يجد الليبيون أنفسهم أمام تعدد مبادرات متنافسة تطرحها أطراف دولية ومحلية، يروج كل منها لامتلاك مفتاح الحل، لكن مراقبين يرون أن تعددها لا يقود إلى انفراجة، بل ينذر بإطالة أمد الأزمة وتعميق الانقسام السياسي.
وبحسب هؤلاء المراقبين، فقد تحوَّلت المبادرات من طروحات سياسية لإنقاذ البلاد إلى أدوات لإعادة توزيع النفوذ، وتثبيت موازين القوى بين الأطراف المتصدرة للمشهد، سواء للحفاظ على مواقعها أو لانتزاع مكاسب سياسية أكبر، «بما يجعل الوصول إلى توافق حقيقي أكثر صعوبة».

وتتصدَّر المشهد حالياً مبادرة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، التي أثارت جدلاً واسعاً، وهي تقوم على تقارب مباشر بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها. وفي المقابل، تواصل البعثة الأممية لدى ليبيا الدفع بآلية «الاجتماع المُصغَّر»، أو لجنة «4 + 4»، للتوافق حول الإطار القانوني للانتخابات، بينما أعلن رؤساء مجالس النواب عقيلة صالح، و«الرئاسي» محمد المنفي، و«الأعلى للدولة» محمد تكالة، خريطة طريق يقولون إنَّها تستهدف إنهاء المرحلة التمهيدية، وإجراء انتخابات قبل فبراير (شباط) المقبل.
إزاء هذا التزاحم في المبادرات، لم يخفِ عضو مجلس النواب الليبي محمد حنيش قلقه، وعدَّ كثرتها «خلطاً للأوراق وتعطيلاً للحل».

وانتقد حنيش في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، ما وصفها بـ«ضبابية المبادرات المطروحة». وقال إن «ما يرشح منها إعلامياً يقتصر غالباً على أسماء مَن سيتقاسمون السلطة؛ بينما لم تعرض تفاصيلها على المؤسسات الليبية، وفي مقدمتها البرلمان، لتقييم قدرتها على إنهاء الانقسام أو تعميقه».
وتعيش ليبيا حالة انقسام سياسي بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة مكلفة من البرلمان بقيادة أسامة حماد، تدير الشرق وبعض مناطق الجنوب، وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

وبخصوص لجنة «4 + 4»، يرى حنيش أنَّها «تقترب بدرجة ما من أهداف مبادرة بولس، وقد تمهِّد أيضاً لترتيبات قائمة على تقاسم السلطة بين الشرق والغرب»، مشيراً إلى أن «خريطة رؤساء المجالس الثلاثة لم تحظَ بدعم محلي ولا بدعم أممي ودولي كبير؛ مما يُشكِّك في استمراريتها».
وتضم لجنة «4 + 4» المُشكَّلة من قبل البعثة، 8 أعضاء مناصفة بين ممثلين عن شرق ليبيا وغربها.
وبحسب حنيش، فإنَّ غالبية المبادرات المطروحة حالياً «تتجاهل المسار» الذي يعدّه الحل الأمثل للأزمة، والمتمثل في الاستفتاء على مشروع الدستور المنجز منذ عام 2017، عادّاً أنه «يُمكِّن الليبيين فعلياً من اختيار مَن يحكم بالمستقبل».

بدوره، عدّ عضو المجلس الأعلى للدولة، علي السويح، أن «كثرة المبادرات المعبرة عن مصالح أطراف بعينها تجعل المشهد أكثر تعقيداً».
وأبدى السويح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، استغرابه من صمت البعثة الأممية إزاء هذا التنافس، عادّاً أنَّها مطالَبة بتقييم أي «مبادرة وفق مصلحة الشعب الليبي، لا سيما بعد سنوات طويلة من تعثر جهودها».
وانضم السويح لأصوات سياسية تحذِّر من «فرض أي مبادرة تقوم على تقاسم السلطة بين القوى النافذة في الشرق والغرب»، عادّاً أنَّ ذلك قد يثير معارضةً واسعةً، وربما يقود إلى توترات أمنية.
ووفقاً للمُتدَاول حول مبادرة بولس، يحتفظ الدبيبة بموقعه رئيساً للحكومة، بينما يتولى صدام حفتر نائب القيادة العامة بـ«الجيش الوطني» رئاسة مجلس رئاسي جديد، بديلاً عن المنفي.
وتتباين المواقف بشأن هذه المبادرة الأميركية؛ إذ يرى مؤيدوها أنَّها «قد تسهم في توحيد البلاد»، مستفيدة من ثقل واشنطن، بينما يعدّها معارضوها «مجرد صفقة جديدة لتقاسم السلطة بين القوى الفاعلة بالبلاد قد تؤجل الانتخابات بدلاً من تمهيد الطريق إليها».
وانتقد السويح «غياب الاهتمام في مختلف المبادرات المطروحة بالقضايا المعيشية، والأوضاع الاقتصادية، مثل تراجع قيمة العملة المحلية، وإهدار الثروة الوطنية، والفساد، وملفي التهريب والهجرة غير النظامية». وعدّ أنَّ هذا التجاهل يؤكد أن «المواطن الليبي لا يزال الحلقة الأضعف، حيث توظِّف الأطراف المحلية تلك المبادرات لتعزيز مواقعها، وتتعامل معها قوى خارجية بوصفها مدخلاً لحماية مصالحها في بلد نفطي استراتيجي».
أما المحلل السياسي صلاح البكوش، فيرى أن ما يتردد بشأن مبادرة بولس يعزِّز الانطباع بأنها «صفقة لتقاسم السلطة بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها»، على غرار تجارب سابقة وصفها بـ«الفاشلة»، مثل «اتفاقي الصخيرات عام 2015 وجنيف عام 2021».
ورغم تأكيده أنَّ البعثة الأممية تسعى رسمياً إلى مسار انتخابي، فإنَّ البكوش يرى أن «القوى الفاعلة عمدت بشكل منفرد إلى توظيف لجنة (4 + 4) بما يخدم تطبيق مبادرة بولس».
من جهته، عدّ عضو مجلس النواب الليبي، صالح إفحيمة، في إدراج له أن «أي مبادرة قد تُمثِّل خطوةً إيجابيةً إذا أسهمت في تقريب وجهات النظر، لكن نجاحها يبقى مرهوناً باحترام إرادة الليبيين، وعدم تحولها إلى بديل عن الاستحقاق الانتخابي».






