«إخوان» السودان... أمام مفترق الطرق

إعادة تشكيل موازين القوى تضعهم أمام أصعب اختبار منذ سقوط البشير

الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)
الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)
TT

«إخوان» السودان... أمام مفترق الطرق

الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)
الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)

يشهد السودان مرحلة بالغة التعقيد في ظل استمرار الحرب ودخولها العام الرابع، وتبدل التحالفات العسكرية والسياسية بوتيرة متسارعة. فمع انضمام مجموعات منشقة عن «قوات الدعم السريع» إلى جانب الجيش السوداني، ووجود القوات المشتركة للحركات المسلحة، وقوات درع السودان، إلى جانب التشكيلات المحسوبة على التيار الإسلامي، تتشكل تدريجياً خريطة جديدة للقوى داخل المعسكر المناهض لـ«الدعم السريع». يعكس هذا الواقع حالة من التقاطع المؤقت للمصالح بين أطراف متعددة تختلف في خلفياتها وأهدافها ورؤيتها لمستقبل الدولة السودانية.

ورغم أن مواجهة «الدعم السريع» تمثل اليوم العامل الأكثر أهمية لهذه القوى، فإن التباينات السياسية والعسكرية الكامنة بينها تطرح تساؤلات جدية حول مستقبل هذا التحالف. فالتجارب السودانية السابقة تشير إلى أن التحالفات التي تنشأ في ظروف الحرب لا تتحول بالضرورة إلى شراكات مستقرة في مرحلة السلام، بل قد تصبح ساحة لصراعات جديدة حول النفوذ والسلطة وترتيبات ما بعد الحرب. ومن هنا تبرز أهمية قراءة موازين القوى الناشئة، واستشراف طبيعة العلاقة بين مكونات هذا المعسكر، واحتمالات التوافق أو الصدام بينها خلال المرحلة المقبلة.

جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

وخلال الفترة الماضية، أصبح الجيش السوداني هو المظلة العسكرية الرئيسية التي تتحرك تحتها عدة قوى مختلفة في الخلفيات والأهداف. فالقوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة القادمة من دارفور تمتلك ثقلاً ميدانياً وخبرة قتالية، بينما تمثل «قوات درع السودان» قوة قبلية وعسكرية صاعدة، في حين يسعى بعض المنشقين عن «الدعم السريع» إلى إثبات حضورهم ضمن المعادلة الجديدة.

تحالف الضرورة

هذه التركيبة خلقت ما يشبه «تحالف الضرورة»، حيث يجمع هذه القوى هدف واحد، يتمثل في مواجهة «الدعم السريع»، لكن ذلك لا يعني وجود مشروع سياسي موحد بينها. فلكل طرف حساباته الخاصة المتعلقة بمستقبل السلطة وتقاسم النفوذ.

وفي هذا السياق، يبرز سؤال جوهري يتعلق بموقع «الحركة الإسلامية» داخل معادلة ما بعد الحرب. فالإسلاميون الذين شكّلوا لعقود أحد أبرز مكونات النفوذ داخل الدولة السودانية، عبر حضورهم السياسي والتنظيمي والأمني، لم يعودوا يحتكرون أدوات التأثير كما كان الحال في السابق. فالقوى التي صعدت خلال الحرب لا تنتمي بالضرورة إلى المشروع الإسلامي، كما أن عدداً منها يحمل إرثاً طويلاً من الخلاف والصراع السياسي مع الإسلاميين منذ عهد نظام «الإنقاذ» برئاسة الرئيس السابق عمر البشير.

ومن هنا تتجلى مفارقة لافتة؛ فكلما اتسعت دائرة القوى المنخرطة في دعم الجيش وتعددت مكوناتها، تراجع الوزن النسبي للتيار الإسلامي داخل هذا التحالف. فالإسلاميون لم يعودوا الطرف الوحيد القادر على توفير الحاضنة السياسية أو المساهمة العسكرية أو التعبئة المجتمعية، بل أصبحوا جزءاً من مشهد تتوزع فيه مراكز النفوذ بين فاعلين متعددين، لكل منهم مصالحه وحساباته الخاصة.

