بعد عقد على «بريكست»... هل يفتح الاتحاد الأوروبي مجدداً أبوابه لبريطانيا؟

الدول الـ27 ليست في عجلة من أمرها... لكن ستتسنى معاينة العلاقة الجديدة خلال قمة في بروكسل الشهر المقبل

الاجتماعات البريطانية - الأوروبية في لندن (أ.ف.ب)
الاجتماعات البريطانية - الأوروبية في لندن (أ.ف.ب)
TT

بعد عقد على «بريكست»... هل يفتح الاتحاد الأوروبي مجدداً أبوابه لبريطانيا؟

الاجتماعات البريطانية - الأوروبية في لندن (أ.ف.ب)
الاجتماعات البريطانية - الأوروبية في لندن (أ.ف.ب)

بعد عشر سنوات على الاستفتاء الذي أفضى إلى «بريكست»، يبدي أكثرية البريطانيين ندماً على خروجهم من الاتحاد الأوروبي، غير أن دول التكتل الـ27 لا تبدو على عجلة من أمرها لفتح أبوابها لهم.

وأظهرت استطلاعات للرأي في الأشهر الأخيرة أن غالبية واضحة من البريطانيين على قناعة بأن الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، تطبيقاً لنتائج استفتاء 23 يونيو (حزيران) 2016، كان خطأ. ودفع هذا التبدل في الرأي العام المعلقين على الخروج بتسميات جديدة من وحي كلمة «بريكست» لوصف هذا التوجه المعاكس، مستخدمين تعابير، مثل: «بريغريت» الذي يستخدم كلمة «ريغريت» أو «ندم»، و«بريتورن» اقتباساً لكلمة «ريتورن» أو «العودة»، و«بريونيون» الذي يتضمن كلمة «ريونيون» بمعنى «لمّ الشمل».

مظاهرة مناهضة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي خلال الاجتماعات بين الاتحاد الأوروبي والحكومة البريطانية (أ.ف.ب)

لكن أبعد من المصطلحات، تحتل هذه المسألة موقعاً بارزاً في صلب سجالات سياسية حادة في المملكة المتحدة بشأن الاستراتيجية الواجب اتباعها. ويرى أندي بيرنام، السياسي المخضرم الذي عاد إلى مجلس العموم بعد انتخابه يوم الخميس الماضي، والذي يُعتبر أكبر خصوم رئيس الحكومة، كير ستارمر، في حزب العمال، ومنافسه على زعامة الحزب، أن الخروج من الاتحاد الأوروبي كان خطأ، ويبدي أمله في العودة مجدداً إلى الأسرة الأوروبية، من غير أن يقدّم أي التزامات ملموسة، سواء لجهة تقديم طلب محتمل بذلك، أو تحديد جدول زمنيّ. ويستبعد ستارمر هذا الخيار في الوقت الحاضر، مكتفياً بالعمل على تحقيق تقارب في العلاقات مع الدول الـ27.

ستارمر يتوسط فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا بعد توقيع الاتفاق (أ.ف.ب)

ومن الجانب الأوروبي، من غير المؤكد أن يستجيب الاتحاد لطلب انضمام جديد من بريطانيا. وأكد نحو ستة دبلوماسيين أوروبيين تحدثت إليهم «وكالة الصحافة الفرنسية»، أن بلادهم ستكون منفتحة مبدئياً على عودة بريطانيا، لكنهم حذروا جميعاً بأنه سيتحتّم على لندن إبداء التزام تجاه التكتل والوفاء بواجباتها تجاهه، وهو ما شكك فيه معظمهم.

وقال أحد الدبلوماسيين إنه، في ظل الاستقطاب العالمي السائد، من مصلحة أوروبا أن تنضم إليها مجدداً قوة نووية تُعتبر من أقوى الاقتصادات في العالم، وتشغل مقعداً دائماً في مجلس الأمن الدولي. غير أن دبلوماسياً آخر أبدى تحفظاً، قائلاً: «ليسوا مستعدين في الوقت الحاضر للقبول بالواجبات الملازمة للعضوية».

