بعد عقد على «بريكست»... هل يفتح الاتحاد الأوروبي مجدداً أبوابه لبريطانيا؟

الدول الـ27 ليست في عجلة من أمرها... لكن ستتسنى معاينة العلاقة الجديدة خلال قمة في بروكسل الشهر المقبل

الاجتماعات البريطانية - الأوروبية في لندن (أ.ف.ب)
الاجتماعات البريطانية - الأوروبية في لندن (أ.ف.ب)
TT

بعد عقد على «بريكست»... هل يفتح الاتحاد الأوروبي مجدداً أبوابه لبريطانيا؟

الاجتماعات البريطانية - الأوروبية في لندن (أ.ف.ب)
الاجتماعات البريطانية - الأوروبية في لندن (أ.ف.ب)

بعد عشر سنوات على الاستفتاء الذي أفضى إلى «بريكست»، يبدي أكثرية البريطانيين ندماً على خروجهم من الاتحاد الأوروبي، غير أن دول التكتل الـ27 لا تبدو على عجلة من أمرها لفتح أبوابها لهم.

وأظهرت استطلاعات للرأي في الأشهر الأخيرة أن غالبية واضحة من البريطانيين على قناعة بأن الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، تطبيقاً لنتائج استفتاء 23 يونيو (حزيران) 2016، كان خطأ. ودفع هذا التبدل في الرأي العام المعلقين على الخروج بتسميات جديدة من وحي كلمة «بريكست» لوصف هذا التوجه المعاكس، مستخدمين تعابير، مثل: «بريغريت» الذي يستخدم كلمة «ريغريت» أو «ندم»، و«بريتورن» اقتباساً لكلمة «ريتورن» أو «العودة»، و«بريونيون» الذي يتضمن كلمة «ريونيون» بمعنى «لمّ الشمل».

مظاهرة مناهضة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي خلال الاجتماعات بين الاتحاد الأوروبي والحكومة البريطانية (أ.ف.ب)

لكن أبعد من المصطلحات، تحتل هذه المسألة موقعاً بارزاً في صلب سجالات سياسية حادة في المملكة المتحدة بشأن الاستراتيجية الواجب اتباعها. ويرى أندي بيرنام، السياسي المخضرم الذي عاد إلى مجلس العموم بعد انتخابه يوم الخميس الماضي، والذي يُعتبر أكبر خصوم رئيس الحكومة، كير ستارمر، في حزب العمال، ومنافسه على زعامة الحزب، أن الخروج من الاتحاد الأوروبي كان خطأ، ويبدي أمله في العودة مجدداً إلى الأسرة الأوروبية، من غير أن يقدّم أي التزامات ملموسة، سواء لجهة تقديم طلب محتمل بذلك، أو تحديد جدول زمنيّ. ويستبعد ستارمر هذا الخيار في الوقت الحاضر، مكتفياً بالعمل على تحقيق تقارب في العلاقات مع الدول الـ27.

ستارمر يتوسط فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا بعد توقيع الاتفاق (أ.ف.ب)

ومن الجانب الأوروبي، من غير المؤكد أن يستجيب الاتحاد لطلب انضمام جديد من بريطانيا. وأكد نحو ستة دبلوماسيين أوروبيين تحدثت إليهم «وكالة الصحافة الفرنسية»، أن بلادهم ستكون منفتحة مبدئياً على عودة بريطانيا، لكنهم حذروا جميعاً بأنه سيتحتّم على لندن إبداء التزام تجاه التكتل والوفاء بواجباتها تجاهه، وهو ما شكك فيه معظمهم.

وقال أحد الدبلوماسيين إنه، في ظل الاستقطاب العالمي السائد، من مصلحة أوروبا أن تنضم إليها مجدداً قوة نووية تُعتبر من أقوى الاقتصادات في العالم، وتشغل مقعداً دائماً في مجلس الأمن الدولي. غير أن دبلوماسياً آخر أبدى تحفظاً، قائلاً: «ليسوا مستعدين في الوقت الحاضر للقبول بالواجبات الملازمة للعضوية».