الإسلاميون أمام الضغوط

وتتزايد المؤشرات على تعرض التيار الإسلامي لضغوط سياسية متنامية، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. يقول الخبير الاستراتيجي اللواء عبد الهادي عبد الباسط، المقرب من التيار الإسلامي، إن الحركة الإسلامية تواجه خلال المرحلة الحالية تحديات غير مسبوقة، في ظل دعوات متصاعدة تطالب بإبعاد الإسلاميين عن ترتيبات ما بعد الحرب، بل محاسبتهم على أدوارهم خلال سنوات الحكم السابقة وما ارتبط بها من اتهامات. وشهدت الأشهر الماضية إجراءات أمنية وقانونية طالت عدداً من القيادات الإسلامية البارزة، قبل أن تطلق سراحهم، فيما لا تزال تعتقل القيادي في حزب المؤتمر الوطني «النعمان عبد الحليم».

قائد «كتائب البراء بن مالك» الإسلامية المصباح طلحة (وسط) يقف على يمين رئيس أركان الجيش السوداني ياسر العطا (متداولة)

وتزامنت هذه الإجراءات التي يعتقد أنها تمت بضغوط خارجية، مع تصنيف الحركة الإسلامية السودانية، وحزب المؤتمر الوطني، وكتيبة البراء بن مالك «منظمات إرهابية» من قبل وزارة الخارجية الأميركية.

كما برزت مواقف إقليمية ودولية تدعو إلى استبعاد الإسلاميين من أي عملية سياسية مستقبلية، وهو ما انعكس في بيانات ومشاورات دولية وإقليمية، من بينها الآلية الرباعية الدولية (أميركا، السعودية، الإمارات، مصر) والخماسية (الأمم المتحدة، والاتحادان الأوروبي والأفريقي، والجامعة العربية، ومنظمة إيغاد).

صراع في الداخل الإخواني

وفي داخل التيار الإخواني السوداني نفسه، تتصاعد الخلافات بشأن كيفية التعامل مع الضغوط الدولية والدعوات المتزايدة لإنهاء الحرب. فالإسلامويون لم يعودوا كتلة واحدة، بل يتوزعون بين مراكز نفوذ متعددة داخل الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني.

وتتولى الحركة الإسلامية، وفق ما هو متداول، قيادة تنظيمية بزعامة أمينها العام علي كرتي، بينما يشهد حزب المؤتمر الوطني صراعاً علنياً على القيادة بين رئيسه أحمد هارون، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، والرئيس السابق للحزب إبراهيم محمود حامد، المدعوم من نافع علي نافع الذي لا يزال يُنظر إليه كأحد أبرز القيادات التاريخية للحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني. ويبدو أن تيار علي كرتي وأحمد هارون يميل إلى مقاربة أكثر براغماتية تقوم على قبول تسوية تنهي الحرب، مقابل عدم إقصاء الإسلاميين من أي عملية سياسية أو انتخابات مستقبلية، حتى وإن لم يشاركوا في السلطة الانتقالية. في المقابل، يفضل تيار إبراهيم محمود ونافع علي نافع استثمار موازين الحرب الحالية للحفاظ على النفوذ التنظيمي وتعزيزه، مع تحفظ أكبر تجاه أي تسوية قد تؤدي إلى تقليص دور الإسلاميين داخل معسكر السلطة والحرب.

وفي ظل هذا التباين، لا يتوقف مستقبل الإسلاميين السودانيين على مآلات الحرب وحدها، بل يتوقف أيضاً على قدرتهم على حسم صراعات القيادة وإعادة صياغة حضورهم السياسي. فبينما لا تزال قطاعات واسعة من القوى المدنية ترفض عودتهم إلى المشهد، تحتفظ المؤسسة العسكرية بعلاقات ومصالح مع بعض شبكاتهم وخبراتهم وتحالفاتهم، ما يجعل موقعهم في مرحلة ما بعد الحرب أحد الملفات الأكثر تعقيداً في المشهد السوداني.

