد إلى عفر وأمهرة

دبابة عسكرية إريترية متضررة بالقرب من بلدة ويكرو شمال إثيوبيا (أرشيفية - رويترز)

وكانت قوات «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» قد أطلقت هجوماً واسعاً يوم الأربعاء الماضي، تمكنت خلاله من السيطرة على مطار ميكيلي ومطارَين آخرَين، قبل أن تتقدم باتجاه إقليمَي عفر وأمهرة المجاورَين، معلنة أن عملياتها تأتي في إطار ما وصفته بـ«حرب دفاعية» ضد الحكومة الاتحادية برئاسة آبي أحمد.

وأفاد مصدر بأن مقاتلي «الجبهة» سيطروا يوم الأحد على بلدة إريبتي في إقليم عفر، بالقرب من حدود تيغراي، وأنهم يتقدمون باتجاه بلدة أفديرا، الواقعة على مسافة نحو 100 كيلومتر إلى الشرق. وقدّر المصدر عدد النازحين في عفر بنحو 150 ألف شخص، مشيراً إلى صعوبة تحديد حصيلة دقيقة في ظل استمرار المعارك.

وتكتسب جبهة عفر أهمية حيوية لإثيوبيا، إذ يهدف التقدم العسكري فيها، وفق تقديرات ميدانية، إلى تهديد خطوط الإمداد القادمة من جيبوتي، التي تمر عبرها غالبية الواردات الإثيوبية، بما في ذلك الوقود والسلع الأساسية.

وكانت سبع جماعات معارضة للحكومة الاتحادية، من بينها «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» وميليشيات «فانو» في أمهرة و«جيش تحرير أورومو»، قد أعلنت تشكيل تحالف جديد يهدف إلى الإطاحة بحكومة آبي أحمد. وتوعّد التحالف بشن «هجمات مضادة واسعة النطاق»، رداً على العمليات العسكرية للقوات الاتحادية.

وكانت الجبهة قد أعلنت تشكيل التحالف قبل ثلاثة أيام من بدء هجومها الأخير، في خطوة تعكس اتساع نطاق التنسيق بين الجماعات المسلحة المعارضة للحكومة في مناطق مختلفة من البلاد.

استهداف التلفزيون العام

المبنى الذي يضم قناة «تيغراي تي في» وقد بدت عليه أضرار ناجمة عن ضربة بطائرة مسيّرة في ميكيلي 27 سبتمبر (أ.ف.ب)

وفي موازاة التطورات العسكرية، تعرّض مبنى تلفزيون تيغراي، المنبر الإعلامي الرئيسي لسلطات الإقليم، لضربة بطائرة مسيّرة صباح الأحد في العاصمة ميكيلي، ما ألحق أضراراً بواجهته، وأدى إلى تعليق البث المباشر للقناة، التي يعمل فيها أكثر من 400 صحافي، وفق ما أفاد به مراسلون في المحطة «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال أحد المراسلين إن العاملين سمعوا انفجاراً قوياً ناجماً عن غارة بطائرة مسيّرة في موقع آخر، فغادروا المبنى، قبل أن يتعرض التلفزيون للقصف بعد مغادرتهم. ولم يصدر تعليق رسمي يحدد الجهة المسؤولة عن الهجوم.

ويأتي استهداف المحطة بعد إعلان السلطات الاتحادية الإثيوبية، يوم الاثنين الماضي، تعليق عمل «تيغراي تي في» ومنع وسائل الإعلام من نقل أخبارها، في وقت تتصاعد فيه المواجهات بين الجانبين.

كما شهدت مناطق في شمال إثيوبيا، منذ الجمعة، انقطاعاً في خدمات الهاتف والإنترنت، ما صعّب الحصول على معلومات مستقلة بشأن التطورات الميدانية وحجم الخسائر. وأشارت منظمة «نت بلوكس»، المعنية برصد انقطاعات الإنترنت، إلى حدوث اضطراب واسع في الاتصال بالشبكة في شمال البلاد، بالتزامن مع تقارير عن انقطاع الاتصالات في تيغراي.

وأثار ذلك مخاوف السكان من تكرار ظروف الحرب السابقة، حين فرضت الحكومة الاتحادية حصاراً على الإقليم، وانقطعت الكهرباء والخدمات المصرفية، وتراجعت قدرة المساعدات الإنسانية على الوصول إلى السكان.

اتهامات متبادلة بالتدخل الخارجي

مقاتلون من «جبهة تحرير تيغراي» التي خاضت حرباً أهلية ضد الحكومة الفيدرالية (أرشيفية - أ.ف.ب)

ومع اتساع المواجهات، تصاعدت الاتهامات بشأن دور دول الجوار في دعم أطراف النزاع. واتهم قائد الجيش الإثيوبي، المشير برهانو جولا، إريتريا والسودان ومصر بتقديم الدعم العسكري واللوجستي إلى قوات المعارضة، قائلاً إن بلاده تواجه مجموعات «منظمة ومتحالفة لخدمة مصالح قوى خارجية».