لا تسرّع

والدول الـ27 ليست على عجلة من أمرها إطلاقاً لفتح هذا النقاش. وترى دول عديدة أن الاتحاد أفضل حالاً منذ «بريكست»، مع طي صفحة السجالات والنقاشات المتواصلة التي رافقت عضوية بريطانيا. وقال أحد الدبلوماسيين: «الأمر أسهل» منذ خروج لندن، موضحاً: «لم نعد مضطرين للتعامل باستمرار مع استثناءات بشأن كل ملف، هناك المزيد من التماسك».

علما الاتحاد الأوروبي (يسار) وبريطانيا (رويترز)

ورغم انتماء لندن لعقود إلى المجموعة الأوروبية ثم إلى الاتحاد الأوروبي، فهي لم تعتمد اليورو، ولم تنخرط في فضاء «شينغن» للتنقل الحر بين الدول الأعضاء، حتى إنها تفاوضت في عهد رئيسة الوزراء، مارغريت ثاتشر، على تخفيض مساهمتها في الميزانية المشتركة.

وهذا ما تعدّه الدول الأعضاء مؤشراً على قلة التزام فاضحة حيال الاتحاد.

غير أن أحد الدبلوماسيين قال ممازحاً إن من العواقب المؤسفة لخروج البريطانيين تراجع مستوى إتقان لغة شكسبير في الوثائق الرسمية الأوروبية، فيما يحتفظ البعض بذكريات طيبة عن العضوية البريطانية.

«الاتحاد الأوروبي تغيّر»

ولفت الخبير في مجموعة «تشاتام هاوس للدراسات»، سيباستيان مايار، إلى أنه مع انفصال بريطانيا خسرت بلدان الاتحاد الداعية إلى نهج اقتصادي ليبرالي، والمؤيدة للحلف الأطلسي، ثقلاً مؤثراً يمكنه موازنة طموحات فرنسا السيادية.

وبعد خروج بريطانيا، انطلق الاتحاد في السنوات الأخيرة في مسار يهدف إلى تحقيق «استقلالية استراتيجية»، مبدياً انحيازاً معلناً لـ«الأفضلية الأوروبية» في بعض القطاعات.

وقال الخبير إن «المملكة المتحدة لا تدرك مدى التغيير الذي طرأ على الاتحاد الأوروبي خلال السنوات العشر الماضية». وإن كانت أزمة «كوفيد» وسياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب والحرب في أوكرانيا ساهمت في هذا التطور، إلا أن خروج البريطانيين أيضاً دفع أوروبا إلى القيام بعملية إصلاح داخلي حتى لا تخسر أعضاء آخرين.

الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة المكلف ميشال بارنيه في حديث هامس في صورة تعود لعام 2019 (أ.ف.ب)

وتكللت هذه الجهود بقدر من النجاح؛ إذ لم تعد معظم الحركات الشعبوية واليمينية المتطرفة تدفع اليوم باتجاه خروج بلدانها من الاتحاد، بل تسعى لتغييره من الداخل.

وسيتسنى للأوروبيين والبريطانيين معاينة وضع علاقتهم الجديدة، خلال قمة مقررة في 22 يوليو (تموز) في بروكسل؛ فبعد التوتر الذي ساد في الأشهر الأخيرة بشأن الصناعات الدفاعية ومضاعفة الرسوم الجمركية الأوروبية على الصلب، ودعم شعار «صُنع في أوروبا»، قد يوقع الطرفان عدداً من الاتفاقيات.

لكن من المتوقع أن يقتصر الأمر على خطوات صغيرة، على غرار تدابير لتسهيل تنقل الشباب أو تجارة المنتجات الغذائية، وهو ما يبدو بعيداً كل البعد عن المصالحة الكبرى التي يحلم بها البعض بين بريطانيا والأوروبيين.

