بعد عقد على «بريكست»... هل يفتح الاتحاد الأوروبي مجدداً أبوابه لبريطانيا؟

الدول الـ27 ليست في عجلة من أمرها... لكن ستتسنى معاينة العلاقة الجديدة خلال قمة في بروكسل الشهر المقبل

الاجتماعات البريطانية - الأوروبية في لندن (أ.ف.ب)
الاجتماعات البريطانية - الأوروبية في لندن (أ.ف.ب)
TT

بعد عقد على «بريكست»... هل يفتح الاتحاد الأوروبي مجدداً أبوابه لبريطانيا؟

الاجتماعات البريطانية - الأوروبية في لندن (أ.ف.ب)
الاجتماعات البريطانية - الأوروبية في لندن (أ.ف.ب)

بعد عشر سنوات على الاستفتاء الذي أفضى إلى «بريكست»، يبدي أكثرية البريطانيين ندماً على خروجهم من الاتحاد الأوروبي، غير أن دول التكتل الـ27 لا تبدو على عجلة من أمرها لفتح أبوابها لهم.

وأظهرت استطلاعات للرأي في الأشهر الأخيرة أن غالبية واضحة من البريطانيين على قناعة بأن الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، تطبيقاً لنتائج استفتاء 23 يونيو (حزيران) 2016، كان خطأ. ودفع هذا التبدل في الرأي العام المعلقين على الخروج بتسميات جديدة من وحي كلمة «بريكست» لوصف هذا التوجه المعاكس، مستخدمين تعابير، مثل: «بريغريت» الذي يستخدم كلمة «ريغريت» أو «ندم»، و«بريتورن» اقتباساً لكلمة «ريتورن» أو «العودة»، و«بريونيون» الذي يتضمن كلمة «ريونيون» بمعنى «لمّ الشمل».

مظاهرة مناهضة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي خلال الاجتماعات بين الاتحاد الأوروبي والحكومة البريطانية (أ.ف.ب)

لكن أبعد من المصطلحات، تحتل هذه المسألة موقعاً بارزاً في صلب سجالات سياسية حادة في المملكة المتحدة بشأن الاستراتيجية الواجب اتباعها. ويرى أندي بيرنام، السياسي المخضرم الذي عاد إلى مجلس العموم بعد انتخابه يوم الخميس الماضي، والذي يُعتبر أكبر خصوم رئيس الحكومة، كير ستارمر، في حزب العمال، ومنافسه على زعامة الحزب، أن الخروج من الاتحاد الأوروبي كان خطأ، ويبدي أمله في العودة مجدداً إلى الأسرة الأوروبية، من غير أن يقدّم أي التزامات ملموسة، سواء لجهة تقديم طلب محتمل بذلك، أو تحديد جدول زمنيّ. ويستبعد ستارمر هذا الخيار في الوقت الحاضر، مكتفياً بالعمل على تحقيق تقارب في العلاقات مع الدول الـ27.

ستارمر يتوسط فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا بعد توقيع الاتفاق (أ.ف.ب)

ومن الجانب الأوروبي، من غير المؤكد أن يستجيب الاتحاد لطلب انضمام جديد من بريطانيا. وأكد نحو ستة دبلوماسيين أوروبيين تحدثت إليهم «وكالة الصحافة الفرنسية»، أن بلادهم ستكون منفتحة مبدئياً على عودة بريطانيا، لكنهم حذروا جميعاً بأنه سيتحتّم على لندن إبداء التزام تجاه التكتل والوفاء بواجباتها تجاهه، وهو ما شكك فيه معظمهم.

وقال أحد الدبلوماسيين إنه، في ظل الاستقطاب العالمي السائد، من مصلحة أوروبا أن تنضم إليها مجدداً قوة نووية تُعتبر من أقوى الاقتصادات في العالم، وتشغل مقعداً دائماً في مجلس الأمن الدولي. غير أن دبلوماسياً آخر أبدى تحفظاً، قائلاً: «ليسوا مستعدين في الوقت الحاضر للقبول بالواجبات الملازمة للعضوية».

لا تسرّع

والدول الـ27 ليست على عجلة من أمرها إطلاقاً لفتح هذا النقاش. وترى دول عديدة أن الاتحاد أفضل حالاً منذ «بريكست»، مع طي صفحة السجالات والنقاشات المتواصلة التي رافقت عضوية بريطانيا. وقال أحد الدبلوماسيين: «الأمر أسهل» منذ خروج لندن، موضحاً: «لم نعد مضطرين للتعامل باستمرار مع استثناءات بشأن كل ملف، هناك المزيد من التماسك».

