«إخوان» السودان... أمام مفترق الطرق

إعادة تشكيل موازين القوى تضعهم أمام أصعب اختبار منذ سقوط البشير

الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)
الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)
TT

«إخوان» السودان... أمام مفترق الطرق

الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)
الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)

يشهد السودان مرحلة بالغة التعقيد في ظل استمرار الحرب ودخولها العام الرابع، وتبدل التحالفات العسكرية والسياسية بوتيرة متسارعة. فمع انضمام مجموعات منشقة عن «قوات الدعم السريع» إلى جانب الجيش السوداني، ووجود القوات المشتركة للحركات المسلحة، وقوات درع السودان، إلى جانب التشكيلات المحسوبة على التيار الإسلامي، تتشكل تدريجياً خريطة جديدة للقوى داخل المعسكر المناهض لـ«الدعم السريع». يعكس هذا الواقع حالة من التقاطع المؤقت للمصالح بين أطراف متعددة تختلف في خلفياتها وأهدافها ورؤيتها لمستقبل الدولة السودانية.

ورغم أن مواجهة «الدعم السريع» تمثل اليوم العامل الأكثر أهمية لهذه القوى، فإن التباينات السياسية والعسكرية الكامنة بينها تطرح تساؤلات جدية حول مستقبل هذا التحالف. فالتجارب السودانية السابقة تشير إلى أن التحالفات التي تنشأ في ظروف الحرب لا تتحول بالضرورة إلى شراكات مستقرة في مرحلة السلام، بل قد تصبح ساحة لصراعات جديدة حول النفوذ والسلطة وترتيبات ما بعد الحرب. ومن هنا تبرز أهمية قراءة موازين القوى الناشئة، واستشراف طبيعة العلاقة بين مكونات هذا المعسكر، واحتمالات التوافق أو الصدام بينها خلال المرحلة المقبلة.

جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

وخلال الفترة الماضية، أصبح الجيش السوداني هو المظلة العسكرية الرئيسية التي تتحرك تحتها عدة قوى مختلفة في الخلفيات والأهداف. فالقوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة القادمة من دارفور تمتلك ثقلاً ميدانياً وخبرة قتالية، بينما تمثل «قوات درع السودان» قوة قبلية وعسكرية صاعدة، في حين يسعى بعض المنشقين عن «الدعم السريع» إلى إثبات حضورهم ضمن المعادلة الجديدة.

تحالف الضرورة

هذه التركيبة خلقت ما يشبه «تحالف الضرورة»، حيث يجمع هذه القوى هدف واحد، يتمثل في مواجهة «الدعم السريع»، لكن ذلك لا يعني وجود مشروع سياسي موحد بينها. فلكل طرف حساباته الخاصة المتعلقة بمستقبل السلطة وتقاسم النفوذ.

وفي هذا السياق، يبرز سؤال جوهري يتعلق بموقع «الحركة الإسلامية» داخل معادلة ما بعد الحرب. فالإسلاميون الذين شكّلوا لعقود أحد أبرز مكونات النفوذ داخل الدولة السودانية، عبر حضورهم السياسي والتنظيمي والأمني، لم يعودوا يحتكرون أدوات التأثير كما كان الحال في السابق. فالقوى التي صعدت خلال الحرب لا تنتمي بالضرورة إلى المشروع الإسلامي، كما أن عدداً منها يحمل إرثاً طويلاً من الخلاف والصراع السياسي مع الإسلاميين منذ عهد نظام «الإنقاذ» برئاسة الرئيس السابق عمر البشير.

ومن هنا تتجلى مفارقة لافتة؛ فكلما اتسعت دائرة القوى المنخرطة في دعم الجيش وتعددت مكوناتها، تراجع الوزن النسبي للتيار الإسلامي داخل هذا التحالف. فالإسلاميون لم يعودوا الطرف الوحيد القادر على توفير الحاضنة السياسية أو المساهمة العسكرية أو التعبئة المجتمعية، بل أصبحوا جزءاً من مشهد تتوزع فيه مراكز النفوذ بين فاعلين متعددين، لكل منهم مصالحه وحساباته الخاصة.