لا تسرّع

والدول الـ27 ليست على عجلة من أمرها إطلاقاً لفتح هذا النقاش. وترى دول عديدة أن الاتحاد أفضل حالاً منذ «بريكست»، مع طي صفحة السجالات والنقاشات المتواصلة التي رافقت عضوية بريطانيا. وقال أحد الدبلوماسيين: «الأمر أسهل» منذ خروج لندن، موضحاً: «لم نعد مضطرين للتعامل باستمرار مع استثناءات بشأن كل ملف، هناك المزيد من التماسك».

علما الاتحاد الأوروبي (يسار) وبريطانيا (رويترز)

ورغم انتماء لندن لعقود إلى المجموعة الأوروبية ثم إلى الاتحاد الأوروبي، فهي لم تعتمد اليورو، ولم تنخرط في فضاء «شينغن» للتنقل الحر بين الدول الأعضاء، حتى إنها تفاوضت في عهد رئيسة الوزراء، مارغريت ثاتشر، على تخفيض مساهمتها في الميزانية المشتركة.

وهذا ما تعدّه الدول الأعضاء مؤشراً على قلة التزام فاضحة حيال الاتحاد.

غير أن أحد الدبلوماسيين قال ممازحاً إن من العواقب المؤسفة لخروج البريطانيين تراجع مستوى إتقان لغة شكسبير في الوثائق الرسمية الأوروبية، فيما يحتفظ البعض بذكريات طيبة عن العضوية البريطانية.

«الاتحاد الأوروبي تغيّر»

ولفت الخبير في مجموعة «تشاتام هاوس للدراسات»، سيباستيان مايار، إلى أنه مع انفصال بريطانيا خسرت بلدان الاتحاد الداعية إلى نهج اقتصادي ليبرالي، والمؤيدة للحلف الأطلسي، ثقلاً مؤثراً يمكنه موازنة طموحات فرنسا السيادية.

وبعد خروج بريطانيا، انطلق الاتحاد في السنوات الأخيرة في مسار يهدف إلى تحقيق «استقلالية استراتيجية»، مبدياً انحيازاً معلناً لـ«الأفضلية الأوروبية» في بعض القطاعات.

وقال الخبير إن «المملكة المتحدة لا تدرك مدى التغيير الذي طرأ على الاتحاد الأوروبي خلال السنوات العشر الماضية». وإن كانت أزمة «كوفيد» وسياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب والحرب في أوكرانيا ساهمت في هذا التطور، إلا أن خروج البريطانيين أيضاً دفع أوروبا إلى القيام بعملية إصلاح داخلي حتى لا تخسر أعضاء آخرين.

الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة المكلف ميشال بارنيه في حديث هامس في صورة تعود لعام 2019 (أ.ف.ب)

وتكللت هذه الجهود بقدر من النجاح؛ إذ لم تعد معظم الحركات الشعبوية واليمينية المتطرفة تدفع اليوم باتجاه خروج بلدانها من الاتحاد، بل تسعى لتغييره من الداخل.

وسيتسنى للأوروبيين والبريطانيين معاينة وضع علاقتهم الجديدة، خلال قمة مقررة في 22 يوليو (تموز) في بروكسل؛ فبعد التوتر الذي ساد في الأشهر الأخيرة بشأن الصناعات الدفاعية ومضاعفة الرسوم الجمركية الأوروبية على الصلب، ودعم شعار «صُنع في أوروبا»، قد يوقع الطرفان عدداً من الاتفاقيات.

لكن من المتوقع أن يقتصر الأمر على خطوات صغيرة، على غرار تدابير لتسهيل تنقل الشباب أو تجارة المنتجات الغذائية، وهو ما يبدو بعيداً كل البعد عن المصالحة الكبرى التي يحلم بها البعض بين بريطانيا والأوروبيين.

وبعد عشر سنوات على الاستفتاء الذي أفضى إلى خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، في يناير (كانون الثاني) 2020، كيف بات وضع البلاد بالأرقام على صعيد الهجرة والتجارة والاقتصاد، المواضيع الثلاثة التي كانت محورية في الحملة من أجل «بريكست»؟

ميشال برانيه متحدثاً في 18 ديسمبر 2020 أمام البرلمان الأوروبي (إ.ب.أ)

الهجرة

وعد أنصار «بريكست» باستعادة السيطرة على حدود بريطانيا مع الخروج من نظام حرية التنقل داخل التكتل. وإن كانت الهجرة من داخل الاتحاد الأوروبي تراجعت منذ ذلك الحين، إلا أن الهجرة من خارجه ازدادت بشكل كبير.

