تشديد العقوبات لا يوقف معارك الأطباء وذوي المرضى في مصر

حوادث متكررة رغم إقرار «المسؤولية الطبية»

اعتداءات متكررة على الأطباء في مصر (وزارة الصحة المصرية)
اعتداءات متكررة على الأطباء في مصر (وزارة الصحة المصرية)
TT

تشديد العقوبات لا يوقف معارك الأطباء وذوي المرضى في مصر

اعتداءات متكررة على الأطباء في مصر (وزارة الصحة المصرية)
اعتداءات متكررة على الأطباء في مصر (وزارة الصحة المصرية)

على الرغم من تشديد عقوبات الاعتداء على الأطباء أثناء تأدية عملهم في مصر، مع دخول قانون «المسؤولية الطبية» حيز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، فإن معارك الأطباء وذوي المرضى لم تتوقف، وهو ما أرجعه عضو بمجلس «نقابة الأطباء» إلى «ضعف منظومة التأمين الخاصة بالهيئات الطبية».

وصدمت طبيبة أسنان بمحافظة القليوبية (شرق النيل) رواد مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن وثقت الاعتداء عليها وضربها باستخدام آلة حديدية، ما أسفر عن إصابتها بكسر مضاعف في اليد والكتف، إلى جانب جروح في الرقبة والرأس والظهر، فضلاً عن وقوع تلفيات داخل المركز الطبي، وفقاً لفيديو بثته الأربعاء على صفحتها بموقع «فيسبوك»، وسط تعاطف كبير معها.

وحسب رواية والد المعتدى عليها، فإن الأزمة نشبت بعد أن رفضت الطبيبة طلباً من المريضة باستعادة ضرسها المخلوع من وعاء النفايات الطبية؛ وفقاً للوائح الصارمة المتبعة لمنع انتقال العدوى الفيروسية، مشيراً إلى أن ابنته فوجئت بعدها باقتحام والد الفتاة وبرفقته 5 أشخاص للعيادة، وانهالوا عليها بالضرب المبرح باستخدام أدوات حديدية ومقص، حسبما نشرت صحف محلية.

وظهرت رواية مغايرة من شقيقة الفتاة المتهمة بالاعتداء على الطبيبة، مشيرة إلى أن المريضة شعرت بدوخة شديدة عقب خلع الضرس، وأن الطبيبة انتقدت تصرفها بحدة، وطلبت منها المغادرة، ووجهت إليها عبارات مسيئة، وأن الشجار تصاعد وتطور إلى اعتداءات متبادلة وإصابات بين الطرفين عقب محاولتها تصوير الواقعة بجوالها.

نائبة وزير الصحة المصري في زيارة لإحدى الوحدات الصحية (وزارة الصحة المصرية)

لكن بعدما أخذت الواقعة في الانتشار عبر منصات التواصل الاجتماعي، تدخلت وزارة الصحة المصرية، وقالت إنها تابعت ما جرى تداوله، مؤكدةً «أن قانون تنظيم المسؤولية الطبية وسلامة المريض، يوفر إطاراً تشريعياً واضحاً لحماية مقدمي الخدمات الصحية أثناء أداء واجبهم، مع عقوبات رادعة على أي اعتداء يستهدف الأطقم الطبية أو العاملين بالقطاع الصحي».

وألقت الأجهزة الأمنية بمحافظة القليوبية القبض على 4 أشخاص، بالإضافة إلى شقيق طبيبة الأسنان على خلفية تبادل الاتهامات، وإحداث تلفيات بالغة بالمركز الطبي.

عقوبات متدرجة

وتتدرج العقوبات في قانون «المسؤولية الطبية»، وتبدأ بالحبس لمدة سنة وغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه، ولا تزيد على 200 ألف جنيه (الدولار يساوي 50 جنيهاً تقريباً)، أو بإحدى هاتين العقوبتين على كل من تعدى على أحد مقدمي الخدمة أثناء تأديتها أو بسببها، وتصل العقوبة إلى الحبس خمس سنوات، وغرامة 200 ألف جنيه إذا ترتب على التعدي الإيذاء البدني بالنسبة للشخص الطبيعي، أو الإتلاف بالنسبة للشخص الاعتباري.

