في أحد أحياء البرازيل، كان أطفال يركضون خلف كرة تتنقل فوق الأسفلت المتشقق، لكن المفاجأة لم تكن في شغفهم المعتاد بكرة القدم، بل في القمصان التي ارتدوها. الأحمر المغربي، بنجمته الخضراء، ظهر بعيداً عن الرباط والدار البيضاء وورزازات والعيون.
وعلى بعد آلاف الكيلومترات، كان سياسيون وفنانون ومشاهير من جنسيات مختلفة يعلنون تعاطفهم مع «أسود الأطلس»، فيما بات قميص المنتخب المغربي حاضراً في مدرجات لا تربط أصحابها بالمغرب أي رابطة دم أو جنسية.
لم يعد الأمر مجرد تشجيع عابر لفريق يقدم أداء جيداً في بطولة عالمية. إنها ظاهرة اجتماعية وثقافية تستحق التأمل، وفق قراءة قدمها أستاذ علم الاجتماع بجامعة مولاي إسماعيل، رشيد جرموني، الذي يرى أن المنتخب المغربي تجاوز منذ مونديال قطر 2022 حدوده الرياضية الضيقة، ليصبح رمزاً عالمياً للهوية والاعتراف والتمثيل.
يقول جرموني، في حديث لـ«وكالة الأنباء الألمانية»، إن الاهتمام المتزايد بالمنتخب المغربي «يفتح المجال أمام دائرة جديدة في السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا الرياضية»؛ لأن المسألة «أصبحت تتجاوز الرياضة بوصفها لعبة لتصبح مرتبطة بالهوية الرمزية والانتماء».

من وجهة نظر الباحث المغربي، تحول «أسود الأطلس» بعد إنجازه التاريخي في قطر إلى أكثر من مجرد منتخب وطني. لقد أصبح، بالنسبة لكثيرين تجسيداً لنجاح بلد من الجنوب العالمي، عربي وأفريقي ومسلم، استطاع أن يفرض حضوره داخل فضاء ظلت تهيمن عليه القوى الأوروبية والأميركية الجنوبية لعقود طويلة.
ويشرح أن «المغرب أصبح نموذجاً يجمع بين المحلي والعالمي في آن واحد».
فاللاعبون أبناء بيئات مختلفة، بعضهم نشأ داخل المغرب وآخرون في المهجر، لكنهم نجحوا في بناء سردية جماعية تقوم على الانضباط والتعايش والالتزام.
ويستحضر جرموني هنا أطروحات الباحث البريطاني الراحل، بندكت أندرسون، صاحب مفهوم «الجماعات المتخيلة»، موضحاً أن كرة القدم أصبحت تصنع أشكالاً جديدة من الانتماء تتجاوز الحدود السياسية التقليدية.
ويضيف: «هناك مشجعون لا تربطهم بالمغرب أي جنسية مباشرة، لكنهم يشعرون بالانتماء إلى رمزية النجاح التي يجسدها المنتخب المغربي».
الرأسمال الرمزي أو حين يصبح المنتخب علامة عالمية في تفسيره للظاهرة، يستعين جرموني بأفكار عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو حول «الرأسمال الرمزي».
فالمغرب، بحسبه، راكم خلال السنوات الأخيرة رأسمالاً رمزياً مهماً بفضل إنجازاته الرياضية، إلى درجة أن المنتخب «لم يعد مجرد فريق لكرة القدم، بل تحول إلى علامة عالمية».
ولم يعد هذا الرصيد مرتبطاً بالقيمة السوقية للاعبين فقط، بل بقيم أخرى أكثر تأثيراً... المثابرة، والانضباط، والتنوع الثقافي، وتقديم صورة إيجابية عن أفريقيا والعالم العربي.
ويقول أيضاً: «هناك نظرة إلى فريق ناشئ استطاع خرق الاحتكار التقليدي للقوى الكبرى، ليس بالصدفة، بل بالعمل الجماعي والثبات والقدرة على التعايش داخل المجموعة».
من أكثر المشاهد إثارة للانتباه ظهور أطفال برازيليين بقميص المنتخب المغربي، رغم أن البرازيل نفسها تعد إحدى أعظم القوى الكروية في التاريخ.