علما الاتحاد الأوروبي (يسار) وبريطانيا (رويترز)

ورغم انتماء لندن لعقود إلى المجموعة الأوروبية ثم إلى الاتحاد الأوروبي، فهي لم تعتمد اليورو، ولم تنخرط في فضاء «شينغن» للتنقل الحر بين الدول الأعضاء، حتى إنها تفاوضت في عهد رئيسة الوزراء، مارغريت ثاتشر، على تخفيض مساهمتها في الميزانية المشتركة.

وهذا ما تعدّه الدول الأعضاء مؤشراً على قلة التزام فاضحة حيال الاتحاد.

غير أن أحد الدبلوماسيين قال ممازحاً إن من العواقب المؤسفة لخروج البريطانيين تراجع مستوى إتقان لغة شكسبير في الوثائق الرسمية الأوروبية، فيما يحتفظ البعض بذكريات طيبة عن العضوية البريطانية.

«الاتحاد الأوروبي تغيّر»

ولفت الخبير في مجموعة «تشاتام هاوس للدراسات»، سيباستيان مايار، إلى أنه مع انفصال بريطانيا خسرت بلدان الاتحاد الداعية إلى نهج اقتصادي ليبرالي، والمؤيدة للحلف الأطلسي، ثقلاً مؤثراً يمكنه موازنة طموحات فرنسا السيادية.

وبعد خروج بريطانيا، انطلق الاتحاد في السنوات الأخيرة في مسار يهدف إلى تحقيق «استقلالية استراتيجية»، مبدياً انحيازاً معلناً لـ«الأفضلية الأوروبية» في بعض القطاعات.

وقال الخبير إن «المملكة المتحدة لا تدرك مدى التغيير الذي طرأ على الاتحاد الأوروبي خلال السنوات العشر الماضية». وإن كانت أزمة «كوفيد» وسياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب والحرب في أوكرانيا ساهمت في هذا التطور، إلا أن خروج البريطانيين أيضاً دفع أوروبا إلى القيام بعملية إصلاح داخلي حتى لا تخسر أعضاء آخرين.

الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة المكلف ميشال بارنيه في حديث هامس في صورة تعود لعام 2019 (أ.ف.ب)

وتكللت هذه الجهود بقدر من النجاح؛ إذ لم تعد معظم الحركات الشعبوية واليمينية المتطرفة تدفع اليوم باتجاه خروج بلدانها من الاتحاد، بل تسعى لتغييره من الداخل.

وسيتسنى للأوروبيين والبريطانيين معاينة وضع علاقتهم الجديدة، خلال قمة مقررة في 22 يوليو (تموز) في بروكسل؛ فبعد التوتر الذي ساد في الأشهر الأخيرة بشأن الصناعات الدفاعية ومضاعفة الرسوم الجمركية الأوروبية على الصلب، ودعم شعار «صُنع في أوروبا»، قد يوقع الطرفان عدداً من الاتفاقيات.

لكن من المتوقع أن يقتصر الأمر على خطوات صغيرة، على غرار تدابير لتسهيل تنقل الشباب أو تجارة المنتجات الغذائية، وهو ما يبدو بعيداً كل البعد عن المصالحة الكبرى التي يحلم بها البعض بين بريطانيا والأوروبيين.

وبعد عشر سنوات على الاستفتاء الذي أفضى إلى خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، في يناير (كانون الثاني) 2020، كيف بات وضع البلاد بالأرقام على صعيد الهجرة والتجارة والاقتصاد، المواضيع الثلاثة التي كانت محورية في الحملة من أجل «بريكست»؟

ميشال برانيه متحدثاً في 18 ديسمبر 2020 أمام البرلمان الأوروبي (إ.ب.أ)

الهجرة

وعد أنصار «بريكست» باستعادة السيطرة على حدود بريطانيا مع الخروج من نظام حرية التنقل داخل التكتل. وإن كانت الهجرة من داخل الاتحاد الأوروبي تراجعت منذ ذلك الحين، إلا أن الهجرة من خارجه ازدادت بشكل كبير.

فبين 2012 و2016، كان مواطنو دول التكتل يشكلون ما بين 74 و81 في المائة من العدد الإجمالي الصافي للمهاجرين في المملكة المتحدة، بمعدل 250 ألف مهاجر في السنة خلال تلك الفترة، بحسب المكتب الوطني للإحصاءات.