وبعد عشر سنوات على الاستفتاء الذي أفضى إلى خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، في يناير (كانون الثاني) 2020، كيف بات وضع البلاد بالأرقام على صعيد الهجرة والتجارة والاقتصاد، المواضيع الثلاثة التي كانت محورية في الحملة من أجل «بريكست»؟

ميشال برانيه متحدثاً في 18 ديسمبر 2020 أمام البرلمان الأوروبي (إ.ب.أ)

الهجرة

وعد أنصار «بريكست» باستعادة السيطرة على حدود بريطانيا مع الخروج من نظام حرية التنقل داخل التكتل. وإن كانت الهجرة من داخل الاتحاد الأوروبي تراجعت منذ ذلك الحين، إلا أن الهجرة من خارجه ازدادت بشكل كبير.

فبين 2012 و2016، كان مواطنو دول التكتل يشكلون ما بين 74 و81 في المائة من العدد الإجمالي الصافي للمهاجرين في المملكة المتحدة، بمعدل 250 ألف مهاجر في السنة خلال تلك الفترة، بحسب المكتب الوطني للإحصاءات.

في المقابل، كان صافي الهجرة الوافدة من خارج الاتحاد ضعيفاً نسبياً، إذ تراوح ما بين 61 و90 ألف مهاجر في السنة.

وبعد الاستفتاء، تراجع صافي عدد المهاجرين الوافدين من الاتحاد من 253 ألفاً عام 2016، إلى 70 ألفاً في 2020.

في المقابل، ازداد صافي الهجرة من خارج التكتل من 90 ألفاً عام 2016 إلى 186 ألفاً عام 2019. قبل أن يتراجع مجدداً إلى 101 ألف في 2020 خلال أزمة وباء «كوفيد».

وتصاعد هذا التوجه اعتباراً من عام 2021، مع دخول قوانين الهجرة الجديدة حيز التنفيذ في المملكة المتحدة، فوصل صافي عدد المهاجرين من خارج الاتحاد إلى مليون شخص عام 2023، فيما بات صافي الهجرة من الاتحاد سلبياً مع تخطي عدد الرعايا الأوروبيين المغادرين عدد الوافدين منهم.

وسجَّلت بريطانيا منذ ذلك الحين تراجعاً في العدد الإجمالي الصافي للمهاجرين ليصل إلى 308 آلاف عام 2025، جميعهم من خارج الاتحاد الأوروبي. وشكَّل رحيل البولنديين العنصر الرئيسي في تراجع عدد المهاجرين الأوروبيين، وقد دفعهم الازدهار الاقتصادي في بلدهم الأم للعودة.

الاقتصاد

يواجه البريطانيون أسئلة ملحة عن النمو الاقتصادي (إ.ب.أ)

كان أنصار «بريكست» يؤكدون أن الخروج من الاتحاد الأوروبي لن يؤثر على وضع الاقتصاد البريطاني، فيما حذر معارضوه من أن الخروج من السوق المشتركة سيتسبب بأزمة.

وتشير أرقام الناتج الداخلي الإجمالي الصادرة عن «منظمة التعاون والتنمية» في الميدان الاقتصادي إلى أن الاقتصاد البريطاني تبع بصورة عامة مسار الاقتصادات المتطورة الأخرى، خلال السنوات الأولى التي تلت الاستفتاء، غير أنه سجل تراجعاً تدريجياً بالنسبة للولايات المتحدة وكندا، اعتباراً من عام 2020.

وكان الأداء الاقتصادي للمملكة المتحدة أدنى بقليل من الاتحاد الأوروبي بعد الاستفتاء، وكانت عواقب الوباء أشد عليها من الدول الأوروبية المجاورة. إلا أن التعافي الذي أعقب ذلك كان أقوى في المملكة المتحدة، إذ كان نمو الناتج المحلي الإجمالي أقوى في بريطانيا منه في الاتحاد الأوروبي مباشرة بعد خروجها من السوق المشتركة عام 2021، لكنها عادت وسجلت تراجعاً طفيفاً بالمقارنة مع أوروبا في 2023 و2024 و2025.