وينظم قانون «المسؤولية الطبية» العلاقة بين الطبيب والمريض، سواء فيما يتعلق بمسؤولية الطبيب عن المضاعفات التي قد يتعرض لها المريض، أو بالتعدي على الأطباء والمنشآت الطبية.

عضو مجلس «نقابة الأطباء» الدكتور أحمد الهواري، يرى أن حداثة القانون، وعدم دراية عوام المواطنين به «يدفعان نحو استمرار الاعتداءات على الأطباء رغم تشديد العقوبات، هذا بالإضافة إلى أن المستشفيات والمنشآت الصحية ما زالت تعتمد في التأمين على شركات الأمن الخاصة، وهي لديها أشخاص ليسوا مؤهلين للتعامل بحرفية مع حالات الاعتداء أو منع وقوعها، إلى جانب توافد أعداد كثيرة من المرافقين مع المريض حال نشوب مشاجرات أو خلافات».

وكذلك، فإن الضغط على الأطباء للتصالح مع أهالي المرضى، والاتجاه نحو تحرير محاضر مضادة ضد الأطباء وتخويفهم، يقوضان تنفيذ القانون بشكل سليم، وفقاً لما أكده الهواري في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، مشيراً إلى «أن صدور أحكام رادعة، والإعلان عنها بوسائل الإعلام المختلفة، قد يسهمان في الحد من الاعتداءات، مع أهمية التعامل مع الاعتداءات على الأطباء بصفتها تُلحق ضرراً بالمجتمع، وبالتالي عدم جواز التصالح فيها».

وسلّط الهواري الضوء على «موروثات ثقافية تضع الطبيب بشكل مستمر تحت الضغط، حيث إن أهالي المريض يحملونه مسؤولية أي تدهور في حالة المريض الصحية، وهو ما يقود لتوتر الأجواء داخل المستشفيات والعيادات الخاصة، والمشاجرات بشكل مستمر».

نائب وزير الصحة في زيارة لأحد المستشفيات (وزارة الصحة المصرية)

وأعلنت «نقابة الأطباء» تضامنها مع الطبيبة المعتدى عليها، وأدانت الواقعة التي وصفتها بأنها «جريمة مكتملة الأركان بحق الطبيبة، وانتهاك صارخ لحرمة المنشآت الصحية وهيبة الدولة وسيادة القانون».

ولفتت إلى أنه يجب التعامل مع «أي خلاف أو شكوى، عبر القنوات القانونية والرسمية، وليس من خلال العنف أو التهديد أو التعدي»، وشدّدت على أن القضية «لا تخص طبيبة الأسنان وحدها، بل تمس منظومة صحية بأكملها»، مطالبةً باتخاذ «إجراءات تمنع وقوع الاعتداءات قبل حدوثها، وليس فقط معاقبة مرتكبيها بعد وقوعها».

ضعف منظومة الصحة

رئيس جمعية «الحق في الصحة» الدكتور محمد حسن خليل، أكد «أن تأثير تشديد العقوبات على وقائع الاعتداءات، يبقى ضعيفاً بسبب مشكلات المنظومة الصحية في مصر، التي تعاني تحديات تجعلها عاجزة عن تقديم خدمة طبية لائقة؛ لأن نسبة الأسرّة في المستشفيات الحكومية تبلغ 8 أسرّة لكل 10 آلاف مريض، وهناك حالات هجرة كثيرة للأطباء أسفر عنها وجود 150 ألف طبيب في الخارج مقابل 130 ألف طبيب في الداخل».

وأكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، «أن الطبيب يبقى الممثل الوحيد لمنظومة الصحة في مصر أمام المريض وذويه، وبالتالي فإنه يكون ضحية للعنف بشكل مستمر»، مشدداً على ضرورة «توفير نقاط شرطة أمام المستشفيات والوحدات الصحية للتعامل مع أي سلوكيات عنيفة».


مقالات ذات صلة

«منشن الداخلية»... أزمات وصم وتشهير ترافق طلب النجدة في مصر

شمال افريقيا إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)

«منشن الداخلية»... أزمات وصم وتشهير ترافق طلب النجدة في مصر

تحظى الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية المصرية على «فيسبوك» بمتابعة عالية بعد أن أصبحت منصة رئيسية لتلقي البلاغات عبر مقاطع فيديو يتم تصويرها.