في المقابل، كان صافي الهجرة الوافدة من خارج الاتحاد ضعيفاً نسبياً، إذ تراوح ما بين 61 و90 ألف مهاجر في السنة.

وبعد الاستفتاء، تراجع صافي عدد المهاجرين الوافدين من الاتحاد من 253 ألفاً عام 2016، إلى 70 ألفاً في 2020.

في المقابل، ازداد صافي الهجرة من خارج التكتل من 90 ألفاً عام 2016 إلى 186 ألفاً عام 2019. قبل أن يتراجع مجدداً إلى 101 ألف في 2020 خلال أزمة وباء «كوفيد».

وتصاعد هذا التوجه اعتباراً من عام 2021، مع دخول قوانين الهجرة الجديدة حيز التنفيذ في المملكة المتحدة، فوصل صافي عدد المهاجرين من خارج الاتحاد إلى مليون شخص عام 2023، فيما بات صافي الهجرة من الاتحاد سلبياً مع تخطي عدد الرعايا الأوروبيين المغادرين عدد الوافدين منهم.

وسجَّلت بريطانيا منذ ذلك الحين تراجعاً في العدد الإجمالي الصافي للمهاجرين ليصل إلى 308 آلاف عام 2025، جميعهم من خارج الاتحاد الأوروبي. وشكَّل رحيل البولنديين العنصر الرئيسي في تراجع عدد المهاجرين الأوروبيين، وقد دفعهم الازدهار الاقتصادي في بلدهم الأم للعودة.

الاقتصاد

يواجه البريطانيون أسئلة ملحة عن النمو الاقتصادي (إ.ب.أ)

كان أنصار «بريكست» يؤكدون أن الخروج من الاتحاد الأوروبي لن يؤثر على وضع الاقتصاد البريطاني، فيما حذر معارضوه من أن الخروج من السوق المشتركة سيتسبب بأزمة.

وتشير أرقام الناتج الداخلي الإجمالي الصادرة عن «منظمة التعاون والتنمية» في الميدان الاقتصادي إلى أن الاقتصاد البريطاني تبع بصورة عامة مسار الاقتصادات المتطورة الأخرى، خلال السنوات الأولى التي تلت الاستفتاء، غير أنه سجل تراجعاً تدريجياً بالنسبة للولايات المتحدة وكندا، اعتباراً من عام 2020.

وكان الأداء الاقتصادي للمملكة المتحدة أدنى بقليل من الاتحاد الأوروبي بعد الاستفتاء، وكانت عواقب الوباء أشد عليها من الدول الأوروبية المجاورة. إلا أن التعافي الذي أعقب ذلك كان أقوى في المملكة المتحدة، إذ كان نمو الناتج المحلي الإجمالي أقوى في بريطانيا منه في الاتحاد الأوروبي مباشرة بعد خروجها من السوق المشتركة عام 2021، لكنها عادت وسجلت تراجعاً طفيفاً بالمقارنة مع أوروبا في 2023 و2024 و2025.

نتائج خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لا تزال تثير جدلاً سياسياً واجتماعياً (أ.ب)

التجارة

كان أنصار الانفصال يؤكدون أن «بريكست» سيسمح للمملكة المتحدة بزيادة مبادلاتها التجارية مع باقي العالم، فيما كان معارضوه يعتبرون أن قطع علاقاتها مع سوقها الرئيسية سيقود إلى كارثة.

والواقع أن صادرات السلع إلى الاتحاد الأوروبي تراجعت من 205 مليارات جنيه إسترليني، عام 2016، وفق البيانات المعدّلة بحسب التضخّم، إلى 185 مليار جنيه إسترليني (245 مليار دولار) عام 2025، رغم انتعاشة وجيزة بعد الجائحة. وخلال الفترة نفسها، لم تتراجع واردات السلع الآتية من الاتحاد الأوروبي إلا بشكل طفيف، ما أدى إلى تفاقم العجز التجاري للمملكة المتحدة تجاه الاتحاد الأوروبي على مستوى السلع، ليرتفع من 113 مليار جنيه إسترليني إلى نحو 140 ملياراً، وفق بيانات «المكتب الوطني للإحصاءات».

ولم تتمكن بريطانيا من التعويض عن هذا العجز بصادراتها من السلع إلى الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، إذ بقيت مستقرة بين 2016 و2025.