نتائج خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لا تزال تثير جدلاً سياسياً واجتماعياً (أ.ب)

التجارة

كان أنصار الانفصال يؤكدون أن «بريكست» سيسمح للمملكة المتحدة بزيادة مبادلاتها التجارية مع باقي العالم، فيما كان معارضوه يعتبرون أن قطع علاقاتها مع سوقها الرئيسية سيقود إلى كارثة.

والواقع أن صادرات السلع إلى الاتحاد الأوروبي تراجعت من 205 مليارات جنيه إسترليني، عام 2016، وفق البيانات المعدّلة بحسب التضخّم، إلى 185 مليار جنيه إسترليني (245 مليار دولار) عام 2025، رغم انتعاشة وجيزة بعد الجائحة. وخلال الفترة نفسها، لم تتراجع واردات السلع الآتية من الاتحاد الأوروبي إلا بشكل طفيف، ما أدى إلى تفاقم العجز التجاري للمملكة المتحدة تجاه الاتحاد الأوروبي على مستوى السلع، ليرتفع من 113 مليار جنيه إسترليني إلى نحو 140 ملياراً، وفق بيانات «المكتب الوطني للإحصاءات».

ولم تتمكن بريطانيا من التعويض عن هذا العجز بصادراتها من السلع إلى الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، إذ بقيت مستقرة بين 2016 و2025.

وفي المقابل، حققت بريطانيا نمواً قوياً على صعيد صادرات الخدمات إلى جميع أنحاء العالم، ونتج عن ذلك ارتفاع في صادراتها الإجمالية من 765 مليار جنيه إسترليني إلى 908 مليارات جنيه إسترليني خلال الفترة ذاتها. غير أن الواردات الإجمالية ازدادت بنسبة أعلى؛ ما رفع العجز في الميزان التجاري البريطاني إلى نحو 65 مليار جنيه إسترليني عام 2025، بزيادة 3 مليارات عن عام 2016.


مقالات ذات صلة

بيرنهام: روسيا تدخلت في استفتاء «بريكست» عام 2016

أوروبا رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام (أ.ف.ب) p-circle

بيرنهام: روسيا تدخلت في استفتاء «بريكست» عام 2016

قال رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام إن روسيا تدخلت في استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست) عام 2016.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا بيرنهام يخاطب المشاركين في مؤتمر حزب العمال بليفربول يوم 30 سبتمبر (رويترز)

بيرنهام يفتح باب العودة إلى الاتحاد الأوروبي

أعاد رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام فتح أحد أكثر الملفات حساسية في السياسة البريطانية، بعدما طرح احتمال عودة بلاده إلى الاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أولريش زيغموند مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» في انتخابات ساكسونيا-أنهالت يتلقى التهاني من قيادات الحزب بعد فوزه في ماغديبورغ شرق ألمانيا يوم 6 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

«البديل لألمانيا»... وليد إنكار النخب الغربية وعجزها

ترى مراسلة صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، لور ماندفيل، أن الصعود الكبير لحزب «البديل من أجل ألمانيا» لا يمكن فصله عن موجة شعبوية أوسع تضرب الغرب منذ سنوات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري الشمس حارقة قرب «بيغ بن» ومبنى البرلمان في لندن... حتى الطقس تغيّر (رويترز)

تحليل إخباري بريطانيا «الجديدة»... زمن التحوّلات

تبدو بريطانيا اليوم كأنها تقف عند تقاطع عدة تحولات في وقت واحد...

أنطوان الحاج
تحليل إخباري أندي بيرنهام خلال أول اجتماع لحكومته في «10 داونينغ ستريت» يوم الثلاثاء 21 يوليو 2026 (د.ب.أ)

تحليل إخباري لا تغييرات «ثورية» في سياسة بريطانيا الخارجية خلال عهد بيرنهام

تبدو شخصية أندي بيرنهام، رئيس الوزراء البريطاني الجديد، لغزاً للمسؤولين الأوروبيين الذين لم يكن يعرفه كثير منهم...