رحاب عليوة (القاهرة)
الاقتصاد طرح 18 سلعة جديدة في منافذ مبادرة «خفض أسعار السلع» بمصر (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

الحكومة المصرية تتوسع في مبادرة «خفض الأسعار» لمواجهة الغلاء

تتوسع الحكومة المصرية في مبادرة «خفض الأسعار» لمواجهة الغلاء، بعد إعلان طرح 18 سلعة جديدة بدءاً من الجمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
العالم العربي الرئيس السيسي يجري محادثات مع رئيس «تيار الحكمة» العراقي في القاهرة الخميس (الرئاسة المصرية)

السيسي يشدد على دعم مصر لأمن العراق واستقراره

شدّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على «حرص بلاده الدائم على أمن واستقرار العراق»، وذلك خلال استقباله رئيس «تيار الحكمة» العراقي.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (رويترز)

تجاهل مصري لأنباء احتجاز 3 إسرائيليين في سيناء

تجاهلت مصر التعليق على ما تداولته تقارير عبرية منذ أيام حول القبض على 3 إسرائيليين حيث زعمت أن ذلك يرجع «لأسباب تخص الأمن القومي المصري»

هشام المياني (القاهرة)
شمال افريقيا سد النهضة الإثيوبي (رويترز)

تلاسن مصري - إثيوبي متصاعد يفاقم نزاع «سد النهضة»

تلاسن حاد بين مصر وإثيوبيا على خلفية نزاع «سد النهضة» الإثيوبي، مع رد إثيوبي لاذع رفضاً لعدّ القاهرة السد «غير شرعي»

محمد محمود (القاهرة)

مطالبة تونسية بـ«مراجعة اتفاق الشراكة» مع الاتحاد الأوروبي

وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي (أ.ف.ب)
وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي (أ.ف.ب)
TT

مطالبة تونسية بـ«مراجعة اتفاق الشراكة» مع الاتحاد الأوروبي

وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي (أ.ف.ب)
وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي (أ.ف.ب)

شدّد وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، أثناء لقائه مع المفوضة الأوروبية للمتوسط، دوبرافكا شويتسا، على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك، على ضرورة مراجعة اتفاقية الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي «بما يضفي عليها مزيداً من الواقعية والإنصاف، ويجعلها مجسّمة لشراكة حقيقية ومتضامنة، تستجيب للتحولات الراهنة وتراعي بصورة أفضل مصالح الطرفين وأولوياتهما، ولا سيما ما يتعلق بالمبادلات التجارية والتعاون المالي والبرامج العلمية المشتركة»، على ما أفاد بيان أصدرته «الخارجية» التونسية.

وأوضح البيان، أن اللقاء كان مناسبة «لتأكيد أهمية العلاقات بين تونس والاتحاد الأوروبي وضرورة مواصلة تطويرها، في إطار شراكة متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والندّية، وتراعي سيادة تونس وتحترم مؤسساتها الوطنية».

خفر السواحل التونسي يحاول إيقاف بعض المهاجرين في البحر أثناء محاولتهم العبور إلى إيطاليا (أرشيفية - رويترز)

كما تم التطرق إلى آفاق التعاون الأورومتوسطي، حيث أكّد الوزير التونسي «دعم بلاده لكل مبادرة من شأنها تعزيز الاندماج والتعاون في الفضاء المتوسطي، على أساس شراكة فعلية ومسؤولية مشتركة تراعي أولويات الدول الشريكة، وتأخذ بعين الاعتبار محورية القضية الفلسطينية التي تتطلب حلاً عادلاً وشاملاً ودائماً، لا يمكن في غيابه إرساء ركائز الأمن والاستقرار والتنمية المشتركة في المنطقة».

وتناول اللقاء أيضاً ملف الهجرة والتنقل، حيث جدّد النفطي «تأكيد تمسّك تونس بمقاربة شاملة ومتوازنة للهجرة، تقوم على احترام حقوق الإنسان ومعالجة الأسباب العميقة للهجرة غير النظامية، مع مواصلة مكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، وتعزيز مسارات التنقل والهجرة النظامية».