وفي المقابل، حققت بريطانيا نمواً قوياً على صعيد صادرات الخدمات إلى جميع أنحاء العالم، ونتج عن ذلك ارتفاع في صادراتها الإجمالية من 765 مليار جنيه إسترليني إلى 908 مليارات جنيه إسترليني خلال الفترة ذاتها. غير أن الواردات الإجمالية ازدادت بنسبة أعلى؛ ما رفع العجز في الميزان التجاري البريطاني إلى نحو 65 مليار جنيه إسترليني عام 2025، بزيادة 3 مليارات عن عام 2016.


مقالات ذات صلة

«البديل لألمانيا»... وليد إنكار النخب الغربية وعجزها

أوروبا أولريش زيغموند مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» في انتخابات ساكسونيا-أنهالت يتلقى التهاني من قيادات الحزب بعد فوزه في ماغديبورغ شرق ألمانيا يوم 6 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

«البديل لألمانيا»... وليد إنكار النخب الغربية وعجزها

ترى مراسلة صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، لور ماندفيل، أن الصعود الكبير لحزب «البديل من أجل ألمانيا» لا يمكن فصله عن موجة شعبوية أوسع تضرب الغرب منذ سنوات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري الشمس حارقة قرب «بيغ بن» ومبنى البرلمان في لندن... حتى الطقس تغيّر (رويترز)

تحليل إخباري بريطانيا «الجديدة»... زمن التحوّلات

تبدو بريطانيا اليوم كأنها تقف عند تقاطع عدة تحولات في وقت واحد...

أنطوان الحاج
تحليل إخباري أندي بيرنهام خلال أول اجتماع لحكومته في «10 داونينغ ستريت» يوم الثلاثاء 21 يوليو 2026 (د.ب.أ)

تحليل إخباري لا تغييرات «ثورية» في سياسة بريطانيا الخارجية خلال عهد بيرنهام

تبدو شخصية أندي بيرنهام، رئيس الوزراء البريطاني الجديد، لغزاً للمسؤولين الأوروبيين الذين لم يكن يعرفه كثير منهم...

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا أندي بيرنهام زعيم حزب «العمال» يصافح مؤيديه خلال فعالية للحزب في مدينة كينت (د.ب.أ) p-circle

هل يحافظ بيرنهام على نهج ستارمر في سياسة بريطانيا الخارجية؟

يُتوقع أن يسير أندي بيرنهام، الذي سيتولى رئاسة الوزراء في بريطانيا الاثنين، على خطى سلفه كير ستارمر في قضايا رئيسية مثل أوكرانيا والعلاقات بـ«الاتحاد الأوروبي».

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا صورة الوزيرة البريطانية السابقة آن ويديكومب وسط الزهور في حديقة دارتمور الوطنية (رويترز)

شرطة بريطانيا: لا مؤشر على وجود دافع سياسي وراء مقتل وزيرة سابقة

قال فرع ​الشرطة المسؤول عن التحقيق في مقتل الوزيرة البريطانية السابقة آن ويديكومب إنه ‌لا ​مؤشر ‌على وجود ​دافع سياسي وراء مقتلها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أوكرانيا تدعو الفئات الأكثر عرضة للخطر إلى مغادرة المدن قبل الشتاء

يعمل عمال الإنقاذ على إخماد حريق في مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم الذي تضرر جراء هجوم بطائرة مسيرة روسية في وسط كييف بأوكرانيا اليوم (أ.ب)
يعمل عمال الإنقاذ على إخماد حريق في مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم الذي تضرر جراء هجوم بطائرة مسيرة روسية في وسط كييف بأوكرانيا اليوم (أ.ب)
TT

أوكرانيا تدعو الفئات الأكثر عرضة للخطر إلى مغادرة المدن قبل الشتاء

يعمل عمال الإنقاذ على إخماد حريق في مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم الذي تضرر جراء هجوم بطائرة مسيرة روسية في وسط كييف بأوكرانيا اليوم (أ.ب)
يعمل عمال الإنقاذ على إخماد حريق في مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم الذي تضرر جراء هجوم بطائرة مسيرة روسية في وسط كييف بأوكرانيا اليوم (أ.ب)

دعا رئيس الوزراء الأوكراني، سيرغي كوريتسكي، الأشخاص ذوي الإعاقة ومحدودي الحركة في المدن إلى التفكير في الانتقال إلى أماكن إقامة بديلة قبل حلول الشتاء، لتخفيف الأعباء على أجهزة الطوارئ في حال وقوع هجمات روسية جديدة.

وكانت العاصمة كييف خصوصاً قد غرقت في الظلام لأسابيع العام الماضي، جراء الضربات الروسية على قطاع الطاقة الأوكراني، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء والتدفئة وسط انخفاض درجات الحرارة إلى 20 درجة مئوية تحت الصفر.