وفي المقابل، ترى قوى مدنية أن تراجع نفوذ الإسلاميين يمثل استحقاقاً سياسياً مرتبطاً بمسار الانتقال الديمقراطي أكثر من كونه نتيجة مباشرة للحرب. ويقول المتحدث باسم التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) الدكتور بكري الجاك، إن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان قد يكون قادراً على التخلي عن الإسلاميين، إلا أن المشكلة تكمن في نفوذهم داخل أجهزة الدولة ومؤسساتها المختلفة. وأضاف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن أي محاولة لإبعادهم تتطلب تحالفاً واسعاً يستند إلى مشروع سياسي جامع قادر على إدارة المرحلة المقبلة.

حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية خلال اجتماعات سابقة في نيروبي (تحالف صمود)

ويرى القيادي في حزب المؤتمر السوداني، شريف محمد عثمان، أن مشروع «الحركة الإسلامية» وحكم حزب المؤتمر الوطني سقط بإرادة الشعب السوداني خلال ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، وأن جهوده لاستمرار الحرب أسهمت في إضعاف التنظيم بصورة أكبر. كما رأى أن الضغوط والعقوبات الدولية، بما في ذلك تصنيف الولايات المتحدة لـ«الحركة الإسلامية» ضمن قوائم مرتبطة بالإرهاب، من شأنها أن تزيد من عزلة التنظيم السياسية.

ويشير شريف إلى أن القوى المدنية ماضية في عزل الإسلاميين سياسياً انطلاقاً من قناعتها بأن الاستقرار في السودان وإعادة بناء الدولة لن يتحققا إلا عبر دعم مسار مدني سلمي يقود إلى تأسيس مؤسسات جديدة على أسس عادلة، معتبراً أن نفوذ «الحركة الإسلامية» وواجهاتها السياسية يتجه نحو مزيد من التراجع.

وفي هذا السياق أيضاً، أكّد رئيس الكتلة الديمقراطية، الموالية للجيش، مبارك أردول، أنهم توافقوا «شفهياً» خلال مؤتمر عقد في أديس أبابا، للقوى المدنية السودانية، على استبعاد كل من المؤتمر الوطني وتحالف «تأسيس»، المتحالف مع «قوات الدعم السريع»، من أي ترتيبات مستقبلية، وهو ما أكّده على صفحته على منصة «فيسبوك».

ومع ذلك، فإن الحديث عن نهاية نفوذ الإسلاميين بشكل كامل قد يكون سابقاً لأوانه. فـ«الحركة الإسلامية» لا تزال تمتلك شبكات تنظيمية وخبرات سياسية متراكمة، كما تحتفظ بحضور داخل بعض مؤسسات الدولة وقطاعات من المجتمع. لكن المؤشرات الحالية توحي بأن قدرتها على استعادة الموقع المهيمن، الذي تمتعت به خلال عقود حكم الإنقاذ، تبدو أكثر صعوبة من أي وقت مضى.


مقالات ذات صلة

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

شمال افريقيا حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

يعاني كثير من السودانيين صعوبات بالغة في الحصول على الخبز بعد أن أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
شمال افريقيا نساء يصطففن في الطابور قبل بدء عملية توزيع الطعام (الشرق الأوسط)

توقف المطابخ الخيرية يهدد آلاف الأسر بالجوع في الخرطوم

اضطرت عشرات التكايا (مطابخ خيرية) التي توفر الوجبات لآلاف الأسر في الخرطوم، إلى التوقّف عن العمل كلياً، أو تقليص نشاطها؛ بسبب نقص الدعم من المنظمات والخيِّرين.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا البرهان وإلى جانبه آبي أحمد خلال لقاء على هامش قمة «إيغاد» في نيروبي يوليو 2022 (رويترز)