وفي تصريحات بثتها وسائل إعلام تابعة للجيش، قال جولا إن إريتريا، التي وصفها باسمها المحلي «شابيّا»، و«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي»، لا تستطيعان تحقيق أهدافهما بمفردهما، حتى في حال تحالفهما، من دون دعم وإمدادات من قوى خارجية أخرى.

ورفض الجيش السوداني الاتهامات الإثيوبية، ووصفها بأنها «لا أساس لها من الصحة»، مؤكداً في بيان أن القوات المسلحة السودانية ملتزمة بالقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، فيما نفت إريتريا في تصريحات سابقة دعم قوات المعارضة الإثيوبية.

وتأتي هذه الاتهامات في ظل توتر متصاعد بين أديس أبابا والخرطوم، إذ تتهم السلطات السودانية إثيوبيا بمساعدة «قوات الدعم السريع» التي تخوض حرباً ضد الجيش السوداني منذ أبريل (نيسان) 2023، وبالسماح بتنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة انطلاقاً من أراضيها، لكن إثيوبيا تنفي هذه الاتهامات.

وكانت إثيوبيا قد اتهمت، في مايو (أيار) الماضي، الجيش السوداني بدعم مقاتلين مرتبطين بـ«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي»، وهو ما نفته الخرطوم، في مؤشر على اتساع دائرة الخلافات الأمنية بين البلدين.

«اتفاق بريتوريا» أمام اختبار جديد

أشخاص يسيرون في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي وسط تصاعد القتال مع الحكومة المركزية يوم 24 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ويهدد تجدد القتال اتفاق السلام الذي وُقّع في بريتوريا بجنوب أفريقيا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وأنهى حرباً أهلية استمرت من عام 2020 إلى عام 2022 بين الحكومة الاتحادية و«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي». وأسفرت الحرب، وفق تقديرات الاتحاد الأفريقي، عن مقتل ما لا يقل عن 600 ألف شخص، فضلاً عن نزوح أعداد كبيرة من السكان وتدمير واسع للبنية التحتية.

وتعود جذور الصراع إلى انهيار العلاقات بين «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» ورئيس الوزراء آبي أحمد، الذي تولى السلطة عام 2018، منهياً عقوداً من هيمنة الجبهة على المشهد السياسي الإثيوبي، بعدما كانت قد تولت الحكم عام 1991.

وعلى الرغم من أن اتفاق بريتوريا أوقف العمليات العسكرية الواسعة وأرسى هدوءاً حذراً، فإن الجانبين تبادلا خلال الأشهر الماضية الاتهامات بانتهاكه. وتجددت الاشتباكات في أواخر عام 2025، مع تنفيذ القوات الاتحادية غارات بطائرات مسيّرة على إقليم تيغراي وحشد قواتها على حدود الإقليم، فيما اتهمت منظمات حقوقية الجبهة بتنفيذ حملات تجنيد قسري خلال العام الحالي استعداداً لاستئناف القتال.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الخلافات السياسية والعسكرية التي لم تُحسم بموجب اتفاق السلام لا تزال تشكّل مصدر تهديد للاستقرار في إثيوبيا، خصوصاً مع اتساع التحالفات المسلحة المعارضة للحكومة وتزايد الاتهامات بالتدخل الخارجي.

مخاوف من اتساع الصراع في القرن الأفريقي

دبابة «تي 72» مدمَّرة على جانب الطريق خلال الاشتباكات بين الجيش الإثيوبي و«جبهة تحرير تيغراي» (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويثير تجدد الحرب مخاوف من امتداد المواجهات إلى نطاق إقليمي أوسع، في منطقة تعاني بالفعل من تداعيات الحرب المستمرة في السودان، والتوترات المرتبطة بالبحر الأحمر، والصراعات في الشرق الأوسط.

وتكتسب العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا أهمية خاصة في هذا السياق، في ظل التوترات المرتبطة بمساعي إثيوبيا إلى الحصول على منفذ مباشر إلى البحر الأحمر، وهو ما يثير مخاوف إريترية من تداعيات أي تحرك إثيوبي بالقوة لتحقيق هذا الهدف.

ورغم التفوق العسكري الذي تتمتع به القوات الاتحادية، وما تتلقاه الحكومة الإثيوبية من دعم خارجي، فإن اتساع رقعة المواجهات وتعدد الجماعات المسلحة المنخرطة فيها قد يعقّدان جهود احتواء الصراع، ويزيدان الضغوط الإنسانية والأمنية على المناطق المتاخمة لإقليم تيغراي.

وفي ظل استمرار انقطاع الاتصالات وتضارب المعلومات بشأن السيطرة على بعض المناطق، تبقى التطورات الميدانية مرشحة لمزيد من التغير، فيما يواجه اتفاق السلام اختباراً جديداً قد تكون له تداعيات تتجاوز حدود إثيوبيا إلى منطقة القرن الأفريقي بأكملها.