فبين 2012 و2016، كان مواطنو دول التكتل يشكلون ما بين 74 و81 في المائة من العدد الإجمالي الصافي للمهاجرين في المملكة المتحدة، بمعدل 250 ألف مهاجر في السنة خلال تلك الفترة، بحسب المكتب الوطني للإحصاءات.

في المقابل، كان صافي الهجرة الوافدة من خارج الاتحاد ضعيفاً نسبياً، إذ تراوح ما بين 61 و90 ألف مهاجر في السنة.

وبعد الاستفتاء، تراجع صافي عدد المهاجرين الوافدين من الاتحاد من 253 ألفاً عام 2016، إلى 70 ألفاً في 2020.

في المقابل، ازداد صافي الهجرة من خارج التكتل من 90 ألفاً عام 2016 إلى 186 ألفاً عام 2019. قبل أن يتراجع مجدداً إلى 101 ألف في 2020 خلال أزمة وباء «كوفيد».

وتصاعد هذا التوجه اعتباراً من عام 2021، مع دخول قوانين الهجرة الجديدة حيز التنفيذ في المملكة المتحدة، فوصل صافي عدد المهاجرين من خارج الاتحاد إلى مليون شخص عام 2023، فيما بات صافي الهجرة من الاتحاد سلبياً مع تخطي عدد الرعايا الأوروبيين المغادرين عدد الوافدين منهم.

وسجَّلت بريطانيا منذ ذلك الحين تراجعاً في العدد الإجمالي الصافي للمهاجرين ليصل إلى 308 آلاف عام 2025، جميعهم من خارج الاتحاد الأوروبي. وشكَّل رحيل البولنديين العنصر الرئيسي في تراجع عدد المهاجرين الأوروبيين، وقد دفعهم الازدهار الاقتصادي في بلدهم الأم للعودة.

الاقتصاد

يواجه البريطانيون أسئلة ملحة عن النمو الاقتصادي (إ.ب.أ)

كان أنصار «بريكست» يؤكدون أن الخروج من الاتحاد الأوروبي لن يؤثر على وضع الاقتصاد البريطاني، فيما حذر معارضوه من أن الخروج من السوق المشتركة سيتسبب بأزمة.

وتشير أرقام الناتج الداخلي الإجمالي الصادرة عن «منظمة التعاون والتنمية» في الميدان الاقتصادي إلى أن الاقتصاد البريطاني تبع بصورة عامة مسار الاقتصادات المتطورة الأخرى، خلال السنوات الأولى التي تلت الاستفتاء، غير أنه سجل تراجعاً تدريجياً بالنسبة للولايات المتحدة وكندا، اعتباراً من عام 2020.

وكان الأداء الاقتصادي للمملكة المتحدة أدنى بقليل من الاتحاد الأوروبي بعد الاستفتاء، وكانت عواقب الوباء أشد عليها من الدول الأوروبية المجاورة. إلا أن التعافي الذي أعقب ذلك كان أقوى في المملكة المتحدة، إذ كان نمو الناتج المحلي الإجمالي أقوى في بريطانيا منه في الاتحاد الأوروبي مباشرة بعد خروجها من السوق المشتركة عام 2021، لكنها عادت وسجلت تراجعاً طفيفاً بالمقارنة مع أوروبا في 2023 و2024 و2025.

نتائج خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لا تزال تثير جدلاً سياسياً واجتماعياً (أ.ب)

التجارة

كان أنصار الانفصال يؤكدون أن «بريكست» سيسمح للمملكة المتحدة بزيادة مبادلاتها التجارية مع باقي العالم، فيما كان معارضوه يعتبرون أن قطع علاقاتها مع سوقها الرئيسية سيقود إلى كارثة.