تصعيد دبلوماسي إثيوبي ضد السودان يشعل توترات «القرن الأفريقي»

أجج قرار إثيوبي بإغلاق قنصلية سودانية في مدينة أصوصا الحدودية، حسب تأكيدات مصادر سودانية، التوتر مع دول الجوار.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

مصر تلوح باتفاقية الدفاع المشترك لعدم تجاوز «الخطوط الحمراء» في السودان

اجتماع رباعي مصري - سوداني جديد احتضنته القاهرة برئاسة وزراء الخارجية والري بالبلدين، وسط توترات مع إثيوبيا غداة شكوى تقدمت بها الخرطوم ضد أديس أبابا.

محمد محمود (القاهرة )

جولة وزير خارجية الجزائر في النيجر وتشاد لاحتواء التوتر الإقليمي

رئيس النيجر خلال استقبال وزير خارجية الجزائر (وزارة الخارجية الجزائرية)
رئيس النيجر خلال استقبال وزير خارجية الجزائر (وزارة الخارجية الجزائرية)
TT

جولة وزير خارجية الجزائر في النيجر وتشاد لاحتواء التوتر الإقليمي

رئيس النيجر خلال استقبال وزير خارجية الجزائر (وزارة الخارجية الجزائرية)
رئيس النيجر خلال استقبال وزير خارجية الجزائر (وزارة الخارجية الجزائرية)

بحث وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال جولة سريعة شملت تشاد والنيجر، سبل حلِّ الأزمة الأمنية والدبلوماسية، التي اندلعت بين البلدين الشهر الماضي. كما تناولت زيارته حماية مسار مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (نيجيريا - النيجر - الجزائر) المتجه نحو أوروبا، بعد دخوله مرحلة التنفيذ، وهو المشروع الذي تُشكِّل حمايته إحدى أولويات الجيش الجزائري ضمن خطة انتشاره في النيجر.

تركزت جولتا الوزير عطاف إلى نجامينا ونيامي، يومي الثلاثاء والأربعاء، على تسليم رسالة خطية لرئيس النيجر عبد الرحمن تشياني، وإجراء محادثات مع نظيره التشادي أحمد كوغري، «بهدف تعزيز العلاقات الثنائية، ودفع التعاون الاقتصادي»، وفق ما ذكرته وزارة الخارجية الجزائرية. كما تناولت اللقاءات، أيضاً، «تقييم التَّقدُّم في المشروعات والبرامج المشتركة، والتحضير للاستحقاقات المقبلة، إلى جانب تعميق التشاور حول مستجدات منطقة الساحل الصحراوي والقضايا الإقليمية، تأكيداً على التزام الجزائر بدعم الأمن والاستقرار، وتعزيز التنسيق مع دول المنطقة»، حسب ما ذكرته «الخارجية الجزائرية»، من دون أي تفاصيل أخرى، كما لم يصدر أي شيء رسمي من النيجر وتشاد.

رئيس تشاد خلال استقبال وزير خارجية الجزائر (وزارة الخارجية الجزائرية)

بين الوساطة السياسية... والتمدد العسكري

جاءت الزيارة إلى نيامي في وقت تتواصل فيه الزيارات المنتظمة للمسؤولين الجزائريين إلى النيجر خلال الأسابيع الأخيرة، في مؤشر على التقارب الوثيق بين نيامي والجزائر، والذي بلغ مستوى متقدماً، بعدما اتفق البلدان، الأسبوع الماضي، على إرسال وحدات عسكرية جزائرية إلى النيجر، بهدف تأمين المصالح الطاقوية المشتركة، وفقاً للصيغة الرسمية المعلنة.

كما تأتي في وقت تشهد فيه العلاقات بين النيجر وتشاد مزيداً من التوتر، بعدما اتهمت السلطات النيجرية، الأسبوع الماضي، جارتها تشاد بقتل مدنيَّين اثنَين، إثر ضربة بطائرة مسيّرة استهدفت الأراضي النيجرية، وبمساعدة من فرنسا. لكن نجامينا رفضت هذه الاتهامات.