جريحة تتلقى المساعدة في موقع مبنى إداري تعرض لضربة بطائرة مسيرة روسية نفاثة وذلك في خضم الهجوم الروسي على أوكرانيا في كييف اليوم (رويترز)

ومع اقتراب فصل الشتاء، بدأ كثير من السكان التفكير في الخيارات المتاحة أمامهم في حال استهداف منشآت الطاقة مجدداً، بما في ذلك مغادرة المدينة برفقة عائلاتهم، وفقاً لما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية.

ولم يصل كوريتسكي إلى حد دعوة جميع السكان إلى مغادرة المدن خلال الشتاء، معتبراً أن ذلك سيكون «إجراءً متطرفاً»، لكنه حض الأشخاص ذوي الإعاقة ومحدودي الحركة على التفكير في خيارات بديلة.

وقال في مقابلة مع قناة «تي إس إن» التلفزيونية بُثت مساء الأحد إنه ناقش المسألة مع رئيس بلدية كييف فيتالي كليتشكو.

وتساءل: «لماذا لا يتولى أقارب هؤلاء الأشخاص أو الخدمات الاجتماعية في المدينة رعايتهم؟»، مضيفاً: «يمكن القيام بذلك مسبقاً، قبل حلول الشتاء».

رجل مسن أصيب خلال ضربة شنتها طائرة مسيرة روسية نفاثة وذلك في خضم الهجوم الروسي على أوكرانيا في كييف (رويترز)

وتابع: «إذا كان شخص يعيش مثلاً في الطابق السادس عشر وانقطعت الكهرباء، فلماذا نُضطر في تلك اللحظة إلى الاهتمام بأشخاص يحتاجون إلى رعاية إضافية، فيما يتعين على فرق الطوارئ التركيز على معالجة تداعيات الهجمات؟».

وأضاف: «من الأفضل إيجاد مكان إقامة بديل لهؤلاء الأشخاص خلال فصل الشتاء».

مسعفون ينقلون امرأة مصابة إلى سيارة إسعاف في كييف (أ.ب)

وكثفت روسيا هجماتها على كييف خلال الأسابيع الأخيرة، مستهدفة العاصمة بطائرات مسيرة وصواريخ، ما أدى إلى انطلاق صفارات الإنذار على مدار الليل والنهار.

وشملت الضربات بنى تحتية مدنية، بينها شبكات النقل والمستودعات، فيما اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي روسيا بالسعي عمداً إلى شل اقتصاد بلاده.


بريطانيا تستجوب 5 قُبض عليهم قرب قاعدة استخدمتها أميركا لمهاجمة إيران

الشرطة البريطانية تفرض طوقاً أمنياً خارج قاعدة فيرفورد الاثنين غداة اعتقال 5 أشخاص بشبهة التخطيط لارتكاب جرائم تتعلق بالمتفجرات والإرهاب (إ.ب.أ)
الشرطة البريطانية تفرض طوقاً أمنياً خارج قاعدة فيرفورد الاثنين غداة اعتقال 5 أشخاص بشبهة التخطيط لارتكاب جرائم تتعلق بالمتفجرات والإرهاب (إ.ب.أ)
TT

بريطانيا تستجوب 5 قُبض عليهم قرب قاعدة استخدمتها أميركا لمهاجمة إيران

الشرطة البريطانية تفرض طوقاً أمنياً خارج قاعدة فيرفورد الاثنين غداة اعتقال 5 أشخاص بشبهة التخطيط لارتكاب جرائم تتعلق بالمتفجرات والإرهاب (إ.ب.أ)
الشرطة البريطانية تفرض طوقاً أمنياً خارج قاعدة فيرفورد الاثنين غداة اعتقال 5 أشخاص بشبهة التخطيط لارتكاب جرائم تتعلق بالمتفجرات والإرهاب (إ.ب.أ)

تستجوب الشرطة البريطانية، الاثنين، خمسة رجال بريطانيين للاشتباه في ارتكابهم جرائم تتعلق بالمتفجرات والإرهاب بعد إلقاء القبض عليهم قرب قاعدة جوية استخدمتها الولايات المتحدة لشن غارات على إيران.