والواقع أن صادرات السلع إلى الاتحاد الأوروبي تراجعت من 205 مليارات جنيه إسترليني، عام 2016، وفق البيانات المعدّلة بحسب التضخّم، إلى 185 مليار جنيه إسترليني (245 مليار دولار) عام 2025، رغم انتعاشة وجيزة بعد الجائحة. وخلال الفترة نفسها، لم تتراجع واردات السلع الآتية من الاتحاد الأوروبي إلا بشكل طفيف، ما أدى إلى تفاقم العجز التجاري للمملكة المتحدة تجاه الاتحاد الأوروبي على مستوى السلع، ليرتفع من 113 مليار جنيه إسترليني إلى نحو 140 ملياراً، وفق بيانات «المكتب الوطني للإحصاءات».

ولم تتمكن بريطانيا من التعويض عن هذا العجز بصادراتها من السلع إلى الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، إذ بقيت مستقرة بين 2016 و2025.

وفي المقابل، حققت بريطانيا نمواً قوياً على صعيد صادرات الخدمات إلى جميع أنحاء العالم، ونتج عن ذلك ارتفاع في صادراتها الإجمالية من 765 مليار جنيه إسترليني إلى 908 مليارات جنيه إسترليني خلال الفترة ذاتها. غير أن الواردات الإجمالية ازدادت بنسبة أعلى؛ ما رفع العجز في الميزان التجاري البريطاني إلى نحو 65 مليار جنيه إسترليني عام 2025، بزيادة 3 مليارات عن عام 2016.


مقالات ذات صلة

بيرنهام: روسيا تدخلت في استفتاء «بريكست» عام 2016

أوروبا رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام (أ.ف.ب) p-circle

بيرنهام: روسيا تدخلت في استفتاء «بريكست» عام 2016

قال رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام إن روسيا تدخلت في استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست) عام 2016.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا بيرنهام يخاطب المشاركين في مؤتمر حزب العمال بليفربول يوم 30 سبتمبر (رويترز)

بيرنهام يفتح باب العودة إلى الاتحاد الأوروبي

أعاد رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام فتح أحد أكثر الملفات حساسية في السياسة البريطانية، بعدما طرح احتمال عودة بلاده إلى الاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أولريش زيغموند مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» في انتخابات ساكسونيا-أنهالت يتلقى التهاني من قيادات الحزب بعد فوزه في ماغديبورغ شرق ألمانيا يوم 6 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

«البديل لألمانيا»... وليد إنكار النخب الغربية وعجزها

ترى مراسلة صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، لور ماندفيل، أن الصعود الكبير لحزب «البديل من أجل ألمانيا» لا يمكن فصله عن موجة شعبوية أوسع تضرب الغرب منذ سنوات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري الشمس حارقة قرب «بيغ بن» ومبنى البرلمان في لندن... حتى الطقس تغيّر (رويترز)

تحليل إخباري بريطانيا «الجديدة»... زمن التحوّلات

تبدو بريطانيا اليوم كأنها تقف عند تقاطع عدة تحولات في وقت واحد...

أنطوان الحاج
تحليل إخباري أندي بيرنهام خلال أول اجتماع لحكومته في «10 داونينغ ستريت» يوم الثلاثاء 21 يوليو 2026 (د.ب.أ)

تحليل إخباري لا تغييرات «ثورية» في سياسة بريطانيا الخارجية خلال عهد بيرنهام

تبدو شخصية أندي بيرنهام، رئيس الوزراء البريطاني الجديد، لغزاً للمسؤولين الأوروبيين الذين لم يكن يعرفه كثير منهم...

ميشال أبونجم (باريس)

«عدوى» الاحتجاجات الفرنسية تتوسّع في أوروبا


جانب من الاحتجاجات في العاصمة الألبانية تيرانا (أ.ف.ب)
جانب من الاحتجاجات في العاصمة الألبانية تيرانا (أ.ف.ب)
TT

«عدوى» الاحتجاجات الفرنسية تتوسّع في أوروبا


جانب من الاحتجاجات في العاصمة الألبانية تيرانا (أ.ف.ب)
جانب من الاحتجاجات في العاصمة الألبانية تيرانا (أ.ف.ب)

توسّعت موجة الاحتجاجات العنيفة التي تجتاح فرنسا لتصل إلى دول أوروبية أخرى؛ إذ شهدت مدن إيطالية، بينها ميلانو وتورينو، مواجهات مماثلة خلال مظاهرات ضد غلاء المعيشة، في حين تصاعدت الاحتجاجات في ألبانيا على خلفية اتهامات بالفساد، ونقص فرص العمل، وتدهور التعليم.