من ناحيتها، أوضحت المسؤولة الأوروبية «أنها تعي متطلبات المرحلة من أجل إرساء شراكة على قاعدة المصالح المشتركة واحترام السيادة وتطوير أطر الحوار، معبّرة عن الأمل في أن يشكّل مجلس الشراكة التونسية الأوروبية منطلقاً لهذه العلاقة».


انتخابات المغرب ترسم خريطة جديدة في البرلمان

فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
TT

انتخابات المغرب ترسم خريطة جديدة في البرلمان

فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)

رسمت الانتخابات التشريعية المغربية، التي جرت الأربعاء، خريطة حزبية جديدة في البرلمان، مع صعود حزب «الأصالة والمعاصرة» إلى المرتبة الأولى، وتراجع «التجمع الوطني للأحرار والاستقلال»، مقارنةً بنتائج انتخابات 2021، مقابل عودة قوية لحزب «العدالة والتنمية» إلى الواجهة.

وأظهرت النتائج حصول «الأصالة والمعاصرة» على 97 مقعداً، يليه «التجمع الوطني للأحرار» بـ66 مقعداً، ثم «الاستقلال» بـ65، فيما حل «العدالة والتنمية» رابعاً بـ54 مقعداً. وتوزعت المقاعد الأخرى على «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» و«الحركة الشعبية» و«التقدم والاشتراكية» و«الاتحاد الدستوري». وبلغت نسبة المشاركة 38.02 في المائة.

ومنذ ما قبل انطلاق الاقتراع، برز اسمان داخل «الأصالة والمعاصرة» في النقاش غير الرسمي بشأن رئاسة الحكومة المقبلة، هما: فوزي لقجع، وفاطمة الزهراء المنصوري.


«منشن الداخلية»... أزمات وصم وتشهير ترافق طلب النجدة في مصر

إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
TT

«منشن الداخلية»... أزمات وصم وتشهير ترافق طلب النجدة في مصر

إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)

باتت الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية المصرية على «فيسبوك» تحظى بمتابعة عالية، بعد أن أصبحت منصة رئيسية لتلقي البلاغات عبر مقاطع فيديو يجري تصويرها في الشارع أو المنازل لحوادث أو مخالفات، وخاصة بعد أن عززتها الاستجابة السريعة للشرطة للتحقق من صحة تلك المقاطع وضبط المتهمين.

واحتلت الصفحة المركز الثاني عالمياً بين الحسابات الحكومية الأعلى أداءً في الربع الثالث لعام 2025، بعد «البيت الأبيض» الأميركي، وفقاً لتقرير مؤسسة (Emplifi) العالميّة.

ورغم العائد الإيجابي لتلك الطريقة الحديثة في تسهيل توثيق الجرائم وسرعة التبليغ عنها، فإنها لا تخلو من وصم وتشهير عبر نشر صور أشخاص دون إذن منهم، وأحياناً تثبت براءتهم، بعد التحقق من الملابسات، التي قد لا تكون واضحة من الوهلة الأولى.

استجابة فورية لبلاغ عن مغالاة في الأجرة (وزارة الداخلية المصرية)

آثار سلبية

ورغم أهمية الاستغاثة الإلكترونية التي أصبحت أسرع وأسهل من الذهاب إلى قسم الشرطة، يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق أن لها آثاراً سلبية، مشيراً إلى أنها «حولت البلاغ الخاص إلى محاكمة علنية قبل أن ينتهي التحقيق».

ويقول صادق لـ«الشرق الأوسط»: «فارق كبير بين التبليغ السري للقنوات الرسمية سواء النجدة أو رقم واتساب لتلقي البلاغات والاستغاثات، وبين نشر فيديو يُظهر الوجه والعنوان والتفاصيل على العام؛ فالأخيرة ليست مساعدة أمنية لضبط جريمة ما فقط، وإنما تتعدى ذلك إلى كونها عقوبة مجتمعية فورية».

وانتشرت في الفترة الأخيرة مقاطع فيديو مع الإشارة لوزارة الداخلية، تتهم أشخاصاً بارتكاب جرائم، ثم يتضح لاحقاً أن التصور خاطئ. ومن ضمن هذه الوقائع التي انتشرت بقوة اتهام راكب لسائق حافلة باختطاف طفل؛ نظراً لعدم وجود شبه ظاهر بينهما، ليتضح في النهاية أن الطفل ابن السائق، بعد حملة تنمر به وبزوجته باعتبارهما «أفقر من أن ينجبا طفلاً جميلاً منمقاً».