وكانت الشرطة قد أوقفت هؤلاء الأشخاص الخمسة في الساعات الأولى من صباح الأحد بعد تلقيها بلاغاً يفيد برؤية ثلاث شاحنات بيضاء كبيرة متجهة إلى قاعدة فيرفورد التابعة لسلاح الجو الملكي في غرب إنجلترا. وسبق أن وصف «الحرس الثوري» الإيراني القاعدة بأنها هدف مشروع؛ نظراً لاستخدامها من قِبل قاذفات أميركية.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن المشتبه بهم كانوا يعتزمون إلحاق «أضرار جسيمة» وإن السلطات البريطانية والأميركية تحقق معهم.

عناصر أمن من الشرطة مزودين بأسلحة خارج قاعدة فيرفورد في غلوسترشير ببريطانيا الاثنين (إ.ب.أ)

«مسارات أخرى»

وأوضحت شرطة مكافحة الإرهاب البريطانية أن جميع المعتقلين بريطانيون من لندن وفي العشرينات من العمر، وأن التحقيقات قادت لمسارات أخرى عدة. ويمكن احتجازهم لمدة تصل إلى 14 يوماً قبل توجيه تهم إليهم أو الإفراج عنهم.

ولم يكشف محققو مكافحة الإرهاب بعد عن أسمائهم، لكن مصدراً مطلعاً على التحقيق قال إن ارتباط الدافع بإيران هو الأكثر احتمالاً، في حين ‌يتم النظر أيضاً ‌في احتمالات الارتباط بروسيا أو أن يكون متشددون إسلاميون هم من يقفون وراء هذه ‌الواقعة.

وذكر المصدر أن الجهود الاستخباراتية لم تكن هي التي قادت لاعتقال هؤلاء الأشخاص رغم تعزيز الإجراءات الأمنية في القاعدة قبل هذه الواقعة.

وقالت مُزارعة، لم يتم الكشف عن اسمها، إنها أبلغت الشرطة بعد أن شاهدت مجموعة من «الملثمين» يركضون في الحقول. وأضافت المزارعة لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «أعتقد أن اتصالي برقم 999 (الخاص بالطوارئ) أحبط أي خطط كانت لديهم».

وقال وزير الدفاع ويس ستريتنغ، لهيئة الإذاعة والتلفزيون البريطانية (بي بي سي)، الاثنين، إنه لن يطلق تكهنات بشأن دوافع تحقيق لا يزال جارياً. لكنه تحدث عن التهديدات الإيرانية للبلاد بشكل عام قائلاً: «ندرك أن إيران ووكلاءها يرغبون في إلحاق الأذى بنا. نعرف أنهم يكرهون ديمقراطيتنا، ونعلم أنه يتعين علينا بشكل متكرر إحباط المحاولات الإيرانية التي تهدد مصالحنا أو حلفاءنا».

مركبة مدرعة تقوم بدورية داخل قاعدة فيرفورد في جنوب غرب إنجلترا الاثنين (أ.ف.ب)

«تهديد إرهابي خطير»

ورفعت بريطانيا في أبريل (نيسان) مستوى التهديد الإرهابي على مستوى البلاد ‌من «كبير» إلى «خطير» عقب سلسلة من الوقائع المرتبطة بمعاداة السامية في شمال ‌لندن، ما أشار إلى احتمال كبير بوقوع هجوم «إرهابي» في غضون الأشهر الستة المقبلة.

وذكرت الشرطة أنها تحقق في وجود ارتباط ‌بين إيران وبين الكثير من تلك الوقائع التي استهدفت ممتلكات لأفراد من المجتمع اليهودي أو لمعارضين إيرانيين.

وفرضت بريطانيا في ‌مايو (أيار) عقوبات على 12 فرداً وكياناً مرتبطين بإيران بتهم التورط في أنشطة عدائية، منها التخطيط لهجمات وتقديم خدمات مالية لجماعات تسعى إلى زعزعة استقرار المملكة المتحدة ودول أخرى. ونفت إيران مراراً تورطها في أي هجمات أو مؤامرات في بريطانيا أو في أي مكان آخر.

وتعليقاً على اعتقالات «فيرفورد»، أصدرت السفارة الأميركية تحذيراً أمنياً دعت فيه المواطنين الأميركيين إلى «توخي الحذر» و«الانتباه لسلامتهم الشخصية». وأضاف التحذير ‌أن «المنشآت والتجمعات والمنظمات المرتبطة بالولايات المتحدة ربما تكون عرضة لمخاطر متزايدة».