وبحسب مراقبين جزائريين، تنطوي زيارة عطاف على مسعى جزائري للوساطة وتقريب وجهات النظر بين البلدين، الذين ينتميان لمنطقة الساحل، حيث تتقاطع مصالح متشابكة لقوى إقليمية ودولية، كما تواجه المنطقة تحديات كبيرة متصلة بشبكات الإرهاب والمخدرات والهجرة السرية.

وزيرا خارجية الجزائر والنيجر في نيامي (وزارة الخارجية الجزائرية)

وفي هذا السياق، أوضح بكاري سامبي، مدير مركز التفكير والأبحاث الأفريقي المستقل «معهد تمبكتو»، في مقابلة بثتها «إذاعة فرنسا الدولية»، أمس (الأربعاء)، بأن «كل شيء أصبح يُدار مباشرة من عاصمة إلى أخرى، وهذا بالضبط ما تعمل الجزائر على القيام به حالياً»، مشيراً إلى أن الجزائر «تجاوزت الأطر والمبادرات التكتلية القديمة في منطقة الساحل، وأصبحت تعتمد خيار الدبلوماسية المباشرة، الثنائية، في التعامل مع الأزمات والتنسيق الأمني والاقتصادي مع دول المنطقة، خصوصاً مثل النيجر وتشاد ومالي».

ومع بدء انتشار وحدات من الجيش الجزائري في شمال النيجر، منذ 26 من الشهر الماضي، أثار هذا التطور تساؤلات لدى الخبراء ووسائل الإعلام بشأن احتمال توجه الجزائر نحو إقامة قاعدة عسكرية على الأراضي النيجرية، في ظلِّ التَّحوُّل اللافت في عقيدتها العسكرية، باعتبار أن نشر قواتها خارج حدودها يعد سابقةً منذ حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973.

حسابات الأمن والطاقة

بهذا الخصوص أكد الباحث الجزائري ومدير «مركز الدراسات والأبحاث حول العالم العربي وحوض المتوسط»، حسني عبيدي، في تصريحات لـ«إذاعة فرنسا الدولية»، أن هناك اعتبارات ذات طابع أمني، وأخرى اقتصادية شجَّعت الجزائر على تحركها في الساحل. وأكد أنه بعد انسحاب القوات الفرنسية من المنطقة، أظهرت القوات الروسية، أو عناصر«فيلق أفريقيا» التابعة لموسكو، محدودية قدراتها، حسبه. وأضاف: «في النيجر توجد كذلك قوة نخبة مكلفة بحماية الرئيس، وهي قوة تركية. لكن جميع هذه القوات أظهرت محدوديةً في المجال الأمني، الأمر الذي دفع السلطات النيجرية الجديدة إلى التوجه نحو الجزائر».

مشاهد من دخول الجيش الجزائري إلى شمال النيجر في 26 أكتوبر الماضي (ناشطون نيجريون)

وبخصوص الانخراط الجزائري في المعادلة الأمنية بمنطقة الساحل، قال تقرير في هذا الموضوع، نشرته المنصة الإعلامية الرقمية الفرنكوفونية المتخصصة في الشؤون الأفريقية والدولية، «ميديا فرنسا وأفريقيا»: «منذ الانقلاب العسكري الذي شهدته نيامي في يوليو (تموز) 2023، عارضت الجزائر بشكل قاطع أي تدخل عسكري من جانب المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، التي كانت تحظى آنذاك بدعم باريس، بل منعت الطائرات العسكرية الأجنبية من التحليق فوق أراضيها».