الشرطة المصرية تستجيب لاستغاثة بالفيديو عن سرقة سيارات بالإكراه من قبل ملثمين (الداخلية المصرية)

وفي واقعة أخرى، رُفعت الكاميرات لتلقط مشاجرة زوج وزوجته في الشارع بغرض التبليغ والمساعدة، دون الحصول على إذن منهما، لكنهما تضررا من هذا «التشهير».

ويصل الأمر أحياناً إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ قُتلت قاصر عمرها 16 عاماً في منطقة الصف (جنوب القاهرة) يوم 16 سبتمبر (أيلول) الحالي على يد شقيقها، بعد نشر تغيبها ثم العثور عليها لدى صديق في الإسكندرية.

بريء حتى تثبت إدانته

ويشير المحامي سامح سمير إلى أن نشر صور أشخاص دون إذنهم، خصوصاً في سياقات سلبية، ينضوي على جريمة تشهير يُعاقب عليها القانون.

وقال: «لو أن شخصاً نشر سباً وقذفاً لآخر على السوشيال ميديا دون صورته، فإن الحكم عادة يكون غرامة؛ أما لو نشر صاحب السب والقذف صورة، يرتفع الحكم إلى الحبس»، محذراً من خطورة تحول أفراد المجتمع إلى «مخبرين» يسارعون بالتقاط الصور ومقاطع الفيديو ونشرها على «صفحة الداخلية» حتى دون فهم السياق في أحيان كثيرة.

وانتقد كذلك في حديثه لـ«الشرق الأوسط» نشر قوات الأمن صوراً ومقاطع فيديو لمتهمين، حتى وإن كانت مموهة، لافتاً إلى المبدأ الدستوري والأساس القانوني القائم على أن المتهم «بريء حتى تثبت إدانته»، وإلى أن نشر هذه الصور يُسهِّل التعرف على هوية أصحابها، خصوصاً بين المعارف والأصحاب.

استغاثة تتعلق بسرقة دراجة نارية (وزارة الداخلية المصرية)

ويشير الباحث في علم الاجتماع، عصام فوزي، إلى أن «المكايدة» كانت قائمة طوال الوقت تحت ما يعرف بـ«البلاغات الكيدية»، لكنها كانت محدودة؛ نظراً لما تنطوي عليه من كلفة مالية من خلال اللجوء لمحامٍ لصياغة البلاغ؛ لكن مع انتشار آلية «منشن الداخلية»، أصبح الأمر أسرع وأسهل.

ورغم بعض آثار النشر السلبية، قال: «لا يمكن نكران أن هذه الآلية التي تلقى استجابة سريعة من الأمن ساهمت في زيادة شعور المواطن بالحضور الأمني، ونجحت بالفعل في ضبط جناة كثيرين».

«حرمانية» التصوير

وخصصت وزارة الأوقاف خطبة الجمعة، 25 سبتمبر، لـ«حرمة تصوير الأفراد دون إذن، وحرمة الحياة الخاصة»، وفق نص الخطبة الذي نشرته الأربعاء، مشددة على أن «أعراض الناس ليست مشاعاً».

وأضافت: «حال وجود فيديو أو صور تثبت حقاً، فعلى الشخص التقدم بها للجهات، لا نشرها بغرض التشهير والترند».

ويحذر أستاذ علم النفس، جمال فرويز، من مخاطر كبيرة قد يتعرض لها البعض عند التشهير بهم وتقديمهم كمتهمين، حتى إذا اتضحت براءتهم فيما بعد.

وقال: «الاستجابة تختلف باختلاف الشخصية؛ فالشخصيات العصبية التي تُعَد عرضة للأمراض النفسية قد تصاب بأعراض اكتئابية وقد تفكر بإيذاء النفس».

وأضاف: «كلما كان الشخص ينتمي لطبقة اجتماعية أعلى، وارتفع مستوى تعليمه، كانت احتمالات تأزمه نفسياً أكبر».