وكانت الحكومة البريطانية قد منحت الولايات المتحدة تصريحاً باستخدام قاذفات قنابل متمركزة في «فيرفورد» لقصف مواقع الصواريخ الإيرانية التي تهاجم السفن في مضيق هرمز. وذكرت الحكومة أن رئيس الوزراء أندي بيرنهام يتلقى تقارير حول الواقعة، وألغى مشاركته في فعاليتين على الأقل في المؤتمر السنوي لـ«حزب العمال»، الأحد.

وكان «الحرس الثوري» الإيراني قد حذَّر بريطانيا في يوليو (تموز) من السماح للقاذفات الأميركية بالانطلاق من قاعدة فيرفورد، وقال إن أي قاعدة تُستخدم لشن هجمات ستكون هدفاً مشروعاً.

وفي فيرفورد، فرضت الشرطة طوقاً أمنياً يصل نطاقه إلى 400 متر حول القاعدة، وأجلت سكان 85 منزلاً. وشوهد روبوت لتفكيك القنابل، الأحد، حول الشاحنات البيضاء الثلاث، في الوقت الذي تم فيه تشديد الإجراءات الأمنية في محيط القاعدة. وتمركز أفراد من الشرطة عند المدخل الرئيسي، في حين استُخدمت آلات ضخمة لإغلاق نقاط وصول أخرى.

وتداولت وسائل التواصل الاجتماعي صوراً قيل إنها لبعض المشتبه بهم. وظهروا عراة الصدور عقب القبض عليهم، إلا أنه لم يجر التحقق من صحة تلك الصور من مصادر مستقلة.


في ختام زيارته إلى فرنسا... البابا ليو يرفض العنف باسم الدين

البابا ليو الرابع عشر خلال اجتماع «جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة» في ميتز بفرنسا يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر خلال اجتماع «جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة» في ميتز بفرنسا يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

في ختام زيارته إلى فرنسا... البابا ليو يرفض العنف باسم الدين

البابا ليو الرابع عشر خلال اجتماع «جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة» في ميتز بفرنسا يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر خلال اجتماع «جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة» في ميتز بفرنسا يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

رفض البابا ليو الرابع عشر، اليوم (الاثنين)، أي عنف يُرتكب باسم الدين، في أول خطاب له في ميتز، المحطة الثالثة والأخيرة من زيارته إلى فرنسا، خلال يوم يُتوقع أن يطغى عليه البعد الأوروبي بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وقال الحبر الأعظم: «إن استحضار اسم الله لإضفاء الشرعية على العنف أو القمع هو تدنيس لهذا الاسم»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ودعا البابا ليو، من أجل «المصلحة العليا للسلام» في أوروبا، إلى «التحلي بالشجاعة في التفاوض»، و«الاستعداد للتنازل عن بعض المواقف».

وقال: «للأسف، عادت الحرب اليوم إلى الظهور، حتى في أوروبا... من الضروري الانخراط في حوار صبور، والتحلي بالشجاعة في التفاوض، والاستعداد للتنازل عن بعض المواقف من أجل المصلحة العليا للسلام»، من دون أن يسمّي أي بلد، فيما تتواصل الحرب في أوكرانيا رغم محاولات الوساطة المتعددة.

وندّد بعلاقات «تزداد همجية بين البشر، وبين الدول»، منتقداً أيضاً «التباهي بالكذب، والخداع»، وحضّ أوروبا على «وضع حدّ لهذه الدوامة بفضل احترام الآخر الذي عرفت كيف تنمّيه، وتصونه».

من جهته، دعا ماكرون الاثنين أوروبا إلى استعادة «شجاعة آبائها المؤسسين»، وعدم الاستسلام لـ«الانكفاء»، و«عودة النزعات القومية»، خلال لقاء بحضور البابا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والبابا ليو الرابع عشر خلال اجتماع «جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة» في ميتز بفرنسا يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

وقال في اليوم الأخير من زيارة البابا لفرنسا: «أوروبا يجب أن تستعيد شجاعة مؤسسيها... الشجاعة لعدم الاستسلام للانكفاء، وكراهية الآخر، وعودة النزعات القومية التي تفرّق».

وحضر اللقاء أمير موناكو ألبير الثاني، ودوق لوكسمبورغ الأكبر غيوم، وآخرون.

وقبيل اللقاء، اعتبر سيدي عمر بن عائشة، نائب رئيس المسجد الكبير في ميتز أن استقبال البابا «شرف». وقال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «هنا أناس من جميع الديانات، وكل الطوائف مجتمعة، وهذا يسير عكس الأجواء السائدة في فرنسا مع الأطراف السياسية المتطرفة».