ولفت التقرير إلى أن هذا الموقف الجزائري «شكَّل غطاءً دبلوماسياً مهماً وفَّر للسلطة العسكرية، بقيادة الجنرال عبد الرحمن تشياني، متنفساً حيوياً خلال الأيام الأولى لوصولها إلى الحكم. إضافة إلى ذلك، لا تواجه النيجر تمرداً طوارقياً انفصالياً منظماً ومفتوحاً ضد سلطتها المركزية، على غرار ما يحدث في منطقة كيدال بشمال مالي، وهو ما يقلل من أبرز مصادر التوتر مع الجزائر».

تدشين محطة للكهرباء في النيجر بحضور رئيسي وزراء النيجر والجزائر في فبراير الماضي (الحكومة الجزائرية)

وأوضح التقرير أن الاقتصاد النيجري يرتبط بشكل هيكلي بالمشروعات الاستراتيجية الجزائرية الكبرى، والتي تحتاج إلى حماية من مخاطر محتملة لضربها، موضحاً أن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء يأتي في مقدمة هذه المشروعات.


حراك عمالي متصاعد يعزز حضور النقابات في المشهد الليبي

وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)
وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)
TT

حراك عمالي متصاعد يعزز حضور النقابات في المشهد الليبي

وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)
وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

اتسع حضور النقابات المهنية والحراكات العمالية في المشهد الليبي أخيراً، مع تصاعد المطالب بـ«تحسين الأجور والأوضاع المعيشية»، في تحرك يعزز الدور الاجتماعي والسياسي لهذه النقابات، على غرار التجربة التونسية.

ويعكس الحراك الذي قادته نقابتا «المعلمين» و«الأطباء»، ونقابات أخرى خلال سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضيين، وفق عضو «المجلس الأعلى للدولة»، أبو القاسم قزيط، «مؤشرات على تنامي الوعي الجماعي والقدرة على تحدي السلطة»، متوقعاً أن «قدراً من التنظيم قد يتيح للنقابات الليبية مستقبلاً أداء دور شبيه بما اضطلع به (الاتحاد العام التونسي للشغل)».

وقفة احتجاجية للمعلمات في حي سوق الجمعة بطرابلس في سبتمبر الماضي (نقابة المعلمين في ليبيا)

وجاءت التحركات النقابية والعمالية في وقت تتواصل فيه حالة الجمود السياسي، والانقسام الحكومي، لتضع المطالب الاقتصادية والاجتماعية في صدارة الحراك العام. وبدأ المعلمون تحركاتهم بإضراب تزامن مع انطلاق العام الدراسي، للمطالبة بـ«تحسين الرواتب وصرف المستحقات المتأخرة، وتوفير التأمين الصحي».

وامتدت المطالب خلال أكتوبر الماضي إلى «توحيد جداول الأجور وتحقيق العدالة في الرواتب، مع منح الحكومة مهلة لفتح حوار مباشر، والتهديد بإضراب عام». وعقب اجتماع مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة»، عبد الحميد الدبيبة، أعلنت نقابة المعلمين رفع الاعتصام، بينما تمسكت نقابات فرعية بمواصلة الإضراب.

ولم يقتصر الحراك على قطاع التعليم، حيث شهد القطاع الصحي بدوره دعوات إلى إضراب عام للمطالبة بـ«تسوية الرواتب المتأخرة، وصرف العلاوات والمستحقات وتحسين ظروف العمل»، في مؤشر على اتساع نطاق المطالب المهنية، وتحولها إلى ضغط جماعي على السلطات لمعالجة الاختلالات المعيشية.

ويربط نقيب أطباء ليبيا، الدكتور محمد الحريري، «اتساع مساحة الحركة النقابية بالتشريعات المنظمة للعمل النقابي، التي أتاحت مجالاً أوسع للمشاركة في صنع القرار». ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «استكمال الانتخابات النقابية وتسوية الأوضاع القانونية، وتشكيل الاتحادات من شأنه تعزيز حضور النقابات في القضايا العامة».

رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة في لقاء سابق مع رئيس نقابة المتقاعدين في طرابلس خليل الشقماني (صفحة المجلس)

وعلى الرغم من أن العمل النقابي ليس جديداً في ليبيا، فإن استقلاليته ظلت محدودة خلال عهد نظام معمر القذافي، وفق رئيس «منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية»، خالد بوزعكوك، الذي يرى أن النقابات والاتحادات العمالية «تخوض تجربة حديثة في بناء حضور مستقل عن الدولة، بما يؤهلها تدريجياً للاضطلاع بدور ضاغط على الحكومات».

وشهد الإطار القانوني للعمل النقابي تطورات متعاقبة؛ إذ صدر في عهد النظام السابق تشريع ينظم تأسيس النقابات، والروابط المهنية والاتحادات وعملها، قبل أن يعتمد مجلس النواب منذ عامين قانوناً جديداً لتنظيم العمل النقابي. وجاء ذلك بالتوازي مع محاولات النقابات استكمال انتخاباتها، وتسوية أوضاعها التنظيمية.

غير أن هذا التحول لا يعني أن العمل النقابي غاب عن ليبيا خلال العقود الماضية، بل إن حضوره لم يكن مصحوباً بالثقل السياسي، الذي يسمح له بالتأثير في القضايا الوطنية. لكن التنظيم القانوني حالياً يتيح فرصة أوسع للمشاركة في معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، بحسب الحريري.

وتعيد التحركات الأخيرة إلى الواجهة تجربة «الاتحاد العام التونسي للشغل»، الذي اضطلع بأدوار اجتماعية وسياسية بارزة، من الدفاع عن حقوق العمال وتحسين الأجور، إلى المشاركة في الحوار الوطني خلال الأزمات. كما كان الاتحاد أحد مكونات الرباعي الراعي للحوار الوطني التونسي، الذي نال جائزة نوبل للسلام عام 2015.

ويرى بوزعكوك أن التجربة التونسية قابلة للاستلهام في ليبيا، بالنظر إلى التقارب الجغرافي والاجتماعي بين البلدين، وإلى «أهمية وجود تنظيمات نقابية قادرة على الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والمشاركة في النقاش العام». لكنه يربط اتساع هذا الدور بقدرة النقابات الليبية على بناء مؤسسات مستقلة وفاعلة.

واعتبر بوزعكوك أن استقرار أي تجربة ديمقراطية حديثة يتطلب عملاً نقابياً منظماً، يستطيع نقل المطالب الاقتصادية إلى المجال العام، ومراقبة أداء الحكومات، والدفع نحو احترام الحقوق وترسيخ مدنية الدولة. لكن يظل تحقيق ذلك مرتبطاً بقدرة النقابات على تحويل الاحتجاجات المتفرقة إلى عمل مؤسسي مستدام.

وتشمل أولويات العمل النقابي الحر، وفق بوزعكوك، «حماية الحق في الإضراب والتظاهر السلمي، وتوفير العمل اللائق والضمان الاجتماعي والتأمين الطبي، وتحسين قوانين العمل وظروفه وساعاته، فضلاً عن صون حرية التعبير والتنظيم والاقتراع والانتخاب».

من احتجاج سابق للمطالبة بخروج القوات الأجنبية من ليبيا (الشرق الأوسط)

لكن الطريق نحو نموذج نقابي أكثر تأثيراً يتطلب استكمال متطلبات التنظيم الداخلي؛ وفي هذا السياق يشير الحريري إلى أن «نقابات ليبية لم تستكمل انتخاباتها أو تسوية أوضاعها القانونية»، معتبراً أن تشكيل الاتحادات واستكمال هذه الإجراءات سيمنحان الحركة النقابية قدرة أكبر على توحيد المطالب، والتفاوض بشأنها.

وبين تصاعد الإضرابات واتساع المطالب المعيشية، تطرح التجربة الليبية سؤالاً يتجاوز تحسين الأجور إلى طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه النقابات في الحياة العامة. واستلهام النموذج التونسي يظل احتمالاً مطروحاً، يتوقف تحققه على استقلالية التنظيمات النقابية وتماسكها، ومدى قدرتها على الاستمرار خارج موجات الاحتجاج الآنية.