وفي فرنسا، أسفرت أحداث يوم السبت عن وفاة أحد المتظاهرين وإصابة مئات من أفراد الشرطة والمحتجين، في حين أوقفت السلطات نحو 1800 شخص، في حصيلة تعكس حجم التوتر الذي اجتاح مدناً عدة، من باريس إلى مرسيليا وليون وبوردو.

وفي مدينة ليموج، أضرم محتجون النار في مبنى البلدية التاريخي المدرج ضمن مواقع التراث المحمية، الذي احترق بدرجة كبيرة.

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون «لا شيء يبرر» أعمال العنف التي تخللتها الاحتجاجات، مبدياً «الغضب والعار» حيال ما حصل، وتوعد من «دمروا ونهبوا» بالمحاسبة.


ماكرون بعد أعمال الشغب في فرنسا: نشعر جميعاً بالغضب والعار

لقطة تلفزيونية تعرض خطاباً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قصر الإليزيه في باريس اليوم (أ.ف.ب)
لقطة تلفزيونية تعرض خطاباً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قصر الإليزيه في باريس اليوم (أ.ف.ب)
TT

ماكرون بعد أعمال الشغب في فرنسا: نشعر جميعاً بالغضب والعار

لقطة تلفزيونية تعرض خطاباً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قصر الإليزيه في باريس اليوم (أ.ف.ب)
لقطة تلفزيونية تعرض خطاباً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قصر الإليزيه في باريس اليوم (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مساء الأحد، معلقاً على تظاهرات الأمس وما رافقها من أعمال تخريب ونهب: «نشعر جميعاً هذا المساء بالغضب والعار»، داعياً إلى التمييز بين المتظاهرين الذين يعبّرون عن «مطالب مشروعة» ومرتكبي «أعمال النهب والتحطيم».

وقال ماكرون في كلمة تلفزيونية خاطب فيها الفرنسيين إن «رؤية تخريب شوارع مدننا أمر لا يحتمل»، مؤكداً «دعمه» لأصحاب المتاجر والمحلات التي تعرضت للنهب.

وأوردت حصيلة صادرة عن وزارة الداخلية الفرنسية أنه تم اعتقال نحو 2400 شخص، أمس، في فرنسا، خلال يوم من الاحتجاجات ضد غلاء المعيشة تخللته أعمال عنف، فضلاً عن إصابة نحو 1000 من عناصر الشرطة والدرك جروح سبعة منهم خطيرة.


«هدنة ترمب» لا توقف حرب الطاقة بين روسيا وأوكرانيا

تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)
تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

«هدنة ترمب» لا توقف حرب الطاقة بين روسيا وأوكرانيا

تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)
تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)

تبادلت روسيا وأوكرانيا هجمات واسعة استهدفت منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية، في تصعيد جديد يهدد بتوسيع تداعيات الحرب على المدنيين، مع انقطاع الكهرباء عن عشرات الآلاف واندلاع حرائق في منشآت نفطية روسية، رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب التوصل إلى هدنة في قطاع الطاقة بين البلدين.

وتكشف الضربات المتزامنة عن هشاشة المساعي الرامية إلى الحد من استهداف المنشآت الحيوية، في وقت تتبادل موسكو وكييف الاتهامات بخرق التفاهمات، بينما تتزايد المخاوف من تأثير الهجمات على إمدادات الكهرباء والوقود مع اقتراب فصل الشتاء.

حرائق وهجمات بمئات المسيّرات

واستهدفت طائرات مسيّرة أوكرانية، ليل السبت - الأحد، منشآت نفطية وصناعية في سان بطرسبورغ ومقاطعة لينينغراد المحيطة بها، ما أدى إلى اندلاع حرائق في محطة سان بطرسبورغ النفطية ومنشأة روتشي لتخزين النفط ومستودعات صناعية في جنوب المدينة.

وقال حاكم سان بطرسبورغ ألكسندر بيغلوف إن الهجوم أسفر عن مقتل شخص وإصابة خمسة آخرين نُقلوا إلى المستشفى، فيما لحقت أضرار بنحو 12 مبنى سكنياً ومنزلين. كما أعلنت شركة «أوزون» الروسية للتجارة الإلكترونية تعرض أحد مراكزها اللوجستية لضربة بطائرة مسيّرة.