وميتز هي آخر محطات الزيارة التي استمرت أربعة أيام. وهي مدينة تقع في شمال شرقي فرنسا، وتناوبت السيطرة عليها مراراً فرنسا وألمانيا في الحروب الماضية.

وترتبط المدينة ارتباطاً وثيقاً بروبرت شومان، الذي يُعد أحد الآباء المؤسسين للاتحاد الأوروبي، ويقع قبره على مشارفها.

وأوضح الإليزيه أن «رئيس الجمهورية سيشارك في مراسم مغادرة البابا ليو الرابع عشر الأراضي الفرنسية»، مضيفاً أنه «أعاد تنظيم جدول أعماله ليتمكن أيضاً من حضور القداس الذي يسبق المراسم في كاتدرائية سانت إتيان في ميتز».

وتأتي رسالة البابا قبل سبعة أشهر من انتخابات رئاسية في فرنسا، تسعى خلالها قوى اليمين المتطرف، المشككة في جدوى مؤسسات الاتحاد الأوروبي والمعارضة للهجرة، للوصول إلى السلطة.

وفي مدينة ميتز البالغ عدد سكانها نحو 120 ألف نسمة، أثارت زيارة البابا أجواء حماسية، إذ امتلأت الفنادق بالكامل، وارتفعت الحجوزات في المطاعم بشكل كبير.

وأكد أسقف ميتز فيليب بالو أن الزيارة تحمل دلالة رمزية قوية، موضحاً أن المدينة تشكلت على خلفية «ثلاث حروب، من بينها حربان عالميتان».

البابا ليو الرابع عشر خلال اجتماع «جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة» في ميتز بفرنسا يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

«استعدادات هائلة»

ويُتوقع أن يدعو البابا الأميركي، في ختام زيارته الأولى لفرنسا، أوروبا إلى استعادة الأسس التي قامت عليها لإحلال السلام في القارة.

ويتنقل البابا بسيارته المكشوفة (بابا موبيلي) في شوارع ميتز، حيث سيترأس القداس في كاتدرائية سانت إتيان التي تُعد تحفة في فن العمارة القوطية.

وشملت تلك الإجراءات عملية تفتيش أمني واسعة شارك فيها خبراء متفجرات.

وأثارت هذه الزيارة البابوية الرسمية الأولى إلى فرنسا منذ ما يقرب من عقدين حماسة وحرارة بين المؤمنين في هذه الدولة العلمانية ذات الجذور الكاثوليكية العميقة.

واحتشد أكثر من 1.3 مليون شخص لتحية البابا في باريس، ومدينة لورد بين يومي الجمعة والأحد، بحسب الفاتيكان.

وفي أبرز محطات الزيارة، عبر البابا السبت في سيارته شارع الشانزليزيه وترأس قداساً حضره نحو 800 ألف شخص، وتحوّل وسط باريس، الذي خضع لإجراءات أمنية مشددة، إلى مكان مفتوح للعبادة.

وطوال الرحلة، بدا الحبر الأعظم مبتسماً، وودوداً، وكان يتفاعل بعفوية مع الحشود، ويبارك الأطفال، وذوي الاحتياجات الخاصة.

البابا ليو إلى جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت خلال اجتماع «جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة» في ميتز بفرنسا يوم 28 سبتمبر 2026 (رويترز)

وقالت كاثرين إرنست وهي متطوعة من مدينة ستراسبورغ إن لاوون «يبدو شخصاً يسهل التواصل معه».

وإلى جانب لقاء المؤمنين، استغل البابا زيارته لتأكيد الأولويات الرئيسة لحبريته، فدعا إلى السلام، والتعايش، وحذّر من فقدان الجوهر الإنساني في ظل «جنة الآلات» مع تقدّم الذكاء الاصطناعي.

وفي قصر الإليزيه الجمعة حثّ فرنسا على البقاء رائدة في مجال السلام، كما قال خلال لقاء مع المهاجرين السبت إنه من الممكن «العيش معاً بكرامة وسلام».

وفي مدينة لورد الواقعة جنوب غربي فرنسا، وهي مزار للحجاج، التقى البابا الأحد بعدد من ضحايا الانتهاكات الجنسية التي ارتكبها رجال دين، وحثّ الأساقفة الفرنسيين على محاربة هذه «الآفة».

كما شدد على أن الموت بمساعدة طبية ليس أمراً «طبيعياً»، وذلك عقب إقرار البرلمان الفرنسي هذا الإجراء هذا العام لمرضى معينين.