ميشال أبونجم (باريس)

تغريم كبير موظفي مكتب زيلينسكي لتحدثه باللغة الروسية خلال مهام رسمية

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
TT

تغريم كبير موظفي مكتب زيلينسكي لتحدثه باللغة الروسية خلال مهام رسمية

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)

تحدّث رئيس مكتب الرئاسة الأوكرانية، كيريلو بودانوف، باللغة الروسية في أثناء أداء مهامه الرسمية، واضطر إلى دفع غرامة بسبب ذلك، وفقاً لما أعلنته مفوضة حماية اللغة الرسمية، أولينا إيفانوفسكا، عبر موقع «فيسبوك»، اليوم (السبت)، دون أن تذكر اسم بودانوف صراحة.

وكتبت أن الشخص المتهم اعترف بالمخالفة، وأنه سيدفع الغرامة في الموعد المحدد. وينص قانون اللغة الأوكرانية على فرض غرامات تتراوح بين 3400 و8500 هريفنيا (ما يعادل 75 إلى 187 دولاراً) في حالة ارتكاب المخالفة للمرة الأولى.

ولم يصدر بودانوف أي تعليق على الواقعة حتى الآن.

احتجاجات أمام سجن عسكري مؤقت

ومع ذلك، أشارت إيفانوفسكا إلى الواقعة التي تحول خلالها رئيس مكتب الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى التحدث باللغة الروسية.

ويوم الاثنين، تظاهر عدة مئات من الأشخاص أمام سجن عسكري مؤقت في إحدى ضواحي كييف، للاشتباه في أن «الحرس الوطني» يسيء معاملة الجنود المتهمين بالفرار من الخدمة العسكرية والمحتجزين هناك. وقد حظيت الواقعة باهتمام دولي.

ويحقق القضاء الأوكراني فيما إذا كان أفراد من القوات العسكرية قد تجاوزوا صلاحياتهم، كما ينظر في الشبهات المتعلقة باحتمال تعمّد التحريض على أعمال الشغب.

وكان بودانوف، وهو جنرال سابق في جهاز الاستخبارات، قد حاول تهدئة الأوضاع. ويُظهر مقطع فيديو له وهو يتحدث مع أحد المتظاهرين المصابين (14 عاماً)، مستخدماً الأوكرانية في بعض الأحيان والروسية في أحيان أخرى. كما رد باللغة الروسية على شقيقة الفتى المصاب عبر الهاتف، وأصدر تعليمات باللغة الروسية أيضاً.

ومع ذلك، فإن هذا الموقف الحواري يُعد أمراً شائعاً في كييف، حيث يتنقل كثير من السكان بين اللغتين الأوكرانية والروسية في حياتهم اليومية. وحتى داخل المؤسسة العسكرية، تُعدّ الأوكرانية لغة الأوامر الرسمية، لكن العديد من الجنود يتحدثون الروسية فيما بينهم.

وبفضل عملياته الاستخباراتية الجريئة، يتمتع بودانوف بسمعة البطل في أوكرانيا.

لكن على مواقع التواصل الاجتماعي، وُجهت إليه اتهامات بالتحدث بلغة «العدو»، أي اللغة الروسية. ولا يحظر قانون اللغة على المسؤولين الحكوميين التحدث بالروسية في حياتهم الخاصة، لكنه يُلزمهم باستخدام لغة الدولة الرسمية، وهي الأوكرانية، في أثناء أداء مهامهم الرسمية.