وفي مقاطعة لينينغراد، قال الحاكم ألكسندر دروجدنكو إن الدفاعات الجوية أسقطت 145 طائرة مسيّرة خلال الليل، وهو أكبر عدد من المسيّرات تشهده المنطقة منذ بدء الحرب عام 2022؛ بحسب وكالة «تاس» الروسية. وأضاف أن الهجمات تسببت في انقطاع الكهرباء عن نحو 20 ألف شخص.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية إسقاط 1015 طائرة مسيّرة أوكرانية فوق نحو 15 منطقة روسية خلال الليل، بينها مناطق في جنوب البلاد وغربها ومنطقة موسكو.

وامتدت الهجمات إلى البنية التحتية الرقمية؛ إذ أعلنت شبكة «في كيه» الروسية تعرض مركز بيانات تابع لها في المنطقة لهجوم، مؤكدة استمرار خدماتها بصورة طبيعية. وقالت شركة «فاير بوينت» الأوكرانية المصنعة للطائرات المسيّرة إن الجيش الأوكراني استهدف المركز.

ووصف المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف الهجوم على سان بطرسبورغ بأنه دليل على مقاومة كييف، لكنه قال إن ذلك لن يغير مسار الأحداث، مؤكداً أن روسيا تواصل الرد على الهجمات الأوكرانية بضربات واسعة.

كييف تتهم موسكو بخرق الهدنة

صورة من مقطع فيديو تظهر تصاعد النيران بالقرب من محطة نفط في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات أمس (رويترز)

في المقابل، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن القوات الروسية استهدفت منشآت كهرباء في مقاطعات فينيتسا وجيتومير وخميلنيتسكي وأوديسا، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن عشرات الآلاف من الأسر.

وقال زيلينسكي إن الهجمات الروسية خلال الأسبوع الماضي شملت نحو 2700 طائرة مسيّرة و1700 قنبلة جوية و66 صاروخاً، معظمها باليستية. وأضاف أن روسيا نفذت 76 هجوماً على قطاعات الطاقة والنفط والغاز الأوكرانية منذ إعلان ترمب الهدنة قبل أسبوع.

وأسفرت الضربات الروسية، وفق زيلينسكي، عن مقتل شخصين وإصابة 12 آخرين، بينهم طفلان، فيما تعمل فرق الإصلاح على مدار الساعة لإعادة التيار الكهربائي.

وتأتي هذه التطورات بعد انقطاعات واسعة للكهرباء شهدتها أوكرانيا خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، في وقت تزيد فيه الحاجة إلى الطاقة مع اقتراب الشتاء.

خلاف أميركي أوكراني

كان ترمب قد دعا مراراً زيلينسكي إلى وقف استهداف مصافي النفط ومستودعاته الروسية، معتبراً أن هذه الهجمات تسهم في رفع أسعار الوقود. وتقول كييف إن ضرباتها تأتي رداً على القصف الروسي لمنشآت الطاقة الأوكرانية، وتهدف أيضاً إلى تقليص عائدات موسكو النفطية التي تمول الحرب.

لكن الهدنة المعلنة لم تمنع استئناف الهجمات؛ إذ أعلنت أوكرانيا الخميس عزمها استئناف ضرب مصافي النفط، متهمة روسيا بعدم الالتزام بالتفاهمات.

وزادت التوترات تعقيداً بعد توقيع ترمب، الجمعة، أمراً تنفيذياً علّق بموجبه عقوبات ورسوم جمركية تستهدف عائدات النفط الروسية، عقب اتفاق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على استئناف صادرات الديزل الروسية إلى الأسواق الأميركية والعالمية مقابل تخفيف العقوبات. وقوبلت الخطوة بتنديد أوكراني.

وبينما تسعى واشنطن إلى احتواء التصعيد، تشير الضربات المتبادلة إلى أن منشآت الطاقة لا تزال في صلب المواجهة العسكرية والاقتصادية، وأن أي هدنة لا تحظى بالتزام متبادل ستظل عرضة للانهيار، مع استمرار تعرض المدنيين لخطر انقطاع الكهرباء وتضرر إمدادات الوقود والخدمات الأساسية.