هنا يقدم جرموني ما يسميه «منطق البطل البديل». فالجمهور العالمي، وفق التحليل السوسيولوجي، يميل أحياناً إلى مساندة الفرق التي تتحدى الهيمنة التقليدية وتكسر توقعات النظام القائم.
ويقول: «البرازيل تمتلك خمسة ألقاب عالمية، لكنها لم تعد تمثل بالنسبة لبعض الجماهير ذلك الفريق الساحر كما في السابق. السحر بدأ ينتقل إلى المغرب».
ويضيف أن المغرب أصبح يمثل، في المخيال الجماعي لبعض المشجعين، «رمز المقاومة الرياضية للهيمنة»، وهو ما يفسر تعاطف جماهير من أميركا الجنوبية معه.
كما يشير إلى وجود تقاطعات ثقافية عميقة بين المغرب ومجتمعات أميركا اللاتينية، مثل مركزية الأسرة، وأهمية الدين، والاحتفاء الجماعي في الفضاء العام، إضافة إلى العلاقة العاطفية الخاصة بكرة القدم.
«كأنهم يبحثون عن بطل بديل يجدونه في المغرب»، يقول جرموني، «وهذا يعكس تقارباً ثقافياً متخيلاً».

غير أن ما جذب الأنظار عالمياً لم يكن الأداء الرياضي فقط. فخلال مونديال قطر، تحولت صور اللاعبين المغاربة وهم يحتفلون مع أمهاتهم إلى واحدة من أكثر اللقطات انتشاراً وتأثيراً في العالم.
ويعتبر جرموني أن هذه المشاهد أسست لما يسميه «الرأسمال الأخلاقي للمنتخب المغربي».
ويقول: «كانت سابقة لافتة أن ينزل اللاعبون إلى أرضية الملعب للاحتفال مع أمهاتهم. الأمر لم يكن مجرد لحظة عاطفية، بل إحياء لقيم عائلية وتقديم صورة إيجابية عن الثقافة المغربية».
ويضيف أن تلك الصور منحت المغرب «رصيداً أخلاقياً ورمزياً كبيراً»، لأنها قدمت سردية مختلفة عن الصورة النمطية السائدة حول المجتمعات العربية والأفريقية.
في زمن الشبكات الرقمية، لم يعد الانتماء رهيناً بالمكان. فجرموني يستحضر أفكار عالم الاجتماع مانويل كاستلز حول «مجتمع الشبكات»، موضحاً أن وسائل التواصل الاجتماعي أعادت تشكيل طرق بناء الهوية والانتماء.
فالمقاطع المنتشرة على منصات مثل «تيك توك»، والأفلام الوثائقية، واللحظات الإنسانية المرتبطة بالمنتخب المغربي، جعلت من المغرب قوة ناعمة صاعدة تتجاوز حدود الجغرافيا. «الانتماء أصبح مبنياً على السردية أكثر من الجغرافية»، يؤكد الباحث.
لكن لماذا يتحول قميص المنتخب إلى ظاهرة بحد ذاته؟ يجيب جرموني بأن الأنثروبولوجيا تنظر إلى الزي باعتباره أكثر من مجرد قطعة قماش.
فالقميص الكروي، بما يحمله من ألوان وشعارات ورموز، يتحول إلى وسيلة للتعبير عن الهوية.
ويقول: «حين يرتدي شخص قميص المغرب، فهو لا يعلن فقط تشجيعه لفريق رياضي، بل يعبر عن تماهيه مع قصة معينة وقيم معينة وجماعة رمزية معينة».
ويضيف أن القميص أصبح «لغة اجتماعية صامتة»، خصوصاً في عصر المنصات الرقمية، حيث تتحول الصورة الشخصية أو الفيديو القصير إلى إعلان رمزي عن الانتماء والاختيار.
في نهاية المطاف، يرى رشيد جرموني أن المنتخب المغربي أصبح ظاهرة اجتماعية وثقافية عالمية أكثر منه مجرد منتخب وطني.

فالاهتمام به من قبل سياسيين وفنانين ومواطنين من جنسيات متعددة «يعكس تحوله إلى رمز للنجاح والاعتراف والتمثيل الإيجابي للعالم العربي وأفريقيا».
ولذلك، فإن أطفال البرازيل الذين يرتدون قميص المغرب، أو مشجعاً في أقصى العالم يرفع العلم المغربي في المدرجات، لا يقومون فقط بفعل رياضي بسيط، بل يشاركون عن وعي أو دون وعي، في سردية أوسع تتعلق بالهوية والاعتراف والعدالة الرمزية.
لقد خرج «أسود الأطلس» من حدود الملعب ودخلوا فضاء المعنى. وتحول القميص المغربي إلى «لغة اجتماعية صامتة» تعبر عن الانخراط في «المواطنة الرياضية العالمية». إنها قصة وطن لم يعد يكتفي بتصدير اللاعبين، بل بات يصدر ثقافة، وقيماً، وسردية نصر تلهم الهوامش وتجبر المركز على التصفيق.