مظاهرات جديدة في فرنسا ضد غلاء المعيشة لكنها بمشاركة أقل

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماعاً في قصر الإليزيه يوم 18 أكتوبر (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماعاً في قصر الإليزيه يوم 18 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

مظاهرات جديدة في فرنسا ضد غلاء المعيشة لكنها بمشاركة أقل

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماعاً في قصر الإليزيه يوم 18 أكتوبر (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماعاً في قصر الإليزيه يوم 18 أكتوبر (أ.ف.ب)

بدأت مظاهرات جديدة في فرنسا، السبت، «ضد غلاء المعيشة ومن أجل الشباب»، بمشاركة أقل مقارنةً بالأسابيع الثلاثة السابقة، وسط تدابير أمنية مشددة، ولا سيما في باريس.

وتسعى السلطات إلى تجنب تكرار مشاهد الشغب والنهب التي وقعت في 17 أكتوبر (تشرين الأول) خلال المظاهرات. وباستثناء باريس التي تُعدّ بؤرة الحراك، شارك نحو 7000 شخص في 68 مظاهرة حتى وقت مبكر من بعد الظهر، وهو ما يمثل تراجعاً «ملحوظاً» في حجم المشاركة، وفق أوساط وزير الداخلية.

تهدف هذه التعبئة الجديدة، التي أعقبت مظاهرات نقابية ضخمة جرت الخميس، إلى إبقاء الضغط على السلطات قبل مؤتمر دعت الحكومة إلى عقده صباح الاثنين بمشاركة النقابات وأرباب العمل، قبل لقاءات مع المنظمات الطلابية بعد الظهر.

رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو (يسار) ووزير التربية إدوار جيفري خلال جلسة استماع في الجمعية الوطنية في 4 نوفمبر (أ.ف.ب)

وقد أعلن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو عقد مؤتمر يوم الاثنين بمشاركة النقابات العمالية واتحادات أصحاب الأعمال لمناقشة القدرة الشرائية والأجور. وأشارت الحكومة إلى عزمها على رفع الحد الأدنى للأجور، كما تعهدت بتوفير المزيد من الكوادر التعليمية في المدارس وزيادة التمويل المخصص لها، فيما دعت اتحادات تمثل طلاباً ومعلّمين إلى إضراب الثلاثاء المقبل، لمواصلة الضغط على الحكومة من أجل زيادة الإنفاق على التعليم، في إطار تحركات تتواصل منذ أسابيع وتشمل إغلاق مدارس واحتجاجات.

وقالت هذه الاتحادات في بيان مشترك، السبت، إن «حراكنا في موقع قوة، بينما الحكومة في موقع ضعف وبدأت ترضخ»، مضيفة: «حان الوقت لتوسيع نطاق التحركات الاحتجاجية ومواصلة الضغط على الحكومة».

رؤساء جامعات أو ممثلون عنهم يتظاهرون في باريس الجمعة للمطالبة بإيلاء الجامعات والمدارس مزيداً من الاهتمام الحكومي (أ.ف.ب)



وبدأت الأزمة بحركة لتلامذة الثانويات احتجاجاً على وضع التربية الوطنية، قبل أن تضاف إليها مطالب بشأن غلاء المعيشة واحتجاجاً على ماكرون الذي يغادر الرئاسة في مايو (أيار) بعد عشر سنوات في السلطة.

وأكد لوكورنو في رسالة وجهها الجمعة إلى الشركاء الاجتماعيين أنه يستمع إلى «التطلعات التي يتم التعبير عنها بشأن الأجور والقدرة الشرائية» و«هواجس» أرباب العمل، مؤكداً أن المؤتمر «سيسمح بعرض الردود الملموسة على تطلعات الفرنسيين». ودعا اتحاد النقابات الشبابية والنقابات المحلية إلى التظاهر السبت «ضد غلاء المعيشة ومن أجل الشباب» ضمن مسيرة مرخص لها تتوجه من ساحة لا ريبوبليك في قلب باريس إلى ساحة لا ناسيون. وقرابة الساعة الثالثة بعد الظهر كانت المسيرة تتقدم في هدوء.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

من جانبها، دعت تنسيقية «السترات الصفراء» إلى تجمع منفصل حظرته السلطات في ساحة الكونكورد بالقرب من مقر الجمعية الوطنية. وتجمّع نحو 100 منهم في المكان بعد ظهر السبت. وأفادت مراسلة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأن الشرطة سارعت إلى تطويق المتظاهرين الذين كان معظمهم لا يرتدون «السترات الصفراء»، كما تم توقيف أحد قادة الحراك أمام الجمعية الوطنية. وتعتزم «السترات الصفراء» أن تنظم نحو 120 تحركاً السبت في مواقع مختلفة من فرنسا، بعدما نظمت نحو 1700 تحرك في 17 أكتوبر.

