بالتوازي مع المفاوضات الأميركية-الإيرانية التي أفضت إلى وقف إطلاق نار في لبنان، وما رافقها من معلومات «خلية مراقبة» مشتركة، برزت في الداخل اللبناني مواقف سياسية ومجتمعية رافضة لأي مقاربة تربط مستقبل لبنان بإيران، أو تجعل منه ورقة ضمن حساباتها. واعتبرت أحزاب وشخصيات تلتف معارضة لـ«حزب الله» أن المرحلة تستوجب تثبيت الدولة اللبنانية بوصفها مرجعية وحيدة في أي مسار تفاوضي، أو سياسي، محذرة من إعادة إدراج لبنان ضمن دائرة النفوذ الإيراني، أو رهن قراره الوطني بمسارات تفاوض خارجية.
وفي السياق، وجّه رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع رسالة إلى نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، شكره فيها على مواقفه، معتبراً أن أكبر مساهمة في هذه المرحلة تتمثل في دعم الدولة اللبنانية، ومؤسساتها الشرعية بوصفها المرجعية الوطنية الوحيدة، وحصر أي تفاوض أو مقاربة للملف اللبناني بالدولة اللبنانية وحدها، وإبعاد إيران نهائياً عن الملف اللبناني.
وأكد جعجع أن دعم الدولة اللبنانية في بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، وإنهاء الوجود العسكري والأمني لـ«حزب الله»، كل ذلك يشكل المدخل الأساسي لبناء دولة «سيدة وحرة وقادرة»، ويؤمن الاستقرار لجميع اللبنانيين.
سعادة نائب رئيس الولايات المتحدة الأميركيةالسيد جاي دي فانس @JDVance المحترم،تحية طيبة وبعد،اطّلعت باهتمام وتقدير على تصريحكم الذي عبّرتم فيه عن مودّتكم واهتمامكم بمسيحيي لبنان، فرأيت، بصفتي رئيس حزب «القوات اللبنانية»، أكبر حزب مسيحي في لبنان، أن أتوجّه إليكم بهذه الرسالة...
— Samir Geagea (@DrSamirGeagea) June 22, 2026

من جهته، قال رئيس حزب «الكتائب» النائب سامي الجميّل: «إيران تحاول إنقاذ ما تبقّى من عسكر (حزب الله) كي تستخدمه كلّما دعت الحاجة، وكلّما كانت هي في خطر».
وأضاف في مؤتمر صحافي: «لبنان قدّم في الحرب 10 أضعاف ما قدّمته إيران، وهذا ما أكّده رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، وعلى الدولة اللبنانية أن تظهر للعالم أنّ هناك دولة تتكلّم وتفعل وحان وقت أن ينفّذ الجيش اللبناني القرارات ولا يوجد أي عذر بعد الآن».
وأكد الجميّل قائلاً: «لن نتعايش مع (حزب الله) مهما كانت نتائج المفاوضات، وعليهم أن يلتزموا بشروط الدولة، فمعظم اللبنانيين غير مستعدين لأن يعيشوا رهينة لـ(حزب الله)».
وشدد الجميل على أن «بقاء سلاح (حزب الله) هو العائق الأول والأخير لعودة لبنان إلى سكة النهوض، ولن تتحرّر الأرض، ولن يعود النازحون، ولن نعيش سلاماً طالما هناك ميليشيات على أرضنا»، مؤكداً أن إعادة الإعمار، والاستثمار، وعودة المغتربين، وخلق فرص العمل تبقى مرتبطة بقيام الدولة، واحتكارها للسلاح.
لن نتعايش مع سلاح حزب الله مهما كانت نتائج المفاوضات خارجياً، عليهم أن يضعوا أنفسهم تحت سقف الدولة والقانون ويلتزموا بشروط الدولة، ولكن معظم اللبنانيين غير مستعدين للعيش كرهينة لحزب الله. سنعيش بسلام على ارضنا وبأمان وحرية وكرامة ولن نعود إلى الوراء وهذه ستكون خاتمة الأحزان.
— Samy Gemayel (@samygemayel) June 22, 2026
بدوره، أكد النائب فؤاد مخزومي أن استعادة الدولة تبدأ من الجنوب عبر حصر السلاح بيد الجيش اللبناني، والقوى الشرعية، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، داعياً إلى انتشار الجيش اللبناني في المناطق المحاذية للمواقع التي لا تزال تحت السيطرة الإسرائيلية بالتوازي مع انسحاب إسرائيل منها.
وشدد مخزومي على أنه «لا سيادة حقيقية إلا بدولة واحدة وجيش واحد وقرار وطني واحد»، معتبراً أن لبنان لا يمكنه استعادة سيادته وقراره الوطني ما دام سلاح «حزب الله» خارج إطار الدولة، وما دامت قرارات الحرب والسلم تُتخذ خارج المؤسسات الشرعية.
لا يمكن للبنان أن يستعيد سيادته وقراره الوطني ما دام سلاح حزب الله خارج إطار الدولة وما دامت قرارات الحرب والسلم تُتخذ خارج المؤسسات الشرعية.أدعو الدولة اللبنانية إلى نشر الجيش اللبناني في منطقة النبطية وعلى امتداد المناطق المحاذية للمواقع التي لا تزال تحت السيطرة الإسرائيلية،...
— Fouad Makhzoumi (@fmakhzoumi) June 22, 2026
إلى ذلك، اعتبر «لقاء سيدة الجبل» أن لبنان يواجه محاولة جديدة لمصادرة قراره الوطني عبر الإصرار الإيراني على التعامل معه على أنه ورقة تفاوض، متهماً طهران بالسعي إلى قطع الطريق على أي تفاوض مباشر بين الدولة اللبنانية وإسرائيل برعاية أميركية.
وشدد اللقاء على أن «الأولوية الوطنية المطلقة تكمن في تمسك الدولة اللبنانية بسيادتها الكاملة واحتكارها قرار الحرب والسلم والإصرار على إنجاح المسار التفاوضي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي بعيداً عن أي وصاية أو ارتهان خارجي»، محذراً من استمرار رهن القرار اللبناني بحسابات إقليمية لا تمت إلى مصالح اللبنانيين بصلة».

إطلاق «نداء لإنقاذ لبنان»
تقاطعت هذه المواقف مع مبادرة أطلقتها أكثر من 400 شخصية لبنانية في الداخل والاغتراب تحت عنوان: «نداء لإنقاذ لبنان»، ودعت إلى الالتفاف حول الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، ودعم مسار التفاوض المباشر الذي تقوده الدولة لإنهاء الحرب والاحتلال الإسرائيلي، واستعادة السيادة الكاملة على الأراضي اللبنانية.
وشدد الموقعون على رفض أي وصاية خارجية على القرار اللبناني، معتبرين أن حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة وإنهاء ظاهرة السلاح غير الشرعي يشكلان المدخل الأساسي لاستعادة السيادة والاستقرار. كما أكدوا دعمهم لرئيس الجمهورية والحكومة في تنفيذ التعهدات المتعلقة بحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، ورفض أن تتولى أي جهة حزبية أو خارجية التفاوض نيابة عن لبنان، في موقف عكس اتساع دائرة المطالبين بإبعاد الملف اللبناني عن التجاذبات الإقليمية، وحصره بالمؤسسات الدستورية اللبنانية.