الإسلاميون أمام الضغوط

وتتزايد المؤشرات على تعرض التيار الإسلامي لضغوط سياسية متنامية، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. يقول الخبير الاستراتيجي اللواء عبد الهادي عبد الباسط، المقرب من التيار الإسلامي، إن الحركة الإسلامية تواجه خلال المرحلة الحالية تحديات غير مسبوقة، في ظل دعوات متصاعدة تطالب بإبعاد الإسلاميين عن ترتيبات ما بعد الحرب، بل محاسبتهم على أدوارهم خلال سنوات الحكم السابقة وما ارتبط بها من اتهامات. وشهدت الأشهر الماضية إجراءات أمنية وقانونية طالت عدداً من القيادات الإسلامية البارزة، قبل أن تطلق سراحهم، فيما لا تزال تعتقل القيادي في حزب المؤتمر الوطني «النعمان عبد الحليم».

قائد «كتائب البراء بن مالك» الإسلامية المصباح طلحة (وسط) يقف على يمين رئيس أركان الجيش السوداني ياسر العطا (متداولة)

وتزامنت هذه الإجراءات التي يعتقد أنها تمت بضغوط خارجية، مع تصنيف الحركة الإسلامية السودانية، وحزب المؤتمر الوطني، وكتيبة البراء بن مالك «منظمات إرهابية» من قبل وزارة الخارجية الأميركية.

كما برزت مواقف إقليمية ودولية تدعو إلى استبعاد الإسلاميين من أي عملية سياسية مستقبلية، وهو ما انعكس في بيانات ومشاورات دولية وإقليمية، من بينها الآلية الرباعية الدولية (أميركا، السعودية، الإمارات، مصر) والخماسية (الأمم المتحدة، والاتحادان الأوروبي والأفريقي، والجامعة العربية، ومنظمة إيغاد).

صراع في الداخل الإخواني

وفي داخل التيار الإخواني السوداني نفسه، تتصاعد الخلافات بشأن كيفية التعامل مع الضغوط الدولية والدعوات المتزايدة لإنهاء الحرب. فالإسلامويون لم يعودوا كتلة واحدة، بل يتوزعون بين مراكز نفوذ متعددة داخل الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني.

وتتولى الحركة الإسلامية، وفق ما هو متداول، قيادة تنظيمية بزعامة أمينها العام علي كرتي، بينما يشهد حزب المؤتمر الوطني صراعاً علنياً على القيادة بين رئيسه أحمد هارون، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، والرئيس السابق للحزب إبراهيم محمود حامد، المدعوم من نافع علي نافع الذي لا يزال يُنظر إليه كأحد أبرز القيادات التاريخية للحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني. ويبدو أن تيار علي كرتي وأحمد هارون يميل إلى مقاربة أكثر براغماتية تقوم على قبول تسوية تنهي الحرب، مقابل عدم إقصاء الإسلاميين من أي عملية سياسية أو انتخابات مستقبلية، حتى وإن لم يشاركوا في السلطة الانتقالية. في المقابل، يفضل تيار إبراهيم محمود ونافع علي نافع استثمار موازين الحرب الحالية للحفاظ على النفوذ التنظيمي وتعزيزه، مع تحفظ أكبر تجاه أي تسوية قد تؤدي إلى تقليص دور الإسلاميين داخل معسكر السلطة والحرب.

وفي ظل هذا التباين، لا يتوقف مستقبل الإسلاميين السودانيين على مآلات الحرب وحدها، بل يتوقف أيضاً على قدرتهم على حسم صراعات القيادة وإعادة صياغة حضورهم السياسي. فبينما لا تزال قطاعات واسعة من القوى المدنية ترفض عودتهم إلى المشهد، تحتفظ المؤسسة العسكرية بعلاقات ومصالح مع بعض شبكاتهم وخبراتهم وتحالفاتهم، ما يجعل موقعهم في مرحلة ما بعد الحرب أحد الملفات الأكثر تعقيداً في المشهد السوداني.

وفي المقابل، ترى قوى مدنية أن تراجع نفوذ الإسلاميين يمثل استحقاقاً سياسياً مرتبطاً بمسار الانتقال الديمقراطي أكثر من كونه نتيجة مباشرة للحرب. ويقول المتحدث باسم التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) الدكتور بكري الجاك، إن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان قد يكون قادراً على التخلي عن الإسلاميين، إلا أن المشكلة تكمن في نفوذهم داخل أجهزة الدولة ومؤسساتها المختلفة. وأضاف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن أي محاولة لإبعادهم تتطلب تحالفاً واسعاً يستند إلى مشروع سياسي جامع قادر على إدارة المرحلة المقبلة.

حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية خلال اجتماعات سابقة في نيروبي (تحالف صمود)

ويرى القيادي في حزب المؤتمر السوداني، شريف محمد عثمان، أن مشروع «الحركة الإسلامية» وحكم حزب المؤتمر الوطني سقط بإرادة الشعب السوداني خلال ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، وأن جهوده لاستمرار الحرب أسهمت في إضعاف التنظيم بصورة أكبر. كما رأى أن الضغوط والعقوبات الدولية، بما في ذلك تصنيف الولايات المتحدة لـ«الحركة الإسلامية» ضمن قوائم مرتبطة بالإرهاب، من شأنها أن تزيد من عزلة التنظيم السياسية.

ويشير شريف إلى أن القوى المدنية ماضية في عزل الإسلاميين سياسياً انطلاقاً من قناعتها بأن الاستقرار في السودان وإعادة بناء الدولة لن يتحققا إلا عبر دعم مسار مدني سلمي يقود إلى تأسيس مؤسسات جديدة على أسس عادلة، معتبراً أن نفوذ «الحركة الإسلامية» وواجهاتها السياسية يتجه نحو مزيد من التراجع.

وفي هذا السياق أيضاً، أكّد رئيس الكتلة الديمقراطية، الموالية للجيش، مبارك أردول، أنهم توافقوا «شفهياً» خلال مؤتمر عقد في أديس أبابا، للقوى المدنية السودانية، على استبعاد كل من المؤتمر الوطني وتحالف «تأسيس»، المتحالف مع «قوات الدعم السريع»، من أي ترتيبات مستقبلية، وهو ما أكّده على صفحته على منصة «فيسبوك».

ومع ذلك، فإن الحديث عن نهاية نفوذ الإسلاميين بشكل كامل قد يكون سابقاً لأوانه. فـ«الحركة الإسلامية» لا تزال تمتلك شبكات تنظيمية وخبرات سياسية متراكمة، كما تحتفظ بحضور داخل بعض مؤسسات الدولة وقطاعات من المجتمع. لكن المؤشرات الحالية توحي بأن قدرتها على استعادة الموقع المهيمن، الذي تمتعت به خلال عقود حكم الإنقاذ، تبدو أكثر صعوبة من أي وقت مضى.


مقالات ذات صلة

تعطل سد مروي يعيد أزمة الكهرباء إلى الواجهة في السودان

شمال افريقيا وزير الطاقة والنفط السوداني، المعتصم إبراهيم (متداولة)

تعطل سد مروي يعيد أزمة الكهرباء إلى الواجهة في السودان

قال وزير الطاقة السوداني، المعتصم إبراهيم، إن السودان يترقب وصول قطع غيار من الخارج لإصلاح شبكة الكهرباء التابعة لسد مروي، التي خرجت بالكامل عن الخدمة

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس أركان الجيش السوداني الفريق ياسر العطا مخاطباً قيادات عسكرية سودانية (سونا) p-circle 00:47

الفريق العطا: سنقضي على «الدعم السريع» والمرتزقة الأجانب بنهاية العام

أعلن رئيس أركان الجيش السوداني، الفريق ياسر العطا، أنَّ القوات المسلحة تعتزم تكثيف عملياتها العسكرية خلال المرحلة المقبلة، وإنهاء تمرد «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا لاجئ سوداني في مخيم أورا للاجئين في منطقة أسوسا بمنطقة بني شنقول - جوموز في إثيوبيا (أ.ف.ب)

معارك تيغراي توسع التوتر على حدود السودان الشرقية

لم تعد المواجهات العسكرية المتجددة في إقليم «تيغراي» شأناً إثيوبياً داخلياً فقط، بل امتدت تداعياتها إلى السودان الذي يعاني حربه الخاصة، وتسببت في موجة نزوح جديد

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا الدخان يتصاعد فوق المباني خلال اشتباكات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أرشيفية - رويترز)

35 قتيلاً على الأقل في ضربة بمسيرات في دارفور

أسفرت ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت محكمة أهلية في شمال دارفور عن مقتل 35 شخصاً على الأقل، وفق ما أفادت مجموعة محامي الطوارئ، الأحد.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا سد مروي بشمال السودان (وكالة السودان للأنباء)

الظلام يخيِّم على ولايات سودانية بعد انهيار شبكة كهرباء سد مروي

أدَّى عُطل فني كبير في شبكة الكهرباء بسد مروي في شمال السودان إلى انقطاع شبه عام في ولايات نهر النيل والبحر الأحمر والشمالية، وأجزاء واسعة من العاصمة الخرطوم.

محمد أمين ياسين (نيروبي)