وقبل أقل من ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية التي تتصدرها مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، لا يمكن لحكومة سيباستيان لوكورنو الاعتماد على أغلبية في الجمعية الوطنية، فيما يواجه الرئيس إيمانويل ماكرون أزمة اجتماعية جديدة يعتزم استغلالها مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون الذي تتوقع استطلاعات الرأي انتقاله إلى الدورة الثانية من الانتخابات. ويعقد ميلانشون تجمعاً ضخماً لإطلاق حملته.

ويعتزم ‌ميلونشون برفع الحد الأدنى للأجور وخفض سن التقاعد في البلاد إلى 60 عاماً، ​وذلك عند إطلاقه برنامجه لانتخابات 2027 السبت.

يُنظر إلى ميلونشون (75 عاماً) على أنه أقوى مرشح من اليسار، وأظهرت أحدث استطلاعات الرأي أنه سيصل إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في أبريل (نيسان) المقبل في مواجهة لوبان، لكنها تشير أيضاً إلى أنه سيخسر في الجولة الثانية.

يتجمع محتجون في ساحة الجمهورية (Place de la République) في باريس بفرنسا (رويترز)

ويحمل برنامجه عنوان «مستقبل مشترك»، وهو ‌النسخة الخامسة من برنامج ‌حزبه «فرنسا الأبية»، ويعيد إلى ​حد ‌كبير ⁠التأكيد ​على سياسات شكلت ⁠العمود الفقري لحملات ميلونشون السابقة للانتخابات الرئاسية.

ومن بين تعهداته الرئيسية إلغاء إصلاح نظام المعاشات التقاعدية الذي أقره الرئيس إيمانويل ماكرون، والذي رفع تدريجياً الحد الأدنى لسن التقاعد في فرنسا من 62 إلى 64 عاما ًفي محاولة لتعزيز المالية العامة. ويقول حزب «فرنسا الأبية» إنه سيعيد سن ⁠التقاعد إلى 60 عاماً لمن أسهموا في ‌النظام لمدة 40 عاماً.

كما يدعو ‌البرنامج إلى زيادة الحد الأدنى ​الصافي للأجر الشهري من نحو ‌1480 يورو إلى 1700 يورو، ويتضمن خططاً لإلغاء ‌الضريبة الموحدة على دخل رأس المال، وزيادة الضرائب على الأسر الأكثر ثراء، ووضع سقف لأسعار المواد الغذائية الأساسية.

متظاهر يرفع علماً وطنياً في ساحة الجمهورية (بلاس دو لا ريبوبليك) خلال يوم من الاحتجاجات ضد تكاليف المعيشة وارتفاع أسعار الوقود (أ.ف.ب)

ويؤكد حزب «فرنسا الأبية»، كما نقلت عنه «رويترز»، أيضاً دعمه للتخلي التدريجي عن الطاقة النووية لصالح نظام كهرباء ‌يعتمد بالكامل على الطاقة المتجددة، بما في ذلك إلغاء برنامج المفاعلات النووية وعدم ⁠تمديد عمر محطات ⁠الطاقة النووية إلى ما بعد 60 عاماً.

وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية، يجدد برنامج ميلونشون انتقاده طويل الأمد لحلف شمال الأطلسي، ويدعو إلى انسحاب فرنسا التدريجي من الحلف، بدءاً بالخروج من قيادته العسكرية المتكاملة.