موريتانيا تتمسك بـ«الحياد الإيجابي» في قضية الصحراء المغربية

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

موريتانيا تتمسك بـ«الحياد الإيجابي» في قضية الصحراء المغربية

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

جدّدت الحكومة الموريتانية، مساء (الأربعاء)، موقفها من قضية الصحراء القائم على ما سمته «الحياد الإيجابي»، وذلك بعد مغادرة بعثة الأمم المتحدة «المينورسو» الإقليم، وسط مخاوف من انهيار اتفاق وقف إطلاق النار في الصراع الأقدم داخل القارة الأفريقية.

وقال وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان الناطق باسم الحكومة الموريتانية محمد ولد ببانا إن موقف موريتانيا من النزاع في الصحراء المغربية يقوم على «الحياد الإيجابي التام»، وأضاف في ردوده على أسئلة الصحافيين خلال مؤتمر صحافي، أن موريتانيا تتابع تطورات الأوضاع في الدول المحيطة بها.

وأكد ولد ببانا أن موريتانيا «تعتبر نفسها جزءاً من الحل، وليست جزءاً من المشكلة»، مشدداً على أن هذا الموقف سبق أن عبّرت عنه الحكومة في مناسبات عدة، ومؤكداً أن تكرار السؤال نفسه بصيغ مختلفة «لن يغير من ثبات» هذا الموقف.

الوزير الناطق باسم الحكومة الموريتانية خلال مؤتمر صحافي أمس الأربعاء (الشرق الأوسط)

في غضون ذلك، قالت صحف محلية موريتانية إن السلطات طلبت من المواطنين في المناطق المتاخمة للصحراء المغربية توخي الحذر، والعودة إلى الأراضي الموريتانية إن كانوا خارجها، والتأكد من وجودهم داخل الحدود، والابتعاد عن خط الحدود أو المناطق الملتبسة.

وقالت الصحف إن حكام المقاطعات الحدودية، خصوصاً في ولاية داخلت نواذيبو، حذروا رعاة الماشية والسكان الرحل من البقاء في مناطق قد تشكل خطراً عليهم، وذلك في إشارة إلى مناطق تداخل حدودي.

وقالت «وكالة الأخبار المستقلة» إنها اطلعت على رسائل صوتية متداولة منسوبة إلى حاكم مقاطعة الشامي، ومسؤول مركز أتميمشات الإداري، وهي مناطق حدودية، تحث السكان على الاحتياط والحذر «في ظل مغادرة بعثة الأمم المتحدة» المناطق المتنازع عليها بين المغرب وجبهة بوليساريو.

وكان مجلس الأمن الدولي قد صوّت في 30 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي على مشروعي قرار لتمديد ولاية البعثة، أحدهما أميركي والآخر روسي، لكن لم يُعتمد أي منهما. ونال المشروع الأميركي، الذي يعدل ولاية البعثة ووجودها مستقبلاً، 11 صوتاً، لكن روسيا نقضته.

ونال المشروع الروسي، وهو تمديد لمدة عام، ثلاثة أصوات مقابل صوت واحد ضد (الولايات المتحدة) وامتناع 11 عضواً، بينما يتطلب اعتماده تسعة أصوات.

وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، الأحد الماضي، إن فترة تصفية البعثة بدأت في ذلك اليوم، وإن فريقاً صغيراً سيشرف على نقل المعدات. بينما قال الأمين العام أنطونيو غوتيريش إن مغادرة البعثة لا تلغي حق شعب الصحراء في تقرير المصير، ودعا إلى «أقصى درجات ضبط النفس».

ووصف الديوان الملكي المغربي النتيجة بأنها خطوة مهمة نحو إغلاق الملف في الأمم المتحدة. بينما اعتبرت جبهة «بوليساريو» إنهاء البعثة «غير مقبول»، في حين أعربت الجزائر عن «عميق الأسف».