كما ينتقد البرنامج النفوذ الألماني على السياسة الاقتصادية للاتحاد الأوروبي، ويصف برلين بأنها المدافع الرئيسي في أوروبا عن «الليبرالية المنظمة»، وهي فلسفة اقتصادية تقوم على قواعد صارمة للميزانية واستقرار الأسعار وسياسة نقدية مستقلة. ويدعو البرنامج إلى توفير حماية أكبر للصناعة ​المحلية، بما يشمل اتخاذ ​إجراءات لتشجيع نقل الإنتاج إلى فرنسا، ويدافع عن دور أكثر تدخلاً للدولة في الاقتصاد.


فرنسا تحقق في احتمال وقوف قوى أجنبية خلف بلاغات كاذبة عن وجود قنابل

أشخاص داخل مطار كوبنهاغن الدولي فيما تحقق الشرطة في تهديدات كاذبة بوجود قنابل أربكت الرحلات الجوية (رويترز)
أشخاص داخل مطار كوبنهاغن الدولي فيما تحقق الشرطة في تهديدات كاذبة بوجود قنابل أربكت الرحلات الجوية (رويترز)
TT

فرنسا تحقق في احتمال وقوف قوى أجنبية خلف بلاغات كاذبة عن وجود قنابل

أشخاص داخل مطار كوبنهاغن الدولي فيما تحقق الشرطة في تهديدات كاذبة بوجود قنابل أربكت الرحلات الجوية (رويترز)
أشخاص داخل مطار كوبنهاغن الدولي فيما تحقق الشرطة في تهديدات كاذبة بوجود قنابل أربكت الرحلات الجوية (رويترز)

أعلنت النيابة العامة في باريس، السبت، فتح تحقيق في بلاغات كاذبة بوجود قنابل استهدفت طائرات تحلق فوق الأراضي الفرنسية، يبحث خصوصاً في احتمال وقوف قوى أجنبية خلفها.

وقالت النيابة العامة، رداً على استفسار، إن التحقيق «يجري للكشف عن مرسلي الرسائل الإلكترونية التي تضمنت هذه المعلومات الزائفة للإيحاء بوقوع دمار خطير، وعن صلتهم المحتملة بقوى أجنبية».

شهدت أوروبا، الجمعة، سلسلة من بلاغات القنابل الكاذبة، عقب عشرات البلاغات المماثلة هذا الأسبوع، استهدفت رحلات جوية تجارية ومؤسسات إعلامية في آيرلندا، ما استدعى تحرّك قوات الأمن.

طائرة تحلق فوق مدينة دمبوفار المجرية فيما أعلن وزير الدفاع أن مقاتلات تولت حراسة طائرة من بروكسل إلى صوفيا بعد تهديدات بوجود قنابل (رويترز)

واستدعت الإنذارات في أنحاء أوروبا تحويل مسارات طائرات ومرافقتها بمقاتلات وإخلاءها وتفتيشها.

وجرى تحويل مسار طائرة تابعة لشركة «إير لينغوس» إلى مدينة إيفرو إثر تلقي إنذار بوجود قنبلة.

وأعلن مكتب رئيس الوزراء، الجمعة، عن تلقي أربعة إنذارات جديدة تتعلق بطائرات كانت تحلق فوق الأراضي الفرنسية، لافتاً إلى أن فرق إزالة المتفجرات أجرت «عمليات تفتيش أمنية» لها. وأفاد مصدر مطلع بهبوط ثلاث من هذه الطائرات في مطار أورلي، بينما هبطت الرابعة في بوردو، وجميعها هبطت بسلام.

طائرة تقلع من مطار ليوناردو دا فينشي الدولي قرب روما الخميس (أ.ب)

يأتي ذلك فيما يندد مسؤولون أوروبيون منذ أشهر بتصاعد عمليات زعزعة الاستقرار لصالح روسيا وإيران، سواء تمثلت في حملات التضليل، أو أعمال التخريب، أو الهجمات السيبرانية، وغيرها.